eKtab
EN ع
دور الدين في المجتمع
Read free sample

دور الدين في المجتمع

by مصطفى عمر التير

Page 1

حوار مع الغرب

عندما قال الشاعر الإنكليزي روديارد كيبلنغ (1865-1930) مقولته الشهيرة "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" لم يكن يعلم أن العالم سيتغير إلى درجة كبيرة، فالتطور العلمي والتقني في الاتصالات ووسائل الإعلام جعل العالم قرية صغيرة، فأهل الشرق يتأثرون بما يحدث في الغرب، والناس في الغرب يعرفون ما يحدث في الشرق ويتأثرون به، وربما تحركوا على الصعيد الشعبي والإنساني والسياسي لاتخاذ مواقف داعمة أو مناهضة.

لم يعد هناك شرق مطلق ولا غرب مطلق؛ ذلك أن الحضارة نتاج ثقافي شاركت في صنعه مادياً ومعنوياً العديد من الشعوب، فكانت الحضارة دُولة بينها.

لكن البعض يصر على أن العلاقة صراع بين الشرق والغرب، وهو يرى أن الحضارات الشرقية مختلفة من الناحية الثقافية والعقلية والعقائدية عن الحضارة الغربية؛ وأن الصراع بينهما حتمي، ويستحضر من التاريخ كل مآسيه، للنفخ في كيـر التطرف والكراهية، وبث العداء بين الشعوب، وإشعال نار الحروب؛ الثقافية منها والعسكرية.

وباعتبار أن لكل فعل رد فعل مماثل؛ يبدأ العنف بالظهور، وتبدأ معه التعبئة الفكرية والإعلامية والثقافية والأيديولوجية.

Page 2

هكذا ظهر على الجانبين عدد من المفكرين الذين دعوا إلى التمركز على الذات، وإبراز تفوق حضارتهم الخاصة، متجاهلين الحضارات الأخرى وإنجازاتها، ومشاركتها في تقدم الإنسانية. مما كان له تداعيات سيئة على الحضارة الإنسانية عموماً.

من هنا برزت الحاجة إلى الحوار لتأسيس أرضية إنسانية مشتركة، بعيدة عن التعالي والتمركز حول الذات؛ تقوم على الحوار والتعارف والتكامل، فالحوار هو الطريق الموصل لتقارب الأفكار والرؤى، ولوضع الحلول التي تجعل الجميع أسرة واحدة بعد أن أصبحت الكرة الأرضية قرية واحدة.

تهدف هذه السلسلة من الكتب لتعريف كل طرف على فكر الآخر، وتقدم أبحاثها بموضوعية وجرأة بعيداً عن المجاملات، فالهدف هو الوصول إلى الطريق العملي للتعارف، وفهم الذات والآخر بوضوح، والتفهم لخصوصيات وثقافات الآخر، واحترام حقه بالاختلاف؛ وسيلةً لنمو الحضارة والثقافة الإنسانية.

Page 3
دور الدين في المجتمع
 
1- دور الدين في المجتمع
 
الدكتور : مصطفى عمر التير
 
2- دور الدين في المجتمع الحديث
 
الدكتور : رولف فيغرسهاوس
 
3- دور الدين في المجتمع
 
الدكتور : مصطفى عمر التير
 
أستاذ علم الاجتماع
 
ورئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع
Page 4

مقدمة

عرف الإنسان الظاهرة الدينية منذ الزمن القديم، وتؤكد البيانات الأركيولوجية وعلم الآثار أنه عرفها في أكثر من مكان جغرافي بعد أن استقر في مركز من مراكز الاستقرار بغض النظر عن تصنيفه، بل يوجد من يقول إن نوعاً من أنواع الأفكار والمشاعر الدينية عرفتها كل جماعة بشرية بما في ذلك الجماعات التي تعارف المتخصصون في علم الإناسة على وصفها بالبدائية ( Broom & Selzink, 1955: 396 ). والتصورات الدينية لمثل هذه الجماعات بسيطة ومحدودة بحيث تناسبت والدرجة المعرفية المحدودة التي توافرت للإنسان عندئذ. انحصرت التصورات الدينية في تقديم تفسيرات بسيطة لأهم الظواهر الطبيعية من نهار وليل ومطر ورعد ورياح، وأهم القضايا اليومية كالولادة والمرض والموت. ومع مرور الزمن تطورت التصورات الدينية، وترافقت مع نجاح الإنسان في الإقامة في مكان جغرافي محدد، ثم ببناء حضارة.

توضح بيانات علم الآثار أن الإنسان تمكن من بناء حضارة في أكثر من موقع. تتفق بيانات كثيرة، وخصوصاً المكتوبة، على أن البدايات الأولى للاستقرار في شكل من أشكال المدينة كان على ضفتي دجلة والفرات، وفي سورية الكبرى، وضفتي النيل، وفي مناطق متفرقة في حوض البحر الأبيض المتوسط والهند والصين (التير، 2005: 39). كما تبين أن حضارات أخرى ليست بقدم تلك التي يشار إليها بالقديمة ظهرت في مناطق بعيدة عن التي أشير إليها آنفاً في بعض مناطق الأمريكتين. كما تشير المعلومات الأثرية، إلى أن الإنسان في جميع الحضارات التي تركت آثاراً منحوتة أو مكتوبة عرف شكلاً من أشكال الأفكار والممارسات الدينية، وأن آثاره أوضحت أن المعتقدات الدينية كانت محور أنشطة أبناء المجتمع.

يمكن القول إن المجتمعات المتقاربة جغرافياً تأثر بعضها ببعض، لكن الظاهرة نفسها عرفتها شعوب عاشت فيما يمكن أن يطلق عليه في التاريخ القديم في الأطراف البعيدة من الأرض مثل: الذين سكنوا القارة الأمريكية أو أسترالية، إذ يبدو أن الإنسان احتاج، وباستمرار، إلى الدين ليفسر بعض القضايا والظواهر العامة التي تتصل بأولويات الحياة فوق الأرض مثل: الخلق والوجود، والموت وما بعد الموت، والخير والشر؛ وليطور تصوراً لمعنى ما يشاهد من ظواهر طبيعية لم يستطع فهمها بما توافر لديه من خبرة، كالبرق والرعد والمطر والعواصف؛ ولكي ينظم الأنماط السلوكية للفرد بواسطة نسق من القيم والمعايير ليتمكن من العيش مع الآخرين في مجتمع.

تضمنت الظاهرة الدينية الاعتقاد بوجود مخلوقات أخرى تعيش بين الناس لكنها لا ترى وإنما يمكن التعرف على آثارها. أشير إلى هذه بالأرواح، وبالملائكة، وبالجن.. إلخ. ويقبل الفرد منذ تجاربه المبكرة ضمن برنامج التنشئة الاجتماعية أن هذه المخلوقات تضر وتنفع، وتتسبب بالمرض، بما في ذلك الجنون، وتشفي من المرض، وتجلب الحظ كما تجلب النحس والشقاء. وتطورت ضمن مختلف الديانات معلومات تبين وسائل الاستفادة من هذه المخلوقات، ووسائل اتقاء شرها، وتقنيات التخلص من تأثيراتها السلبية. لذلك وجد في مختلف المجتمعات أشخاص لهم صفات وقدرات خاصة تمكنهم من التواصل مع هذه المخلوقات، تحاك حول هؤلاء حكايات وأخبار يكون للخيال فيها النصيب الأكبر، لذلك تخصص لهم مكانة متميزة، ويُسعى إليهم، وتقدم إليهم الهدايا. وقد يحتفظ بعضهم بهذه المكانة حتى بعد الوفاة، فتقام لهم المباني أو الأضرحة، ويتوجه الناس لزيارتهم، ويستمرون في تقديم الطلبات. وبعد أن تطورت أساليب الحياة وتعلم الناس القراءة والكتابة، استخدم البعض الرسائل المتضمنة للطلبات ووضعها في مكان خاص في الضريح (الجوهري، 1978).

منذ القدم تضمنت الظاهرة الدينية وجود رموز تحاط باحترام خاص، وطقوس وممارسات تؤدى بشكل فردي وأخرى في جماعة، وأنشطة تقام في مناسبات محددة وتأخذ مظاهر احتفالية وقد تتضمن طلبات أو تمنيات معينة.

تضمنت الظاهرة الدينية في مجتمعات كثيرة وجود إله، كما تفيد بيانات علم الإناسة أن بعض ديانات آسية القديمة لم تركز على وجود إله بقدر ما ركزت على وجود نسق من الأفكار والقيم. لم تقل بعض الديانات القديمة التي اعتقدت بوجود إله، بوجود إله واحد، ويبدو أن هذا كان بسبب تعدد الظواهر التي لم يستطع الإنسان فهمها وتفسيرها، لذلك تعددت الآلهة؛ واحد للخير وآخر للشر، واحد للجمال وآخر للقبح، واحد للحب وآخر للكراهية، واحد للمطر وآخر للريح، وهكذا. تصورها في البداية في شكل لا يختلف كثيراً عن الإنسان، لها أسماء، وتأكل وتتقبل القرابين المادية، وتنتظم على شكل أسر، فهناك الزوج والزوجة والأبناء، وتدخل في علاقات فيما بينها مثلما يفعل البشر؛ فهي تغضب وتفرح، وتتعاون وتتحارب. تعلم الإنسان خلال هذه الحقبة أن عليه التقرب من الآلهة لكي ترضى عنه، وهذا الرضا شرط أساسي للتمتع بحياة سعيدة. تعلم الإنسان تقنيات التقرب إلى الآلهة بمزاولة طقوس معينة، وتقديم قرابين معينة، والالتزام بأنماط السلوك التي ترضى عنها الآلهة.

وجد تعدد الآلهة في الظاهرة الدينية في مجتمعات كثيرة؛ منها بلاد اليونان قبل المسيحية وبلاد العرب قبل الإسلام، وبين سكان شبه القارة الهندية التي عرفت ديانات كثيرة لعل أقدمها الديانة الهندوسية التي تنتشر بين ما يزيد على (14%) من سكان الكرة الأرضية. وقد لا يقال الشيء نفسه عن ديانات تفرعت عن الهندوسية أو تزامن ظهورها معها وهي الديانات التي يشار إليها (بالديانات الأخلاقية)، ومن بينها البوذية والكونفشيوسية والطاوية.

ثم جاء عصر التوحيد عندما توصل الإنسان إلى القول بوجود إله واحد يعود إليه الفضل بتدبير جميع شؤون الكون. حدث هذا في مصر القديمة، ثم ظهرت الديانات التوحيدية الرئيسة. ظهرت هذه الديانات في منطقة جغرافية واحدة؛ وهي منطقة عرفت بوجود أهم الثقافات التي يمكن أن توصف وقتئذ بالعالمية. منذ البداية جاءت اليهودية لتكون ديناً خاصاً بجماعة بشرية بعينها، في حين جاءت المسيحية والإسلام لكل البشر، لذلك انتشرا بين جميع الجماعات البشرية، وأصبح المؤمنون بكل منهما يعدون بمئات الملايين، ويوجدون في كل بقعة من بقاع الأرض.

Page 5

منذ القدم تضمنت الظاهرة الدينية نسقاً من القيم أصبحت في كل مجتمع المصدر الرئيس لمعايير السلوك السوي، وأصبحت المصدر الرئيس لثقافة المجتمع ولمختلف الأنشطة الثقافية. ولرجال الدين دور هام في نقل القيم الدينية لأفراد المجتمع لتصبح ضمن برامج التنشئة الاجتماعية التي تتولى تعليم أعضاء المجتمع الصغار والجدد أساليب التعامل مع بقية أعضاء المجتمع ابتداء من الجماعة الصغيرة الأولية (الأسرة) إلى بقية الجماعات الأكبر حجماً من الأسرة، ليتمكنوا من العيش في مجتمعهم فاعلين اجتماعيين. كما يتولى الكبار في المجتمع مهمة المحافظة على القيم الدينية ونقلها إلى صغار المجتمع. وبعد أن عرفت المجتمعات المدرسة أصبحت هذه المؤسسة من بين أهم المؤسسات التي تعمل على تربية الصغار، وعلى أن يتشرب الصغار قيم مجتمعهم، ودخلت فيما بعد وسائل الإعلام، ولا سيما المسموع أولاً ثم المرئي ثانياً، ساحة التعليم، وأصبحت من بين أهم مصادر التنشئة الاجتماعية. ويلاحظ خلال السنوات الأخيرة تكاثر المحطات الإذاعية والفضائيات المتخصصة في تقديم برامج تحمل معاني وعناوين دينية، وهي برامج لا تعكس بالضرورة ثوابت الدين الذي تمثله، بل تعكس تياراً في التراث الديني، لذلك توظف لخدمة أهداف معينة، والمدرسة الفكرية التي يتبناها المشرفون على المحطة.

يفرق بعض الدارسين من رجال الدين ومن غيرهم بين الأديان التوحيدية أو السماوية الأخرى التي عرفتها الشعوب القديمة في كل من إفريقية وآسية والأمريكتين وأسترالية، التي عرفتها جماعات يطلق عليها بدائية؛ لذلك يقصرون تعبير «الظاهرة الدينية» على تلك الأفكار التي بها شيء من المعتقدات وبعض أنماط السلوك وعرفها الإنسان القديم، ويقصرون كلمة دين على الأديان الثلاثة الرئيسة (فكار، 1980: 218). لكن إذا كان الحديث حول أنماط السلوك التي يؤديها الفرد بناء على إيمانه بدين فبالإمكان الحديث عن ظاهرة دينية. وأيضاً لكوننا نتحدث عن دور الدين في المجتمع، وعن العلاقات المتبادلة بين الفرد ونسق القيم بغض النظر عن مصادرها، ولا نتحدث عن معتقد ديني بعينه، فلن يكون للتمييز الذي يعتمد على الاعتراف بدين بعينه ويستبعد البقية أي معنى. مع أن الكثير من رجال الدين في أي من الأديان التوحيدية الكبرى لا يقبلون بتسمية الديانات القديمة ديانات.

ظهرت اليهودية ثم المسيحية فالإسلام، ويعترف الدين الإسلامي بجميع الأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم في الدين اليهودي وفي الدين المسيحي، ويعترف بسماوية الدينين، لكن لا يقول اليهودي العادي ولا المسيحي إن الدين الإسلامي دين سماوي.

تكتنف محاولة الحديث عن دور الدين في المجتمع ضرورة الجمع بين جميع الأديان التي عرفها البشر، إلا أن صعوبات كثيرة تعترض طريق القيام بمثل هذا العمل، لعل أهمها خطر الوقوع في التحيز، بسبب عدم توافر بيانات كاملة عن جميعها وبالقدر نفسه، لذلك تقرر لغرض البحث الحالي حصر كلمة دين في الديانات الرئيسة الثلاث أولاً لقوة صلتها بعضها ببعض من حيث مكان النشأة وطبيعة النصوص. وثانياً لأنها هي المسيطرة من حيث الانتشار في المجال الجغرافي للثقافات الرئيسة. وثالثاً لوجودها، وخصوصاً بالنسبة إلى المسيحية والإسلام، في المجتمعات التي تسودها ديانات أخرى، وغياب الديانات الأخرى عن المجتمعات التي بها أغلبية مسيحية أو إسلامية. ورابعاً لوجود الجماعات والتنظيمات الدينية التي سيرد الحديث عنها في هذا البحث، وتوافر المعلومات عنها في الأدبيات المكتوبة، وفي وسائل الإعلام.

المهتمون بالحديث عن دور الدين في المجتمع كثر، وينتمون إلى خلفيات ومدارس مختلفة، لذلك يتخذون زوايا مختلفة ينظرون من خلالها للدين من حيث المفهوم والمكانة والدور. فبعض الذين قاموا بأبحاث في هذا المجال رجال دين. وكان هؤلاء في كل دين بغض النظر عن تصنيفه، وخلال مختلف العصور. جرت العادة أن يضع الواحد من هؤلاء حدوداً لبحثه ونقاشه على شكل ضوابط لا يجوز تجاوزها، تتمثل في ثوابت العقيدة وشروط الإيمان بحسب كل دين. ففي الديانات السماوية يتم الالتزام بأن الدين جاء من السماء عن طريق وحي نزل على نبي، وكل ما فيه لخير البشرية. وعليه فأقصى ما يمكن أن يقوم به باحث هو الاجتهاد في شرح وتفسير النصوص، وتتبع شروح وتفسيرات الآخرين، والمقارنة بين مختلف الاجتهادات، والتعليق على الكيفية التي قدم بها المجتهد اجتهاده.

يفترض أن الشرح والتعليق يتم - نظرياً على الأقل - بالنظر للنصوص الأصلية؛ أي ثوابت الدين. لكن، وفي بعض الحالات، لا يوجد اتفاق تام على حرفية النصوص الأصلية، وما يعرف بالكتاب المقدس بالنسبة إلى دين من الأديان عبارة عن تجميع لكتابات أعدها أشخاص مختلفون، وفي أزمنة مختلفة، لذلك يجد الباحث المدقق اختلافات وتناقضات يتصل بعضها بأهم القضايا الرئيسة. حدث هذا بالنسبة إلى التوراة مثلاً، أو ما يعرف عند المسيحيين بالعهد القديم، ولم يحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى الإسلام فيما يتعلق بنصوص القرآن، ففي هذه الحالة لا يوجد خلاف على جميع ما يحتويه. لكن الذي حدث أن كل دين تخصص فيه منتسبون له في قضاياه، وأخذوا على أنفسهم مهمة تفسير النصوص، وتعليم الآخرين قضايا دينهم، بناء على التفسير الذي توصلوا إليه، أو توصل إليه آخرون تتلمذوا على أيديهم. النتيجة المباشرة لمثل هذا النشاط ظهور تفاسير كثيرة ومتنوعة، انتظم بعضها ليأخذ شكل تيار رئيس أطلق عليه فيما بعد اسم مذهب ديني أو طائفة دينية، وبمرور الزمن تراكم تراث يضم التفاسير والاجتهادات والتعليقات والكتابات، لذلك يضطر القادم الجديد لهذا الميدان إلى التعامل مع هذا التراث. ويحدث في حالات كثيرة أن يحصل التراث على جل الاهتمام، ويظهر وكأنه المحتوى الأساسي للدين. ويظهر الاتجاه الجديد أو الطريقة الجديدة أو التفسير الجديد وكأنه يمثل عودة إلى الجذور، وبعبارة أخرى: التفسير الجديد هو التفسير الوحيد الصحيح، وعلى الجميع اتباع هذا التفسير الجديد، وبلغت حدة التعصب لبعض مثل هذه الآراء إلى حد تكفير كل من لا يقبل به.

نشط المفسرون منذ العصر الأول لظهور كل من الديانات السماوية، ونجح بعضهم في تطوير وتفسير خاص به، ثم نجح في الحصول على عدد من التابعين والمؤيدين، وبذلك نشأت الفرق الدينية التي ترسخ بعضها ليصل إلى مستوى المذهب الديني. وعلى مر الزمن توسعت الخلافات بين المذاهب في داخل الدين الواحد، بحيث وصلت في بعض الحالات إلى مستوى الحروب الدينية.

Page 6

إلى جانب ما تقدم ظهرت تيارات عند بعض المتخصصين في دراسة القضايا المتعلقة بالدين إلى القول بأن ما تعرض إليه العالم خلال العقود الأخيرة، وخصوصاً تنامي ظاهرة العولمة، سينتج عنه ظهور أنساق قيمية لا تتأثر كثيراً بالتعاليم الدينية. وهذا أمر طبيعي، فنسق القيم الرئيس في الثقافة تكونه مصادر متعددة؛ من بينها العادات والتقاليد التي سادت قبل سيادة الدين، والاستعارات من ثقافات أخرى، وما يتوصل إليه العلم.. إلخ. لذلك لا يمثل هذا موقفاً جديداً من الدين، فمنذ القدم اهتم البعض برصد حركة تطور الأفكار عبر الزمن، بما في ذلك الأفكار والمعتقدات الدينية. تبين لهؤلاء أن الفكرة الدينية الواحدة تتغير وتتبدل وتتطور عبر العصور؛ فمثلاً سجلت صور كثيرة للإله، ظهر عند البعض وفي بعض المجتمعات على شكل امرأة اتخذت أسماء متعددة باختلاف المناطق، وكذلك ظهر الإله المذكر. كما تصوره البعض ضمن المكونات الفلكية فكانت الشمس وكان القمر وكانت نجوم بعينها، وكذلك ضمن ظواهر الطبيعة من مطر ورياح، وكانت الطيور وكانت الحيوانات وهكذا.

يرى أغلب الذين اهتموا بالنظرة التطورية هذه أن الزمن في مصلحة العلم من حيث تعاظم نسبته في مكونات الثقافة، ويتم هذا على حساب نسبة تأثير الدين، بحيث يأتي اليوم الذي يكون فيه العلم إله المستقبل. وبعبارة أخرى كلما تقدمت المعرفة العلمية تنخفض مكانة الدين ويضعف دوره في المجتمع، وسيأتي يوم ينتهي فيه ويزول من على الأرض. وتجدر الإشارة إلى أن الملاحظات الميدانية حتى الآن لا تؤيد صحة هذا التنبؤ، فحتى عندما تولى النظام السياسي إلغاء جميع المظاهر الدينية بالقوة، واستمرت عملية القمع هذه لعقود، وتصور البعض بأن الدين انتهى في تلك المجتمعات، تبين أنه توارى عن الأنظار، وبقي مختبئاً في الذاكرة الشعبية، ليظهر من جديد وبقوة فور زوال الدور التسلطي للدولة الاستبدادية.

لكل دين نصوص، وهي محاطة - بطبيعتها وبالضرورة - بهالة من التقديس. وفي كل مجتمع أو في ثقافة المجتمع مساحة يشار إليها بالمقدس. قد يحتل النص الديني جميع مساحة المقدس في ثقافة المجتمع، وقد يحتل نسبة منه. يحتل الدين جميع المساحة المخصصة للمقدس في كثير من المجتمعات البسيطة التي يشير إليها بعض علماء الإناسة بالبدائية، لكن في المجتمعات التي مرت بمراحل من التغير أو التطور توجد في مساحة المقدس أشياء ليست من بين مكونات الدين. ولكن حتى في هذه الحالة الأخيرة فإن جوانب المقدس التي ليست من بين النصوص الدينية تتأثر كثيراً بالنصوص الدينية.

يحاط المقدس في داخل كل ثقافة بهالة من التقديس تضمن احترامه وطاعة الأوامر المنبثقة عنه، ويدخل بعض المقدس ضمن التنظيمات المجتمعية المترجمة في مواد قانونية، ومواد أخرى مفسرة للمواد القانونية، تعمل جميعاً لتنظيم أشكال الحياة الاجتماعية في داخل المجتمع. يخصص المجتمع هيئات وجماعات تتولى مهام تنفيذ مواد القانون ومتابعة المخالفين، والعمل على أن يحترم الجميع القانون والسير وفق قواعده، ولم يؤثر هذا في دور رجل الدين في المجتمع. اجتهد البعض في السابق من نفسه للتخصص في قضايا الدين ليحتل مكانة اجتماعية يعترف بها المحطيون به. لهذا الاعتراف مؤشرات لعل أهمها مراجعته لمعرفة الطريق السليم لمزاولة الطقوس الدينية على المستوى الفردي، ويقود مزاولة الطقوس في حضور جماعة، والاهتمام بفهم وتفسير النصوص، وتقديم النصح والإرشاد، وإصدار فتاوى دينية. ثم فيما بعد تطورت الأمور وتعقدت، وظهر ما يعرف بالمؤسسة الدينية، وأنشئت مدارس دينية تتخصص في إعداد رجال الدين، وطورت قواعد تنظم أنشطة رجال الدين، وتحديد مكافآت لقيامهم بمهام محددة بعضها تعليمي وبعضها الآخر إرشادي.

حرصت بعض المجتمعات على تقوية المؤسسة الدينية وجعلها مؤسسة رسمية، كما حاولت أن تقصر مهنة رجل الدين على الذين ينتسبون للمؤسسة الرسمية. لكن هذا لم يمنع المهتمين من خارج المؤسسة الرسمية من التخصص في هذا المجال معرفياً، لذلك يوجد في كل مجتمع أشخاص رجعوا إلى النصوص الأصلية واجتهدوا في تطوير تفسيرات تختلف عن تفسيرات من سبقوهم. التزم بعض هؤلاء بالتيارات الرئيسة في مجتمعاتهم، في حين فضل البعض الخروج على التيارات الرئيسة أو التيارات الرسمية، والاجتهاد بأسلوب خاص وضعهم في بعض الأحيان في مواجهة مع السلطات الدينية الرسمية ومع السلطات السياسية.

تؤكد النصوص الدينية في الأديان الرئيسة تفوق الإنسان على بقية الحيوانات، وتبين أن السبب الرئيس هو تمتع الإنسان بالعقل، وأن هذا العقل هو الذي ساعد الإنسان على التفكير والتمييز، ومكنه من فرض سيطرته على جميع الحيوانات مع أنه ليس أقواها فيزيقياً. ومع ذلك عرفت هذه حقباً تاريخية نجح فيها رجال الدين في تحجيم سلطة العقل، وحصرت مهمته في حفظ النصوص الدينية، وتفسير مفرداتها بمفردات أخرى، والإغراق في البحث عن جذور الكلمات وعن أصلها؛ أي حصر الاجتهاد في بنية النص، والمحافظة على النقاش في حدود ضيقة، وعدم السماح بإخضاع ما تضمنته النصوص من وقائع وأحداث وبيانات للبحث والتفكير. وعندما فسرت النصوص الدينية بحيث جعلت الأرض هي مركز الكون وأن الشمس وغيرها من الكواكب والنجوم هي التي تدور حول الأرض، كفر كل من حاول وضع هذه الحقيقة على شكل فرض قابل للاختبار. سيطر خلال هذه الحقب الفكر الخرافي، والتفسير الغيبي للظواهر الطبيعية والسلوكية، وإعطاء الأولوية للطقوس، ولأهمية إرضاء الخالق، والتوسل إليه بوسائط مختلفة بما فيها فئة من أبناء البشر حيكت عنهم حكايات خرافية، بحيث بدوا وكأن لهم قدرات خارقة وهم يرقدون في قبورهم منذ مئات السنين.

يحق - نظرياً - لكل مؤمن بدين ما الاجتهاد فيه، وهذا الذي حدث خلال مختلف العصور. قادت بعض هذه الاجتهادات خلال القرن العشرين بصفة خاصة إلى تكوين جماعات سرية تبنت التعصب والتطرف، وعبر بعضها عن نفسه في شكل أعمال عنف أحدثت فوضى على مستوى المجتمع الذي تنتسب إليه، ووصلت هذه الفوضى في بعض الحالات إلى خارج الحدود السياسية للبلد، وأصبحت تهدد حالة التوازن والأمن العالميين، لذلك سنفرد لها في هذا البحث حيزاً مناسباً. لكن قبل أن نصل إلى هذا الجزء لابد من مناقشة بعض خصائص الدين، وأولها وظيفته في المجتمع.

Page 7

وظائف الدين في المجتمع

اقتصر النشاط البحثي في مجال الدين في البداية على رجال الدين الذين وجهوا اهتماماتهم الرئيسة نحو شرح النصوص، وتبسيطها، وتبيان الإجراءات الخاصة بتأدية الفرد لعباداته. ثم انضم إلى هؤلاء فيما بعد متخصصون في مختلف مجالات المعرفة لعل أهمهم الفلاسفة والمتخصصون في علوم اللغة والإناسة والاقتصاد والنفس والاجتماع والقانون والتاريخ.. إلخ. يمكن القول إن كثيرين من المهتمين بمناقشة قضايا الدين يرون أن التوسع في مشروعات البحث في الظاهرة الدينية من قبل المتخصصين في العلوم الاجتماعية إنما كان بسبب الحريات التي صاحبت تلك الحركة الفكرية التي اجتاحت أوربة وسميت بعصر التنوير (Durkheim, 1947; Lenski, 1961). ونتج عن هذا النقاش تيارات فكرية ومدارس نظرية من بينها المنظور الوظيفي الذي اهتم المتخصصون فيه بوظيفة الدين في المجتمع، وما يقدمه للفرد من فوائد، وما قد يكون من وظائف سلبية.

انطلق عمل هؤلاء بسيل من الأسئلة التي غربت وشرقت، بحيث لم يستثن سؤال ورد إلى الذهن؛ بما في ذلك التشكيك في ثوابت الدين الذي ينتمي إليه الباحث. في الماضي ظهر التشكيك في بعض ثوابت دين الآخر، ولم يتجرأ الباحث على التشكيك في دينه وإلا تعرض لأقسى درجات العقاب، لكن ومع انطلاق عصر الحريات الفكرية صار بإمكان البعض التشكيك في كل شيء. لا يعني هذا أن أسلوب كثرة الأسئلة كان مقبولاً اجتماعياً، بل كان مرفوضاً، إلا أن الرفض لم يصل إلى درجة إقصاء صاحب السؤال نهائياً. من المفيد الإشارة إلى أن الذين يؤرخون لهذه المناقشات المتحررة يحصرونها في الغالب في داخل الدين المسيحي، لكن الذي يراجع التاريخ بشيء من الدقة يعثر على مناقشات لا تقل جرأة عن التي جرت خلال القرون التي بدأت بالقرن السادس عشر أو السابع عشر قام بها رجال دين ومتفلسفون يهود مشككين في درجة مصداقية بعض ما جاء به أنبياء ورسل اليهود. الشيء نفسه حدث عند المسلمين عندما ازدهرت حضارتهم، فكثير مما أنتجه مفكرو المعتزلة يقع تحت حرية الفكر التي لم تستثن موضوعاً، بما في ذلك المقدس. صحيح أن هذا الاتجاه لم يستمر طويلاً، وأن تأثيره في الفكر الديني كان محدوداً، فقد سادت تفسيرات الذين ضيقوا مساحة الحرية في هذا المجال، وأعطوا لأنفسهم حق تكفير المسلم، وحق إصدار فتاوى (هدر الدم)، مما ضيق مجال الأسئلة التي يحق للمسلم المجاهرة بها، ولكن لم تخل الساحة بالكامل من أصوات حاولت تفسير الفكر الديني بتفعيل دور العقل إلى حد كبير.

وبناء على ما تقدم، عندما يتم الحديث عن الذين ساهمت كتاباتهم في تطوير المنظور الوظيفي للدين، يذكر دوركايم وفيبر ومالينوسكي وتروليتش وغيرهم. لكن الذي يريد أن يؤرخ لهذا المنظور، ودون تحيز، لابد أن يذكر ابن خلدون. فهذا الباحث العربي الذي عاش في القرن الرابع عشر، سبق غيره في مناقشة دور الدين مستخدماً مفاهيم تقع ضمن مفاهيم علم الاجتماع. ومن يمكنه تخصيص مساحة ووقت طويل لإجراء مقارنات بين ما كتبه ابن خلدون في هذا المجال وما كتبه دوركايم من بعد، فسيجد نقاط تشابه كثيرة كما سيجد نقاط اختلاف.

خصص ابن خلدون للدين في مقدمته أجزاء متعددة في مواقع مختلفة، لكن على أنه مسلم التزم بثوابت الدين وتعرض لها شارحاً، أو اتخذها مثالاً يعزز به ملاحظة أو رأياً. قبل ابن خلدون بأن الإسلام آخر الأديان وأكملها وأنه دين كل الناس، والدين الذي يضمن للبشر العيش في حالة توازن مع الطبيعة البشرية، وأكد الدور الهام للدين في تقوية العلاقات الاجتماعية، وهي حالة ضرورية لإقامة عصبية، وهذه بدورها ضرورية لإقامة دولة وإقامة حضارة. لذلك إذا ضعف الوازع الديني، ضعفت العلاقات الاجتماعية، وضعفت العصبية ومن ثم الدولة، وانهارت الحضارة (ابن خلدون، 1999: 278 - 279).

عندما نشر دوركايم فيما بعد كتابه حول الدين، اتفق مع بعض الآراء التي ذكرها ابن خلدون على أنها وظائف هامة يمكن للدين أن يؤديها لفائدة قيام مجتمع بشري سعيد وقوي. وأكد دور الدين في تنظيم العلاقات الاجتماعية بما تضمنه من قواعد، ابتداء بتلك الخاصة ببناء الأسرة والمحافظة عليها، واحترام الملكية الخاصة، وأكد كذلك دور الأفكار الخاصة باحترام الملكية، والطاعة الكاملة للحاكم، للمحافظة على الأمن الاجتماعي، إلى جانب تقديم خدمات من شأنها توفير الدعم المعنوي للفرد، ومساعدته على العيش في حالة من التناغم مع النفس، وما يتعلق بحاجاته النفسية.

ساهم عدد ممن جاء بعد دوركايم في التمييز بين الوظائف الظاهرة والوظائف الكامنة أو غير الظاهرة، وإلى ما يمكن أن يصنف بالوظائف السلبية وبالوظائف الإيجابية. بالتأكيد يعتمد ما يدخل تحت أي تصنيف على وجهة النظر التي ينطلق منها المصنف، وإلى جانب هذا يمكن التصنيف على مستويين: الفرد والمجتمع.

أولاً- الوظائف الموجبة

أ - على مستوى الفرد

1- الراحة النفسية المتوافرة للفرد نتيجة إيمانه بوجود إله خالق قوي، وموجود في مكان ما، ويستطيع مراقبته في جميع الأوقات، وأن تأديته لواجبات فرضها الإله ستقربه منه، وتجعل منه شخصاً مستقيماً. والحصول على رضا الإله مطلب عام، والاستقامة في القول والفعل من بين أهم المبادئ المتضمنة في أي معتقد ديني؛ لأنها المكون الأساس للأخلاق؛ الجانب الرئيس لاستمرار حياة اجتماعية في المجتمع.

ومن جهة أخرى يحصل الفرد على راحة البال عندما يحيل كثيراً من الأسئلة الصعبة التي لا يجد لها إجابات إلى قوة كبرى أقوى منه، فهذه القوة لديها جميع الإجابات، ويمكن أن تمد بها الإنسان في يوم من الأيام، أو أن يتعرفها عندما ينتقل إلى عالم آخر. فمنذ البداية نظر الإنسان إلى الحياة الدنيا على أنها مرحلة قصيرة ضمن حياة طويلة أو أبدية. وفكرة الثواب والعقاب والجنة والنار موجودة بصورة أو أخرى في أغلب الديانات (السواح، 2004).

2- لا توجد مساواة بين الأفراد في مختلف الصفات والإمكانات، سواء ما يتصل بالصفات البيولوجية أم المكتسبة. الإيمان بوجود خالق وحكيم وزع الصفات والإمكانات بين الناس بهذا الشكل يجعل الفرد يرضى ويقتنع بوضعه بغض النظر عن حظه. فالمعتقدات الدينية تزوده بمعرفة أو معلومات تؤكد وجود حكمة وراء هذا التوزيع غير العادل، وأن ما فات الفرد في الدنيا سيعوض عنه في الحياة الأخرى إذا أحسن التصرف.

Page 8

ب- على مستوى المجتمع

1- لكل جماعة مهما صغر حجمها ثقافة، وفي كل ثقافة نسق للقيم يحدد لأفراد المجتمع أنماط السلوك التي يجب السير فيها. ومع أن لنسق القيم أكثر من مصدر، والدين واحد منها، إلا أن الدين يضفي على القيم قداسة تقويها، وتؤكد احترام الجميع لها، بل الخضوع لها دون نقاش. ومن شأن هذا الوضع أن يرفع من درجة انضباط أفراد المجتمع، ويمكّن أولي الأمر من إصدار أي أوامر، بما في ذلك التي قد تتعارض مع مصلحة الفرد، وأن يضمن انصياع الرعية لها.

2- يعمل الدين على المحافظة على السلام والأمن الاجتماعيين في داخل المجتمع الواحد. ففي أي مجتمع لا تتوزع الثروة ولا القوة بالتساوي بين أعضاء المجتمع، مثل هذا الوضع من شأنه أن يكون مصدراً لحالات عدم الرضا والرفض والتململ الاجتماعي وحتى الثورة. وتساعد برامج توظيف تفسيرات كثير من النصوص الدينية، التي تكون مصادر القيم الرئيسة، على خفض درجات التوتر. لا تقضي هذه البرامج على حالات عدم الرضا نهائياً، ولكنها تعمل على عدم تعقدها، وتحولها إلى حالة من حالات التململ الاجتماعي، الذي إذا استمر، وتوافرت ظروف مناسبة، انفجر على شكل حالة من التمرد الواسع والفوضى.

3- من طبيعة المحافظة على الحياة اهتمام الفرد بنفسه، وبما يضاعف مصالحه، ولكن إذا حصر كل فرد جميع أنشطته لخدمة مصالحه الخاصة استحال بناء مجتمع مستقر، لذلك من الضروري أن يخصص كل فرد جزءاً من مجمل نشاطه لخدمة آخرين، وخدمة مصالح عامة. وهنا يقوم الدين بدور هام في تقوية الرغبة في خدمة الآخرين، وخدمة المصالح العامة، بما يقدمه من وعود لمكافآت في حياة ما بعد الموت. ووجود فكرة الحياة الأخرى من شأنه أن يعطي لتصور الفرد للحياة استمرارية، وبعداً يقوي عدداً من الأفكار التي من شأنها خدمة تماسك المجتمع واستمرارية وحدته مثل التضحية والأثرة والخير.. إلخ.

4- يحتاج الفرد إلى الشعور بالانتماء إلى كيان اجتماعي صغير مثل الأسرة أو الحي أو المدرسة أو جماعة العمل، ويكبر الكيان قليلاً ليصل إلى المدينة أو القبيلة، ثم يكبر ليصل إلى الوطن فالأمة. عوامل كثيرة تعمل على ظهور هذه الانتماءات، ثم لتقويتها ولاستمرارها. يقوم الدين - بما يتضمنه من قواعد - بدور هام لكسب هذه الانتماءات قوة. تتصل هذه القواعد بمختلف أشكال الوحدات الاجتماعية؛ فبالنسبة إلى الأسرة، يحتوي الدين على قواعد كثيرة تؤكد أهمية الأسرة، وضرورة الحفاظ على علاقات قوية بين أعضائها، بما تبينه من واجبات كل عضو تجاه الآخر، وحقوق كل عضو من أعضائها، ثم تقوم الأسرة بدور هام في تعليم أبنائها كيفية المحافظة على انتماءات أكبر. وبصفة عامة يعمل الدين على بناء مشاعر هامة وهي المشاعر المتعلقة بالهوية.

لعل الهوية من بين المفاهيم التي ما زالت الاختلافات حول تحديد معناها كثيرة، ولكونها من بين أهم المفاهيم المستخدمة في مجال العلوم الاجتماعية لوصف قضايا الحياة الاجتماعية اليومية، فإن كثرة الاختلافات حول تحديد المفهوم لم تؤثر في تواتر استخدامه بمعدل يومي. ومع تنوع التعريفات إلا أن بعضها وضع في صورة مبسطة؛ فمثلاً قيل إن الهوية هي تلك الصورة التي يقدم بها الفرد نفسه للآخر، ويجتهد في التصرف أمام الآخر بما ينسجم مع حدود هذه الصورة ( Holland, et Al., 2001: 3 ). ومع بساطة هذا التعريف إلا أنه يفي بالغرض العام لهذا البحث. ولكون الفرد يعيش في وسط جماعة يرتبط مع أعضائها بعلاقات اجتماعية، يتوقع أن يطور في وقت مبكر تصوراً عن هويته؛ فهو يدرك بداية في داخل الأسرة هويته النوعية؛ من لون الألبسة التي تخصص له، ومن نوع المعاملة التي يعامل بها في أثناء الأنشطة اليومية. ثم يدخل بعد مدة في علاقات مع جماعات أكبر حجماً من جماعة أسرته المباشرة؛ الأقارب، والجيران، وجماعة اللعب في الشارع، ثم المدرسة وهكذا.

نوع آخر من العلاقات ليست مباشرة بهذا الشكل، وهي التي تربط الفرد بجماعات حجمها كبير؛ من جماعة التيار السياسي وجماعة المدينة، إلى جماعة الوطن، وانتهاء بجماعة الأمة. يفخر الفرد بانتماءاته ويفاخر بها مع من يختلف معه، ويظهر هذا على مستويات مختلفة؛ الأسرة، القرية، المدينة، القبيلة، القطر وهكذا. يفخر الفرد بانتمائه إلى جماعات، وإلى جانب هذا يحتاج هو إلى الشعور بالانتماء. يمكن أن يختار الفرد بعض انتماءاته كالانتساب إلى تيار فكري أو سياسي أو جماعة علمية أو مهنية، لكن بعض أهم انتماءاته لم يكن له فيها حرية الاختيار، وهنا يكون للدين دور مهم في انتماء الفرد إلى فضاء أرحب من حيث المساحة والعدد والتاريخ؛ فالدين يوحد بين أفراد ينتمون إلى وحدات سياسية مختلفة، وإلى أزمنة تاريخية مختلفة. ويساعد توسيع مجال الانتماء على أن يشعر الفرد بأهمية خاصة، فالمشاعر التي يشعر بها الفرد بالانتماء إلى جماعة كبيرة الحجم تختلف عن مشاعر الانتماء إلى جماعة صغيرة.

منذ البداية يكون الدين موجوداً في تكوين صورة الفرد لنفسه، ففي جميع هذه الجماعات التي أشير إليها آنفاً يعرف الفرد أن له ديناً. علاقة الأفراد بالدين في المجتمع نفسه ليست واحدة، لذلك يختلف أعضاء المجتمع الواحد في هوياتهم الدينية. ففي البداية لا يختار الفرد لنفسه ديناً، وإنما ينتسب إلى دين بحسب تربيته المنزلية. ومنذ البداية يتعلم الفرد قواعد الإيمان، وممارسات العبادة، وأنماط السلوك المنسجمة مع قواعد الإيمان. ويظهر اختلاف أفراد المجتمع الواحد في درجات انتماءاتهم الدينية، ويتمثل في مناشط العبادة، وفي أنماط السلوك.

لا تتكون الهوية الدينية دفعة واحدة، وإنما هي عملية تستمر لمدة زمنية، وتتأثر بعوامل محلية، وذاتية، وخارجية (Browne, et al., 2003: 1 - 4). تبدأ عملية تكوين الهوية الدينية بناء على عوامل محلية ليس للفرد سلطة عليها؛ عوامل موجودة في البيئة المحيطة بالفرد مباشرة؛ في داخل الأسرة أو ما يشابهها، ثم تنشط فيما بعد عوامل ذاتية تساهم بنصيب في تشكيل الهوية وتتمثل في درجة الإيمان، وفي درجة الالتزام بتأدية الشعائر، وفي درجة الالتزام بثوابت الدين في أنماط السلوك اليومية، ثم في درجة الاجتهاد في تفسير النصوص، وفي درجة التشدد، وفي درجة توظيف الدين في مجالات الحياة العامة من سياسية إلى اقتصادية، وهكذا.

تتأثر صورة الهوية الدينية بعوامل خارجية عندما يدخل الفرد في علاقات اجتماعية مع جماعات تختلف مع جماعاته المرجعية في الخصائص الثقافية وفي الدين، فقد يجد الفرد نفسه بحكم وجوده على كرسي الدراسة، أو في مكان السكن، أو في مكان العمل، في علاقات مع جماعات مغايرة له دينياً. تتيح بعض المجتمعات هذه الفرصة في داخل المجتمع، ولكن يحدث في أحيان كثيرة أن تتأتى هذه الفرصة في حالة السفر إلى خارج البلاد. يختلف الأفراد في تعاملهم مع هذه الظروف بالنسبة إلى الإعلان عن الهوية الدينية، وإلى الكيفية التي يقدم بها هويته للآخر. قد تحدث هذه العوامل الخارجية تأثيرات في هوية الفرد الدينية الأصلية، كما أنها تأخذ أشكالاً مختلفة؛ فقد يبدأ الفرد بتصور أن الدين المنتمي إليه هو الدين الحق، وعلى المختلفين تغيير دياناتهم، وفي هذه الحالة قد يقوم بأنشطة متنوعة لتنفيذ ما يؤمن به على أنه الحق، لذلك لم يقبل المهاجرون من أوربة إلى بلدان استعمروها بالديانات المحلية، وعملوا بمختلف الطرائق والوسائل على تنصير المواطنين الأصليين. قد يحدث في بعض الأحيان أن يغير الفرد من درجة تمسكه، ويقبل بالآخر، ويعترف به، ويدخل معه في حوارات وفي تحالفات، وقد تحدث تغييرات في درجات تمسكه بدينه وبمزاولة الشعائر، وقد تذهب التغييرات في اتجاه معاكس بحيث ترتفع درجة تعصبه وتطرفه، أو انتقاله إلى الجانب الآخر.

ليست الصورة السابقة التي رسمت لتكون الهوية الدينية الصورة الوحيدة الممكنة، ففي حالات كثيرة وفي مختلف الأديان قد يولد شخص في أسرة تنتسب اسمياً للدين من دون مزاولة أية واجبات دينية، وقد يولد طفل في داخل أسرة لا تدين بدين. قد يقرر هذا الطفل فيما بعد الانتماء إلى دين يختاره، وقد يمر قبل اختيار هوية دينية بمناقشة مكونات عدد من الأديان، ويبدو أن درجة تدين من يمر بمرحلة التفكير في مكونات الدين سواء الذي اختاره بنفسه، أو الدين الذي وجد عليه والديه، يكون انتماؤه الديني قوياً بالمقارنة مع زملائه. وفي دراسة بين شبان مسيحيين وُجد أن الشاب يمر في حياته بمرحلة يشكك فيها في ثوابت الدين، وقد يصل إلى درجة يرفض فيها الدين نهائياً ( Bellah, et al., 1990: 60 - 62 )، وليست هذه النتيجة حكراً على الدين المسيحي. قد تقصر مرحلة الرفض وقد تطول، أي قد يستمر الشاب في مرحلة الرفض، وقد يرجع للدين وبدرجة قوية.

يوسع الانتماء الديني المساحة الجغرافية للفرد؛ لأن الدين في أغلب الحالات موجود عبر الحدود السياسية للدول. وبغض النظر عن المساحة الجغرافية التي يكون فيها الفرد في داخل حدود سياسية، توسع الهوية الدينية - من الناحية النظرية على الأقل - المساحة الجغرافية التي يمكن للفرد التنقل عليها. كما يساهم البعد العددي في تقوية مشاعر الفرد بأهميته، وتصبح درجة أهميته أكبر من التي تقدمها له الهوية الوطنية. لا يعني هذا أن التنقل الفعلي عبر الحدود السياسية يتم دون عوائق، لكن إمكانية هذا التنقل عند الحاجة موجودة على المستوى النظري، ويعطي الشعور بإمكانية حصول الفرد على الدعم بأشكاله المادية والمعنوية قوة خاصة. وعليه يمكن القول إن الهوية الدينية من شأنها أن تدعم مختلف انتماءات الفرد وتقويها.

Page 9
ثانياً - الوظائف السلبية
 
أ- على مستوى الفرد
 
1- تتسبب بعض المشاعر الدينية في أن يطور الفرد درجة عالية من الرضا عن وضعه وحالته. إذا كان فقيراً مثلاً من حيث الدخل أو المعرفة فقد يغالي في ترديد عبارة (هذا ما قسمه ربي لي) بحيث تنحصر درجة طموحه في مستوى متدن، ويتقاعس عن الاجتهاد وبذل الجهد لتغيير حالته، ومن هنا جاءت مقولة (الدين أفيون الشعوب)؛ فكأن الدين يعمل مخدراً ليبقى الفرد في حالة استرخاء دائمة.
 
2- التشبث بقوة ببعض الأفكار الدينية يقود إلى تكاسل الفرد وارتفاع درجة إهماله متطلبات الحياة الدنيا؛ فمثلاً التشبث بفكرة أن الآخرة هي دار القرار وهي الهدف الأسمى، وأن الدنيا فانية وزائلة وغير مفيدة، قد يقود إلى حالة من الزهد في الدنيا، تصل في بعض الأحيان إلى ترك العمل والمثابرة، والاكتفاء بالمحافظة على تأدية الطقوس الدينية والتماهي معها.
 
ب- على مستوى المجتمع
 
1- المجتمعات التي تركن نسبة من أفرادها إلى الكسل والزهد في الحياة مجتمعات لا تتقدم، ومهددة باستمرار التخلف وانتشار الفقر؛ فبدلاً من أن يشارك الجميع في عملية الإنتاج تقوم بها نسبة وتعيش البقية عالة على المجتمع. مثل هذه المجتمعات لن تقوى على الاستمرار في وحدة مستقلة وتقع فريسة سهلة لسيطرة الآخر.
 
2- إذا انتشرت ثقافة تغييب العقل والكسل والاسترخاء والرضا بالأمر الواقع فإن ذلك يحرم المجتمع من جميع أشكال الحركات الاجتماعية والانتفاضات، التي لها دور مهم للتغيير وللتطور والتقدم.
 
3- أدت حالات تقديس النص الديني والنظر إليه على أنه الحقيقة الوحيدة خلال حقب زمنية إلى الوقوف في وجه التقدم المعرفي والعلمي. ومن المفيد التنبيه إلى أن العيب ليس في النصوص الدينية نفسها، لكن في الكيفية التي فسر بها رجال الدين هذه النصوص، ثم تمكنهم من فرض تفسيراتهم؛ لما تمتعوا به من مكانة اجتماعية عالية، ومقدرة على تخويف بقية أفراد المجتمع من مغبة عصيان أوامرهم. ويزخر التاريخ بالحالات التي عانى فيها مفكرون وباحثون حاولوا إعمال العقل في البحث عن الحقيقة خارج محيط الدين. والغريب أنه حتى في حالة الدين الذي يحض تابعيه على البحث وطلب العلم في أي مكان ومن أي مصدر، أدت حالة التدهور الثقافي إلى سيادة ثقافة الذهنية الخرافية.
 
4- مجتمعات الوقت الحاضر - من حيث التركيبات الفئوية - أنواع؛ بعضها يمكن أن يصنف على أنه مجتمعات متجانسة والبعض الآخر على أنه مجتمعات متعددة الخلفيات. وهذه الخلفيات أنواع، منها الإثنية واللغوية والثقافية والدينية وهكذا. وفي هذا النوع من المجتمعات، الذي بدأ يتكاثر عدداً في العصور الأخيرة، قد يقود الولاء الديني القوي إلى التفكك والتشرذم، وحتى إلى الحروب الأهلية، كما قد يؤدي الانقسام داخل الدين الواحد إلى مذاهب إلى النتيجة المشار إليها آنفاً إذا ما قوي شعور الانتماء والولاء الطائفي بحيث يتجاوز بقية الانتماءات والولاءات. ساهم مثل هذا الوضع في ظهور حالات التطرف الديني في أكثر من دين، وفي أكثر من مجتمع، وخلال أكثر من حقبة تاريخية.
 
لابد من التأكيد على أن مجتمعات كثيرة عرفت ظهور جماعات وجمعيات وحركات ثم أحزاب اتخذت أسماء ذات صبغة دينية. لم يقتصر مثل هذه التنظيمات على دين دون آخر، ولا على فترة دون أخرى، لكن عندما يأتي الحديث خلال العقود الأخيرة عن هذه التنظيمات تلصق بالدين الإسلامي. لكن، لو سلطنا الضوء على الحقبة الزمنية التي تجمع بين القرنين التاسع عشر والعشرين فقط لتبين أن هذه ظهرت في مختلف الأديان، وخصوصاً الأديان الرئيسة اليهودية والمسيحية والإسلام.
 
نشطت خلال هذه المدة جماعات في داخل الدين المسيحي بتياريه الرئيسيين الكاثوليكي والبروتستانتي والتفريعات الأخرى اتخذت تسميات دينية. تأسست بعض هذه الجماعات في داخل المؤسسات التعليمية وفي الأحياء السكنية، ثم تمأسس بعضها فيما بعد على شكل جمعيات اكتسبت صبغة رسمية من حيث اتباعها لسلسلة من الإجراءات تبدأ بتقديم الطلب للسلطات الرسمية بأخذ الإذن بالتسمية، ومزاولة النشاط بشكل رسمي، إلى تأسيس مركز ثم فروع ثم برامج تتضمن أنشطة محددة، وقد شملت إجراءات المأسسة تكوين أحزاب.
 
وقع جانب كبير من البلاد التي انتشر فيها الإسلام خلال هذه الحقبة الزمنية التي حددناها تحت الاستعمار الأوربي عندما تقاسمت ثمان دول أوربية أغلبية بلدان العالم. قلد أعضاء هذه المجتمعات المستعمرة المستعمرين في أثناء الاستعمار وبعد زوال الاستعمار في كثير من الأشياء، من بينها ما يتصل بالملبس والمأكل وأسلوب الحياة، ومنها ما يتصل بالتنظيمات والمؤسسات بمختلف أنواعها؛ من اجتماعية وسياسية واقتصادية وترفيهية وغيرها، لذلك ظهرت في بعض البلاد التي فيها الدين الإسلامي دين الأغلبية جمعيات الشبان المسلمين وجمعيات الشابات المسلمات وكذلك الأحزاب الإسلامية.
 
حصلت البلاد التي بها الإسلام دين الأغلبية، أو دين الجميع على استقلالها السياسي، ويمكن القول إن أغلبيتها استقلت خلال النصف الثاني من القرن العشرين. عرفت معظم هذه المجتمعات خلال مرحلة الاستعمار ظهور الجماعات والحركات التي اتخذت أسماء ذات دلالات دينية، وقد دخلت مع غيرها من مؤسسات المجتمع الأهلي أو المدني في صراع ضد الاستعمار بهدف الحصول على الاستقلال. لم تدخل هذه التنظيمات خلال النضال من أجل الاستقلال في صراعات داخلية، لكن بمجرد خروج المستعمر طفت الخلافات الفكرية بينها على السطح، ودخلت في صراعات بعضها خفيف والبعض الآخر قوي ومدمر.
 
نجح المستعمر الأوربي في غرس كثير من قيمه بين أبناء البلد الذي استعمره، وخصوصاً ما يتعلق بسلوك الاستهلاك، وما يتصل بأساليب الحياة. لكن المستعمر أخفق في حالات كثيرة في نقل تلك القيم التي لها علاقة بأسلوب الحكم والنظام السياسي؛ أي ما يتعلق بالديمقراطية. صحيح أن أغلب البلدان التي حصلت على الاستقلال بدأت حقبة الاستقلال بنظام سياسي يشابه الموجود في الغرب، لكن لم تلبث الأمور أن تغيرت وتحولت إلى أنظمة دكتاتورية أغلبها عسكرية. أدت حالة غياب لغة الحوار وعوامل أخرى يعود بعضها إلى الخارج، ويعود البعض الآخر إلى الداخل، إلى ظهور كثير من حالات التململ الاجتماعي الذي قاد في أحيان كثيرة إلى ظهور الجماعات والحركات السرية، أخذ بعضها ألقاباً دينية، وأدى هذا الوضع إلى ظهور جماعات دينية متطرفة.
 
كما نجحت بعض الحركات في الحصول على تنازلات من السلطة فسمحت لها بتكوين أحزاب سياسية وذات تسميات دينية. دخلت هذه في اللعبة السياسية عن طريق الانتخابات، وحققت نجاحات محدودة فشاركت في الحكم، وبلغت هذه النجاحات في أحيان أخرى درجات رأت فيها السلطة تهديداً لهيبتها فألغت الانتخابات، وألغت الأحزاب وأدخلت زعاماتها السجن.
 
فإلى جانب الجماعات التي اتخذت أسماء وشعارات ذات صبغة إسلامية ووصفت بالتطرف، ظهرت حركات وتنظيمات أخرى عملت الشيء نفسه ولكنها هدفت إلى المشاركة في تنظيم الحياة بعيداً عن العنف، فقد انتشر في عدد من الأقطار ما صار يعرف بالحركات أو التنظيمات وأحياناً بالأحزاب الدينية، نجح بعضها في تنظيم جانب هام من حياة أبناء المجتمع أو فئة من أبناء المجتمع، بل نجح في اكتساب موقع متميز في ساحة الحياة الاجتماعية. ولعل فيما قامت وتقوم به جماعة حزب الله في لبنان ما يميزها عن غيرها من الجماعات التي اتخذت لنفسها أسماء لها دلالات دينية؛ فبداية تميزها تبدو في اختيار الاسم؛ فالله هو الله في مختلف الديانات من حيث صفاته وعلاقته بالبشر، وعليه يمكن أن ينتسب لهذه الجماعة أي شخص بغض النظر عن دينه، من الناحية النظرية على الأقل. كما تتميز عن غيرها في أنها لم تكفر من اختلف معها، ولم تمارس العنف ضد أبناء المجتمع الذي هي فيه، واستخدمت السلاح في مقاومة الآخر المعتدي على مجتمعها. ولا شك أن الجولة الحربية التي خاضتها أخيراً ضد إسرائيل رفع من رصيدها الاجتماعي في المنطقة وفي خارجها، حين نجحت في الصمود مدة طويلة أمام أكبر قوة عسكرية في المنطقة، ويرجع جزء من هذا النجاح إلى حسن التنظيم المؤسسي، وتوظيف أحدث أساليب المعرفة العلمية وتوظيفاتها التقانية.
Page 10

الدين و العلمانية و التحديث

عرف الإنسان الدين في وقت مبكر من بناء نمط من أنماط الاستقرار. وعندما بنى القرية ومن بعدُ المدينة اتخذت المعابد مكانة هامة من حيث موقعها في داخل نمط الاستقرار، ومن حيث طريقة بنائها، وزخرفتها، والتماثيل المرتبطة بها. كان هذا شأن الديانات القديمة، لذلك بقيت المعابد أهم شاهد على حضارات سادت ثم بادت. ارتبط التطور المعرفي بالحضارة، فالحضارة لم تنشأ من فراغ، بل كان للفكر وللعلم فيها مكانة عالية، لكن تميز الدين على العلم في أن الدين يأتي كاملاً؛ عقائد وقيماً وأنشطة، يأتي كاملاً من حيث اعتماده على ما جاء به المبشر بالدين من تعاليم وعبارات سجلها المحيطون به في الذاكرة، ثم سجلت مكتوبة فيما بعد، ويأتي كاملاً من حيث أن مادته عبارة عن حقائق مطلقة، وعلى التابعين الإيمان بها كلها، والابتعاد عن التشكيك في أي جزء منها، ويأتي كاملاً بمعنى أنه لا يقبل الزيادة أو التعديل. لكن المعرفة العلمية بدأت بسيطة وأخذت تنمو، وكان النمو بطيئاً، بل كان يتعرقل ويتوقف، ويستمر التوقف لقرون، لذلك اضطر المفسرون للدين لتقديم أجوبة لأسئلة كبيرة ورئيسة أخذت شكل التفسيرات الغيبية، والبحث عن السبب في قوى خفية وغير مرئية. وجد أفراد حاولوا استخدام العقل لتفسير ما يشاهد من أحداث وظواهر في كل عصر وفي كل مجتمع، لكن كلما عجز المرء عن إيجاد تفسير عقلي رجع إلى الموروث الثقافي يستخرج منه ما تيسر له، وهنا يكون للمعتقد الديني دور هام وحاسم.

في كل مجتمع ظهر فيه دين تخصص أفراد في تفسير النصوص وشرح الفروض والطقوس وحث الناس على الطاعة، قام هؤلاء بدور المعلم. وفي المناطق القروية التي تخلو من مظاهر التعليم، وخلال عصور الانحطاط الفكري كان رجال الدين هم وحدهم المتعلمون والعارفون، لذلك قام رجل الدين في القرية مهما تدنت كمية معرفته بدور المرشد والعارف، يرجع إليه المواطنون في تلك البقعة من الأرض في كل أمر، يقدم النصيحة المبنية على التجربة، كما يقدم الفتاوى المرتبطة بثوابت الدين. قد تكون النصيحة مفيدة وفي محلها لاعتمادها على مخزون من التجارب والأحداث، لكن الشيء نفسه قد لا يتوافر في حالة الفتوى. ولأن الحالة الأخيرة مرتبطة بالدين فتحاط بهالة من القدسية، ويصبح الامتثال لها في حكم الأمر النهائي. حدث الشيء نفسه في المجتمعات التي مرت بمراحل انحطاط، وهي مراحل لم ينج منها مجتمع، بما في ذلك تلك التي بنت حضارات ذات شأن كبير. لذلك حصل رجال الدين على احترام المحيطين بهم، ومن ثم خصصت لهم مكانة اجتماعية عالية نسبياً. وشيئاً فشيئاً أصبحت المؤسسة الدينية إحدى أهم مؤسسات المجتمع التي تحدد حالة التوازن الاجتماعي فيه.

تمثل حالة أوربة المسيحية في القرون الوسطى نموذجاً واضحاً للدور الذي قامت به الكنيسة خلال سنوات بحيث أصبحت إحدى أهم مؤسسات المجتمع. وكما هو معروف انقسم المجتمع الأوربي - خلال العصور الوسطى - إلى فئتين رئيسيتين: فئة العاملين في الأرض بهدف توفير الغذاء والكساء وما يتعلق بهما من أعمال خدمية، وفئة الحكام والنبلاء التي تهتم بالانخراط في أنشطة بهدف الدفاع عن وطن، أو ضم أراضٍ إلى وطن، ويملك أعضاء هذه الفئة الأرض ومن يعيش فوقها من بشر وحيوانات. الفروق بين هاتين الفئتين أو الطبقتين واضحة وشاسعة ومقننة، رجال الحكم والنبلاء يملكون إقطاعيات كبيرة، ويتمتعون بمستوى معيشة عالٍ، أما الفلاحون ومن في حكمهم فيعملون في الأرض أو في الخدمات المتوافرة آنذاك، ولا يملكون أرضاً ولا مدخرات ذات بال، مهمتهم خدمة السيد الذي يعيشون في إقطاعياته، متكيفين مع حياة الكفاف. ولكي يرضى أعضاء كل فئة بما وجدت فيه نفسها من حال، كان لا بد من سلطة تسوغ هذا الوضع، وتضفي عليه الشرعية. قامت المؤسسة الدينية (الكنيسة) بهذا الدور بعد أن رضيت لنفسها بحالة التراتبية الطبقية، لذلك انقسم رجال الدين إلى طبقتين متباينتين؛ تضم العليا كبار الكهنة الذين يتمتعون بالسلطة والثروة، وأما السفلى فهي بقية أعضاء الكنيسة الذين تخصصوا في القيام بمختلف الأعمال الخدمية. لابد من الإشارة إلى أن المؤسسة الدينية وجدت في مرحلة تاريخية سابقة لظهور المجتمع الإقطاعي الأوربي، فهي أقدم من النظام الاجتماعي الذي ساد أوربة خلال القرون الوسطى. وقامت خلال كل عصر - إلى جانب مهامها العادية - بدور يتناسب وطبيعة المرحلة. تولت المؤسسة الدينية منذ البداية مهمة تنظيم بعض أنشطة الفرد وإرشاده، ولكي تضمن مكانة مرموقة اضطرت في بعض الأحيان إلى موالاة السلطة السياسية، لذلك دخلت أيام سيادة الإقطاع في علاقات خاصة مع السلطة أو الطبقة العليا. وجدت الكنيسة في تعاونها مع السلطة تضخيماً لمكاسبها، ووجدت السلطة أن الكنيسة يمكن أن تؤدي إلى جانب مهامها التقليدية مهام ذات قيمة عالية تتمثل في إقناع أعضاء الطبقة العاملة بتقبل دورهم بنصيبهم الدنيوي، وأن التفاني في العمل سيعود عليهم بالخير إذ يحصلون على رضا الإله مما سيضمن حياة سعيدة في الآخرة. نعمت بعض أجزاء أوربة خلال العصور الوسطى بدرجة من الاستقرار ساعدت على تنشيط التجارة بين أجزاء أوربة وبينها وبين بقية المناطق المجاورة في قارتي آسية وإفريقية. ساهم هذا النشاط في ظهور جماعات جديدة تخصصت في مجالات عمل بعضها عرفها الإنسان في عصور سابقة، والبعض الآخر جديد قديم وأخرى من أصحاب الثروة. كما ساهم هذا النشاط في نمو المدن وتكاثر أعداد سكانها، وظهور مجالات عمل جديدة شملت المهنيين والفنيين والمثقفين.. إلخ. نجح بعض هذه الجماعات - وخصوصاً الذين اشتغلوا بالتجارة - في تكوين ثروات مكنتها من تكوين طبقة اجتماعية جديدة، دخلت في صراع مع الفئات التقليدية على السلطة. ثم جاء زمن ضعفت فيه طبقة الإقطاعيين تاركة المجال لطبقات اجتماعية، عليا ومتوسطة وسفلى. لم تخسر الكنيسة دورها في النظام الاجتماعي الجديد بل حافظت على مركزها المتميز. ساهمت في هذا عوامل أهمها: التاريخ الطويل نسبياً، واستمرار الدور التقليدي في توجيه وإرشاد الناس، والمكانة الثقافية لرجال الدين حيث كونوا - خلال حقبة العصور الوسطى - أغلبية الطبقة المثقفة. لذلك حافظت الكنيسة على مكانتها المتميزة، وتسابقت طبقات المجتمع لكسب ودها، والدخول معها في تحالفات. وباختلاف الأنظمة السياسية دخلت المؤسسة الدينية في تحالفات مع مختلف الطبقات الاجتماعية، انحازت في بعض المجتمعات للطبقات الفقيرة، لكنها انحازت في مجتمعات أخرى إلى جانب السلطة، وما زال هذا هو الحال في أكثر من مجتمع معاصر.