Page 1
هي والبحر
بعد قطيعة طويلة مع البحر، التقينا قبيل الغروب. احمرّ خجلاً عندما لامست قدماي رماله الصفراء، وقد بللتها أمواجه التي تتسلل خلسة من عمق السكون.
هل يحاول الاعتذار عن فعلته الشنيعة؟ هل سبق أن اعتذر؟ لا أظن ذلك! لم يكن بيني وبين البحر عداء! ولم أسئ له أبدًا! فلماذا يعاديني؟ أنا حتى لم أحمل بيدي سهمًا، أو شباكًا، أو صنارة صيد لأحصل على بعض أسماكه، بل إنني لا آكل السمك! فلماذا يعاديني هكذا بكل قسوة؟ لماذا؟ لا أجد لأسئلتي إجابات.
سألت البحر. سألت الموج. سألت الأفق البنفسجي الآخذ إلى الاحمرار. سألت القمر الذي يداعب بشعاعه الفضي صفحات الماء. سألت نفسي ومن حولي، فلم أجد من يجيبني، فلماذا ينصب لي العداء؟
أيقنت أن لا مجال لاستمرار حالة العداء، فقررت القيام بخطوة للمصالحة معه. بدلت ملابسي، وارتديت سروال البحر، وعلى الرغم من برودة الماء في هذا الوقت من كانون، فقد قررت السباحة في مياهه، وعندما نزلت الماء رأيت وجه حبيبتي على صفحة الماء يعاتبني قائلاً: "هل نسيت أنه قاتلي"؟
Page 2
في المطار
مسك الضابط الذي يضع ختم المرور في المطار جواز سفري بيديه. نظر إلى صورتي فيه، ثم نظر إلى وجهي، ثم بدأ يقلب صفحاته الأربعين، ثم نظر إلى صورتي وتفقد وجهي مرة ثانية، وعاد ليقلب الصفحات. صرت نجمًا في المطار، الكل ينظر نحوي. صف المنتظرين يطول، وأنا حائر في أمر نفسي. بعد ذلك أعطى إشارة إلى ضابط آخر، ناوله جوازي، فتنفس المنتظرون الصعداء، فقد تخلصوا من عقبة أخّرتهم عن منتظريهم في قاعة الانتظار. أما جوازي، فقد تنقل بين أيدي الضباط جميعًا، الذكور منهم والإناث، إلى أن قرروا وضع الختم على صفحة كانت تتشوق لألوانه الحمراء. كان الختم خجولاً بالكاد ظهر على الورقة. كانت عيونهم تسير ورائي تتبع كل خطواتي، حتى وصلت إلى ضابط يجلس على كرسي عال كصمام ينز الناس منه قطرة قطرة. تناول الجواز وقلّبه أكثر من مرة، ثم ذهب بالجواز إلى غرفة زجاجية في طرف القاعة، فرأيت خيالات تلوح من وراء الزجاج وأيد تلوح بالجواز، فتطيح به مرة، وتنشله مرة، والأعناق ترتفع مرة، وتنكسر مرة، وينتهي الحوار، ويأتي الضابط ليسألني: "هل تسكن القدس"؟ قلت: "نعم". فقال: "كيف القدس؟". أجبته: "بخير.. بخير.. بخير..".
ناولني الجواز وفسح لي الطريق، لكنه لا يدري بأنه لم تعد لدي رغبة بالمرور.
(بيروت، 1/2/2012)
Page 3
جواز سفر
سألت العجوز وهي تنتظر دورها في مكتب الجوازات في عمان: "مطولين يا بنيي؟"
أجبتها وأنا أنظر إلى رقم الدور على قصاصة صغيرة تقبض عليها بكف يدها: "لا زال أمامك عدد كبير من الناس يا جدتي!"
لم تعبس، ولم تتململ، ولم يظهر على وجهها إلا الوقار وهيبة السنين، وهي تحاول إخفاء أوجاعها.
سألتها بفضول مباح: "إلى أين تسافرين بالجواز يا حاجة؟"
نظرت نحوي وقالت بكل هدوء: "أنا لا أسافر يا بنيي، لكنهم طلبوا مني تجديد الجواز عشان آخذ الدواء بنصف الثمن".
(عمان، 11/2/2012)
Page 4
مسافات
بين صنّين والشيخ، سهلٌ عظيم يسمونه هنا في لبنان (البقاع). تحتضن هذا السهل الأخضر جبال تقف كعروس عذراء زفت لآلهة السماء، على رأسها طرحتها البيضاء، وفي الجهة الأخرى تسكن بقايا قلب حيدر الذي يعشق سفحه القاسم، ومن خلفه الجرمق بجرده الأملس البراق، وعلى بعد منه نحو الجنوب هناك المشهد يتربع على عرش المدينة.
الفضاء على اتساعه ضاق. اختنق بحدود رسمتها خيالات القمع والاستبداد. أسلاك، وألغام، ورادارات، تحصي علينا أنفاسنا. تقتل أحلامنا. تدمي مُقلنا. بين الحاجز والحاجز حاجز آخر.
من هنا إلى القدس مسيرة ساعات قصار، لكنني لا أجد طريقي إليها من بين تلك الروابي والتلال، فتطول المسافات. (زحلة، 4/2/2012)
Page 5
عتاب
- مرحبًا يا صديقي.
- مرحبًا.
- لماذا لم تعدني في مرضي؟
- رغبت كثيرًا بزيارتك، لكنني كنت قعيد الفراش!
Page 6
فَقْد
اليوم، بُتر ثديٌ، لن يلثمه طفل بعد!
(الخرطوم، 9/7/2011)
Page 7
العُود
أكاد أعرف كل شيء عن آلة العود!
أوتاره الخمسة المزدوجة، وزنده، وأنفه العاجي، وأقماره الدائرية، وأخشابه، واسم صانعه، لكنني.. لا أعرف العزف عليه!
Page 8
ذكريات
وقفت أمام الباب. لم أطرقه. تفصلني عنه خطوة. وقفت أنتظر كما كنت أفعل ذاك الزمان.
كنا نسمي تلك الغرفة القابعة أسفل الدرج في بيت القواس، في حوش الشاويش: "الفيلا". كانت غرفة صغيرة كنا نرصّ أجسادنا فيها رصًّا.
دارت السنون برأسي المثقل بالشيب. تذكرت جلساتنا الرباعية، هشام وعدنان وإسحق وأنا، وأحيانًا صلاح وزيدان كانا يأتيان.
كانت شروق، والدة هشام، بل والدتنا جميعًا، تحبنا، وتداعبنا بكلامها المعسول والمعطر بزهر الورد المقدسي. تسألني: "كيف أمك؟" فأقول لها: "بخير يا خالتي". ثم تسترسل قائلة : "أمه، لا يوجد مثيل لها على وجه الأرض، لقد عوضها الله عن فقدان نعمة البصر، فهي امرأة معدلة، صبورة، بيتها نظيف، وطبخها شهيّ، متعلمة، وخلوقة، وحافظة للقرآن، وأولادها أرتب أولاد".
دمعت عيناي. تركت المكان قاصدًا قبر أمي لأحتضن رائحتها الطيبة.
Page 9
غِنى
في تشرين، ارتحل غبار الصيف. حلت مكانه لسعة البرد اللطيفة. اشتد اخضرار الزيتون. قارب لونه السواد.
اليوم الجمعة، يوم عطلتي، ويوم زيارة حفيدتي الرائعة (غِنى). هي لم تتجاوز ربيعها الثالث، لكنها متعلقة بي، وأنا متعلق بها. حملت وعاء بلاستيكيًّا، وخرجت إلى حديقة منزلي، لأجد زيتون زيتونتي.
في حديقتي شجرتا زيتون، واحدة حملت الكثير من الثمر، تتزاحم الحبات على فروعها فتجعلها تنحني بتواضع، والأخرى لم تحمل حبة زيتون واحدة، أغصانها شامخة تكاد تلمس السماء، علمًا أن المسافة بينهما لا تتجاوز المتر الواحد. أنا وغِنى، بدأنا بالتقاط حبات الزيتون. هي من الأغصان القريبة من الأرض وأنا من الأغصان المرتفعة.
غِنى كثيرة السؤال. تسألني عن كل شيء وأنا أجيبها، وأحيانًا أعجز عن الإجابة! فتعيد السؤال نفسه، وأنا أصمت، فتأخذ هي بالحديث بكل ما تعرفه من كلمات.
أمضينا يومنا بطوله، أنا وغِنى وأحاديثها وشجرة الزيتون. أنهينا عملنا قبيل الغروب، وبعد تناولنا الطعام، رأيت غِنى تلعب بالألوان، وترسم على ورقة بيضاء شجرة زيتون كبيرة.
Page 10
ورقة بيضاء
اليوم سأترك أقلامي وأفكاري، ومعاجم اللغة.
سآتيك ورقة بيضاء لتكتبي عليها ما يجول بخاطرك.
سآتيك بدون قصائدي، وسأترك خطبي العصماء في دولابي الخشبي.
سآتيك وحيدًا بدون قيس، أو المتنبي، أو نزار.
سآتيك عاريًا بدون أفكار، وسأضع رأسي في حجرك الدافئ، وأستسلم كطفل في الثانية تعبثين بشعره، تمررين أناملك بين خصلاته الملساء.
سآتيك في المساء، مع شروق الشمس، في منتصف النهار، مع الأسحار.
سآتيك ولا أحمل غير قلب تمزق من لهيب الشوق وهيام العشق السرمدي.
سآتيك هكذا.. فهل أنت راضية؟