eKtab
EN ع
دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر
Read free sample

دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر

by محمد علي داهش

Page 1

يواجه الوطن العربي بخاصة، والعالم الإسلامي بعامة، ظاهرة جديدة – قديمة من الرؤى والمواقف الغربية التي تحمل بدون خجل أو خشية، نزعة عرقية عنصرية، ودينية تعصبية مقيتة، هذه النزعة تؤكد تواصل الموقف التاريخي العدائي للعرب والإسلام. ان العالم الغربي يشهد حالياً، وكما هو معروف ومعلن، تصعيداً في المواقف العدائية ضد العرب والمسلمين، هذه المواقف تعيد إلى الذاكرة، المواقف نفسها التي كانت سائدة وبقوة في القرن التاسع عشر مروراً بالقرن العشرين، حيث صعود الظاهرة الاستعمارية في اوربا وسيطرتها على الكثير من بقاع العالم، وهي المواقف نفسها التي عاشها الغرب منذ العصور الوسيطة «الحروب الصليبية وما بعدها» مروراً بالعصر الحديث. انها رؤى ومواقف ترتكز على التاريخ وعلى التعصب الديني، وهي التي أسست لعنصرية وتعصبية حاضرة تؤكد حالة التواصل العقلي والنفسي والسلوكي في العداء للعروبة والإسلام، مثلما تؤسس في الحاضر لأهداف ومخططات مستقبلية تخدم الاستراتيجية الغربية وتطلعاتها وأطماعها تجاه عالم الإسلام بأجمعه.

ان هذه الظاهرة الغربية، لم تقتصر على الرموز النخبوية الدينية أو الفكرية والسياسية والعسكرية، وإنما امتدت وبقوة إلى وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، الموجهة والمدعومة بكل الإمكانات المالية وغيرها، من أجل التحشيد لصنع رأي عام غربي معاد للعرب والمسلمين.

رصد العديد من المفكرين والباحثين العرب هذه الظاهرة في عالم الغرب، ونوهوا بخطورتها على الطرفين في الحاضر والمستقبل. وقد أشار أحدهم لصحيفة الإندبندنت البريطانية ما نصه: «انه يندهش من روح العداء الصليبي التي تنتشر في الغرب الان» وقال آخر: «ان روحاً صليبية واضحة تحرك السلوك الغربي تجاه العرب». وفي فرنسا التي انطلقت منها الحروب الصليبية ضد العرب والإسلام، وشاركت فيها وقادتها بقوة في بعض الفترات – حملة لويس التاسع على مصر وتونس – بدأت تتصاعد الظاهرة العنصرية والدينية التعصبية «بل ان التصريحات ضد الإسلام والمسلمين أصبحت الطريق السهل أمام الساسة الفرنسيين الذين يريدون العودة إلى الأضواء من جديد … والظاهرة أصبحت من الانتشار في فرنسا بين جميع السياسيين والزعماء من مختلف الاتجاهات»(1).

ان هذه الظاهرة العدوانية استهدفت وتستهدف بكل صلافة ووقاحة، الإسلام ورموزه، وأصبح الإسلام وعالمه العدو رقم واحد في الرؤى والمواقف الغربية،واحتل العرب المكانة الأبرز في هذا الاستهداف المخطط والهادف إلى تحقيق الكثير مما يهدد الهوية العربية الإسلامية في الحاضر والمستقبل.

ان هذا العداء للعروبة والإسلام، يخبئ في جنباته أحقاداً تاريخية ودينية تعصبية، مثلما يهدف إلى تحقيق مصالح اقتصادية ومادية دائمة على حساب الوطن العربي والعالم الإسلامي بهدف إفقارهما وإضعافهما، لا بل تفكيكهما وتفتيتهما، ومن ثم الإجهاز عليهما، والتأثير أو الالغاء لهويتهما الدينية والقومية الحضارية وجعلهما أسيرين للتبعية والذل لعالم الغرب وغطرسته وتحكمه العسكري ورفاهيته التي لا يتنازل عن جزء منها لصالح الشعوب المقهورة التي يضمها عالم الإسلام بخاصة، وعالم الجنوب بعامة، انها «مواقف غريبة تعيد إلى أذهاننا الوجه القبيح للغرب حينما امتهن مقدساتنا وأوطاننا واستباح خيرات بلادنا واعتبرنا شعوباً من الدرجة العاشرة.. مواقف غريبة تشعل في النفوس المرارة والألم وتسترجع الوجه البغيض للتعصب الأعمى وامتهان عقائد الآخرين»(2).

هذا البحث، سيركز على الرؤية الفرنسية ومخرجاتها من القرارات والمواقف والسلوكيات اتجاه أبناء أقطار المغرب العربي بعامة، والمسلمين البربر بخاصة، انها رؤية عنصرية تعصبية استهدفت الهوية الإسلامية للنسيج الاجتماعي الموحد تاريخياً وحاضراً، في مسيرته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ناهيك عن وحدته الدينية الإسلامية، فضلاً عن وحدته الجهادية والكفاحية ضد العدوان الغربي المستمر حتى الفترة المعاصرة، والذي كانت فرنسا أحد أعمدة هذا العدوان، لا بل العنصر الأكثر فاعلية في عدوانيتها.

ان الرؤية الفرنسية بخاصة، والغربية بعامة في المغرب العربي، استهدفت تحقيق استراتيجية مستقبلية بعيدة المدى تخدم منطلقات ودوافع الحركة الاستعمارية تجاه العرب والإسلام. هذه السياسة، وفي أبعادها غير الاقتصادية، استهدفت التفكيك والتفتيت للبناء الاجتماعي والثقافي والديني والحضاري العام، ومحاولة الاحتواء التدريجي وتحقيق التبعية الكاملة.

Page 2

سياسة فرنسا الاستعمارية في المغرب العربي

احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، وراحت تتطلع لنشر جناحيها على تونس والمغرب. وابتدأت بالعدوان على الهوية العربية الإسلامية. وقد كان رجال الكنيسة يأملون من الاحتلال، القضاء على الإسلام والمسلمين أو تحويلهم إلى حظيرة المسيحية!!. وقد ذكر الجنرال كليمون تونروزيرالحربية عام 1830 ما نصه: «ليس من الغريب ان نرى العناية الإلهية تناشد الملك (شارل العاشر) وريث سان لوي(3)، لينتقم للإنسانية والدين والإهانة الشخصية … ان العناية الإلهية خصته بهذا النصر في الجزائر لجعل المواطنين مسيحيين…»(4)، لذلك اصطحب قائد الحملة الفرنسية،الجنرال بورمونت، ستة عشر قسيساً، وصرح بعد احتلال مدينة الجزائر قائلاً: «إنكم أعدتم معنا فتح الباب للمسيحية في إفريقيا، ونأمل ان تنبع قريباً الحضارة التي انطفأت في هذه الربوع»(5).

ومنذ بداية الاحتلال، بدأ الهجوم على اللغة العربية ومؤسساتها الثقافية والدينية، ولما كانت اللغة العربية وعاء الدين الإسلامي باعتبار لغته العربية، فإن هذا الهجوم يحيل للقضاء على الدين، لأن فهم الدين لا يتم إلا بمعرفة اللغة العربية. وعليه بدأت سلطات الاحتلال بالقضاء على المؤسسات التعليمية والدينية، بالاستناد إلى مبدأ رئيس هو محاربة اللغة العربية واعتبارها لغة أجنبية!! وقد أكد القائد الفرنسي (رين) انه «كان للغزو الفرنسي نتائج وخيمة … منذ وضعت السلطات المحتلة يدها على المنشآت العامة، ولم يبق إلا بعض المدارس العديمة الشأن …»(6).

إذن، كانت بداية السياسة الفرنسية في الجزائر ثم في الأقطار المغاربية التي احتلتها تباعاً تونس (1881) وموريتانيا (1903) والمغرب (1912) العمل على محاربة اللغة العربية والدين الإسلامي. وقد أجمع ساسة فرنسا وقوادها العسكريون والمبشرون الدينيون وغيرهم من رجال الفكر والثقافة على التمهيد بسياستهم العدوانية على (الهوية) لتنصير البلاد والعباد. ولم يقف الفعل العنصري التعصبي عند هذا الحد، بل انتقل ليأخذ بعده الاجتماعي عن طريق التفريق بين أبناء الوطن الواحد، بممارسة سياسة الفصل العنصري بين العرب والبربر. وهي السياسة التي بدأت في الجزائر ونضجت في المغرب، ومورست في موريتانيا. ففي عام 1849، فصلت السلطات الفرنسية منطقة القبائل الصغرى عن بقية البلاد، ثم قام الجنرال (بيجو) بانشاء إدارة مستقلة في منطقة القبائل الكبرى عام 1853، في محاولة لعزل البربر عن بقية أنحاء البلاد، وعن اخوانهم العرب المسلمين،واخضع المنطقة إلى نظام اداري وقضائي خاص بها، وانشأ (مجالس الجماعات البربرية) التي كانت تدير شؤون القبائل(7)، والحقت السلطات الفرنسية هذا الفعل، بإصدار القرارات التي تخرج هذه المناطق من نطاق القضاء الإسلامي، ومهدت للإرساليات التبشيرية للعمل فيها ونشر دعواتها المزيفة للحقائق التاريخية عن ما دعته الأصول الأوروبية المسيحية للبربر!! وان العروبة والإسلام دخيلان عليهم!!. وفي ضوء هذه الإجراءات توهم الجنرال بيجو عندما صرح:

«أن أيام الإسلام الأخيرة في الجزائر قد ماتت ولن يكون في الجزائر كلها بعد عشرين عاماً من إله يُعبد سوى المسيح»(8)!!.

وكل ذلك من أجل التمهيد لعملية (الإدماج) التي أرادها الفرنسيون من الجزائر، ومحاولة ربطها بما يسمى (العائلة الفرنسية) واعتبارها (ملكية فرنسية)، وذلك بموجب قرارها المعروف (سناتوس كونسلت Senatos consult) الذي نص على «ان جميع الجزائريين هم رعايا فرنسيون ويحق لهم الحصول على الجنسية الفرنسية شريطة ان يتنازلوا عن الاحتكام إلى قانون الأحوال الشخصية الإسلامي»، وقد فشل القرار في جذب الجزائريين الذين تمسكوا بدينهم ووطنيتهم وانتمائهم الثقافي ولم يتجاوز من حصل على الجنسية وبعد ما يقارب التسعين عاماً سوى (2500) شخصحتى عام 1919(9).

استمرت السلطات الفرنسية وبدعم وإسناد مؤسسات الدولة الفرنسية كافة، في محاولاتها للقضاء على اللغة العربية والدين الإسلامي. فعندما أصدر رئيس الوزراء الفرنسي قانون 8 آذار/مارس 1938 لوضع العقبات في وجه تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي، هبت جمعية العلماء المسلمينالجزائريين بزعامة عبد الحميد بن باديس لمواجهة هذا القرار / القانون، وأكد بن باديس «… واننا نعلن لخصوم الإسلام والعربية اننا عقدنا العزم على المقاومة المشروعة …» وقبل وفاته (1940) هتف يقول: «فاذا هلكت نصيحتي: تحيا الجزائر والعرب»(10).

وطبقت فرنسا وسلطاتها المحتلة، السياسة نفسها في تونس بعد فرض الحماية

– الاحتلال- عامي 1881 و1883. ان السلطات الفرنسية التي حاولت إقصاء اللغة العربية وثقافتها وإحلال اللغة الفرنسية وثقافتها في تونس، اتجهت في سياستها التعليمية في تونس منذ فرض الحماية، «الى محو الروح القومية وذلك بمحاربة اللغة العربية والاستعاضة عنها باللغة الفرنسيةوبتطبيق برامج خاصة لاخراج الناشئة عن قوميتها العربية وقطع الصلة بينها وبين ماضيها وتاريخها لتتمكن من إدماجها في العنصر الفرنسي»(11)، لكن بنود نظام الحماية ورسوخ مؤسسات تونس التعليمية (جامع الزيتونة مثلاً) حال دون الوصول إلى الدرجة الاقصائية للغة العربية كما حصل في الجزائر، فلجأت السلطات إلى سياسة اخرى، حيث شهدت تونس قرارات ومراسيم لا تمس هويتها الثقافية وحسب، وإنما الهوية الوطنية لأفرادها عن طريق ما سمي بسياسة (التجنيس) الفردي والجماعي بالقرارات الصادرة أعوام 1887 و1897 و1889 و1914 التي تعطي تسهيلات للتونسي الراغب في الحصول على الجنسية الفرنسية.

وفي عام 1923 صدر بتونس «قانون التجنيس» الذي رغب التونسيين في تعويض جنسيتهم بالجنسية الفرنسية وواعداً اياهم بالتمتع بالامتيازات نفسها التي يتمتع بها الفرنسيون، وكان «اعلان وتنفيذ هذا القانون، الاجهاز على الذات الوطنية والشخصية العربية الإسلامية لتونس بشكلقانوني لاتمام عملية الالحاق المفروض بالقوة حتى ذلك الوقت»(12). وكما ارتبط مفهوم «الإدماج» في الجزائر بقرارات ومراسيم استعمارية، كذلك ارتبط (التجنيس) في تونس بإصدار مراسيم تقنن وتنظم العملية وكل ذلك «من أجل ان يخلق –المحتل- شرخاً بالوحدة الوطنية للشعبالتونسي»(13).

وفي موريتانيا التي فرضت فرنسا حمايتها عليها عام 1903، اتبعت الأساليب نفسها التي مارستها في الجزائر وتونس في المجال الثقافي والاجتماعي، فقد عملت السلطات الفرنسية على محاربة اللغة العربية وثقافتها ومؤسسساتها الدينية والثقافية البسيطة (المحضرة)، وفرضت اللغة الفرنسية وثقافتها عن طريق المدارس التي انشأتها، وبتشجيع النزعات القبلية والطائفية بين الطرق الصوفية، واثارة الحساسيات العرقية (عرب – بربر – زنوج) لتفكيك المجتمع وإضعافه. كما حالت بين موريتانيا ومحيطها المغاربي والعربي.

ومن الجدير بالذكر، ان هذا الفعل الاستعماري الخبيث، والمدعوم بكل الإمكانات السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية والكنسية، لم يستطع القضاء (طوال سنوات الاحتلال وسياسته) على هويتهم، لا بل واجه مقاومة ضارية في البلدان الثلاثة، وكما سيحصل في المغرب من أجل الدفاع عن دينهم الإسلامي ولغتهم العربية، وتمسكهم بتاريخهم العربي وقوة اعتزازهم بالانتساب إلى انتمائهم الوطني والديني والعربي، وما الثورات والانتفاضات التي قامت في الجزائر بخاصة وطوال القرن التاسع عشر، وفي مناطق البربر (القبائل) إلا شاهد على التمسك بوحدة النسيج الاجتماعي، والاعتزاز بالوطن وهويته ضد محاولات العزل الاصطناعي.

وفي عام 1912، فرضت فرنسا حمايتها – احتلالها – على المغرب، واتبعت السياسة التعصبية بشكل أكبر بعدوانها على (الهوية) الوطنية لابناء البلاد، والتي عرفت بـ (السياسة البربرية).

Page 3

السياسة البربرية

ان السياسة الفرنسية إتجاه العروبة والإسلام شملت كل أبناء المغرب العربي من خلال الجهود التعليمية والتبشيرية المدعومة بكل الإمكانات الكنسية. وجاء التركيز على (البربر) لأهداف مرحلية ومستقبلية تخدم الأهداف الاستعمارية. وفي هذا الإطار يقول المقيم العام الفرنسي في المغرب الجنرال ليوتي (1912-1925) بعد احتلال المغرب ما نصه: «يجب الكفاح بكل الوسائل التي نمتلكها ضد انتشار اللغة العربية والإسلام، ليس في المناطق الجبلية فحسب، بل حتى في المناطق المتاخمة لبلاد البربر التي يتكلم اهلها العربية والبربرية معاً»(14).

وتظهر سياسته ضد اللغة العربية والدين الإسلامي في المغرب من خلال تعليماته الشهرية إلى ضباط المخابرات ورؤساء المناطق العسكرية والمدنية المغربية. ومما جاء في إحدى تعليماته الصادرة بتاريخ 16/6/1921 ما نصه: «ليس علينا ان نعلم العربية لمجموعات من الناس استغنوا عنها دائماً (في اشارة إلى البربر). ان العربية عنصر أسلمة لكونها لغة القرآن، اما مصلحتنا فتفرض علينا ان نجعل البربر يتطورون خارج إطار الإسلام. ومن الوجهة اللسانية علينا ان ننزع إلى المرور مباشرة من البربرية إلى الفرنسية، ولهذا نحتاج إلى عارفين بالبربرية … كما يلزم خلق مدارس فرنكو – بربرية، حيث نعلم الفرنسية للبربر الشباب»(15).

ان هذه السياسة الفرنسية إتجاه البربر ظهرت بتركيز في الجزائر والمغرب بخاصة حيث الوجود البربري، واعتمدت الأسس الآتية:

- عزل المناطق ذات الكثافة السكانية من البربر عن محيطهم الاجتماعي وممارسة إدارة خاصة تجاههم في كل ما يخص شؤون حياتهم بعيداً عن الشريعة الإسلامية واللغة العربية وثقافتها، والعمل على احياء الأعراف والتقاليد الاجتماعية الموروثة للبربر.

- العمل من أجل القضاء على اللغة العربية وثقافتها باحياء اللهجات البربرية وتشجيع الكتابة بها ولكن بالاحرف اللاتينية.

- فسح المجال أمام البعثات التبشيرية وامدادها بالعون المالي والدعم السياسي والعسكري لانشاء المراكز الدينية التبشيرية (التنصيرية) والمراكز الثقافية (المدارس – المكتبات) بما يخدم الهدف المستقبلي، وهو العمل التدريجي على تجريد أبناء البلاد من هويتهم الدينية وانتمائهم القومي والحضاري،وشرخ التماسك الاجتماعي الوطني والعربي الإسلامي في عموم المغرب العربي، وبما يهيئ ويؤسس لمشكلة اجتماعية داخلية مستديمة في المنطقة.

عملت الحكومة الفرنسية وسلطاتها المحتلة في بلدان المغرب العربي بعامة، وفي الجزائر والمغرب بخاصة، وطوال الحقبة الاستعمارية، على التأثير في اللغة العربية وثقافتها، ومحاولة إلغاء الهوية الثقافية العربية الإسلامية تمهيداً للقضاء على الدين الإسلامي كما صرح منظروهم وكما تؤكد ممارساتهم. ولعل سياستهم تجاه (البربر) في المغرب ومنذ الحرب العالمية الأولى ما يؤكد نضج هذا المخطط التقسيمي بين أبناء الوطن الواحد.

انبنت السياسة الاستعمارية الفرنسية إتجاه البربر على ثلاث خلاصات كما يؤكد المؤرخ المغربي امحمد مالكي، وهذه ستشكل الأساس النظري والتوجهات العملية للمخطط التقسيمي بين العرب والبربر، ومحاولة إخراج البربر من حظيرة الإسلام والعروبة. وتتمثل هذه الخلاصات بالآتي:

«- الاقرار بوجود تناقض سديمي بين العرب والبربر كما يزعمون.

- بناء على هذا الاختلاف في التكوين التاريخي للعرقين، هناك دعوة لتفضيل الجنس البربري على نظيره العربي، وذلك لقابليته بتقدير الاستعمار على التطور المدني والحضاري.

- وثالث هذه الخلاصات استعداد البربر واكتسابهم لاهلية الاندماج بالمجتمع الفرنسي سياسياً واجتماعياً وثقافياً»(16).

Page 4

تستوقفنا هنا الخلاصة الثالثة في الرؤية الفرنسية الاستعمارية التي تضع الأسس، ليس للتفكيك والفصل الاجتماعي الوطني، وإنما لتبعية مستقبلية للبربر لفرنسا، ومن هنا جاءت القرارات والمواقف الفرنسية وسلطاتها المحتلة لتنفيذ هذا المخطط التقسيمي والعدائي للهوية بين أبناء المغرب بخاصة بعد ان اثبتت ثورات وانتفاضات الجزائر طوال القرن التاسع عشر، عقم سياسة الفصل العنصري بين العرب والبربر، حيث كانت مناطق البربر (القبائل الكبرى والصغرى) مناطق دفاع في العمق عن الوحدة الوطنية والانتماء الديني والثقافي والحضاري الواحد.

أصبح المغرب مجال التطبيق الرئيس للمخطط الاستعماري في العدوان ومحاولة القضاء على (الهوية) لسكان المغرب بعامة وللبربر بخاصة. ونظراً لرسوخ المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية (جامع القرويين وغيره …) في المدن، فقد توجهت نحو المناطق الجبلية والصحراوية حيث الكثافة البربرية، في محاولة للتأسيس لكيانية ذاتية منفصلة عن الكيانية الاجتماعية العامة.

انبنى خطأ الرؤية والموقف الفرنسيان على ان هذه المناطق كانت بعيدة عن سيطرة الحكومة المغربية (المخزن)، وانها كثيراً ما ثارت بوجه السلطة المغربية «نعم ولاسباب لا علاقة لها بالعرق أو اللغة» وانها حسب ادعاءاتهم لم تكن متمسكة بالإسلام وشريعته ولغته!!.

كلف المقيم العام الجنرال ليوتي، واضع أسس السياسة البربرية في المغرب، مجموعة من منظري الاستعمار برئاسة جورج سوردون، استاذ الحقوق الإسلامية للبحث عن صياغة قانونية لأعراف البربر واخراجها في صورة من الحقائق عن طريق إخراج أبحاث ملفقة، وجمعت تلك الأعراف بما أسمته السلطات الفرنسية المحتلة بـ«قانون العرف البربري» عام 1914(17)، وتم إصدار ظهير (قانون) في 11 من أيلول / سبتمبر 1914، وبموجبه فتحت لمناطق القبائل البربرية محاكم عرفية تفصل في القضايا على وفق الأعراف والتقاليد والعادات البربرية في محاولة لاخراجهم مننطاق الشريعة الإسلامية والمحاكم الشرعية الإسلامية. وقد توهمت السلطات الفرنسية المحتلة، ان اهالي هذه المناطق وغالبيتهم من البربر «ان إسلامهم سطحيٌ وليس ببعيد ان يتنصروا ويندمجوا معها»(18).

ان إصدار هذا (القانون المدني) الخاص بالبربر، كان بداية الاستهداف للدين الإسلامي ولشريعته المطهرة، واخراج البربر عن دينهم الحنيف، وزرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد. وقد اوضح جودي فروي ديمونين، أحد منظري السياسة الفرنسية بقوله: «لابد ان نستعمل لفائدتنا العبارة القديمة، فرق تسد،، ان وجود العنصر البربري هو آلة مفيدة لموازنة العنصر العربي. ويمكننا ان نستعمله ضد المخزن نفسه». وفي الهدف العدواني نفسه، كتب أحد موظفي السلطات الفرنسية في المغرب ما نصه: «يجب ان نحذف تعليم الديانة الإسلامية في مدارس البربر، ويجب ان نعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام»(19).

وفي عام 1915، أصدرت السلطات الفرنسية مجموعة من البلاغات اعتبرت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للبربر، ويتم التداول بها في المعاملات الرسمية والسجلات والعقود والسندات. كما دعت في منشور عام 1919 إلى اعداد الكوادر (الإطارات) العسكرية من أبناء البربر من خريجيالمدارس الفرنسية والمثقفين بالثقافة الفرنسية لحكم المناطق البربرية، وعملت على عزل البربر عن اخوانهم العرب في العديد من المناطق كما حصل في الجزائر(20) ولم تقف السياسة الفرنسية عند هذه الحدود، بل أرادت (تنصير) المغاربة وتغريبهم عن محيطهم الديني والاجتماعي والثقافي العربي الإسلامي، وكان ذلك بانشاء الكنائس الكبيرة والصغيرة، واستدعاء المبشرين من القساوسة والرهبان من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ونشرهم في عموم المغرب. وفيما يخص البربر، فقد اجبرتهم على إرسال ابنائهم إلى الرهبان والقساوسة لكي يدرسوا تعاليم المسيحية، وتعليمهم تاريخ الإسلام بشكل مشوه بعيداً عن الحقيقة. ومارست التقريب بين البربر والرهبان والابعاد عن العرب. وفرضت الحصار على البربر حتى لا تصلهم الكتب والمجلات العربية، لتحل مكانها كتبهم ومجلاتهم التي تهاجم الإسلام وتشوهه(21). كما اجبر الجنرال ليوتي، السلطان يوسف بن الحسن الأول (1912-1927) على إصدار ظهير آخر سمح بموجبه تعديل العرف البربري والذي لم يكن يسمح للأجانب بامتلاك الأراضي في القبائل البربرية، وصدر الظهير في 15 حزيران/يونيو 1922 بتوقيع سلطان المغرب، وتم إلغاء هذا الحق الوطني، وتمكن المستوطنون الأجانب وأغلبهم منالفرنسيين من السيطرة على بعض أراضي القبائل البربرية(22).

بذلت السلطات الفرنسية المحتلة وبدعم واسناد كبيرين من الحكومة الفرنسية والجمعية الوطنية الفرنسية والمؤسسات الكنسية والثقافية والتعليمية، جهوداً كبيرة منذ بداية الاحتلال حتى ثلاثينات القرن العشرين (وكما سعت في الجزائر) إلى احداث الاختلاف في الواقع الاجتماعي المغربي لخلق الخلاف بين أبناء الوطن الواحد، وجاءت محاولاتهم المحمومة في العمل على «تنصير المغاربة وفرنستهم واحداث تفرقة بينهم تتقد بسببها نار فتنة طائفية وعرقية …»(23) أو التأسيس لاتجاه انقسامي في الوحدة الوطنية والاجتماعية والدينية والحضارية عامة. وصدر هذا الظهير في وقت كانت المقاومة المسلحة على أشدها في المناطق الجبلية (جبال الأطلس …)، حيث يدافع المغاربة وأغلبهم من البربر في المناطق الجبلية، ضد الاحتلال وسياسته. وعليه، كان صدور (الظهير البربري) محاولة من الفرنسيين للخروج «من مأزق المقاومة بحل جذري، وبتتويج المراحل المذكورة بإجراء عملي تمثل في تدبير اداري ويجرأوا على إصدار ظهير 17 ذي الحجة 1348/ 16 ماي 1930 (عرف بالظهير البربري) …»(24). وكان أبرز الظهائر (القوانين) التي أصدرتها السلطات الفرنسية المحتلة.

ان أبرز مظاهر السياسة الفرنسية، كان صدور (الظهير البربري) عام 1930. هذا الظهير، أخرج السياسة الفرنسية العدوانية على (الهوية) إلى العلن، وكشف الوجه الكالح لمنظريها ومنفذيها مثلما كشف ابعادها الدينية والثقافية والسياسية ايضاً.

تكون (الظهير البربري) من ثمانية فصول، أكدت على إخراج البربر من سلطة الحكومة المغربية (المخزن) ومن الشريعة الإسلامية وقد استخلص المغاربة من الظهير البربري ثلاثة أمور:

1- فصل قسم من المسلمين المغاربة عن القضاء الشرعي.

2- تحويل المسائل القضائية في مناطق البربر إلى المحاكم الفرنسية، وعد ذلك في نظر المغاربة بمثابة خطة لتنفيذ سياسة (التنصير) واعلان (حرب صليبية جديدة).

3- تمزيق وحدة السلطة المغربية، وعد ذلك خرقاً صريحاً لمعاهدة الحماية (معاهدة فاس) لعام 1912(25).

وبدأت السلطات الفرنسية المحتلة بوضع (الظهير البربري) موضع التنفيذ، واتخذت مجموعة من الإجراءات منها، تصعيد نشاط الإرساليات التبشيرية، وزيادة اعداد المبشرين من القساوسة والرهبان (اكثر من 1000 شخص) وبشكل لم يسبق له مثيل منذ احتلال المغرب عام 1912 وقامت بانشاء المدارس ودور الأيتام في مناطق البربر، واجبرتهم على إرسال ابنائهم إلى المدارس التبشيرية بحجة التعليم العصري، ومن جهة اخرى قامت بمنع علماء الدين والوعاظ المسلمين من تأدية واجباتهم في المساجد أو القاء المحاضرات الدينية وعينت عدداً من رجالاتها المتعصبين والحاقدين على الإسلام في الوظائف الإسلامية مثل العدلية الإسلامية، ومكتب المطبوعات العربية، والتعليم الإسلامي، والوثائق التاريخية، ليمارسوا نشاطهم من خلال مواقعهم في هذه المؤسسات. وخصصت الجمعية الوطنية الفرنسية، الاعتمادات المالية اللازمة لتصعيد حركة التبشير (التنصير)، فيما خصصت السلطات الفرنسية في المغرب مبلغاً يزيد على ثلاثة ملايين فرنك من ميزانية الدولة

المغربية!! إعانات للإرساليات، وخصصت الكثير من إيرادات الأوقاف الإسلامية!! للهدف ذاته(26).

اتفق عدد من الدارسين على وجود (دوافع سياسية ودينية) وراء إصدار هذا الظهير، كان الهدف منها «ترسيخ الوجود الفرنسي في المغرب عن طريق تمزيق وحدته، وابعاد الأمازيغ – البربر – عن العروبة والإسلام» والعمل على «وضع حد للمقاومة الأمازيغية – البربرية – واحكام قبضتها على مجموع البلاد»(27). ومع بداية احكام قبضتها على المقاومة المغربية واسكاتها في مناطق جبال الأطلس منذ عام 1934، قامت السلطات الفرنسية المحتلة بإصدار ظهير آخر مكمل للظهير البربري في 8 نيسان / إبريل 1934، منعت بموجبه حرية الرأي والتعبير، ومنع دخولالمجلات العربية إلى المغرب، وعطلت الصحف الوطنية، وضيقت الخناق على الأصوات المناوئة لسياستها العدوانية ولاسيما من علماء الدين والمثقفين الذين بدأوا يكشفون حقيقة السياسة الفرنسية تجاه الشعب المغربي بأجمعه(28)، فكانت البداية للكفاح المغربي والعربي الإسلامي للسياسة الفرنسية ومخططاتها ضد المجتمع المغربي وهويته ووحدته الوطنية.

Page 5

الموقف المغربي والعربي من السياسة الفرنسية

كان «الظهير البربري» لعام 1930، وما سبقه وما اعقبه من قرارات مؤسسة أو مكملة له، منظوراً رؤيوياً مستقبلياً استهدف وحدة النسيج الاجتماعي الوطني المغربي، وفي ابعاده الأوسع استهداف للعروبة والإسلام. فهو منظور استعماري كان يهدف إلى محاولة تشكيل معادل موضوعي معاد للعنصر العربي، واستهدف دق اسفين لكيانية ثقافية وسياسية، تضع البلاد والعباد في قلق وتوتر يقود إلى الصراع الداخلي. ومن هنا ادركت العناصر الوطنية المغربية من العرب والبربر خطورة هذا المخطط الاستعماري الخبيث، وبدأت باستجماع خيوطها والانطلاق بحركة وطنية منظمة واعية لأهدافها الوطنية، والعمل على انتزاع الحقوق المغتصبة، والدفاع عن الهوية العربية الإسلامية الجامعة والموحدة للنسيج الاجتماعي المغربي، وكان ذلك بتأسيس «كتلة العمل الوطني المغربية» وبداية المواجهة ضد الاحتلال وسياسته في المجالات كافة، وبخاصة، مشروعه التعصبي والتقسيمي المهدد للوحدة الوطنية وللانتماء الديني والقومي والحضاري للمغاربة(29).

أحدث صدور (الظهير البربري) غضباً مغربياً عاماً، قاده علماء الدين والمثقفون والأعيان والصناع والفلاحون والشباب في العاصمة فاس، وفي عموم المغرب(30)، وأعلنوا في مطالبهم رفضهم لما جاء في الظهير البربري وتأكيدهم على «تكوين قضاء موحد لجميع المغاربة» وربط جميع موظفي الدولة بسلطة السلطان المغربي محمد بن يوسف (1927-1961)، والاعتراف بالإسلام ديناً قومياً في المغرب و«منع الهيئات الأجنبية وإدارة المعارف من استعمال وسائل التبشير» و«الاعتراف باللغة العربية وحدها هي لغة البلاد الرسمية، ولذلك يجب ان تكون اللغة الأساسية فيالتعليم»(31). وقد كان للبربر انفسهم موقفهم الواضح والمشرف في الدفاع عن دينهم وانتمائهم الوطني والثقافي والحضاري العام. فقد رأى البربر في (الظهير) اعتداءاً صارخاً على دينهم وشريعتهم ومقدساتهم. ولعل أبرز مواقف الغضب والاستياء والمعارضة البربرية، تجمع حشود البربر حول المحاكم التي اقامتها السلطات الفرنسية المحتلة، واعلانها انهم لا يريدون إلا الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية. وأرسلوا الوفود إلى سلطان المغرب يطالبون بإرسال القضاة الشرعيين ومحاكم شرعية إسلامية. وكان من نتائج هذا الموقف الديني والوطني والتعلق بالحكومة الوطنية الممثلة بشخص السلطان محمد الخامس، ان تعرضوا لحملات القمع والاضطهاد والاعتقال، بحيث وصل عدد المعتقلين إلى اربعة الألف رجل(32).

عبر المغاربة جميعاً مثل غيرهم من أبناء أقطار المغرب العربي، عن موقفهم الواحد والموحد ضد الاحتلال الفرنسي وسياسته، وكان موقف المغاربة عام 1930 أبرز تعبير عن وحدة الانتماء والدفاع عنه. ولعل أبلغ تعبير عن ذلك – إلى جانب الفعاليات الوطنية والسياسية العملية – تلك القصيدة التي اطلقها أحد البربر من سجون فاس وجاء فيها:

يالطيف الطف بقــوم هم ضحايا الوطنيـة بشباب قد تفانــــــى لا يرى الجلد دنيـــةلا يرى السجن مصاباً لا يرى الشنق رزيــة هم بنو العزة ســــراة هم بنو النفس الابية شيدوا للديــــن مجداً بيميـــن عـــــربية وابوا للديـــــــن إلا وحـــدة للابديــــة وحدة اخلص فيهـــا مضــــر للبربريـــة تلكم نهضة عــــرب جددوها مغربيـــة(33) وقف الشعب العربي في معظم أنحاء الوطن العربي وواجهاته الدينية والوطنية والثقافية ضد السياسة الفرنسية واتجاهاتها في محاولة القضاء على الإسلام والعروبة في المغرب العربي عامة، وفي المغرب خاصة. وقد كان للمسلمين في الهند وجاوة الاندونوسية، دور في ذلك ايضاً.

انتقل رد الفعل المضاد للسياسة الفرنسية إلى الدائرة العربية الأوسع، فقد ابتدأ رد الفعل العنيف ضد (الظهير البربري) إلى أقطار المغرب العربي، الجزائر، تونس، موريتانيا، ليبيا، ثم إلى معظم أقطار الوطن العربي في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق، حيث عبرت واجهات الرأي العام من علماء الدين والجمعيات والمؤتمرات الشعبية الإسلامية والمجلات والصحافة، عن موقفها وادانتها للسياسة التي تنتهجها فرنسا في العدوان على الهوية العربية الإسلامية(34).

إن الحركة الوطنية المغربية وظهيرها الشعبي، والحركات الوطنية في الأقطار المغربية التي قاومت الاحتلال الفرنسي وسياسته عن طريق الكفاح المسلح أو عن طريق الكفاح السياسي أو بكليهما معاً، اشترك فيها كل أبناء المغرب العربي، وفي الجزائر والمغرب خاصة، فلقد كانت ثورات الجزائر في القرن التاسع عشر، وثورات المغرب حتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، أبلغ تعبير عن التلاحم الوطني، وكان التلاحم الوطني الأبرز هو بالتحام الكفاح المسلح مع الكفاح السياسي منذ عام 1953 في المغرب. وكان انطلاق الثورة الجزائرية من جبال الاوراس وجرجرة (منطقة القبائل) عام 1954، توكيداً لهذا الفعل الواحد الموحد ضد الاحتلال وسياسته العدوانية تجاه (الهوية)، هذه المقاومة اشترك فيها الجميع وبلا حساسيات من أجل التحرر والاستقلال الوطني والدفاع عن ذلك حتى الاستشهاد.

وقد وعى الجنرال ديغول فشل السياسة الفرنسية في إدماج أبناء المغرب العربي بما يسمى «العائلة الفرنسية». ومما جاء في قوله: «حاولوا دمج الزيت بالخل، حركوا الاناء، فبعد لحظة يفترقان، فالعرب عرب، والفرنسيون فرنسيون … هل تعقدون ان لديهم شعوراً بالانتماء إلى وطن واحد! وانهم قادرون على تجاوز كافة الاختلافات العرقية والطبقية والدينية؟ ….»(35).

إن السياسة الاستعمارية الفرنسية منيت بالفشل في أقطار المغرب العربي، وهذا الفشل مرده كما يقول مالكي إلى «… ان الوطنية التي مثل الإسلام دوراً تاريخياً مركزياً في توفير شروط إنجازها، قد حققت درجة من الترسيخ والعمق والتلاحم، لم يعد ممكناً التشكيك فيها ولا القدرة على تفكيكها. كما ان اخفاق سياسات الاستعمار لم يقتصر على المغرب الأقصى بل شمل تونس (التجنيس) والجزائر (الإدماج)، وفي ذلك دليل على فشل الاستراتيجيا الاستعمارية العامة في الرهان على التفرقة بين مكونات الوحدة الوطنية لشعوب المغرب العربي …»(36).

ومع ذلك فإن آثار المرحلة الاستعمارية، تؤكد استمرارية الفعل الثقافي والاجتماعي الفرنسي (الفرانكوفونية – السياسة البربرية)، حيث برزت ظاهرة «نخبوية» وليست شعبية عامة منذ نهاية القرن العشرين بدأت تطرح أفكاراً وتقيم جمعيات ثقافية ومنظمات سياسية تعبر عن ما أسمته «القضية الأمازيغية» في الجزائر والمغرب. وأصبحت هذه القضية «… ظاهرة ملحة ومقلقة وتؤذن بارهاصات راهنة ومستقبلية في المغرب العربي …» وانتقلت من قضية داخلية إلى قضية «ذات امتدادات دولية…» حيث احتضنتها بعض العواصم الغربية مثل باريس وواشنطن(37). وعلى هذا يتأكد تواصل الظاهرة العدوانية الغربية تجاه العروبة والإسلام، والسعي الدؤوب للعمل على خلق مشاكل داخلية في المجتمعات العربية، من أجل تفكيك وحدة النسيج الاجتماعي الوطني والعربي العام، وجعل الأقطار العربية في حالة من الضعف غير قادرة على البناء والتطور أو مواجهة التحديات التي تستهدفها قومياً وحضارياً في الحاضر والمستقبل.

Page 6

سبل المواجهة

أصبح من المؤكد ان السياسة الثقافية / الاجتماعية للاحتلال الفرنسي كانت السبب الأساسي والمباشر في المشاكل الثقافية والاجتماعية التي راحت تأخذ بعداً سياسياً أيضاً (في الجزائر خاصة) مناقضاً للاتجاه الوطني العام. فالاحتلال الفرنسي هو الذي «ابتدع المسألة البربرية»(38) وأرادها أن تكون الأساس في التنوع والتعارض داخل المجتمع الموحد تاريخياً وكفاحياً وفي الجزائر والمغرب بخاصة.

إن التنوع داخل الوحدة الوطنية، والتمتع بالخصوصية الثقافية التي لا تتعارض مع الثقافة العامة وصيرورة المجتمع، أمر طبيعي، لكن الأمر غير الطبيعي، ان تأخذ الخصوصية الثقافية/الاجتماعية اتجاهاً معارضاً للاتجاه الوطني العام، ويقود ذلك إلى ان تأخذ هذه «الخصوصية» موقفاً معادياً ومؤثراً على استقرارية المجتمع ووحدته الوطنية في المجالات كافة. والامر المفجع ان يكون لهذه «الخصوصية» امتدادات دولية، وهي غربية على العموم ومعروفة باتجاهاتها ومواقفها غير النزيهة، لا بل العدائية المعلنة بشكل سافر، ضد الإسلام والعرب في السنوات الأخيرة بخاصة.

إن السياسة الاستعمارية الفرنسية القديمة / الجديدة في المغرب العربي، وما تمخض عنها من تاثير في بعض النخب الداخلية (المتفرنسة)، والتي وجدت لها دعماً من فرنسا (وغيرها من الدول الغربية) تحت غطاء الدفاع عن الحقوق والحريات والديمقراطية من أجل الإبقاء على الحضور الثقافي الفرنسي وديمومته بالاتجاه الذي يخدم الهدف الاستعماري القديم، افرزت نزعات ثقافية/اجتماعية في الجزائر والمغرب، وايضاً (سياسية) في الجزائر بخاصة، وهي «نزعة التعددية الثقافية» و«نزعة الاحياء الأمازيغي العرقي» و«نزعة ديمقراطية الحياة السياسية» و«نزعة شعبية أئتلافية»، والنزعات الثلاثة الأول لا تجد لها صدى إلا عند اقلية نخبوية بربرية، محدودة العمق الاجتماعي، في حين تأخذ النزعة الأخيرة عمقها الاجتماعي البربري المعبر عن الاصالة التاريخية والوطنية في الشعور والإحساس بالانتماء إلى هوية وطنية وقومية ودينية، أصبحت تعبر عن شخصيتهم التاريخية والحضارية والمستقبلية.

إن النزعة الشعبية الأئتلافية تتشكل من «عامة الناس والناشطين من الوطنيين والإسلاميين الذين هم … احرص على الارتباط بالمجال العربي الإسلامي وعلى استخدام اللغة والحروف العربية عند رسم الأمازيغية – البربرية – ويعتبر انتماؤهم إلى قبائل الأمازيغ –البربر- نوعاً من الخصوصية الثقافية التي تدخل في تكوين عناصر شمال إفريقيا ولا تمثل بالضرورة حساسية وعداء للعروبة والتعريب فضلاً عن الإسلام …»(39).

والجدير بالذكر، ان البربر لم يواجهوا عقدة من اللغة العربية وثقافتها وحضارتها، لقد تعاملوا معها من خلال الدين الإسلامي الذي آمنوا به، واسهموا في ترسيخه في مناطقهم في المغرب العربي الكبير، ووسعوا امتداده إلى مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، وشاركوا في الفتوحات العربية الإسلامية في إسبانيا (الأندلس)، لا بل، قادوا الجيوش الإسلامية منذ ذاك التاريخ وحتى العصور الحديثة سواء في الأندلس أو في المغرب العربي أو في إفريقيا جنوب الصحراء، ضد الاعتداءات الأوروبية على بلادهم.

ومع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، تم توسيع مناطق احتلالهم لتشمل تونس والمغرب إضافة لموريتانيا، فقد وقف أبناء المغرب العربي جميعاً ضد الاحتلال الفرنسي وسياسته الاستغلالية والاستلابية للأرض والإنسان وهويته. وعليه، فقد كان رد الفعل المغربي طوال زمن الاحتلال الفرنسي وسياسته «مزدوجاً إسلامياً ضد التنصير والتبشير، وعربياً ضد السياسة البربرية» وأصبحت «العروبة والإسلام في المغرب العربي يحيلان إلى أمر واحد هو الهوية»(40).

إذن، دافع أبناء المغرب العربي جميعاً عن هويتهم الدينية والثقافية والحضارية الجامعة والموحدة ضد محاولات (الفرنسة)، وهذا الاتجاه «ظل موجوداً كشعور وإحساس بالاتنماء إلى شخصية تاريخية تكونت على قاعدة عربية إسلامية» ويضيف مالكي: [«فالدفاع عن الهوية قد شكل الأساس الايديولوجي والنضالي الذي على ارضيته ستبرز النوى الأولى للحركات الوطنية … مدافعة عن سيادتها الوطنية، وداعية ثانية إلى استحضار تراثها المشترك ومقومات انتمائها إلى المشروعية العربية الإسلامية لبلورة وعي جماعي بضرورة التنسيق والوحدة لمقاومة «الآخر» وصيانة «الأنا»](41).

إن الوحدة الثقافية العربية الإسلامية (مع احترام التنوع في اللهجات البربرية أو في غيرها) تبني الشخصية الوطنية الموحدة في إطارها الأوسع،وهي تبني «القوة النفسية» و«الأرادة القوية» التي تحصن الذات، وتشكل حاجزاً للحماية والدفاع عن «الهوية» بين أبناء المغرب العربي جميعاً ضد «الآخر» الغربي الذي يستهدف وجودنا وهويتنا الدينية والثقافية في الحاضر والمستقبل. عليه، فإن اللغة العربية وثقافتها، والدين الإسلامي وشريعته وعلومه، والتاريخ وعمقه، والتراث وكنوزه وعظمته، والكفاح المشترك والموحد عبر التاريخ واهميته، والشعور والإحساس الموحد وضرورة استمراريته واستنهاضه بتنمية الوعي بطبيعة «الآخر» وأهدافه، كلها عناصر تقوي جهاز المناعة في الذات الوطنية ضد «الآخر» المهاجم دوماً وبكل قواه وأساليبه المتغيرة عبر العصور، لتدمير الذات الوطنية والعربية الإسلامية.

ان الوعي العميق (ومن خلال فعاليات واجهات الرأي العام العربي جميعاً) بطبيعة ومخطط وأهداف الهجمة العنصرية والتعصب الديني، يدفعنا إلى ضرورة الحوار الداخلي وبناء الذات القوية المحصنة بـ «الهوية» والاعتزاز بها والدفاع عنها بكل الوسائل، فعلى اسوارها تتحطم مخططات ومشاريع الغرب التي تستهدف وجودنا القومي والديني والحضاري. وهذا البناء الذاتي، يتطلب تكثيف الجهود وتوفير الإمكانات المادية والمالية التي توسع دائرة التربية والتعليم والمراكز الدينية والثقافية، والحؤول دون «ثنائية اللغة» في المناهج ودون استمرار التأثير «الفرانكوفوني».

ان ثنائية اللغة، وتعلم أكثر من لغة، هي سمة الإنسان العصري، وهي مطلوبة وضرورية، ولكن عند الإنسان المختص بعلم من العلوم، وليس بالضرورة ان تكون هذه الظاهرة اللغوية والثقافية والحضارية عامة بين جميع أبناء الشعب. ان هذه الثنائية حتى بعد أكثر من نصف قرن على الاستقلال في أقطار المغرب العربي عامة (عدا ليبيا) يعكس فاعلية النخب الفرانكوفونية، ودفاعها عن انتماء ثقافي مغيب للهوية الوطنية، لا بل مخرب للهوية في ابعاده الحاضرة والمستقبلية. وعليه فالتمسك بالهوية الوطنية والعربية الإسلامية واعتبار اللغة العربية وثقافتها الأساس في بناء شخصية الفرد والمجتمع، يعد من المطالب المهمة، لا بل أكثر اهمية، من أجل الحفاظ على خصوصية الهوية وتحصينها وتمكينها من الانفتاح على الآخر دون خوف من التأثير السلبي أو محاولات الاحتواء أو الذوبان في «الآخر» اللغوي والحضاري. وان الشعور والإحساس العربي الواحد في كل مكان من الوطن العربي والذي كان عنوان مرحلة الكفاح ضد الاستعمار، وما بعد الاستقلال، يجب ان يستنهض، لأن اعادة انتاج هذا الشعور الجمعي أو الاقليمي أو الوطني الواحد، يحيل إلى استمرار خصوصية الهوية ومنعتها وقدرتها على المواجهة في الحاضر والمستقبل.

Page 7

مدخل

خضعت أقطار المغرب العربي للاحتلال والسياسة الاستعمارية الفرنسية و(الإسبانية) [الجزائر 1830ـ 1962 ـ تونس 1881ـ 1956 ـ موريتانيا 1903ـ1960 ـ المغرب 1912ـ 1956] لعقود طويلة، وعانى الشعب العربي في هذه الأقطار شتى صنوف العدوان على وجوده القومي والديني والثقافي والاقتصادي والحضاري العام. وطوال الحقبة الاستعمارية، ناضل الشعب العربي في جميع الأقطار المغاربية (ومن ضمنها ليبيا التي خضعت للاحتلال الإيطالي 1911ـ 1943) من أجل الحرية والاستقلال الوطني باعتماد أسلوب النضال المسلح والسياسي، ولم يكن النضال الوطني يسير بمعزل عن التلاحم والدعم الإقليمي والقومي العربي وحتى الإسلامي العام منذ بداية الاحتلال وحتى الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين.

وإذا كان ثمة مواقف عفوية ومنظمة من التضامن والتلاحم والاتحاد في النضال ضد الظاهرة الاستعمارية، فإن الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى (1914ـ1918) شهدت بروزاً واعياً ومنظماً لاتجاهات سياسية واجتماعية وثقافية أكدت على صعيد الفكرة والتطبيق ضرورة العمل الوحدوي الإقليمي / العربي في مواجهة الظاهرة الاستعمارية، وهي ضرورة اقتضتها المواجهة لعدو واحد، مثلما تؤكدها حقائق التاريخ والانتماء القومي والديني والحضاري الواحد. وعليه، ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى الاستقلال، شهدت أقطار المغرب العربي اتجاهات شعبية وحدوية ناضلت على الأصعدة السياسية (الأحزاب الوطنية) والدينية / الثقافية (علماء الدين ـ النخبة المثقفة) والاجتماعية (الطلبة ـ العمال) من أجل التحرر والاستقلال المقترن بالدعوة الإقليمية في إطارها العربي.

ان هذه الدارسة ستركز على الاتجاه السياسي في النضال الوحدوي المغاربي ضد الاستعمار الفرنسي (والإسباني) في الحقبة الممتدة بين أعوام 1918ـ1962، لكون الاتجاه السياسي يمتلك الأسبقية والطليعية في النضال الشعبي، ولكونه الملهم والمنظم والموجه للاتجاهات الشعبية الأخرى التي استند عليها النضال المغاربي ضد الاستعمار الفرنسي والإسباني.

Page 8

مرحلة ما بين الحربين

إن كل مشروع نهضوي وطني / إقليمي / قومي، مرتبط بمنظومة أفكار وأهداف ونشاطات تؤسس لوجوده ولخطوات نجاحه وتحقيق أهدافه، ومن هذا المنطلق ارتبط ظهور الأحزاب السياسية (42) التي شكلت الحركة الوطنية في أقطار المغرب العربي بالأزمة الوطنية (القطرية) والإقليمية (المغاربية) الناجمة عن الاحتلال الفرنسي وسياسته في المجالات كافة، حيث العدوان المتعدد على حق الحرية والاستقلال، والإفقار الاقتصادي والاجتماعي، والتفرقة العنصرية عرب/بربر، ومحاربة ومحاولة إلغاء الهوية العربية الإسلامية، بسياسة (الفرنسة) اللغوية والثقافية، وسياسة التجنيس والتنصير(43)، ناهيك عن العزل المتعمد عن الأشقاء في المحيطين الإقليمي والعربي.

كان البعد المغاربي في اتجاه الحركة الوطنية في تونس والمغرب باهتاً وجنينياً، وواضحاً وبارزاً في الجزائر في مرحلة ما بين الحربين، لكن البعد العربي الإسلامي (الدفاع والتمسك باللغة العربية والإسلام) كان أكثر وضوحاً من أجل الدفاع عن الانتماء العربي الإسلامي للشعب في أقطار المغرب العربي كافة، ضد محاولات «الفرنسة» بجميع اتجاهاتها العدوانية على الهوية القومية والدينية، وهذا الاتجاه (الدفاع عن الهوية) الشعبي «ظل موجوداً كشعور وإحساس بالانتماء إلى شخصية تاريخية تكونت على قاعدة عربية إسلامية…» ويضيف مالكي «فالدفاع عن الهوية قد شكل الأساس الأيديولوجي والنضالي، الذي على أرضيته ستبرز النوى الأولى للحركات الوطنية بالدول الثلاث: الجزائر ـ تونس ـ المغرب، مدافعة أولاً عن سيادتها الوطنية، وداعية ثانياً إلى استحضار تراثها المشترك ومقومات انتمائها إلى المشروعية العربية الإسلامية، لبلورة وعي جماعي بضرورة التنسيق والوحدة لمقاومة «الآخر» وصيانة «الأنا» وذلك قبل ان تصبح حركات وطنية مهيكلة ومنظمة في شكل أحزاب وتجمعات مع أواسط الثلاثينات من هذا القرن ـ العشرون»(44).

يعد حزب «نجم الشمال الإفريقي» مركز الثقل في الاتجاه الشعبي السياسي الوحدوي على صعيد الفكرة والقاعدة الاجتماعية، والتنظيم الشعبي الواسع، فقد ظهر في باريس عام 1924 بين المهاجرين من أقطار المغرب العربي(45) بزعامة مصالي الحاج، وانتقل إلى الجزائر عام 1927، وتعرض إلى الملاحقة والاعتقال والنفي لقيادته وقواعده من قبل السلطات الفرنسية، ونتيجة لذلك تخفى وراء تسميات متعددة منذ عام 1929 حتى انتهى باسم (حزب الشعب) عام 1937.

ومنذ البداية، كان الاتجاه الوحدوي واضحاً من خلال التشكل الاجتماعي والأهداف، فحزب النجم كتنظيم، هو «جمعية لمسلمي المغرب والجزائر وتونس… وتهدف إلى تدريب مسلمي الشمال الإفريقي ـ المغرب العربي ـ على الحياة في فرنسا والتنديد بجميع المظالم أمام الرأي العام… وقد قررت منذ تأسيسها توحيد العمل مع كامل منظمات الطبقة الشغلية والفلاحية والشعوب المضطهدة…»(46).أي أ كما وتؤكد بطاقة الانتماء للعضوية إلى هذا الحزب الاتجاه الوحدوي، حيث كانت تحتوي على العبارة التالية: «أيها المسلمون، جزائريون ومراكشيون ـ مغاربة ـ وتونسيون،فلنتحد… لنكون كتلة متضامنة حول نجم إفريقيا للدفاع عن مصالحنا وعن تحررنا، وان الاتحاد وحده هو الذي يصنع القوة»(47). وإذا كانت نشاطات الحزب في باريس قد عبرّت عن الاتجاه الشعبي الوحدوي التحرري على صعيد الفكرة والتنظيم والعمل عبر مواقف متعددة (48)؛ فإن الأفكار والقاعدة التنظيمية وبرامج العمل ونشاطات الحزب داخل الجزائر، قد أوضحت بشكل جلي هذا الاتجاه الوحدوي، حيث تمثلت بما يأتي:

- تأكيد الشخصية العربية الإسلامية بالاعتماد على التراث العربي وقيمه لشحذ الوعي الوطني واستنهاضه، والدعوة إلى التحرر والاستقلال للمغرب العربي(49).

- العمل من أجل توحيد الحركة الوطنية في المغرب العربي.

- العمل على توحيد أقطار المغرب العربي، لأن ذلك يعد طريق التحرر، وفي هذا المجال أشار مصالي الحاج بالقول: «إن وحدة وتفاهم هذه العناصر الثلاثة، الجزائريون، التونسيون، المغاربة، تقود، المغرب والجزائر وتونس إلى طريق التحرر»(50).

ان الاتجاه الوحدوي في فكر ونشاطات حزب (النجم) داخل الجزائر يبدو وضوحاً في مرحلة الثلاثينات، حيث دعا إلى «وحدة المغرب العربي»(51) ، وأكد على وحدة النضال المغاربي ضد السياسة الاستعمارية الفرنسية بتنظيم مظاهرات كبيرة تضامناً مع الشعب التونسي وحزبه الحزبالحر الدستوري عام 1934، وفي تقديم برنامج «المطالب المستعجلة» لحكومة الجبهة الشعبية في باريس عام 1937، حيث طالب فيها بحقوق الشعب في المغرب العربي في المجالات كافة وتضامنت معه لجنة الدفاع عن الحريات في تونس ولجنة الدفاع عن المصالح في المغرب(52) وواصلالحزب نشاطه باسم «حزب الشعب» منذ عام 1937، واتخذ من بعض الواجهات الثقافية / الاجتماعية (جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين) (53) مجالاً لنشاطه الفكري وأسلوب عمله حيث عبرت هذه الواجهة الطلابية المغاربية التشكل الاجتماعي والأفكار والأهداف الإقليمية والعربية والإسلامية، التي ظهرت منذ بداية الثلاثينات عن أفكار وتوجهات وحدوية مغاربية عربية إسلامية.

Page 9

ان الاتجاه الوحدوي في فكر ونشاطات حزب (النجم) داخل الجزائر يبدو وضوحاً في مرحلة الثلاثينات، حيث دعا إلى «وحدة المغرب العربي»(51) ، وأكد على وحدة النضال المغاربي ضد السياسة الاستعمارية الفرنسية بتنظيم مظاهرات كبيرة تضامناً مع الشعب التونسي وحزبه الحزبالحر الدستوري عام 1934، وفي تقديم برنامج «المطالب المستعجلة» لحكومة الجبهة الشعبية في باريس عام 1937، حيث طالب فيها بحقوق الشعب في المغرب العربي في المجالات كافة وتضامنت معه لجنة الدفاع عن الحريات في تونس ولجنة الدفاع عن المصالح في المغرب(52) وواصلالحزب نشاطه باسم «حزب الشعب» منذ عام 1937، واتخذ من بعض الواجهات الثقافية / الاجتماعية (جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين) (53) مجالاً لنشاطه الفكري وأسلوب عمله حيث عبرت هذه الواجهة الطلابية المغاربية التشكل الاجتماعي والأفكار والأهداف الإقليمية والعربية والإسلامية، التي ظهرت منذ بداية الثلاثينات عن أفكار وتوجهات وحدوية مغاربية عربية إسلامية.

أما في تونس، وعلى الرغم من طغيان الهم الوطني (القطري) على الحزب الحر الدستوري التونسي، إلا أن مواقفه لم تكن تخلو من اتجاهات وحدوية مغاربية، فقد حاول عبد العزيز الثعالبي زعيم الحزب ان يوحد جهوده مع حزب الإصلاح الجزائري الذي كان يتزعمه الأمير خالد الجزائري في مطلع العشرينيات وان يعمل الاثنان على «إتباع خطة منسقة في النضال والعمل من أجل تحرير هذين البلدين العربيين»(54). ومن ناحية أخرى، لم يكن الانشغال بالقضية الوطنية التونسية يمنع الحزب الحر الدستوري بفرعيه القديم بزعامة الثعالبي، والجديد بزعامة الحبيب بو رقيبة، من تأطير النضال بالبعد المغاربي في مرحلة الثلاثينات، إذ كان البعد المغاربي واضحاً في سلوك فرعا الحزب تجاه قضايا النضال في المغرب العربي عموماً. فقد نظم الحزب في 20 تشرين الثاني 1937 إضراباً تضامنياً مع أبناء الجزائر والمغرب في نضالهما ضد سياسة القمع والاعتقال والنفي التي اتبعتها السلطات الاستعمارية الفرنسية بحق قيادة القوى الوطنية وقواعدها. وفي هذا المجال كان للموقف التونسي تقديره العالي من لدن القيادات الوطنية الجزائرية، ووجه عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين رسالة تهنئة وإكبار للموقف التونسي شاكراً لهم «هذه البادرة الطيبة التي تتجلى بها الروح العربية والأهداف القومية الموحدة»(55).

إن الاتجاه السياسي الوحدوي في النضال الشعبي المغاربي يبدو أكثر وضوحاً في مرحلة الثلاثينات، إذ كانت القوى السياسية الوطنية تتخذ مواقف التضامن والشجب والتنديد بسياسة المستعمر في كل مناسبة عندما يتعرض هذا القطر المغاربي أو ذاك لأزمة داخلية من جراء السياسة الاستعمارية الفرنسية. فعندما أصدرت فرنسا «الظهير البربري» في المغرب في 16 أيار 1930، والذي حاولت من خلاله فصل العرب عن البربر دينياً ولغوياً وثقافياً واجتماعياً، كان لتلك السياسة أثرها في تصاعد الغضب الشعبي المغاربي والعربي، وحتى في بعض دول العالم الإسلامي،فلقد كان «كل حادث له نوع من الأهمية في أحد أقطار شمال إفريقيا ـ المغرب العربي ـ يجد حالاً في القطرين الآخرين انعكاساً فورياً ورد فعل تلقائي»(56). ولم تكن كتلة العمل الوطني في المغرب الخاضع للاحتلال الثنائي الفرنسي (الجنوب) والإسباني (الشمال) بمعزل عن هذا الاتجاه السياسي الوحدوي الإقليمي والعربي والذي بدا أكثر وضوحاً في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين، وفي منطقة النفوذ الإسباني في الشمال المغربي، حيث أكد حزب الإصلاح الوطني عام 1936 على ربط الصلة بين أقطار المغرب العربي والأقطار العربية الإسلامية عن طريق توحيدالتعليم في المغرب العربي(57)، فيما دعا حزب الوحدة المغربية في العام 1937 إلى وحدة المغرب العربي، وإلى ربط المغرب بالوطن العربي بوصفه جزء من الأمة العربية، وأكد الحزب تضامنه مع الأحزاب العربية في مقاومة الخطر الاستعماري المشترك «بجميع وجوه التضامن»(58).وقد كان لحملات القمع والاعتقال والنفي بحق قيادة الحركة الوطنية المغربية وقواعدها، وتضامن أبناء تونس والجزائر معهم أثره في الدعوة إلى تشكيل جبهة واحدة للدفاع عن مصالح المغرب العربي ضد الجبهة الاستعمارية(59).

يتضح على ضوء ما ورد آنفاً، ان الدعوة للوحدة في فكر ونشاطات ومواقف الاتجاه السياسي بقيت محصورة في إطار الفكرة و(الأمنيات) وان تخلل ذلك مواقف تضامنية حقيقية في مرحلة الثلاثينات خاصة. إن الفكرة الوحدوية واتجاهها السياسي لم تصل إلى مرحلة الجهد المنظم والموحد ضمن إطار جبهوي مغاربي أو تنظيم سياسي موحد يعمل على الساحة المغاربية ويقود النضال المغاربي نحو الهدف الواحد حيث الحرية والاستقلال والوحدة. واستمر ذلك الاتجاه حتى قيام الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) إذ بدأ الموقف الشعبي العام متجاوزاً لطروحات القوى السياسية في المطالبة بالإصلاحات (عدا حزب الشعب الجزائري) وأصبح مطلب (الاستقلال) هدفاً شعبياً عاماً داخل أقطار المغرب العربي، وقاد ذلك إلى اشتداد ساعد الحركات الوطنية والتصلب في مطاليبها الوطنية والانتقال من دعوات الإصلاح إلى العمل على تحقيق الحرية والاستقلال في السنتين الاخيرتين من الحرب في الداخل المغاربي، فيما ارتبطت قضية الحرية والاستقلال بالوحدة الاقليمية في إطارها العربي في خارج المغرب العربي.

Page 10

إبان الحرب العالمية الثانية

أصبحت أقطار المغرب العربي إبان الحرب العالمية الثانية ساحة للصراع العسكري بين الحلفاء والمحور، وأصبحت فرنسا (حكومة فيشي) تدور في فلك برلين بعد سقوطها بيد الألمان في حزيران 1940، فيما أصبحت قوات فرنسا الحرة (الديغولية) إلى جانب الحلفاء. ومنذ عام 1940 وحتى عام 1943 كانت السلطات الفرنسية المحتلة في أقطار المغرب العربي تابعة لحكومة فيشي الموالية للألمان، ثم استطاعت قوات فرنسا الحرة وبمساندة بريطانية ـ أمريكية السيطرة على الموقف في الأقطار المغاربية منذ عام 1943، وبدأت السلطات الفرنسية الديغولية تستخدم شتى صنوف القمع والإرهاب والاعتقال بحق الشعب وقواه الوطنية متهمة إياه بموالاة الألمان أو التعاون معهم، وقادت تلك السياسة القمعية إلى هجرة العديد من قادة الحركات الوطنية ومناضليها إلى الخارج لمواصلة النضال الوطني / المغاربي.

وفي الداخل المغاربي، شهدت أقطار المغرب العربي تطورات سياسة واقتصادية وثقافية واجتماعية(60)، تركت آثارها في بلورة موقف وطني ومغاربي جديد، فقد ازداد تصلب القوى الوطنية في مطاليبها الاستقلالية التي أصبحت هدفاً لا رجعة عنه(61). فيما انتقل مركز الثقل في الاتجاه السياسي الوحدوي المغاربي من الداخل إلى الخارج، وأصبحت برلين ودمشق ثم القاهرة، مراكز رئيسة للنضال المغاربي، إذ استثمر الاتجاه السياسي المغاربي الوجود الاجتماعي لأبناء المغرب العربي في أوربا، وارتكز على برلين وباريس الفيشية لتحقيق أهدافه. فقد وصل برلين أثناء الحرب عدد من قادة الحركات الوطنية ومناضليها في المغرب العربي وحضروا بدعوة من الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين، المؤتمر الذي عقد في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1943 بمناسبة ذكرى وعد بلفور المشؤوم. وفي ذلك المؤتمر التقى القادة المغاربة بالقادة المشارقة، وبدأت المشكلات الوطنية والقومية تطرح على بساط البحث. وبحكم أسبقية الوجود القيادي التونسي في العاصمة برلين، فقد تولى التونسيون العمل العلني والتحدث باسم الأقطار المغاربية مع حكومة ألمانيا وحكومة فيشي الفرنسية، وشكل القادة التونسيون تنظيماً سياسياً مغاربياً عُرف بأسم «هيئة الحزب الوطني المغربي»، وتوزع نشاطه بين برلين وباريس، ومن خلاله تمت معالجة الكثير من المشكلات التي تهتم بالمهاجرين من الأقطار المغاربية من عمال وطلبة وجنود وأسرى. وانشأ الحزب جريدة ناطقة بلسان أبناء المغرب العربي أطلق عليها اسم «المغرب العربي»، كما أطلق على مركز عملهم اسم «مكتب المغرب العربي». ومنذ تلك الفترة بدأ الاتجاه السياسي الوحدوي في النضال المغاربي يأخذ بعده القومي إلى جانب البعد الإقليمي (المغاربي)، ونتلمس هذا الاتجاه في العدد الأول من جريدة (المغرب العربي) الصادر في 16شباط / فبراير 1945، حيث الدعوة إلى «وحدة العملالمغاربي» وإلى العمل على «تحقيق وحدة الوطن العربي الصحيحة من خليج العرب إلى المحيط الأطلسي»(62) ، فيما أكدت في عددها الثاني الصادر في 14 آذار / مارس 1945، الاتجاه المغاربي والعربي في التحرير والاستقلال والوحدة، وعدته الهدف الأسمى للكفاح الموحد حيث قالت«… وليكن هدفنا في الكفاح هو تحرير المغرب العربي واستقلاله وتوحيد أجزائه..» مثلما أكدت الارتباط بالوطن العربي «لأن تحقيق سعادة أبناء المغرب العربي» لا يكون إلا «بالارتباط بالوطن العربي ضمن الوحدة العربية الشاملة»(63).

إن ربط القضية المغاربية بالقضية العربية عموماً والتفاعل والتلاحم معها لم يكن وليد ظروف الحرب العالمية الثانية وما قبلها، أو تعلقاً بالاتجاهات السياسية الوحدوية للقوى الشعبية والرسمية في المشرق العربي(64)، والتي توجهها على الصعيد الرسمي (مؤتمر الإسكندرية) عام 1944، الذي وضعت فيه الأسس لقيام جامعة الدول العربية التي اهتمت بقضايا المغرب العربي اهتماماً كبيراً فيما بعد. فقد كان لأبناء المغرب العربي إحساسهم الوجداني العميق بعروبتهم وإسلامهم، وكان لهم ارتباطهم الوثيق بالمفكرين والسياسيين من المشارقة أمثال محمد عبده وشكيب أرسلان منذ مطلع القرن العشرين، وكانت لهم مواقفهم القومية الواضحة من قضية فلسطين في مرحلة ما بين الحربين. كما كان لهم زياراتهم المستمرة للمشرق العربي والتفاعل مع قضاياه. وعليه، لم يكن ربط القضية المغاربية بالقضية العربية تعبيراً عن موقف آني أو ظرفي، بل هو تأكيد للتواصل في الانتماء القومي والديني والحضاري والنضالي أيضاً. وعلى هذا الأساس نؤيد ما ذهب إليه مالكي [«… لم يحدث أن انفصل وعي الانتماء إلى العرق العربي عن التمسك بالإسلام ديناً وعقيدة…(و) ظل الولاء للإطارين (عروبة ـ إسلام) متوازياً ومتوازناً، بل قليلة هي اللحظات التي اختل فيها الانتماء إلى صالح الإسلام على حساب العروبة أو إلى هذه الأخيرة على حساب الإسلام … (و) ظل الاقتناع راسخاً بعدم وجود تناقض بين النضال الوطني القطري والنزوع القومي الشامل سواء في أثناء الكفاح من أجل السيادة الوطنية أو بعد استقلال الأقطار المغاربية والدعوة إلى إعادة بنائها»](65).