eKtab
EN ع
دراسات في سيكولوجية العزلة الوجدانية
Read free sample

دراسات في سيكولوجية العزلة الوجدانية

by د. ايمان محمد الطائي

Page 1

تمهيد

تهتم الدول الكبيرة والصغيرة بالطاقات البشرية المتوفرة لديها، وتسعى هذه الدول إلى تنمية الطاقات وزيادة كفائتها، وتبحث في الوسائل والسبل التي تستطيع بواسطتها استثمار هذه الطاقة بشكل أمثل لكي تسهم في عملية بناء مجتمعها .

إن استثمار طاقات الإنسان وإمكاناته تتطلب نضجاً وتفتحاً مع استعمال العقل والتفكير؛ لذلك لا يمكن عزل هذه الحالة عن التنمية الشاملة في أي قطر، والتي يجب أن تشمل نواحي حياة الإنسان جميعها؛ من أجل معرفة قدراته، والتوصل إلى أعلى طاقاته وأقصى إمكاناته، من خلال الحرص على العلاقة بين الإنسان والتنمية الشاملة، وعلى أساس معالجة كل جزء واعتبار الهدف النهائي هو الإنسان في كل مكان.

إن النفس البشرية بحاجة إلى الطمأنينة والثقة، خصوصاً عند مواجهة الظروف الصعبة والقاسية، فإنه خلق جو من الثقة والاحترام والإرادة والاطمئنان يدفع الفرد إلى الشعور بالراحة والاستقرار ...؛ فالكثير من السلبيات التي تواجه الفرد، والضغوط الداخلية والخارجية المحيطة به، وتوتر العلاقات الاجتماعية، وصعوبة التعامل بشكل واضح وسليم مع الآخرين المحيطين به، وقلة تقدير مواقف الفرد ودوره، تؤدي إلى أحساس الفرد بشعور داخلي سلبي، والفشل وخيبة الأمل، والأسى وفقدان الهمة والتقاعس.

لقد أصبح التوتر في عالم اليوم من المشكلات الأكثر شيوعاً وانتشاراً، فالإحباط والضغوط التي يتعرض لها الفرد، سواء كان مصدرها العوامل المجتمعية أو الظروف الأسرية التي تحيط به في مجال حياته اليومية تعمل على إجهاده والإضرار بفعاليته، ويمكن للجسم من توليد طاقة زائدة تهئ الفرد للتعامل مع الظروف الطارئة، وذلك عن طريق مقاومتها أو الهرب منها، فإذا تمت السيطرة على التوتر فإنه يصبح ساراً ومحفزاً على نشاط، وأما إذا فشل المرء في مقاومة التغلب عليه فإنه ينعكس على سلوكه ويجعله غير قادر على التعامل مع متطلبات بيئته أو التوافق معها.

إن ضغط الحياة يعكس التوافق الضعيف بين الفرد والمواقف التي يتعرض لها في محيطه، إذ يحدث ذلك في المواقف التي يدرك فيها الفرد أن قدراته لمواجهة متطلبات المحيط تمثل عبئاً كبيراً عليه، وهذه المجموعة المترابطة المتزامنة من التغيرات البدنية والنفسية التي تحدث للفرد ما هي إلا عملية استعداد للتوافق مع متغيرات المحيط الضاغطة، فهي تجهز الفرد لمواجهة المعوقات والتعامل معها أو الهروب منها والانعزال عنها.

إن الحياة لا تستقيم مع الصراع غير المحسوم، سواء كان ذلك داخلياً يهز الكيان النفسي للإنسان ويحرم عليه راحة البال في وجوده الإنساني، أو كان خارجياً يهز صلته بالوجود الخارجي وبحضوره أمام الآخرين.

ويرى دارك وسميث (Darke and Smith) أن سلوك الفرد ينشأ ويتواصل من أجل تلبية الاحتياجات والمطالب التي تفرضها بيئته وحالته الذاتية؛ أي أن الفرد تواجهه معوقات تجعله يسلك سلوكاً معيناً.

وبما أننا لا نرى ما في داخل الفرد فإن مشاعره وانفعالاته التي تدفع السلوك ربما تكون مخفية عنا ... هذا إذا لم يصرح بها الفرد.

إن للأفراد حاجتين نفسيتين أساسيتين؛ الحاجة الأولى أن يحب الآخرين ويحبونه، والحاجة الثانية هي الشعور بقيمته بالنسبة لنفسه وللآخرين؛ وعندما يشعر الفرد بعدم قدرته على تحقيق حاجاته والتوافق مع الآخرين من حوله يؤدي به البحث عن وسائل للتكيف وإشباع حاجاته الضرورية.

إن أي نوع من المهارات لا يمكن أن تأتي بنتائجه المرجوة إلا عندما يشعر الفرد أنه يعيش في مناخ يتسم بالمودة والاطمئنان النفسي.

ويشير باركر (Barker) إلى أن الضغوط الحياتية تعيق التركيز وتشتت الانتباه؛ وبدلاً من أن يركز الفرد في تحقيق ذاته فإنه يركز انتباهه إلى همومه ومشكلاته اليومية.

وتشير الإحصاءات الحديثة إلى أن (80٪) من أمراض العصر، مثل النوبات القلبية وتقرحات المعدة، ضغط الدم ... وغيرها، بدايتها ما يتعرض له الفرد من مواقف مؤلمة، فإن استجابته لتلك المواقف تكون داخلية وجدانية.

إن اضمحلال دور الفرد الذي يؤديه، وعدم شعوره بالاكتفاء الذاتي، وأنه لا يحقق ذاته من خلال هذا الدور، فإنه ينزوي مبتعداً عنه، كونه لا يشبع لديه حاجات نفسية مهمة.

إن الضغوط الحياتية التي تواجه أفراد المجتمع، ربما تترك آثاراً على سلوكهم وصحتهم الجسمية والنفسية، وقد تؤثر على سير عملهم؛ ومن ثم ينعكس سلباً على المجتمع الذي يعيشون فيه، ويجعلهم يشعرون بأنهم تحت وطأة تهديد مستمر لكيانهم.

إن الإحباط المفاجئ في تحقيق الطموح، مع شدة الرغبة فيه والتعلق به، والتهيؤ للوصول إليه، يجعل الفرد يشعر بالحسرة والخيبة لعدم توقعه الفشل، مما يعجل بظهور الوجدانات السالبة، فالضغوط الحياتية التي تقع على الفرد تحرمه من إشباع حاجاته أو تعرضه لمواقف غير سارة عليه تدفعه للانسحاب وشعوره بالعزلة الوجدانية.

Page 2

إن أهم المشاكل التي تواجه الأفراد هي انتشار حالة الإحباط والتوتر التي تؤثر بشكل كبير على نفسيتهم. ومن الضروري معرفة دوافع السلوك الإنساني لكل فرد بحد ذاته؛ حتى يمكن فهم آثاره السلبية فهماً معمقاً، ذلك أن السلوك الإنساني يتميز بأنه سلوك مسبب لا يظهر من العدم، ولكن يكون هناك دائماً سبب يؤدي إلى نشأته، وأنه سلوك هادف يسعى إلى تحقيق غاية معينة، وأنه سلوك متنوع يظهر في صور متعددة ومتنوعة حتى يمكنه أن يتكيف ويتوافق مع المواقف التي تواجهه، وهذا يعني ضرورة دراسة سلوك الأفراد حتى يمكن الوصول إلى الأسباب والعلل التي جعلته يتصرف بهذا الشكل.

إن فهم المشاعر والحاجات الإنسانية للأفراد يساعدنا على تهيئة المناخ الملائم لهم؛ لإشباع تلك الحاجات، من ثم تحقيق أهدافهم، كما تساعدنا في فهم أسباب الصراع بين الجماعات والعمل على إزالته من أجل مناخ صحي يسعى فيه الجميع إلى تحقيق الأهداف المشتركة.

ويرى ليفين (Lewin) أن فهم وتفسير السلوك الإنساني يتطلب النظر إلى كل من الفرد وبيئته المادية والاجتماعية؛ لأن دوافع الفرد ورغبته هي محصلة لتفاعل قواه الداخلية مع القوى المحيطة به في البيئة الخارجية، وعلى ضوء ذلك يتحدد مدى تقبل الفرد لعمل ما دون آخر ونجاحه فيه.

فإذا كان مناخ البيئة المحيطة مستقر يسوده التعاطف والمودة والاحترام فإنه يمكن أن يشعر بالاستقرار النفسي، ويوفر أجواء حماية له ويخفف من حدة الإثارات الموجهة له، كما أنه يقدم آليات مواساة ومعاضدة له؛ للتغلب على المعاناة التي يتعرض لها، وبذلك يشعر الفرد بالراحة والأمان النفسي.

إن فهم الأشكال السلوكية التي يتلبس بها الأفراد يجعلنا قادرين على حل مشاكلهم، وتجنب الجماعة لمزيد من المشاكل نتيجة لقلة الفهم الصحيح مما يؤدي إلى تعقيدها وتزايدها لذلك، فإننا بحاجة إلى معرفة أسباب المعاناة المحتملة حتى يمكن إيصال هذه المعاناة إلى الحد الأدنى والتغلب على المعوقات والإحباطات التي تعترضهم بطريقة موضوعية.

إن لشخصية الفرد واتزانه الوجداني وسلامة صحته النفسية أثر كبير في سلوكه مع الآخرين، وكثيراً ما تعزى درجة تدني فعاليته إلى ظروف نفسية أو اجتماعية أو مهنية تحول بينه وبين التكيف مع ظروف حياته وشعوره بالعزلة الوجدانية مهما كان مصدرها، فلها أثر كبير في نشاطه وقدرته على الإنجاز والإبداع.

إن ما يعانيه الفرد يمثل خطراً على صحته وتوازنه، كما يهدد كيانه النفسي وما ينشأ عنه م آثار سلبية؛ كعدم القدرة على التكيف، وضعف مستوى الأداء، والعجز عن ممارسة مهام الحياة اليومية، وانخفاض الدافعية للعمل، والشعور بالإنهاك النفسي، فإن أساليب التعامل تعتبر الحلول السحرية لإعادة التوافق عنده؛ فحينما يتعامل مع المواقف فإنه يستجيب بطريقة من شأنها أن تساعده على التجنب أو الهرب لتقليل الأزمة وحلها توفيقاً.

إذاً فالمؤثرات الخارجية النابعة من بيئة الفرد تؤدي إلى حالة من التوتر وضعف التوازن تدفعه إلى اتخاذ أنماط سلوكية معينة للتخلص من حالة التوتر بشكل مؤقت.

ولكي يتمكن من أداء نشاطه أمام هذه المعوقات يلجأ إلى أسلوب حيادي وانطوائي لكي يحمي نفسه من حالات التوتر الشديدة، وهو بذلك يعمد إلى وضع حاجز نفسي بينه وبين زملائه.

فالعزلة الوجدانية قد تحدث عندما لا يحصل على الرضا والإشباع من المحيطين به، وشعوره بأنه قد وصل إلى طريق مسدود وأنه مقدر عليه البقاء في نفس الظروف، ومواجهة الصعوبات نفسها. وهكذا يحاول على المستوى الشعوري واللاشعوري أن يخفف وطأة مشاعر القلق الحاد التي قد تعتري حياته من جراء التعرض للضغوط الشديدة والمستمرة في بيئته.

ويعمد الفرد لتحقيق المواءمة مع الظروف والأحداث والمواقف المستجدة وغير المتوقعة، وهذا يتم من خلال بذله سلسلة من العمليات النفسية والبحث عن وسائل جديدة أو تعلم أنماط جديدة للسلوك لمواجهة المشكلات التي حالت دون الوصول إلى الأهداف.

وبشكل عام فإن كل البشر يلعبون أدواراً حياتية مختلفة، ومن خلال قيامهم بأحد أدوار حياتهم تصادفهم في بيئاتهم عوائق ومحددات عديدة عند محاولتهم تحقيق أهدافهم ورغباتهم؛ لذلك فإنهم يكونون مضطرين أن يعملوا جاهدين لتحقيق التوافق بين ما يريدون وبين إمكاناتهم وقيود البيئة.

إن مساعدة الفرد على التخلص من الشعور بالعزلة الوجدانية وتحقيق ذاته وطموحه وتنمية قدراته وإمكاناته يكون من خلال معرفة العوامل المسببة لهذه الظاهرة، ووضع الحلول والمعالجات المناسبة، حتى يكون أكثر فاعلية واندفاعاً وحماساً في حياته، وأكثر قدرة على استبصار مشكلاته.

إذاً فالعزلة الوجدانية تتمثل بالانسحاب والهروب من المواقف، وبخاصة عندما يجد الفرد نفسه غير مقبول من الآخرين، ويعاني من صدهم، فيميل إلى العزلة، وكذلك عندما يخاف الفرد من الفشل يبتعد عن التحديات والمنافسات في العمل والدراسة. كما تتمثل العزلة الوجدانية في الخضوع والاستسلام، وبخاصة عندما يشعر الفرد بعدم الكفاءة في مواجهة مواقف الحياة اليومية، فيلجأ إلى الخضوع والاستسلام ويصبح ضعيف الشخصية سهل الانقياد. وتعد العزلة الوجدانية سلوكاً طبيعياً إذا كانت وسيلة للابتعاد المؤقت عن المشكلة ثم العودة لمواجهتها بأساليب جديدة.

وتعد العزلة الوجدانية أيضاً من المشاعر الإنسانية المريرة، وهي شعور قاسي وذاتي قد يشعر به الفرد وهو وسط الآخرين؛ ولا شك في أن اتصالنا بغيرنا ممن هم حولنا، وكذلك رد فعلهم لهذا الاتصال يؤثران في شعور المرء باحترام ذاته "Self- Esteem"، ويؤثران كذلك في صورة الإنسان من ذاته "Self- Image"؛ أي تصوره أو مفهومه عن نفسه؛ لذلك تعد العزلة الوجدانية "Affective Isolation" واحد من الوجدانات السالبة المصاحبة لمشاعر النقص وضعف الثقة بالذات.

ففي دراسة قام بها جم ديلزل (Delisle, G. 1988) أكدت أن الصعوبات التي يواجهها المراهقون مع الأقران والخوف من الفشل يمكن أن تؤدي إلى شعورهم بالعزلة الوجدانية.

Page 3

وفي دراسة دوجان وكيفت (Dugan and Kivet, 1994) حول العزلة الوجدانية توصلت إلى أن فقدان الشريك يؤدي إلى المزيد من العزلة الوجدانية.

كما قام الباحث ساولر (Sawler, 1994) بدراسة توصل فيها إلى أن العزلة الوجدانية والاجتماعية مشتركان في الكثير من الجوانب.

وفي دراسة أخرى قام بها هليجاسون وآخرون (Helgason, et. al., 2001) للتعرف على أثر العزلة الوجدانية على الصحة لدى البالغين من العمر (50- 80) سنة.

وقد أشارت النتائج إلى أن انعدام الدعم الانفعالي يؤدي إلى شيوع عالٍ لهذه المشاعر، وربما يقود إلى الاكتئاب، كما يؤكد هليجاسون على أنه: "في الوقت الحاضر لا تتوفر الكثير من البيانات في الأدبيات عن تقييم شيوع العزلة الوجدانية".

وقد أكدت نتائج الدراسة التي قامت بها راسل وآخرون أن العزلة الوجدانية ترتبط ارتباطاً عالياً بفقرات تتناول العلاقات الحميمة مع الآخرين.

إن بعض الناس غالباً ما يكابر ولا يعترف بمعاناته أو الحالة النفسية التي يعيشها، وأن إخفاء هذه المشكلات ومن ثم كبتها تجعلها تأخذ أبعادها السلبية في أعماق الإنسان وفي لا شعوره مما يصعب على المعالج تناولها أو على الأقل ربما ينخدع المهتمون والمختصون بجو العمل الذي يتراءى لهم لأول وهلة خلوه من المشكلات، ويتصورون أن كل شيء على ما يرام.

وعلى الرغم من إجراء العديد من الدراسات للتعرف على المشكلات والصعوبات التي تواجه الأفراد إلا أن هناك قصوراً واضحاً في بعض المتغيرات التي لم تدرس، ومنها العزلة الوجدانية ـ حسب علم الباحثة ـ ويؤمل أن يلقي هذا الكتاب الضوء على العوامل والمسببات لها لوضع المقترحات لتلافيها وللحد من هذه الظاهرة التي يعاني منها الكثير أو التقليل منها، كما يؤمل أن تسهم في إضافة بعض المعلومات التي تساعد على تقدم المعرفة في هذا الموضوع.

فهي مشكلة معقدة بدرجات متفاوتة من الحدة، ويجب دراستها للوقوف على حجم انتشارها وتوفير المعالجات الفعالة لها.

Page 4

أولاً :مفهوم الانفعالات

إن كل الانفعالات في جوهرها هي، دوافع لأفعالنا ... هي الخطط الفورية للتعامل مع الحياة التي غرسها التطور في كياننا الإنساني. وأصل كلمة انفعال جاء من الفعل اللاتيني (يتحرك) Motor التي تعني التحرك بعيداً، في إشارة إلى ان كل انفعال يتضمن نزوعاً إلى القيام بفعل ما. هذه الانفعالات التي تقود إلى الأفعال، نراها بوضوح أكثر عندما نشاهد الحيوانات أو الأطفال. وغالباً ما نجد خروجاً عن المألوف في الأفعال لمن بلغوا سن النضج و(التحضر) في المملكة الحيوانية، عندما تنفصل العواطف عن رد الفعل الظاهري .

ويلعب كل انفعال في سجلنا العاطفي دوراً فريداً، كما توضحها البصمات البيولوجية المتميزة. وقد تمكن الباحثون اليوم بالوسائل العلمية الجديدة بالغة التقدم التي أستطاعت أن ترى الجسم والمخ من الداخل بدقة، من اكتشاف مزيد من تفاصيل الكيفية الفسيولوجية التي تجهز بها العاطفة الجسم بمختلف أنواع الاستجابات. وعلى سبيل المثال :

- في حالة الغضب: يتدفق الدم إلى اليدين ليجعلهما قادرتين بصورة أسهل على القبض على سلاح أو ضرب عدو . وتتسارع ضربات القلب، وتندفع دفقة من الهرمونات مثل هرمون (الأدرينالين) فيتولد كم من الطاقة القوية التي تكفي القيام بعمل عنيف.

- وفي حالة الخوف: يندفع الدم إلى أكبر العضلات حجماً، مثل عضلات الساقين, فيسهل الهرب، ويصبح الوجه أبيض اللون شاحباً لأن الدم يهرب منه ..(ويشعر الخائف بأن دمه يجري بارداً في عروقه). ويتجمد الجسم في الوقت نفسه – ولو للحظة واحدة – ربما ليسمح له بوقت يستطيع فيه تقدير ما إذا كان الاختفاء هو رد الفعل الأفضل. وتثير دوائر المخ الكهربية مراكز الانفعالات في الدماغ, فتبعث فيضاً من الهرمونات التي تجعل الجسم في حالة يقظة تامة تسمح له بأن يكون على حافة الاستعداد للقيام بفعل ما, وتركيز انتباهه على الخطر الماثل أمامه حيث يختار الاستجابة المناسبة للقيام بها.

ومن بين المتغيرات البيولوجية الأساسية في الإحساس (بالسعادة) حدوث نشاط متزايد في مركز بالمخ يثبط المشاعر السلبية، مع تنمية الطاقة المتزايدة المتاحة في هذا المركز، فضلاً عن تهدئة كل ما يولد أفكاراً مؤرقة. ولا يحدث مع هذه المتغيرات تحول فسيولوجي خاص يحول دون الهدوء الذي يجعل الجسم يشفى سريعاًَ من الآثار البيولوجية الناتجة عن الانفعالات المزعجة. وهذه الحالة تحقق للجسم راحة عامة واستعداداً وحماسة للقيام بأي مهمة، وبذل أي جهد لتحقيق أهداف عظيمة ومتنوعة.

الحب والمشاعر الرقيقة، والإشباع الجنسي تستتبع جميعاً إثارة الجهاز العصبي الباراسمبتاوي، وهو النقيض الفسيولوجي لحشد الجسم (الضرب أو الهرب) في حالة الغضب أو الخوف. أما النموذج الباراسمبتاوي الذي يطلق عليه الاستجابة المسترخية فهو مجموعة من ردود الفعل تشمل الجسم كله، وتولد حالة من الهدوء والرضا، وتسهل التعاون مع الآخرين.

- وفي حالة الدهشة: ترفع الحواجب لتسمح بنظرة شاملة أوسع وتسمح بدخول مزيد من الضوء إلى الشبكية .وهذا يوفر مزيداً من المعلومات حول ما حدث دون توقع أثارة الدهشة، ويكشف حقيقة ما يجري بالضبط، بما يساعد على اختيار أفضل فعل مناسب للموقف.

ثمة تماثل في العالم كله في التعبير عن الاشمئزاز، بالتماثل نفسه للرسالة التي تثيره كشيء كريه الطعم أو الرائحة أو ما شابه ذلك، يتمثل في تعبير الوجه، حيث تتحور الشفة العليا إلى جانب من الفم، بينما يتجمد الأنف قليلاً لغلق فتحتي الأنف ضد الرائحة الكريهة أو حين لفظ طعام فاسد .

أما الوظيفة الرئيسية للحزن فهي مساعدة الحزين على التوافق النفسي في حالة فقدان شخص عزيز، كأحد أقاربه، أو إصابته بخيبة أمل كبيرة والحزن يؤدي إلى هبوط في الطاقة وفي الحماسة لممارسة الأنشطة الحياتية، وخاصة في مجالات اللهو والترويح عن النفس، فيما يعمق تراجع النشاط والشعور بالحزن الذي يقترب من الاكتئاب ... ويبطئ من عملية التمثيل الغذائي في الجسم. هذا الانسحاب الذاتي يخلق فرصة التفجع على الفقيد، أو الشعور بالأمل المحبط، وما يترتب عليه في حياة الحزين،ليخطط لبداية جديدة حتى يسترد قدراته وحين يفقد الشخص الحزين أو الشديد الحساسية نشاطه وقدراته، نجده يعزل نفسه في بيته، حيث يشعر بالأمان.

هذه النزعات الفطرية البيولوجية تشكلها خبراتنا الحياتية وثقافتنا فإذا فقدنا عزيزاً – على سبيل المثال – شعرنا بالحزن والألم، ولكن ما مظاهر هذا الحزن؟ وكيف نفصح عن عواطفنا؟ أو كيف نخفيها ولا نظهرها إلا في لحظات خاصة؟ هذا أو ذاك تقول به ثقافتنا التي تحدد من هم الذين نضعهم في فئة (الأعزاء) فنحزن لفراقهم.

ولاشك في أن الزمان الممتد لتاريخ التطور الذي تشكلت فيه تلك التفاعلات العاطفية، كان الواقع فيه أصعب مما يتحمله الجنس البشري بعد بدء التاريخ المدون . ذلك الزمان، كان زمن موت الأطفال في عمر الطفولة، وبقاء البالغين أحياء إلى عمر الثلاثين. كانت الحيوانات الضارية في ذلك الزمن تستطيع أن تضرب في أي لحظة. وكانت تقلبات الأحوال البيئية بين الجفاف والفيضان تعني إما الموت جوعاً أو البقاء على قيد الحياة. لكن مع ظهور الزراعة حتى في أكثر المجتمعات بدائية طرأ تغير كبير على التحديات التي تواجه بقاء البشر . وعندما ترسخ التقدم في العالم كله خلال عشرة الآلاف عام الماضية، أستمر التخفف من الضغوط القاسية التي كبحت نمو البشر من قبل

هذه الضغوط نفسها هي التي جعلت استجاباتنا الانفعالية لا تقدر قيمتها بثمن، ومع انحسار هذه الضغوط تضاءلت أيضاً أهمية بعض الجوانب موروثاتنا الانفعالية لبقائنا . وعلى حين كان الغضب الشديد في الماضي حاسماً لبقائنا، فإن مثل هذا الغضب من جانب شاب في الثلاثينات من العمر مسلح بسلاح اَلي يمكن أن تنجم عنه كارثة الآن.

Page 5

ثانياً : تشريح النوبات الانفعالية

إن النتوء اللوزي أو الأميجدالا (Amygdala)(1)في مخ الإنسان وهي كلمة مأخوذة من الكلمة اليونانية (Almond) تبدو على شكل لوزة تتكون من تراكيب متداخلة تقع أعلى جذع المخ بالقرب من قاعدة الدائرة الحوفية. وفي المخ (أميجدالتان) كامنتان، واحدة في كل جانب من جانبي المخ في اتجاه طرفي الجمجمة. وهذا النتوء اللوزي في مخ الإنسان أكبر نسبياً من نظيره في أقرب الثدييات منا في التطور.

كان (قرن اَمون The Hippocampus) (2) و(النتوء اللوزي) يشكلان الأجزاء الرئيسية للمخ الشمي البدائي. ومع تطورهما ظهرت قشرة الدماغ, ثم القشرة الجديدة بعد ذلك ((Eocortex، هذه التراكيب الحوفية هي التي تقوم حتى يومنا هذا بمعظم عمليات التعلم والتذكر. (الأميجدالا) هي الجزء المتخصص في الأمور العاطفية.

فإذا انفصلت عن بقية أجزاء المخ، تكون النتيجة عجزاً هائلاً عن تقدير أهمية الأحداث العاطفية، وهي الحالة التي يطلق عليها أحياناً (العمى الانفعالي Affective Blindness) ويؤدي العجز عن تقدير المشاعر العاطفية إلى أن يفقد الإنسان القدرة على التواصل مع الآخرين. ولنذكر – على سبيل المثال – حكاية شاب أُجريت له جراحة أزيل فيها من دماغه (الأميجدالا) لعلاج نوبات الصرع المرضية التي تهاجمه. بعدها تغير تماماً: أصبح غير مكترث للناس. يفضل الانطواء منعزلاً بلا أي علاقات إنسانية. ومع أنه كان قديراً في التحاور مع الآخرين، فقد بات لا يتعرف على أقرب أصدقائه، وأقاربه، حتى والدته. وظل لا يشعر بأي عاطفة في مواجهة كرب أو محنة شديدة، لعدم اكتراثه بأي شيء فمن دون (الأميجدالا) في المخ، أصبح هذا الشاب عاجزاً عن التعرف على المشاعر كلية، وأي شعور أيضاً حول المشاعر، لأن النتوء اللوزي (الاميجدالا) في الدماغ بمنزلة مخزن للذاكرة العاطفية، ومن ثم فله مغزاه, فالحياة من دون وجوده، حياة مجردة بلا أي دلالات شخصية.

ولا ترتبط بالنتوء اللوزي مشاعر الحب فقط، بل تعتمد عليه كل المشاعر الأخرى. فالحيوانات التي أُزيل النتوء اللوزي من دماغها, أو أنفصل جزء منه، تفتقر إلى الإحساس بالخوف أو الغضب، وتفقد حافز التنافس أو التعاون، كما تفقد الإحساس بموقعها في نظام نوعها الاجتماعي. فالعاطفة عندها عمياء، أو غائبة تماماً. أما دموع الإنسان فهي علامة انفعالية فريدة لا يتمتع بها سوى البشر فقط، يثيرها النتوء اللوزي، والتركيب الدماغي القريب منه, والتلافيف المحيطة به: فإذا ما كبحت هذه الدموع، وجفت الماَقي، ساعد ذلك في تسكين هذه المناطق نفسها من المخ، فتتوقف التنهدات. فمن دون النتوء اللوزي لايتمتع البشر بنعمة الدموع التي تخفف الأحزان.

ويعتبر (جوزيف لو دو Joseph Le Doux ) عالم الأعصاب بمركز علوم الأعصاب بجامعة نيويورك أول من أكتشف الدور الرئيسي للنتوء اللوزي في العقل العاطفي . وهو أيضاً عضو في جمعية أعضاؤها من العلماء المتخصصين في الأعصاب تكونت حديثاً، وقد أبتكر هؤلاء العلماء تكنولوجيات حديثة، لم تكن معروفة من قبل، من حيث دقتها في رسم خريطة للمخ في أثناء أداء وظائفه، وبالتالي كشف أسرار العقل الغامضة، تلك التي اعتقدت الأجيال السابقة من العلماء أنها أسرار لا يمكن اختراقها.

ألغت اكتشافات (جوزيف لودو) حول دورة المخ العاطفية، الفكرة التي استقرت طويلاً عن الجهاز الحوفي في الدماغ، ووضعت النتوء اللوزي في مركز الفعل، والتراكيب الحوفية الأخرى في أدوار مختلفة جداً .

وقد فسرت أبحاث (جوزيف لو دو) كيف يتحكم النتوء اللوزي في أفعالنا, حتى قبل أن يتخذ كل من العقل المفكر والقشرة الجديدة قرار ما .

لاشك في أن ما يثير الفضول لفهم قوة الانفعال وتأثيرها في حياتنا العقلية تلك اللحظات المثيرة للمشاعر, والتي نندم عليها بعد أن ينقشع عنها غبار الانفعال، ونتذكرها فيما بعد . لنضرب مثلاً بقصة تلك الفتاة التي قادت سيارتها على مدى ساعتين إلى مدينة بوسطن لتقضي اليوم مع صديقها، وتتناول معه غداء مبكراً . وفي أثناء تناولها الغداء ، قدم لها صديقها هدية كانت تريدها منذ شهور، عبارة عن لوحة فنية إسبانية من الصعب أن تحصل عليها. لكن فرحتها تلاشت تماماً في اللحظة التي اقترحت فيها على صديقها أن يشاهدا معاً فيلما في حفل بعد الغداء، عندما قال لها إنه لايستطيع أن يقضي معها اليوم بأكمله، لأنه مرتبط بموعد التمرين في رياضة السوفتبول (Softball). شعرت الفتاة بأنه جرح مشاعرها وأنتابتها حالة من الشك، جعلتها تنفجر في البكاء وتترك المكان، وتلقي باللوحة الهدية بانفعال في صندوق القمامة، وبعد شهور من هذه الواقعة، وهي تسترجع الحادث، شعرت بالندم على انسحابها، لكنها كانت قد فقدت اللوحة الفنية الجميلة.

وهكذا، عندما يسيطر الشعور الانفعالي على العقل – في مثل هذه اللحظات – يكون دور (الأميجدالا) الذي اكتشف حديثاً، بالغ الأهمية. فالإشارات الآتية من الحواس, تدفع (الأميجدالا) إلى إلقاء نظرة عاجلة على كل تجربة مثيرة للقلق والإزعاج.

Page 6

ثالثاً: ما بعد الانفعالات

وقد يبدو للوهلة الأولى أن مشاعرنا واضحة ... ولكن قدراً أكبر من التفكير والتأمل يذكرنا بأننا جميعاً غافلون عما شعرنا به تجاه شيء ما في الحقيقة, أو يوقظ فينا هذه المشاعر فيما بعد . وقد أستخدم علماء النفس مصطلح (ما بعد الانفعال) ليشير إلى تأمل الإنسان لانفعالاته. (الوعي الذاتي) بمعنى الانتباه إلى الحالات الداخلية التي يعيشها الإنسان .

إن خاصية الوعي هذه تماثل ماوصفه (فرويد) بـ(الانتباه الموزع) والذي أوصى به المحللون النفسيون. هذا الانتباه يستوعب ما يمر على الوعي بنزاهة وتجرد بوصفه شاهداً مهتماً، لكنه غير فاعل بعد. ويسمي بعض علماء النفس هذه العملية بـ(الذات المراقبة) أي قدرة الوعي الذاتي الذي يتيح للعالم النفسي، ان يرصد ردود أفعاله هو على أقوال المريض، والكيفية التي تتولد بها التداعيات الحرة لدى المريض النفسي.

ويبدو مثل هذا الوعي بالذات يتطلب تحفيز قشرة المخ Neocortex، وخاصة الأجزاء المتخصصة في اللغة التي تنتبه لتحديد وتسمية الانفعالات المثارة. والوعي بالذات ليس انتباها يؤدي إلى الانجراف بالعواطف، والمبالغة في رد الفعل، وتضخيم ما ندركه حسياً، بل هو طريقة محايدة تحافظ على تأمل الذات حتى في أثناء العواطف المتهيجة. ويبدو أن الكاتب (ويليام ستايرون William Styron ) حين كتب عن شعوره بالاكتئاب, كان يصف شيئاً مثل ملكة العقل، وإحساسه كأنه مراقب أو طيف خيالي آخر, أو نفس أُخرى تراقب النفس، ولا يشارك صاحبه الآخر، ولكنه قادر في الوقت نفسه على مشاهدة هذه الذات في فضول هادئ وهي تصارع ازدواجها .

والواقع أن مراقبة الذات – على أحسن الفروض – تحقق إدراكا رصيناً للمشاعر المضطربة والمتقدة. إنها في أقل تقدير تقدم نفسها في صورة ظاهرية وبسيطة, وكأنها عائدة لتوها من خبرة ما... هي مجرى يوازي الوعي, أي ما بعد توزع الانتباه في مجرى الوعي الرئيسي أو بجانبه، مدركة الحدث الجاري أكثر من انضمامها إلى هذه المشاعر، وضياعها فيها. وهذا هو الفرق – مثلاً – إن تكون غاضباً غضباً شديداً من شخصاً ما, وأن تدرك بفكرك الذاتي التأملي قائلاً (أنا أشعر بالغضب...) حتى وأنت في حالة هذا الغضب. وفي ضوء آليات الوعي بالخلايا العصبية، فإن هذا التحول في الذهن يشير افتراضاً إلى أن مجموعة الدوائر في القشرة الدماغية الجديدة ترصد الانفعال بنشاط كخطوة أولى تكسب بها السيطرة على هذا الانفعال. هذا الوعي بالانفعال هو قدرة انفعالية مهمة تُبنى على أساسها قدرات أُخرى مثل السيطرة الذاتية على الانفعال.

هكذا يعني الوعي الذاتي– بإيجاز – "أن نكون مدركين لحالتنا النفسية وتفكيرنا بالنسبة لهذه الحالة المزاجية نفسها". وفقاً لقول جون مايرJohn Mayer العالم السيكولوجي بجامعة هامبشير, ولذلك يمكن أن يكون الوعي بالذات انتباها للحالات النفسية الداخلية, لكنه غير متفاعل أو قادر على تكوين رأي. لكن ماير يرى أن هذه الحساسية قد تكون أيضاً أقل صرامة لأن الأفكار المعهودة التي تعبر عن الوعي الذاتي بالانفعالات تتضمن أفكاراً مثل: لا ينبغي أن أشعر بهذه الطريقة" أو "أنا أُفكر في أشياء جميلة لكي أشعر بالبهجة" أو" لا نفكر في هذا الأمر". وهي الفكرة التي تطرأ على الذهن كرد فعل لأمر محبط للغاية .

وعلى الرغم من التمييز المنطقي بين أن نكون مدركين لمشاعرنا. وأن نعمل على تغييرها, نجد أن ماير قد أكتشف أن الوعي بالمشاعر, والقيام بالأفعال من أجل الأهداف العملية كلها, يسيران عادة جنباً إلى جنب ويداً بيد. ذلك لأن مجرد إدراكنا أن المزاج سيء. فهذا معناه الرغبة في التخلص منه. والتعرف على الحالة النفسية شيء متميز عما نبذله من جهود, حتى لا نقوم بفعل ما بدافع انفعالي. فعندما نقول لطفل يدفعه غضبه لضرب زميله في اللعب (كفى) نستطيع بهذه الصيحة أن نوقف الضرب. لكن الغضب يظل يدور بداخله، وتظل أفكار الطفل ثابتة على زناد الغضب وهو يقول: (لقد سرق لعبتي). ويستمر شعوره بالغضب دون تهدئته وتخفيفه. فالوعي بالنفس, تأثيره في المشاعر أكثر قوة, لأن الإنسان الغاضب أذا أدرك أن ما يشعر به هو الغضب, فهذا يوفر له درجة كبيرة من الحرية ليختار عدم إطاعة هذا الشعور, بل أيضاً خيار محاولة التخلص من قبضة هذا الغضب.

وأكتشف ماير أن الناس يميلون إلى أتباع أساليب متميزة للعناية بعواطفهم والتعامل معها أهمها:

أ- الوعي بالنفس: إن أولئك البشر الذين يدركون حالتهم النفسية في أثناء معايشتها بصورة متفهمة عندهم بعض الحنكة فيما يخص حياتهم الانفعالية . ويمثل إدراكهم الواضح لانفعالاتهم أساساً لسماتهم الشخصية. هم شخصيات استقلالية، واثقة من إمكاناتها، ويتمتعون بصحة نفسية جيدة، ويميلون أيضاً إلى النظر للحياة نظرة إيجابية. وعندما يتكدر مزاجهم فهم قادرون على الخروج من مزاجهم السيئ في أسرع وقت ممكن. باختصار، تساعدهم عقلانيتهم على أدارة عواطفهم وانفعالاتهم.

ب- الغارقون في انفعالاتهم : هؤلاء الأشخاص هم من يشعرون غالباً بأنهم غارقون في انفعالاتهم، عاجزون عن الخروج منها، وكأن حالتهم النفسية قد تملكتهم تماماً . هم أيضاً متقلبو المزاج، غير مدركين تماماً لمشاعرهم إلى الدرجة التي يضيعون فيها ويتوهون عن أهدافهم إلى حد ما، ومن ثم فهم:

قليلاً ما يحاولون الهرب من حالتهم النفسية السيئة، كما يشعرون بعجزهم عن التحكم في حياتهم العاطفية . إنهم أناس مغلوبون على أمرهم، فاقدو السيطرة على عواطفهم .

ج- المتقبلون لمشاعرهم: هؤلاء على الرغم من وضوح رؤيتهم بالنسبة لمشاعرهم، فأنهم يميلون لتقبل حالتهم النفسية، دون محاولة تغييرها, ويبدو أن هناك مجموعتين من المتقبلين لمشاعرهم، المجموعة الأولى, تشمل من هم عادة في حالة مزاجية جيدة، ومن ثم ليس لديهم دافع لتغييرها. والمجموعة الثانية تشمل من لهم رؤية واضحة لحالتهم النفسية، ومع ذلك فحين يتعرضون لحالة نفسية سيئة، يتقبلونها كأمر واقع، ولا يفعلون أي شيء لتغييرها على الرغم من اكتئابهم, وهذا النموذج من المتقبلين يدخل في إطار المكتئبين الذين استكانوا لليأس.

Page 7

رابعاً : الاستبطان السيكولوجي

يوحي الفراغ العاطفي الذي نعاني منه بوجود مجموعة متنوعة من القدرات لدى البشر يمكنهم من الإحساس بانفعالاتهم لدى حدوثها، - لأسباب خاصة بالجهاز العصبي – يمكنه رصد الخوف أو الفرح الذي يشعر به بسهولة أكثر من غيره، وبالتالي يكون أكثر وعياً بذاته من الزاوية الانفعالية .

وربما تكون موهبة الاستبطان السيكولوجي، لأن بعضنا أكثر استعداداً من غيره للاستجابة للأساليب الرموزية الخاصة بالعقل العاطفي مثل: الاستعارة والتشبيه في قصائد الشعر، والأغاني والأساطير، وجميعها تنبعث من لغة القلب. هذا أيضاً ما يحدث مع الأحلام والخرافات التي يؤدي فيها التداعي الحر للمعاني إلى تدفق السرد الذي يحكمه منطق العقل العاطفي. ومن المؤكد أن من يتناغمون تناغماً طبيعياً مع صوت قلوبهم، هم أكثر خبرة ومهارة في التعبير بكلمات واضحة عن الرسائل المنبعثة من هذا الصوت، سواء كانوا كتاب قصة، أو مؤلفي أغاني أو معالجين نفسيين. هذا التناغم الداخلي يجعلهم بالضرورة أكثر موهبة في التعبير عن (حكمة اللاوعي) تلك المعاني هي التي نحسها في أحلامنا، وخيالاتنا، والرموز التي تجسد رغباتنا الدفينة. ولا شك في أن الوعي بأنفسنا أمر جوهري للبصيرة النفسية، أي المقدرة الذهنية التي تعززها معظم عمليات العلاج النفسي. ويعتبر الدكتور (هوارد جاردنر Howard Gardener) نموذج (سيجموند فرويد) هو النموذج الأمثل لذكاء النفس الكامن.

إن (فرويد) هو العالم الذي رسم خريطة ديناميات النفس الإنسانية الخفية. وقد أوضح أن حياتنا العاطفية في معظمها، حياة لاشعورية, عبارة عن مشاعر تتحرك بداخلنا لا تتخطى دائماً عتبة الوعي.

وتأتي الدلائل التجريبية لهذه البديهية من خبرات تتعلق بالانفعالات اللاشعورية، كالنتائج الجديرة بالملاحظة من أن الناس يولعون بأشياء معينة لا يدركون أنهم قد سبق لهم رؤيتها من قبل . ذلك لأن أي عاطفة يمكن أن تكون – بل غالباً ما تكون – عاطفة في اللاشعور.

تحدث البدايات الفسيولوجية لانفعال ما، قبل أن يعي الإنسان الشعور ذاته. خذ مثلاً من يخافون من الثعابين، عندما تعرض عليهم صورتها، يكشف جهاز الإحساس على بشرتهم، خروج حبات العرق علامة على القلق، على الرغم من قولهم إنهم لا يشعرون بالخوف. في هذه الحالة يبين العرق قلق هؤلاء الأشخاص حتى لو وضعت أمامهم صورة ثعبان سريعاً جداً لدرجة عدم وجود أي فكرة شعورية عن هذا الذي رأوه بالفعل الآن.

ومع استمرار هذه الإثارات الانفعالية لما قبل الوعي تصبح قوية إلى حد كاف للوعي به. وتؤثر تأثيراً قوياً في الكيفية التي ندرك بها هذه العواطف بإحساسنا ونتفاعل معها، ولنأخذ مثلاً : شخصاً أزعجه لقاء وقح غير متوقع في ساعة مبكرة من النهار، جعله يعيش في حالة نكد لساعات عدة... نراه بعدها يتحدى كل من يقابله دون قصد، وسريع الغضب دون أسباب. وقد لا يكون منتبهاً لهذا التوتر المستمر، إلى أن يلفت نظره شخص ما لهذا التوتر فيشعر بالاندهاش. ذلك لأن سلوكه هذا الذي كان منطلقاً من خارج منطقة وعيه فرض عليه ردود أفعاله الفظة. لكن بمجرد أن يدخل رد الفعل منطقة وعيه. يُسجل في قشرة المخ، وعندئذ يمكنه تقييم الأمور من جديد, ويقرر التخلص من مشاعر ذلك الصباح، وتغيير نظرته للأمور ومزاجه أيضاً .

Page 8

خامساً: التوازن الانفعالي

منذ عصر أفلاطون، ظل الإحساس بتفوق النفس وقدرتها على مواجهة العواصف العاطفية الناتجة عن ضربات القدر بدلاً من الاستسلام لها لكي نصبح عبيداً للانفعال ظل هذا الإحساس فضيلة تستحق الإشادة بها. كانت الكلمة اليونانية لهذه الفضيلة هي ( سوفروزايم ) Sophrozyme، أي الانتباه في إدارة حياتنا: بمعنى الاتزان في الانفعال والحكمة، كما ترجمها الباحث اليوناني (بيج دي بوا) Page DU Bois. أما الرومان والكنيسة المسيحية القديمة فقد أطلقوا عليها أسم (Temperantia), أي ضبط النفس، أو كبح جماح الإفراط في الانفعال، والهدف من ذلك تحقيق التوازن الانفعالي وليس قمع الانفعال لان لكل شعور قيمته ودلالته. فالحياة من دون انفعال تصبح أرضاً قاحلة مملة، منقطعة ومنعزلة عن ثراء الحياة نفسها. والمطلوب، وكما لاحظ (أرسطو) انفعال يناسب الظرف ذاته. فعندما يكبت الانفعال تماماً فإن ذلك يؤدي إلى الفتور والعزلة، وعندما يخرج عن إطار الانضباط والسيطرة ويصبح بالغ التطرف والإلحاح، فإنه يتحول إلى حالة مرضية، تحتاج إلى العلاج مثل الاكتئاب المؤدي إلى الشلل، والقلق الساحق، والغضب الكاسح، والتهيج المجنون.

ولاشك في أن مفتاح سعادتنا العاطفية يكمن في ضبط انفعالاتنا المزعجة بصورة دائمة. هذا، لأن التطرف المتزايد والمكثف في العواطف لفترة طويلة يؤدي إلى تقويض استقرارنا. ومن الطبيعي ألا نشعر طوال الوقت بنوع واحد من الانفعال. والواقع أن هناك الكثير مما يقال عما تسهم به المعاناة البناءة في الحياة الإبداعية والروحانية و لأن المعاناة تهذب الروح .

ولاشك في أن تقلبات الدهر بما فيها من سعادة وتعاسة تعطي الحياة نكهة خاصة، وإن كانت تحتاج إلى التوازن. وما يحدد الإحساس بالسعادة بحساب القلب – هو معدل الانفعالات الإيجابية والسلبية. وهذه – على الأقل – هي الحكمة التي خرجت بها دراسات عن طبائع مئات الرجال والنساء وحالاتهم النفسية. تذكر أؤلئك الأفراد الأوقات العصيبة التي مرت عليهم وسجلوا انفعالاتهم في تلك الأوقات، مثل هؤلاء لا يحتاجون إلى تجنب المشاعر غير السارة للإحساس بالرضا عن حياتهم، لكنهم لا يتركون أنفسهم تحت رحمة مشاعرهم العاصفة من دون كبح جماحها حتى لا تحل محل حالتهم النفسية المبتهجة . وثمة أناس يتعرضون لنوبات عارضة من الغضب والاكتئاب, ويمكن لأولئك الناس أن يشعروا بالرضا عن حياتهم إذا ما تناوبتهم بقدر متساو فترات من الفرح والابتهاج.

وكما أن هناك أفكار من الماضي تعاود المرء على نحو منتظم، هناك أيضاً أصداء انفعالات تعاود المرء في أوقات منتظمة كل يوم في المساء أو الصباح لتتركه في حالة مزاجية من هذا النوع أو ذاك. ومن الطبيعي أيضاً أن يكون مزاج شخص ما في صباح أحد الأيام مختلفا عنه في صباح اليوم التالي . بيد أننا إذا أخذنا في الاعتبار متوسط الحالات النفسية لهذا الشخص على مدى أسابيع أو شهور، فسنجد أنها تعكس إحساسه العام بالرضا والسعادة. وهذا يدل في النهاية على أن المشاعر المتطرفة الحادة نادرة نسبياً، فمعظمنا يقف على خط الوسط الانفعالي الرمادي، مع بروزات خفيفة من الانفعالات الحادة عبر طريق حياتنا الطويل بمنحنياته العدة .

ومع ذلك تستغرق مهمة إدارة انفعالاتنا كل أوقاتنا، فمعظم ما نفعله – وخاصة وقت فراغنا – هو محاولة السيطرة على حالتنا النفسية . ذلك لأن كل شيء نفعله، بداية من قراءة قصة، أو مشاهدة التلفزيون إلى غيرهما من الأنشطة، إلى اختيار أصحابنا، يمكن أن يجعلنا نشعر بأننا في حالة نفسية أفضل. وفن التخفيف عن النفس مهارة حياتية أساسية. وفي هذا الصدد يرى بعض المفكرين من أساتذة التحليل النفسي، مثل (جون بولبي) John Bowlby ودكتور (وينيكوت) Dr. Winnicott أن هذه المهارة واحدة من أهم الأدوات النفسية الأساسية. وتؤمن هذه النظرية، بأن الأفراد الذين يتمتعون بانفعال سليم هم الذين يتعلمون كيف يهدئون أنفسهم بالتعامل مع الذات.

أننا لا يمكننا، غالباً، السيطرة على انفعالاتنا متى جرفتنا، أو السيطرة على نوعية الانفعال. ولكننا نملك السيطرة على الوقت الذي يستغرقه هذا الانفعال. والمسألة لا تنحصر في مختلف الانفعالات، مثل الحزن، والقلق أو الغضب، لأن هذه الحالات المزاجية تنتهي عادة مع الوقت والصبر. لكن إذا تصاعدت هذه الانفعالات بشدة وعلى نحو مستمر متجاوزة الحد المناسب، فإنها تتدرج حتى تصل إلى أقصى حدود الضيق إلى حالة قلق مزمنة، أو غضب غير محكوم، أو اكتئاب فإذا ما وصلت الحالة إلى هذا الحد، هنا تتطلب مثل هذه الحالات العسيرة التدخل الطبي أو النفسي، أو كليهما معاً للشفاء منها .

في تلك الأوقات تعد إحدى العلامات على قدرة الشخص على التحكم في انفعالاته هي القدرة على إدراك متى يصل التوتر المزمن إلى درجة من القوة بحيث يصعب تخطيها من دون مساعدة دوائية. وعلى سبيل المثال لم يكن ثلث المرضى بالاكتئاب الهوسي، يتلقون في الماضي علاجاً من الاضطراب النفسي .

Page 9

لكن اليوم يمكن لدواء (الليثيوم) Lithium والأدوية الجديدة مقاومة نوبات الاكتئاب التي تشل الإنسان, والتي تنتابه فيها مجموعة من الحالات (تصل إلى حد الهوس) التي تمزج بين الابتهاج المشوش، والإحساس بالعظمة، ونوبات الغضب . وإحدى مشاكل مرضى الاكتئاب الهوسي أنهم يشعرون غالباً بثقة بالغة في أنفسهم تجعلهم يعتقدون أنهم في غير حاجة إلى أي نوع من المساعدة، على الرغم من القرارات المدمرة التي يتخذونها. وفي مثل هذه الأحوال من الاعتدال النفسي يكون العلاج النفسي وسيلة لإدارة الحياة بشكل أفضل. ولكن عندما يأتي الأمر إلى مسألة التغلب على الحالات المزاجية السيئة فإن كلا منا يُترك لوسائله الخاصة . هذه الوسائل – لسوء الحظ – لا تكون فعالة في كل الأحيان, وهذا على الأقل ماتراه (ديان تايس)Diane Tice الباحثة السيكولوجية بجامعة (كيس ويسترن ريزيرف) Case Western Reserve. أجرت (تايس) بحثاً على أربعمائة رجل وامرأة، وجهت إليهم سؤلاً حول إستراتجيتهم للهروب من الحالات المزاجية السيئة التي تمر بهم، وإلى أي مدى نجحت وسائلهم في ذلك .

ولم يتفق الجميع مع هذه المقدمة الفلسفية التي تقول بضرورة تغيير الحالة المزاجية السيئة. فقد أجاب 5٪ منهم صنفتهم تايس على أنهم أنصار الحالة المزاجية الخالصة بقولهم إنهم لم يحاولوا قط تغيير حالاتهم المزاجية، لأن كل الانفعالات (طبيعية) – من وجهة نظرهم – ينبغي أن يعيشوها كما هي تماماً، بغض النظر عما قد تسببه من إحباط أو كآبة. كما وجدت أيضاً من بين مجموعة البحث، أفراداً يبحثون بصورة دائمة عن مدخل لحالة نفسية كئيبة لأسباب براجماتية مثل: الأطباء (النكديين) الذين لا يرتاحون إلا بإبلاغ مرضاهم أنباء سيئة، أو قادة الحركات السياسية الاجتماعية الذين يبالغون في غضبهم على الظلم لكي يزيدوا من فعاليتهم في مقاومته، أو الشاب الذي يقال إنه يصعد من غضبه كي يساعد أخاه الأصغر في تعلم (البلطجة) في اللعب مع أقرانه. ليس هذا فحسب، بل وجدت (تايس) أن هناك بعض الناس الميكافيلليين تماما فيما يتعلق بالأمزجة المخادعة .

فقد شاهدت المحصلين الذين يتعمدون إظهار الغضب ليضفوا على أنفسهم مظهر الحازمين أمام من يتعاملون معهم من المتهربين من الديون. غير أن التربية السلوكية لهذه الأمزجة الكئيبة نادرة، وهي موضع شكوى ممن يشعرون بأنهم تحت رحمة حالتهم النفسية. الحزن حالة نفسية، يحاول الناس عموماً التخلص منها بقدر استطاعتهم، وتوصلت (ديان تايس) إلى أن الناس يتحولون إلى مبدعين في محاولاتهم الهروب من الكآبة واليأس... ومن الطبيعي ألا يحاول الناس الهروب من كل أنواع الحزن, ذلك أن قدراً منه قد يكون مفيداً. فالحزن لفقدنا إنساناً عزيزاً، له تأثيرات معينة لا تتغير لفقدها اهتمامنا بالتسلية والمرح، وتركيز تفكيرنا على الإنسان الذي فقدناه، ونقص قدرتنا على البدء في محاولات جديدة، على الأقل مؤقتاً. خلاصة القول أن الحزن يعزز نوعاً من التفكير في الماضي الذي يعرقل مسيرة الحياة العملية. يتركنا الحزن في حالة توقف عن العمل، ننعى الفقيد، ونفكر مليا في معنى الفقدان. لكنا في آخر الأمر نتكيف مع أنفسنا، ونبدأ في وضع خطط جديدة تسمح لنا بمواصلة الحياة .

فالإحساس بالفجيعة في حد ذاته مفيد، لكن وطأة الاكتئاب المرضي ليست مفيدة . ولقد قدم (وليام ستايرون) William Styron، وصفاً بليغاً لأعراض هذا المرض العديدة المفزعة من بينها: (كراهية النفس) أو (الإحساس بانعدام القيمة) أو الإحساس القاتم بعدم الابتهاج بشيء والكآبة والفزع والاغتراب. وفوق هذا كله إحساس بالقلق الخانق. وبعد هذه الأعراض النفسية، تأتي الأعراض العقلية, (التشوش وعدم التركيز الذهني وضعف الذاكرة)، ثم تسود العقل في مرحلة متأخرة تشوهات فكرية فوضوية، وإحساس بإن عمليات التفكير تغمرها موجة مسمومة يصعب تسميتها تحول دون أي استجابة مبهجة للحياة، يأتي بعد ذلك التأثير الجسدي, المتمثل في الأرق وعدم القدرة على النوم، وإحساس هذا المريض بأنه ميت أعيد إلى الحياة، فاقد الشعور والمبالاة، كما يشعر أيضاً بالوهن والهشاشة الغريبة مع قلق عصبي كئيب. وأخيراً يفقد الإحساس بالسرور تماماً . أما الطعام فهو مثل أي شيء آخر، يصبح من خلال منظور الأحاسيس، بلا أي طعم أو مذاق.

وفي النهاية يدفن الأمل تماماً، ويفضي به الإحساس بتراكم الفزع إلى اليأس، إحساس ملموس مثل الألم الجسدي الذي يصعب احتماله مما يجعل الانتحار يبدو كأنه نوع من الحل.

لاشك في أن الحياة في ظل الاكتئاب المتقدم أو الحاد يصيبها الشلل تماماً، ويصبح القيام ببدايات جديدة مستحيلا. وتنم أعراض الاكتئاب عن توقف الحياة كلية. ويقول (ستايرون) إن أي علاج أو أدوية تفقد جدواها في هذا الحال. لكن مرور الوقت قد يزيل اليأس في نهاية المطاف .

أما بالنسبة للمرضى بحالة اكتئاب خفيف، فيمكن أن يساعد العلاج النفسي والدوائي هذه الحالات التي تعالج اليوم بدواء الـبروزاك (Prozac), كما يتوافر اليوم أكثر من أثني عشر دواء آخر. تساعد بعض الشيء وخاصة في حالات الاكتئاب الحاد.

بيد أن اهتمامي هنا يتركز على (الحزن) الشديد الشائع الذي يصبح إذا وصل إلى حدهُ الأقصى حزنا مرضيا اكتئابيا يتعذر اكتشافه، أي إلى (الكآبة المألوفة) وهذه درجة من اليأس يمكن للمصابين بها التعامل معها بأنفسهم، أذا كانت لديهم الوسائل الذاتية. لكن بعض الخطط التي يتبعونها في معظم الأحيان، يمكن – للأسف – أن تأتي بنتائج عكسية، فتتركهم في حالة حزن اكتئابي أسوأ مما كانوا عليه. ومن بين هذه الخطط، الانعزال عن الناس في وحدة يغريهم بها شعورهم بالإحباط. هذه العزلة تزيد – في معظم الأحيان – إحساسهم بالوحدة والحزن. وقد يفسر هذا جزئياً، لهذا اكتشفت (تايس) أن أكثر الأساليب لمحاربة الاكتئاب شيوعاً هي الاندماج في المجتمع مثل أن يتناول المكتئب طعامه خارج المنزل، أو يشاهد المباريات الرياضية, أو الأفلام، أي باختصار، أن يشارك أصدقاءه أو أسرته في أي عمل. هذا الاندماج في المجتمع يكون مفيداً وناجحاً بقدر ما يصرف العقل عن التفكير في الحزن. أما أذا استغل من يعاني من الاكتئاب هذه المناسبات في مجرد الانشغال بما دفعه للاكتئاب فإن حالته يطول أمدها.

Page 10

والواقع أن استمرار الحالة النفسية على ما هي عليه، أو تغيرها، أو حتى زوالها، يعتمد على أهم عامل حاسم في هذا الشأن، ألا وهو، إلى أي مدى يجتر الناس أحزانهم. ويبدو أن القلق يكثف الاكتئاب ويطيل فترته.

ويتخذ هذا الاجترار أشكالاً عدة تتركز كلها على جانب من الاكتئاب نفسه، كأن نفكر إلى أي مدى نشعر فيه بالتعب. وإلى أي مدى بلغ ضعف قدراتنا ودوافعنا، وتضاءل ما انجزناه من أعمال. ولا يصاحب هذا النوع من التفكير عادة أي فعل مادي يمكن أن يخفف المشكلة. ومن بين أشكال التوترات الأخرى، (الانعزال عن الآخرين، والتفكير في شعورك لفظاعتها، وإحساسك بالقلق خشية أن ترفضك قرينتك بسبب اكتئابك وتفكيرك في الأرق الذي تتوقع أن يصاحبك هذه الليلة أيضاً) .

وهذا وفقاً لقول (سوزان نولن هوكسان) Susan Nolen Hoecksman العالمة السيكولوجية بجامعة ستانفورد، التي درست اجترار الحزن عند مرضى الاكتئاب. يبرر المكتئبون أحياناً هذا النوع من اجترار التفكير بقولهم، (نحن نحاول فهم أنفسنا بصورة أفضل)، لكن الواقع أنهم يشغلون أنفسهم بمشاعر الحزن، دون اتخاذ أي خطوات يمكن أن تخلصهم بالفعل من حالتهم النفسية الحزينة المكتئبة. وكان من الممكن أن يساعد اجترار التفكير في علاج حالة الحزن إذا عكس بعمق أسباب الاكتئاب، ليصل إلى مرحلة الفهم الثاقب، أو أدى إلى أفعال تغير الحالة النفسية التي أدى إليها الاكتئاب. لكن الاستغراق السلبي في الحزن يؤدي ببساطة إلى مزيد من سوء الحالة النفسية.

واجترار أسباب الاكتئاب يمكن أيضاً أن يعمق ويقوي الاكتئاب نفسه وتقدم (نولين هوكسمان)Nolen Hoecksman مثالاً على ذلك بإحدى البائعات التي أصيبت بالاكتئاب .

كانت قد أمضت ساعات طويلة في قلق وهم، لأنها لم تحصل على طلبيات كبيرة من السلع التي تبيعها، مما أدى إلى انخفاض نسبة مبيعاتها، وجعلها تشعر بالفشل الذي أخذ يغذي اكتئابها. حاولت البائعة أن تخرج من هذه الحالة، فاستغرقت في طلبات البيع كوسيلة تبعد بها عقلها عن الحزن .

ولقد كان من شأن ذلك أن احتمال انخفاض مبيعاتها تضاءل، كما أن ممارسة البيع ذاتها أدت إلى تقوية نفسها, وقلت نسبياً حالة الاكتئاب التي تعيشها.

توصلت (نولين هوكسمان) إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال، إلى اجترار الأحزان في حالة الاكتئاب. وترى (هوكسمان) أن هذا الاجترار قد يفسر جزئياً لماذا تبلغ حالات الاكتئاب بين النساء ضعف حالات الاكتئاب عند الرجال. غير أن عوامل أخرى تلعب دوراً في هذا الصدد، من بينها أن النساء أكثر انفتاحاً للإفصاح عن شعورهم بالهم، وأسباب اكتئابهن الحياتية . أما الرجال فقد يغرقون في كؤوس الخمر، التي تجعل نسبة اكتئابهم ضعف نسبة اكتئاب النساء.

وقد تبين في بعض الدراسات، أن (العلاج بالمعرفة) الذي يهدف إلى تغيير هذه النماذج من التفكير، يكافئ علاج الاكتئاب الإكلينيكي الخفيف بالعقاقير، بل يتفوق عليه في منع عودة هذا الاكتئاب.

هناك خطتان فاعلتان في هذه المعركة على وجه الخصوص: الأولى أن تتعلم كيف تتحدى الأفكار المستقرة في مركز الاجترار وتتساءل عن صحتها وفعاليتها ونفكر في بدائل أكثر ايجابية والخطة الأخرى هي تنظيم جدول مقصود للقيام بأحداث سارة جذابة تصرف الذهن عن الأفكار الاكتئابية .

ومن الأسباب التي تجعل صرف الذهن عن الأفكار الاكتئابية مفيدا أنها ما أن تقتحم الذهن لا تتوقف.

إذا حاول المكتئبون قهرها ولا يمكنهم التوصل إلى بدائل أفضل في أغلب الأحيان، مادامت موجة الاكتئاب قد بدأت بالفعل، وصار لها تأثير مغناطيسي على سلسلة تداعي الأفكار وعلى سبيل المثال، عندما طلب من بعض المكتئبين ترتيب جمل تتكون من 6 كلمات غير مرتبة، لوحظ أنهم نجحوا في ترتيب جمل مثيرة للاكتئاب مثل (المستقبل يبدو قاتما تماما)، أكثر من ترتيب جمل مبهجة مثل (يبدو المستقبل مشرقا) .

ويلقي الميل إلى استمرار الاكتئاب ظلاله على أشكال الانسحاب التي يختارها المكتئبون.

فعندما قدمت لبعض المكتئبين قائمة بوسائل مبهجة وأخرى مثيرة للملل، حتى يبتعد تفكيرهم عن أسباب أحزانهم _ كجنازة صديق لهم مثلا _اختاروا الفعاليات المليئة بالكآبة وقد انتهى ريتشارد وينزلاف Richard Wenzelaff الباحث السيكولوجي بجامعة تكساس الذي اجرى هذه الدراسة إلى أن هؤلاء المكتئبين يحتاجون بالفعل إلى مجهود خاص لتحويل اهتمامهم إلى شيء مبهج تماما، مع الحرص الشديد على اختيار كل ما هو بعيد عن الحزن تماما، فمشاهدتهم فيلما تراجيديا أو قصة مبكية مثلا يمكن أن تهبط بحالتهم النفسية للحضيض مرة آخرى.