Page 1
1
استهلال معركة الكرامفي صيف العام 8 6 9 1، فُصلت من حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سورية· وانطوت بهذا فترة من حياتي وابتدأت فترة من طبيعة مختلفة· وقد أفادني الفصل فائدة لم ينتبه لها الذين فصلني نذلك لأنه حررني من إلتزامات العضوية· وبقي لي عملي في جريدة البعث، كما بقي لي أن أكتب للإذاعة والتلفزيون·
في تلك الفترة، ازدادت سياسة الحزب تشدداً· وضيّق التشدد بنود هذه السياسة فكادت تنحصر في عدد محدود من الشعارات· واشتدت هيمنة قيادة الحزب ليس على مراكز الحكم ومؤسساته وحدها، بل على المنظمات الحزبية وسلوك الأعضاء وأوجه تفكيرهم، أيضاً· وضاقت فرص الاجتهاد· فلم يكن غريباً أن أعدّ الخروج من الحزب نعمة· ولعلي لا أبالغ إن قلت لك إن كثيرين غيري كانوا تواقين التمتع بمثل هذه النعمة ولم يبقهم في الحزب إلا أسر المألوف أو الشية من فقدان الإمتيازات أو الأمل بانصلاح الحال· ولك أن تعرف أنّ ما توفر لي من حرية التفكير والحركة المستقلين فاق المتوفر من الحرية لأي صحافي أو عضو في الحزب· ولاء مني الوضع الجديد، بالطبع، ولم أخف عبطتي، حتى لقد بدا لبعض من يعرفونني أني تعمدت استفزاز الذين أسخطتهم مواقفي، لا لشيء إلا لأظفر بقرار الفصل· وأياً ما كان عليه الأمر، فإني بقيت بعد الفصل كما كنت قبله المشاكس الذي لا يخشى العواقب، واشتدت جرأتي على الجهر بقناعاتي·
كان نظام البعث قد امتص حتى ذلك الوقت زلزلا حزيران/ يونيو 7 6 9 1 وأوقف اندياحات السخط على الهزيمة· نجا النظام، وأيقن كل من يعنيهم الأمر من أن الهزيمة السافرة لن تسقط سلطة الحزب· واختار سادة النظام أن يمعنوا في التعويض عن ما ألحقته الهزيمة بسمعتهم بالإفراط في التشدد· وقرنت قيادة الحزب التشدد السياسي بالدعوة إلى التقشف العام والشخصي ورفعت شعار كل شيء للمعركة· وأطلق صديقي د· يوسف زعيّن لحيته وليس بذلة خالية متواضعة، فعل رئيس حكومة سورية ما قعله فيديل كاسترو الكوبي، واكتفى بسيارة فولكس فاكن من أصغر طراز وراح يسوقها بنفسه وحظر استخدام السيارات الحكومية للأغراض الشخصية· ووجد أعضاء الحزب والجمهور أنفسهم مدعوّين إلى التبرع حتى بخواتم الخطوبة لمساندة المجهود الحربي· وصور الإلام الحزبي والحكومي نجاة النظام من السقوط على أنه مكسب كبير تحقق، وأبرزه بما هو دليل على أن الأمة العربية كلها، وليس سورية وحدها، قد نجت وكسبت· وقيل للناس إن عدوان حزيران/يونيو 7 6 9 1 استهدف إسقاط نظام البعث في سرية ونظام الرذيس عبد الناصر في مصر وزعزعة الأنظمة الوطنية التقدمية في البلاد العربية الأخرى· وما دام النظامان المستهدفان قد بقيا فهذا يعني أن المعتدين فشلوا في تحقيق هدف عدوانهم· وهناك من اشتطوا في القول ورأوا أن العرب قد انتصروا، إذ أن هؤلاء عدّوا الثبات بعد الهزيمة انتصاراً·
أما احتلال إسرائيل للأرض وتشريدها السكان وبقية الآثار المروعة التي أحدثها العدوان، فلم تظهر في الإعلام إلا بوصفها ظواهر عارضة· وقد أمعن المسؤولون المدنيون والعسكريون ومروجو دعاياتهم في إزجاد التعهدات والجزم بأن إزالة آثار العدوان في المتناول ما دام النظامان قد بقياً· واشتط هؤلاء في تعهداتهم ومنّوا الجمهور بمواصلة المعركة إلى أن يُقضى على بؤرة العدوان ذاتها·
صور ما وقع في حزيران/يونيو 7 6 9 1 على أنه نكسة عابرة· التقط المهزومون لفظة النكسة، هذه، وأظن أن محمد حسنين هيكل كان هو أول من استخدمها، وعمّموها، وغٌيبت لفظة الهزيمة من قاموس خطابهم·
وليس من العسير أن تحزر أني لم أكن من الذين أُخذوا بهذا التصوير ولا الدين قصروا في السخرية من مروجيه· ولك أن تعرف أن الذين تأثروا بالدعاية الرسمية كانوا قليلي العدد· وعندما لاحظت قيادة الحزب هذه الحقيقة، نسبت قلة التأثير إلى قصور الإعلام والإعلاميين· وصار على المتطلعين إلى رضى القيادة من الإعلاميين أن يمارسوا جلد الذات· وجاء وقت راج فيه أن المسؤول الأول عن التقصير في توفير وسائل النصر هو الإعلام· ولأن جلد الذات ينفرني حتى لوتوفر ما يسوغه، فقد كانت لي مع جالدي الذات، مع كثيرين منهم في واقع الأمر، معارك مشهودة· ولو أمكنك أن تراجع أعداد البعث في تلك الفترة، فستقع في واحد منها على مقال لي صدرته بعنوان فصيح الدلالة: الإعلام العربي المظلوم في هذا المقال، كررت ما سبق لي أن عرضته في اجتماع حضره عدد وافر من أعضاء قيادة الحزب الحاكم، فقلت إن أكفا إعلام في الدنيا هو الذي يعكس سياسة أصحابه في صورة صحيحة، وتساءلت: لو جئنا بخيرة الإعلاميين ووفرنا لهم أنجع الوسائل فيما الذي يملك هؤلاء أن يجيئوا به إن كانت السياسة ذاتها خائبة؟
في تلك الفترة، أيضاً، كبر حجم المقاومة الفلسطينية التي اشتهرت بأسماء شتى أخرى: الثورة الفلسطينية، أو العمل الفدائي، أو الكفاح المسلح، وكثر عدد فصائلها، واتسع حضورها في الحياة العامة، وتعددت نشاطاتها، وتحول معارضوها السابقون إلى مؤيدين، وطغت شهرتها على ما عداها من أشكال المجابهة مع العدو، وتبارى حكام العالم العربي وناسه في إعلان تأييدهم لها واعزازهم بها· احتاج الحكام إلى ما يصرف انتباه الجمهور عن قصورهم في مجابهة العدوان؛ واحتاج الجمهور إلى ما يعوض مشاعر الإحباط وخيبات الأمل؛ واحتاج الجميع إلى ما يكسر زهو إسرائيل بانتصارها؛ فتركزت الأنظار على المقاومة الفلسطينية وقُرعت الأجراس في دنيا العرب لها·
وبين الجميع، كان الفلسطينيون هم الأكثر اجتياجاً إلى ما يعزز حضورهم الخاص بعد أن طال تجاهله، كما كانوا بحاجة، أيضاً، إلى استبقاء الأمل باستعادة وطنهم المتغصب، وقد جاءتهم المقاومة بالوعد·
Page 2
في هذا السياق، شكلت معركة الكرامة محطة متميزة، أعطت الأمل الفلسطيني حقنة منشطةً· ووفرت للإعلام المادة التي يستخدمها لاستثارة الحماسة، وقدمت للمحبطين ما يعالج هواجسهم·
جرت المعركة بعد تسعة شهور من الهزيمة· ففي الحادي والعشرين من آذار/ مارس 8 6 9 1، اجتازت فوة إسرائيلية يدعمها الطيران نهر الأردن وهاجمت مواقع الفدائيين الفلسطينيين عند القرية التي تحمل هذا الإسم: الكرامة، بدأ الهجوم في الصباح واستمر القتال طيلة النهار· إستشرس المهاجمون، واستبسل المدافعون· وفي أول المساء، رجعت القوة الإسرائيلية من حيث أتت· وبقي الفدائيون في المنطقة التي أراد المهاجمون إجلاءهم عنها· وفي نهار الكرامة هذا، دفعت القوة المهاجمة ثمناً لم تتوقع إسرائيل المزدهية بانتصارها أن تدفعه، قتلى وجرحى، إن اختلف الرواة في تحديد أعدادهم فقد كانوا وفق أي رواية كثيرين؛ ودبابات وآليات عسرية أخرى كثيرة عُطبت أو أُتلفت وبقي بعضها على أرض المعركة·
وصف الإسرائيليون هجومهم على الكرامة بأنه غارة تأديبية واجتهدوا أن يقللوا من أهميته بعد فشله· الأردنيون تصوروا أن حجم الهجوم يعني أن اسرائيل أرادت إقامة رأس جسر ثابت شرقي النها· ولمنع تحقيق هذا الهدف، لعبت المدفعية الأردنية دوراً بالغ الأهمية في صدّ الهجوم· أما الفلسطينيون فقد ثبتوا في الدفاع بوسائلهم المحدودة وأحبطوا ما تصوروا أنه هدف الهجوم وهو إجلاؤهم عن الغور· من هنا، تعددت الروايات بتعدد الأطراف المعنية بالأمر· لكن الجمهور المفتون ببسالة الفدائيين تشرب الرواية الفلسطينية· وهذه الرواية، حتى في أقل طبعاتها تهويلاً، أبلغت إلى الجمهور أن الإسرائيليين خسروا 0 7 قتيلاً و0 0 1 جريح و 5 4 دبابة و5 2 مجنزرة و7 2 آلية عسكرية أخرى، وأن خمس طائرات إسرائيلية أسقطت·
رأى الجمهور أن العين واجهت المخرز دون تهيب، فالتهب الحماس، وارتفعت سمعة الفدائيين إلى درجة القداسة، وتلقى العمل الفدائي من الدعم ما فاق أي تصور· قدمت الحكومات الكثير· ومنحت الأوساط الشعبية ما تقدر عليه وزيادة· وانجذبت ألوف جديدة من الشبابات والشبان والكهول إلى صفوف المقاومة·
في هذا الجوّ، ظفرت الوطنية الفلسطينية بما أنعشها· وهذه الوطنية هي التي شكلت الأرض المعنوية التي توحّد الفلسطينيون عليها بالرغم من تشتتهم· وبرزت منظمة التحرير والفصائل الفدائية بوصفها وطن الفلسطينيين المعنوي· واجتذب العمل الفدائي أعداداً متزايدة من شبان الأرض المحتلة فضلاً عن الوافدين من أماكن الشتات· وفي سورية والأردن ولبنان، نبتت قواعد التدريب أو القتال وانتشرع بأسرع مما ينبت الفطر وينتشر· ودبّ النشاط في التنظيمات الشعبية والمهنية، وشكلت هذه قواعد تأييد وإسناد لما صار الثورة الفلسطينية·
والذين تحفظوا على العمل الفلسطيني المسلح قبل الهزيمة، لم ينحُّوا تحفظاتهم فحسب، بل بزّوا الآخرين في الحماس له· حركة القوميين العرب اندفعت إلى اللجّة فشكلت الجبهةَ الشعبيةَ لتحرير فلسطين· ولم يلبث أن حلت الجبهة المسلحة محل الحركة السياسية· بعثيو سورية، بالرغم من أنهم حكام البلاد وجيش البلد موجود تحت إمرتهم، شكلوا فصيلاً فدائياً أطلقوا عليه هذا الإسم المهيب: طلائع حرب التحرير الشعبية وميّزوه باسم قوات الصاعقة· بعثيو العراق، هؤلاء الذين استفحل تنابذهم مع رفاقهم السابقين في سورية، شكلوا جبهة التحرير العربية· جيش التحرير الفلسطيني، هذا الذي لم تطلق عليه صفة الجيش إلا من باب التفاؤل بالمستقبل، أسس قادته ميليشيا ميزوها باسم قوات التحرير الشعبية· وهذه وغيرها من الأسماء المستجدة سطعت إلى جانب الأسماء القديمة: فتح، وتشكيلها المسلح قوات العاصفة، وجبهة التحرير الفلسطينية، وغيرها·
هذه النهضة العاصفة للعمل الفدائي عكست في المقام الأول وجهاً إيجابياً هو وجه الإرادة العربية العازمة على مقاومة العدوان الإسرائيلي ورفض الإستسلام للمعتدين، تماماً كما أظهرت توق الفلسطينيين إلى تحرير وطنهم واستعادة حقوقهم· غير أن هذه النهضة انطوت على وجه آخر سلبي قلما جرى الإنتباه له· فالأوهام التي تطخمت حول قدرات العمل المسلح الشعبي أسهمت في تعميم الإستهانة بالعمل السياسي ودور الجيوش النظامية· تصور بعضهم أن العين التي جرؤت على مواجهة المخرز قد نبت لها حقاً أنياب تفتقر الجيوش إليها· ثم إن التزاحم على التطوع في صفوف الفصائل المسلحة، إن أظهر سعة الإستعداد للبذل والتضحية، فقد انطوى هو الآخر على ما هو سلبي وهو تساهل الفصاىل في التدقيق في دوافع طالبي عضويتها وأخلاقهم وقدراتهم أو حتى وقائع ماضيهم· ومع تدفق التأييد والتبرعات على الفصائل، اشتد تنافس هذه بعضها مع بعض، فتفاقمت مخاطر التساهل· وبكلمات قليلة، نشأ الوضع الذي صار بإمكان أيما أحد فيه أن يلبس زي الثورة ويستر به ما قد يتعارض مع مدلوله·
وصلتني أنباء معركة الكرامة وأنا طريح الفراش في منزلي في دمشق· احتجزتني وقتها نوبة قاسية من نوبات آلام الظهر وقد انضاف إليها التهاب حاد في قزحية عيني الوحيدة· وألزمني صديقي الدكتور نشأت الحمارنة، البعثي المستقيم حدّ التزمت وطبيب العيون البارع الذي لم أعرف في حياتي من هو أحرص منه على سلامة عيني، أن أمتنع عن القراءة والكتابة حتى أساعده في السيطرة على الإلتهاب الذي تؤججه صلة غامضة بين الداء الذي يستوطن ظهري وبين قزحية العين· وقد حرص الأصدقاء الذين يزورونني على تجنيبي الإثارة· غير أن الإذاعات التي تطنطن بالأنباء لم ترحمني· وبالرغم من حالة عيني، أمليت مقالاً نشرته البعث وتعليقاً بثته الإذاعة أبديت فيهما ما أبداه غيري من حماس للنتائج الباهرة وقرظتُ الفدائيين وأشدتُ بمآثرتهم·
وفي اليوم التالي، أيقظني من إغفاءة بعد الظهر هاتف ملحاح· كان على الخط العميد مصباح البديري· نسي هذا الصديق حاجتي إلى الهدوء وبادرني بنبرة مستثارة: صاحبك أبو عمار، ألم تسمع ما قاله، فهل تحبّ أن تعرف دوره الحقيقي في المعركة، أنا قادم الآن من الكرامة إذاً، فهو ياسر عرفات من يضيق قائد جيش التحرير الفلسطيني بحديثه عن المعركة·
لكي تدرك دوافع مصباح، على أن أصف لك الأجواء التي كانت سائدة في ذلك الوقت· فقد كان نشاط النخبة منصباً على إعادة ترتيب أوضاع منظمة التحرير· أنت تعرف أن المنظمة نشزت قبل حرب حزيران/ يونيو 7 6 9 1 بثلاث سنوات وأن رئيسها الأول، أحمد الشقيري، حظي بدعم ملحوظ من الرئيس جمال عبد الناصر وهو الدعم الذي مكّنه من إنشاء المنظمة والبقاء على رزس قيادتها بالرغم من كثرة معارضيه· وقد بقي للشقيري هذا الدعم إلى أن وقعت الحرب ومال عبد الناصر مع العرب الذين مالوا إلى القبول بتسوية سياسية تنطوي على احتمال الإعتراف باسرائيل مقابل سحب قواتها من الأرض التي احتلتها في الرب الأخيرة· وفيما قبل عبد الناصر قرار مجلس الأمن الدولي الشهير 2 4 2 ، جهر الشقيري برفضه القرار· صحيح إن الفلسطينيين، إذا استثينا منهم الشيوعيين، رفضوا القرار كما رفضه رئيس منظمتهم، إلا أن رفض الشقيري أفقده السند الرئيس الذي استند إليه، ووجد الرجل نفسه مرغماً على الإستقالة· وباستقالة الشقيري، خلت الساحة عملياً للبديل الوحيد القادر على قيادة المنطمة، أي لممثلي الفصائل الفدائية أو من سمتهم الصحافة حملة البنادق· وكان من شأن الإستبدال أن يتم فور استقالة الشقيري في أواخر الام 7 6 9 1، لولا أن أطرافاً أخرى سعت إلى استبعاد حملة البنادق أو إلى مشاركتهم القيادة وكذلك لولا وجود معارضة واسعة داخل حملة البنادق أنفسهم ضد الترط في استلام قيادة م· ت· ف· رأي جمهور العمل الفدائي في المنظمة مؤسسة بيرقراطية غير ثورية· وقرّ في الأذهان أن المنظمة مسيرة بإرادة الدول العربية، وليس بإرادة فلسطينية مستقلة· وآثر هذا الجمهور أن يطل العمل الفدائي ثورة تكتسح القيود وخشي أن يفضي استلام حملة البنادق قيادة المؤسسة البيروقراطية إلى طيّ روحهم الثورية· وكان على الناحية الأخرى فلسطينيون لم يحبذوا تسليم قيادة المنظمة الأم إلى حملة البنادق لأنهم خشوا أن يفضي ذلك إلى هيمنة فتح بالذات عليها· ومصباح البديري الذي انضمّ إلى قيادة جيش التحرير وترقى فيها منذ عهد الشقيري حتى صارت له رتبة عميد، كان واحداً من هؤلاء· ولعلك ما تزال تتذكر كيف نشأت صلتي بمصباح هذا وتوطدت صداقتنا منذ كان هو نقائداً لسرية الخيالة في منطقة البطيحة السورية الواقعة على شاطئ بحيرة طبرية بما هو ضابط في الجيش السوري وكنتُ أنا معلماً في مدرسة فيها ثم مديراً للمدرسة بين 7 5 9 1 و 1 6 1 9· وإذا كنت تتذكر البداية، فلعلك تتذكر كيف تطورت أحوال صاحبي وأحوالي إلى أن صار هو ضابطاً رفيع المقام في جيش التحرير وصرت أنا صحافياً· وفيما تمتع مصباح برضى الشيوعيين عنه ودعم البعثيين له، كنت أنا عضواً في حزب البعث وصديقاً للشيوعيين· وتوطدت صداقتي لمصباح، واستمرت ماراتنا حتى وإن اختلفنا في هذا الشأن أو ذاك من الشؤون العامة وبضمن ذلك الإختلاف بشأن فتح، وقبله الاختلاف بشأن الشقير·
ستعرف مواقفي حين يتعلق الأمر بـ فتح أما الشقيري فلك أن تعرف بوجيز العبارة أني لم أستسغ بعض أفكاره والكثير من أوجه سلوكه· وقد رأيت في الشقيري قومياً عربياً محافظاً فضقت به، أنا الذي ضاق حتى بالقوميين الثوريين· وأخذت على الشقيري ما أخذه على غيره: المزايدة السياسية والولع باللفظية وإيثار فتنة البلاغة على صلادة الواقع، ولم أتمكن من أن أغض الطرف عن استهانته بالعمل المنظم والقيادة الجماعية· وهكذا، ما أن ظهرت فرصة الإستبدال حتى ملتُ مع الذين مالوا إلى تولية حملة البنادق، وانهمكت في الجدل المتقد حولها، وجندت نفسي لتسخيف المتخوفين من استلامهم مسؤولية قيادة م· ت· ف· وكانت صلتي بياسر عرفات وغيره من قادة فتح والفصائل الأخرى تمكنني من ممارسة بعض التأثير· أما مصباح فقد صبّ جهده في الإتجاه الآخر، خصوصاً كلّما تعلق الأمر بإحلال فتح في الصدارة·
جرت المعركة بعد تسعة شهور من الهزيمة· ففي الحادي والعشرين من آذار/ مارس 8 6 9 1، اجتازت فوة إسرائيلية يدعمها الطيران نهر الأردن وهاجمت مواقع الفدائيين الفلسطينيين عند القرية التي تحمل هذا الإسم: الكرامة، بدأ الهجوم في الصباح واستمر القتال طيلة النهار· إستشرس المهاجمون، واستبسل المدافعون· وفي أول المساء، رجعت القوة الإسرائيلية من حيث أتت· وبقي الفدائيون في المنطقة التي أراد المهاجمون إجلاءهم عنها· وفي نهار الكرامة هذا، دفعت القوة المهاجمة ثمناً لم تتوقع إسرائيل المزدهية بانتصارها أن تدفعه، قتلى وجرحى، إن اختلف الرواة في تحديد أعدادهم فقد كانوا وفق أي رواية كثيرين؛ ودبابات وآليات عسرية أخرى كثيرة عُطبت أو أُتلفت وبقي بعضها على أرض المعركة·
وصف الإسرائيليون هجومهم على الكرامة بأنه غارة تأديبية واجتهدوا أن يقللوا من أهميته بعد فشله· الأردنيون تصوروا أن حجم الهجوم يعني أن اسرائيل أرادت إقامة رأس جسر ثابت شرقي النها· ولمنع تحقيق هذا الهدف، لعبت المدفعية الأردنية دوراً بالغ الأهمية في صدّ الهجوم· أما الفلسطينيون فقد ثبتوا في الدفاع بوسائلهم المحدودة وأحبطوا ما تصوروا أنه هدف الهجوم وهو إجلاؤهم عن الغور· من هنا، تعددت الروايات بتعدد الأطراف المعنية بالأمر· لكن الجمهور المفتون ببسالة الفدائيين تشرب الرواية الفلسطينية· وهذه الرواية، حتى في أقل طبعاتها تهويلاً، أبلغت إلى الجمهور أن الإسرائيليين خسروا 0 7 قتيلاً و0 0 1 جريح و 5 4 دبابة و5 2 مجنزرة و7 2 آلية عسكرية أخرى، وأن خمس طائرات إسرائيلية أسقطت·
رأى الجمهور أن العين واجهت المخرز دون تهيب، فالتهب الحماس، وارتفعت سمعة الفدائيين إلى درجة القداسة، وتلقى العمل الفدائي من الدعم ما فاق أي تصور· قدمت الحكومات الكثير· ومنحت الأوساط الشعبية ما تقدر عليه وزيادة· وانجذبت ألوف جديدة من الشبابات والشبان والكهول إلى صفوف المقاومة·
في هذا الجوّ، ظفرت الوطنية الفلسطينية بما أنعشها· وهذه الوطنية هي التي شكلت الأرض المعنوية التي توحّد الفلسطينيون عليها بالرغم من تشتتهم· وبرزت منظمة التحرير والفصائل الفدائية بوصفها وطن الفلسطينيين المعنوي· واجتذب العمل الفدائي أعداداً متزايدة من شبان الأرض المحتلة فضلاً عن الوافدين من أماكن الشتات· وفي سورية والأردن ولبنان، نبتت قواعد التدريب أو القتال وانتشرع بأسرع مما ينبت الفطر وينتشر· ودبّ النشاط في التنظيمات الشعبية والمهنية، وشكلت هذه قواعد تأييد وإسناد لما صار الثورة الفلسطينية·
والذين تحفظوا على العمل الفلسطيني المسلح قبل الهزيمة، لم ينحُّوا تحفظاتهم فحسب، بل بزّوا الآخرين في الحماس له· حركة القوميين العرب اندفعت إلى اللجّة فشكلت الجبهةَ الشعبيةَ لتحرير فلسطين· ولم يلبث أن حلت الجبهة المسلحة محل الحركة السياسية· بعثيو سورية، بالرغم من أنهم حكام البلاد وجيش البلد موجود تحت إمرتهم، شكلوا فصيلاً فدائياً أطلقوا عليه هذا الإسم المهيب: طلائع حرب التحرير الشعبية وميّزوه باسم قوات الصاعقة· بعثيو العراق، هؤلاء الذين استفحل تنابذهم مع رفاقهم السابقين في سورية، شكلوا جبهة التحرير العربية· جيش التحرير الفلسطيني، هذا الذي لم تطلق عليه صفة الجيش إلا من باب التفاؤل بالمستقبل، أسس قادته ميليشيا ميزوها باسم قوات التحرير الشعبية· وهذه وغيرها من الأسماء المستجدة سطعت إلى جانب الأسماء القديمة: فتح، وتشكيلها المسلح قوات العاصفة، وجبهة التحرير الفلسطينية، وغيرها·
هذه النهضة العاصفة للعمل الفدائي عكست في المقام الأول وجهاً إيجابياً هو وجه الإرادة العربية العازمة على مقاومة العدوان الإسرائيلي ورفض الإستسلام للمعتدين، تماماً كما أظهرت توق الفلسطينيين إلى تحرير وطنهم واستعادة حقوقهم· غير أن هذه النهضة انطوت على وجه آخر سلبي قلما جرى الإنتباه له· فالأوهام التي تطخمت حول قدرات العمل المسلح الشعبي أسهمت في تعميم الإستهانة بالعمل السياسي ودور الجيوش النظامية· تصور بعضهم أن العين التي جرؤت على مواجهة المخرز قد نبت لها حقاً أنياب تفتقر الجيوش إليها· ثم إن التزاحم على التطوع في صفوف الفصائل المسلحة، إن أظهر سعة الإستعداد للبذل والتضحية، فقد انطوى هو الآخر على ما هو سلبي وهو تساهل الفصاىل في التدقيق في دوافع طالبي عضويتها وأخلاقهم وقدراتهم أو حتى وقائع ماضيهم· ومع تدفق التأييد والتبرعات على الفصائل، اشتد تنافس هذه بعضها مع بعض، فتفاقمت مخاطر التساهل· وبكلمات قليلة، نشأ الوضع الذي صار بإمكان أيما أحد فيه أن يلبس زي الثورة ويستر به ما قد يتعارض مع مدلوله·
وصلتني أنباء معركة الكرامة وأنا طريح الفراش في منزلي في دمشق· احتجزتني وقتها نوبة قاسية من نوبات آلام الظهر وقد انضاف إليها التهاب حاد في قزحية عيني الوحيدة· وألزمني صديقي الدكتور نشأت الحمارنة، البعثي المستقيم حدّ التزمت وطبيب العيون البارع الذي لم أعرف في حياتي من هو أحرص منه على سلامة عيني، أن أمتنع عن القراءة والكتابة حتى أساعده في السيطرة على الإلتهاب الذي تؤججه صلة غامضة بين الداء الذي يستوطن ظهري وبين قزحية العين· وقد حرص الأصدقاء الذين يزورونني على تجنيبي الإثارة· غير أن الإذاعات التي تطنطن بالأنباء لم ترحمني· وبالرغم من حالة عيني، أمليت مقالاً نشرته البعث وتعليقاً بثته الإذاعة أبديت فيهما ما أبداه غيري من حماس للنتائج الباهرة وقرظتُ الفدائيين وأشدتُ بمآثرتهم·
وفي اليوم التالي، أيقظني من إغفاءة بعد الظهر هاتف ملحاح· كان على الخط العميد مصباح البديري· نسي هذا الصديق حاجتي إلى الهدوء وبادرني بنبرة مستثارة: صاحبك أبو عمار، ألم تسمع ما قاله، فهل تحبّ أن تعرف دوره الحقيقي في المعركة، أنا قادم الآن من الكرامة إذاً، فهو ياسر عرفات من يضيق قائد جيش التحرير الفلسطيني بحديثه عن المعركة·
لكي تدرك دوافع مصباح، على أن أصف لك الأجواء التي كانت سائدة في ذلك الوقت· فقد كان نشاط النخبة منصباً على إعادة ترتيب أوضاع منظمة التحرير· أنت تعرف أن المنظمة نشزت قبل حرب حزيران/ يونيو 7 6 9 1 بثلاث سنوات وأن رئيسها الأول، أحمد الشقيري، حظي بدعم ملحوظ من الرئيس جمال عبد الناصر وهو الدعم الذي مكّنه من إنشاء المنظمة والبقاء على رزس قيادتها بالرغم من كثرة معارضيه· وقد بقي للشقيري هذا الدعم إلى أن وقعت الحرب ومال عبد الناصر مع العرب الذين مالوا إلى القبول بتسوية سياسية تنطوي على احتمال الإعتراف باسرائيل مقابل سحب قواتها من الأرض التي احتلتها في الرب الأخيرة· وفيما قبل عبد الناصر قرار مجلس الأمن الدولي الشهير 2 4 2 ، جهر الشقيري برفضه القرار· صحيح إن الفلسطينيين، إذا استثينا منهم الشيوعيين، رفضوا القرار كما رفضه رئيس منظمتهم، إلا أن رفض الشقيري أفقده السند الرئيس الذي استند إليه، ووجد الرجل نفسه مرغماً على الإستقالة· وباستقالة الشقيري، خلت الساحة عملياً للبديل الوحيد القادر على قيادة المنطمة، أي لممثلي الفصائل الفدائية أو من سمتهم الصحافة حملة البنادق· وكان من شأن الإستبدال أن يتم فور استقالة الشقيري في أواخر الام 7 6 9 1، لولا أن أطرافاً أخرى سعت إلى استبعاد حملة البنادق أو إلى مشاركتهم القيادة وكذلك لولا وجود معارضة واسعة داخل حملة البنادق أنفسهم ضد الترط في استلام قيادة م· ت· ف· رأي جمهور العمل الفدائي في المنظمة مؤسسة بيرقراطية غير ثورية· وقرّ في الأذهان أن المنظمة مسيرة بإرادة الدول العربية، وليس بإرادة فلسطينية مستقلة· وآثر هذا الجمهور أن يطل العمل الفدائي ثورة تكتسح القيود وخشي أن يفضي استلام حملة البنادق قيادة المؤسسة البيروقراطية إلى طيّ روحهم الثورية· وكان على الناحية الأخرى فلسطينيون لم يحبذوا تسليم قيادة المنظمة الأم إلى حملة البنادق لأنهم خشوا أن يفضي ذلك إلى هيمنة فتح بالذات عليها· ومصباح البديري الذي انضمّ إلى قيادة جيش التحرير وترقى فيها منذ عهد الشقيري حتى صارت له رتبة عميد، كان واحداً من هؤلاء· ولعلك ما تزال تتذكر كيف نشأت صلتي بمصباح هذا وتوطدت صداقتنا منذ كان هو نقائداً لسرية الخيالة في منطقة البطيحة السورية الواقعة على شاطئ بحيرة طبرية بما هو ضابط في الجيش السوري وكنتُ أنا معلماً في مدرسة فيها ثم مديراً للمدرسة بين 7 5 9 1 و 1 6 1 9· وإذا كنت تتذكر البداية، فلعلك تتذكر كيف تطورت أحوال صاحبي وأحوالي إلى أن صار هو ضابطاً رفيع المقام في جيش التحرير وصرت أنا صحافياً· وفيما تمتع مصباح برضى الشيوعيين عنه ودعم البعثيين له، كنت أنا عضواً في حزب البعث وصديقاً للشيوعيين· وتوطدت صداقتي لمصباح، واستمرت ماراتنا حتى وإن اختلفنا في هذا الشأن أو ذاك من الشؤون العامة وبضمن ذلك الإختلاف بشأن فتح، وقبله الاختلاف بشأن الشقير·
ستعرف مواقفي حين يتعلق الأمر بـ فتح أما الشقيري فلك أن تعرف بوجيز العبارة أني لم أستسغ بعض أفكاره والكثير من أوجه سلوكه· وقد رأيت في الشقيري قومياً عربياً محافظاً فضقت به، أنا الذي ضاق حتى بالقوميين الثوريين· وأخذت على الشقيري ما أخذه على غيره: المزايدة السياسية والولع باللفظية وإيثار فتنة البلاغة على صلادة الواقع، ولم أتمكن من أن أغض الطرف عن استهانته بالعمل المنظم والقيادة الجماعية· وهكذا، ما أن ظهرت فرصة الإستبدال حتى ملتُ مع الذين مالوا إلى تولية حملة البنادق، وانهمكت في الجدل المتقد حولها، وجندت نفسي لتسخيف المتخوفين من استلامهم مسؤولية قيادة م· ت· ف· وكانت صلتي بياسر عرفات وغيره من قادة فتح والفصائل الأخرى تمكنني من ممارسة بعض التأثير· أما مصباح فقد صبّ جهده في الإتجاه الآخر، خصوصاً كلّما تعلق الأمر بإحلال فتح في الصدارة·
Page 3
وإثثر استقالة الشقيري، قبل أن تُستكمل شروط حلول حملة البنادق محلّه، أُوكلت رئاسة المنظمة في صورة مؤقتة إلى عضو اللجنة التنفيذية المحامي الفلسطيني حامل الجنسية الأردنية يحيى حمودة، وكان من أصدقاء مصباح· وقد بثّ تولي يحيى حمودة الرئاسة آمالاً مبالغاً فيها في أن تنتهج م· ت· ف· نهجاً سياسياً متعقلاً مختلفاً عن نهج الشقيري ونهج حملة البنادق كليهما· كان الرجل شيوعياً في وقت من الأوقات وهو لم يعاد الشيوعيين بعد استقلاله عنهم· وقد تطلع الشيوعيون وأصدقاؤهم، ومصباح من هؤلاء، إلى أن تجري الأمور في نحو يجنّب المنظمة الفلسطينية خطر المزايدات اللفظية التي اتسم بها عهد الشقيري ويحميها من خطر الروح المغامرة التي توجه خطى حملة البنادق· وحمل التطلع ذاته كل من تصور أن بالإمكان ترتيب وضع جديد تؤوي خيمة م· ت· ف· فيه الجميع وتسير في الوت ذاته بخطى متزنة·
والحقيقة أن يحيى حمودة ابتدأ عهد رئاسته بالدعوة إلى تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية تحت راية م· ت· ف· وأعطى الرجل إشارات ذات دلالة واضحة على التعقل السياسي· وفي عهد حمودة، تسنى لعدد أكبر من الضباط التقدميين، وفي عدادهم شيوعيون معروفون أو مكتومون، أن يتولوا مراكز بارزة في قيادة جيش التحرير وقوات التحرير الشعبية· وانتعش النشاط لاجتذاب الجمهور إلى الإلتفاف حول المنظمة الأمّ، واتصل السعي إلى تمثيل الفصائل المسلحة في هيئاتها وقيادتها· لكن هذا لم يكن هو بالضبط ما تريده الفصائل، وخصوصاً منها فتح فالفصائل، وخصوصاً فتح، كانت أكثر تشدداً من الشقيري، فلم تسترح لتعقل حمودة، وكانت عازمة إن رضيت باستلام القيادة، على الإستئثار بها وليس مجرد المشاركة فيها· وحين رفعت الفصائل شعار تثوير م· ت· ف· فقد عنى الشعار فرصة هيمنة حملة البنادق وفكرهم المتشدد عليها· وحدث أن نشرت لوموند الباريسية مقابلة مع رئيس المنظمة بالوكالة أظهر الرجل فيها بعض التعقل، فأقامت الفصائل في وجهه الدنيا ولم تقعدها، حتى لقد اضطر إلى تكذيب ما نشر على لسانه· وبهذا، سجلت الفصائل نقطة ضد يحيى حموده وأظهرت قوتها، فيما ظهر للعقلاء من المعولين عليه أنه ليس القائد القادر على تحدّي السائد· وما أن وقعت معركة الكرامة وأحاطها إعلام الفصائل بما أحاطها من دعاية، حتى استخلص مصباح ما استخلصه غيره، وأدرك أن الفصائل تتوخى استثمار النتائج لتحقيق مطامحها الكبيرة· وبدل أن يسلم مصباح بأن لا بدّ مما ليس منه بدّ، استسلم لهاجس خوفه من هيمنة فتح وتجنّد للمجابهة· ومن هنا، جاء حرص زائري على تسفيه الرواية التي تفنن ياسر عرفات في بثّها عن المعركة·
حاولت أن أهديء صديقي المدفوع بسخطه، وتذرعت بالمرض كي أحمله على اختصار الكلام· لكن مصباح تشبث بهاجسه : قرأت مقالك، ولا أرضى لك بأن تكون من الذين يتسترون على التهويش· لا بدّ من أن تعرف الحقيقة، قال هذا، ثم شرع في بسط حقيقته هو أمامي·
قبل أيام من المعركة، رصد الإستطلاع العسكري الأردني تحركات إسرائيلية غير عادية، وأبلغت القيادة العسكرية الأردنية إلى قيادة جيش التحرير ما توفر لها من معلومات· وبدت القيادة الأردنية واثقة من أن الجيش الإسرائيلي يتهيأ للهجوم على المنطقة ودعت إلى اليقظة· ومن جانبه، مرر مصباح المعلومات إلى قادة الفصائل الفدائية التي تملك قواعد في المنطقة ووضع قوات التحرير الشعبية في حالة تأهب· وعندما ابتدأ الهجوم، تابع مصباح الوقائع الجارية في غور الأردن من مقرّ قيادة جيشه في دمشق، ثم وجد من المناسب أن ينتقل إلى منطقة الإشتباك فتوجه إليها· وكانت حدة المعركة قد خفت والقوة المهاجمة قد تراجعت عندما اقتربت سيارة مصباح من المنطقة، فلم يتح له أكثر من أن يعاين نتائجها·
لم ينسب مصباح لنفسه هذا الدور العادي إلا مقدمة للتشنيع على ياسر عرفات· ففي طريقه إلى قرية الكرامة، توقف مصباح عند نقطة تفتيش أقامها الجيش الأردني· ولما كان قائد جيش التحرير مخولاً دخول المنطقة، فقد أُذن له نبالعبور دون ممانعة· وقتها، كما قال مصباح مشدداً على الألفاظ، كان عرفات واقفاً عند هذه النقطة بانتظار أن يؤذن له بعبورها هو الذي لا يحمل صفة رسمية· وقد شرع مصباح في جولته فيما كان عرفات في الإنتظار· وفي لحظة توجهه رلى سيارته للمغادرة، وقعت عين مصباح على عرفات داخل المنطقة وسط حشد من الصحافيين وهو يروي وقائع المعركة مضمناً الرواية أنه هو الذي قادها ومبرزاً دور مقاتلي فتح دون سواهم·
ذكرت لك هذه الوقائع، وأسهبت في إيراد التفاصيل، لأقدم مثلاً على ما أردت استهلال الحديث به· كنّا إزاء صورة مركبة اختلطت فيها بسالة الفدائيين وحماس الجمهور ومنافنسات الفصائل بعضها مع بعض وشاحنات القادة الفلسطينيين وتأثيرات الدول العربية وما أفرزه الخليط مما هو إيجابي أو سلبي· ووجدتني في جو يصعب وصفه بكلمات اللغة المستقيمة·
ومنذ معركة الكرامة، برزت المقاومة الفلسطينية بما هي عامل كاسح التأثير في الساحة الفلسطنية ومحيطها العربي· وتهيأت الفرصة لحملة البنادق فاستحوذوا على قيادة م· ت· ف· ليوجهوها وفق سياستهم المتشددة· وحدث هذا دون أن تكون الفصائل المسلحة موحدة وقبل أن تنضج سبل التفاهم في ما بينها أو تكفّ الدول العربية ذات المصالح والسياسات المتباينة عن التدخل في شؤون الساحة· وتشكلت مع هذا الخليط وسائل النشاط ضد إسرائيل: عمليات مؤلمة لدولة الإحتلال؛ وأخرى إن كانت أقلّ إيلاماً فإنها لم تكن أقلّ صخباً· وإعلام ناشط، يغطي العمليات، ويهوّل، وتتبارى مراكزه المتعددةفي نسبة الأمجاد، الحقيقية، والأخرى المهولة أو المتوهمة، إلى هذا الفصيل أو ذاك، ويُدلُّ كل فصيل بما ينسبه مركزه الإعلامي إليه؛ وجمهور مفتوح الآذان والأرواح لتلقي الروايات وتصديقها أو الإعتقاد بجدوى ترويجها حين يفطن إلى ما فيها من تهويل·
لم يأت أي من الفصائل من فراغ· فقد انبثقت، كلّا، من واقع اللجوء وما يكتنفه من ملابسات: الجبهة الشعبية، ثم الديمقراطية أفرزتهما حركة القوميين العرب فورثتا سمتها القومية المشددة وما مازجها من توق اللاجئين الفلسطينيين إلى الثأر· الصاعفة، ثم الجبهة العربية، انبثقتا من حزب البعث وحملتا سماته: الولع بالشعارات· جبهة التحرير الفلسطينية تمثلت بتوفيق قليل أو كثير توق الفلسطينيين المزمن إلى أن يصيروا شيئاً مذكوراً ومزجت دون توفيق بين الوطنية الفلسطينية والقومية العربية والفكر الإجتماعي المحافظ ولم تتعمق أياً منها· فتح، وهي فصيل الفصائل إن جاز التعبير، أو فصيل من لا فصيل له، انبثقت من مخزون المشاعر التي راكمها اللاجئون منذ نكبتهم· وفي هذا المخزون، تفاعل تأثير المعاناة القاسية والمديدة والتوق إلى الكرامة الشخصية في وجه المهانات والأمل باستعادة فردوس اكتسحته قوى باغية·
تأسست سفتح على أيدي دعاة نشط معظمهم في مطلع شبابه في حركات سياسية دينية: الإخوان المسلمون في غزّة أو مصر، حزب التحرير الإسلامي، وما هو أقلّ شأناً· وعندما تعرضت الحركات الإسلامية إلى الإنتكاس أمام صعود الفكر القومي وبروز الفكر الماركسي، فقد هولاء القناعة بجدوى استمرارهم في حركاتهم الدينية، وشرعوا في تأسيس الفصيل الفلسطيني وحقنوه بهذا المزيج من ا لفكر المحافظ والوطنية الفلسطينية الناشئة في حضن الفكر القومي ذاته· واجتذب المؤسسون عدداً من التقدميين، قوميين وماركسيين، ممن ضاقوا بأحزابهم أو ضاقت أحزابهم بهم، فأضاف هؤلاء إلى المزيج مقتبسات من شتى الأفكار المحليّة والعالمية· ومن هذا كلّه، تشكلت المواقف المتوافقة أو المتداخلة أو المتباينة، ونشأت ثورية فتح التي من نوع خاص: التورية التي لم يفرز حال اللاجئين ما هو أشدّ منها تأثيراً على جموعهم· وقد كانت هذه ثورية متأججة دون شك، إلا أنها إلى مقومات كثيرة لا تتم نجاعة الثورية بدونها ولا تستقيم·
والحقيقة أن يحيى حمودة ابتدأ عهد رئاسته بالدعوة إلى تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية تحت راية م· ت· ف· وأعطى الرجل إشارات ذات دلالة واضحة على التعقل السياسي· وفي عهد حمودة، تسنى لعدد أكبر من الضباط التقدميين، وفي عدادهم شيوعيون معروفون أو مكتومون، أن يتولوا مراكز بارزة في قيادة جيش التحرير وقوات التحرير الشعبية· وانتعش النشاط لاجتذاب الجمهور إلى الإلتفاف حول المنظمة الأمّ، واتصل السعي إلى تمثيل الفصائل المسلحة في هيئاتها وقيادتها· لكن هذا لم يكن هو بالضبط ما تريده الفصائل، وخصوصاً منها فتح فالفصائل، وخصوصاً فتح، كانت أكثر تشدداً من الشقيري، فلم تسترح لتعقل حمودة، وكانت عازمة إن رضيت باستلام القيادة، على الإستئثار بها وليس مجرد المشاركة فيها· وحين رفعت الفصائل شعار تثوير م· ت· ف· فقد عنى الشعار فرصة هيمنة حملة البنادق وفكرهم المتشدد عليها· وحدث أن نشرت لوموند الباريسية مقابلة مع رئيس المنظمة بالوكالة أظهر الرجل فيها بعض التعقل، فأقامت الفصائل في وجهه الدنيا ولم تقعدها، حتى لقد اضطر إلى تكذيب ما نشر على لسانه· وبهذا، سجلت الفصائل نقطة ضد يحيى حموده وأظهرت قوتها، فيما ظهر للعقلاء من المعولين عليه أنه ليس القائد القادر على تحدّي السائد· وما أن وقعت معركة الكرامة وأحاطها إعلام الفصائل بما أحاطها من دعاية، حتى استخلص مصباح ما استخلصه غيره، وأدرك أن الفصائل تتوخى استثمار النتائج لتحقيق مطامحها الكبيرة· وبدل أن يسلم مصباح بأن لا بدّ مما ليس منه بدّ، استسلم لهاجس خوفه من هيمنة فتح وتجنّد للمجابهة· ومن هنا، جاء حرص زائري على تسفيه الرواية التي تفنن ياسر عرفات في بثّها عن المعركة·
حاولت أن أهديء صديقي المدفوع بسخطه، وتذرعت بالمرض كي أحمله على اختصار الكلام· لكن مصباح تشبث بهاجسه : قرأت مقالك، ولا أرضى لك بأن تكون من الذين يتسترون على التهويش· لا بدّ من أن تعرف الحقيقة، قال هذا، ثم شرع في بسط حقيقته هو أمامي·
قبل أيام من المعركة، رصد الإستطلاع العسكري الأردني تحركات إسرائيلية غير عادية، وأبلغت القيادة العسكرية الأردنية إلى قيادة جيش التحرير ما توفر لها من معلومات· وبدت القيادة الأردنية واثقة من أن الجيش الإسرائيلي يتهيأ للهجوم على المنطقة ودعت إلى اليقظة· ومن جانبه، مرر مصباح المعلومات إلى قادة الفصائل الفدائية التي تملك قواعد في المنطقة ووضع قوات التحرير الشعبية في حالة تأهب· وعندما ابتدأ الهجوم، تابع مصباح الوقائع الجارية في غور الأردن من مقرّ قيادة جيشه في دمشق، ثم وجد من المناسب أن ينتقل إلى منطقة الإشتباك فتوجه إليها· وكانت حدة المعركة قد خفت والقوة المهاجمة قد تراجعت عندما اقتربت سيارة مصباح من المنطقة، فلم يتح له أكثر من أن يعاين نتائجها·
لم ينسب مصباح لنفسه هذا الدور العادي إلا مقدمة للتشنيع على ياسر عرفات· ففي طريقه إلى قرية الكرامة، توقف مصباح عند نقطة تفتيش أقامها الجيش الأردني· ولما كان قائد جيش التحرير مخولاً دخول المنطقة، فقد أُذن له نبالعبور دون ممانعة· وقتها، كما قال مصباح مشدداً على الألفاظ، كان عرفات واقفاً عند هذه النقطة بانتظار أن يؤذن له بعبورها هو الذي لا يحمل صفة رسمية· وقد شرع مصباح في جولته فيما كان عرفات في الإنتظار· وفي لحظة توجهه رلى سيارته للمغادرة، وقعت عين مصباح على عرفات داخل المنطقة وسط حشد من الصحافيين وهو يروي وقائع المعركة مضمناً الرواية أنه هو الذي قادها ومبرزاً دور مقاتلي فتح دون سواهم·
ذكرت لك هذه الوقائع، وأسهبت في إيراد التفاصيل، لأقدم مثلاً على ما أردت استهلال الحديث به· كنّا إزاء صورة مركبة اختلطت فيها بسالة الفدائيين وحماس الجمهور ومنافنسات الفصائل بعضها مع بعض وشاحنات القادة الفلسطينيين وتأثيرات الدول العربية وما أفرزه الخليط مما هو إيجابي أو سلبي· ووجدتني في جو يصعب وصفه بكلمات اللغة المستقيمة·
ومنذ معركة الكرامة، برزت المقاومة الفلسطينية بما هي عامل كاسح التأثير في الساحة الفلسطنية ومحيطها العربي· وتهيأت الفرصة لحملة البنادق فاستحوذوا على قيادة م· ت· ف· ليوجهوها وفق سياستهم المتشددة· وحدث هذا دون أن تكون الفصائل المسلحة موحدة وقبل أن تنضج سبل التفاهم في ما بينها أو تكفّ الدول العربية ذات المصالح والسياسات المتباينة عن التدخل في شؤون الساحة· وتشكلت مع هذا الخليط وسائل النشاط ضد إسرائيل: عمليات مؤلمة لدولة الإحتلال؛ وأخرى إن كانت أقلّ إيلاماً فإنها لم تكن أقلّ صخباً· وإعلام ناشط، يغطي العمليات، ويهوّل، وتتبارى مراكزه المتعددةفي نسبة الأمجاد، الحقيقية، والأخرى المهولة أو المتوهمة، إلى هذا الفصيل أو ذاك، ويُدلُّ كل فصيل بما ينسبه مركزه الإعلامي إليه؛ وجمهور مفتوح الآذان والأرواح لتلقي الروايات وتصديقها أو الإعتقاد بجدوى ترويجها حين يفطن إلى ما فيها من تهويل·
لم يأت أي من الفصائل من فراغ· فقد انبثقت، كلّا، من واقع اللجوء وما يكتنفه من ملابسات: الجبهة الشعبية، ثم الديمقراطية أفرزتهما حركة القوميين العرب فورثتا سمتها القومية المشددة وما مازجها من توق اللاجئين الفلسطينيين إلى الثأر· الصاعفة، ثم الجبهة العربية، انبثقتا من حزب البعث وحملتا سماته: الولع بالشعارات· جبهة التحرير الفلسطينية تمثلت بتوفيق قليل أو كثير توق الفلسطينيين المزمن إلى أن يصيروا شيئاً مذكوراً ومزجت دون توفيق بين الوطنية الفلسطينية والقومية العربية والفكر الإجتماعي المحافظ ولم تتعمق أياً منها· فتح، وهي فصيل الفصائل إن جاز التعبير، أو فصيل من لا فصيل له، انبثقت من مخزون المشاعر التي راكمها اللاجئون منذ نكبتهم· وفي هذا المخزون، تفاعل تأثير المعاناة القاسية والمديدة والتوق إلى الكرامة الشخصية في وجه المهانات والأمل باستعادة فردوس اكتسحته قوى باغية·
تأسست سفتح على أيدي دعاة نشط معظمهم في مطلع شبابه في حركات سياسية دينية: الإخوان المسلمون في غزّة أو مصر، حزب التحرير الإسلامي، وما هو أقلّ شأناً· وعندما تعرضت الحركات الإسلامية إلى الإنتكاس أمام صعود الفكر القومي وبروز الفكر الماركسي، فقد هولاء القناعة بجدوى استمرارهم في حركاتهم الدينية، وشرعوا في تأسيس الفصيل الفلسطيني وحقنوه بهذا المزيج من ا لفكر المحافظ والوطنية الفلسطينية الناشئة في حضن الفكر القومي ذاته· واجتذب المؤسسون عدداً من التقدميين، قوميين وماركسيين، ممن ضاقوا بأحزابهم أو ضاقت أحزابهم بهم، فأضاف هؤلاء إلى المزيج مقتبسات من شتى الأفكار المحليّة والعالمية· ومن هذا كلّه، تشكلت المواقف المتوافقة أو المتداخلة أو المتباينة، ونشأت ثورية فتح التي من نوع خاص: التورية التي لم يفرز حال اللاجئين ما هو أشدّ منها تأثيراً على جموعهم· وقد كانت هذه ثورية متأججة دون شك، إلا أنها إلى مقومات كثيرة لا تتم نجاعة الثورية بدونها ولا تستقيم·
Page 4
ولئن أضفى التعدد على فتح حيوية زائدة، فقد صارت له أيضاً تأثيرات سلبية أخطرها الإفتقار إلى التجانس،، وهذا هو ما أبقى منجزات فتح الإجمالية أقلّ دوماً من جهود ناسها، وهو ما ولّد الحاجة إلى استدراك الفارق بالتهويل·
فتحت فتح صفوفها لكل من انجذب إليها، فحوت الثوري والمحافظ، التقدمي والرجعيّ، الراغب في لعب دور في الحياة العامة والباحث عن منفطعة شخصية، المؤهل للكفاح والتضحية والمؤهل لجني المكاسب الشخصية على حساب تضحيات الآخرين، الواثق مما هو مندفع فيه والمندفع مع التيّار دون بصيرة، المتطلع إلى المستقبل والمشدود إلى الماضي، الباحث عن النجاح والهارب من فشل قديم· ولم يلبث أن أثر حال فتح هذا على أحوال الآخرين في سياق التنافس بين الفصائل· فصار كل فصيل فتح مصغرةً كلما تعلق الأمر بالحاجة إلى اجتذاب الأنصار دون تدقيق·
وكانت الفصائل تتحالف إذا داهمها خطر محدق بالجميع أو حفزها على التحالف مطمح أو مطمع مشترك· لكن التحالفات المؤقتة لم تطفيء لهيب التنافس· ولم تكن المنافسات والمشاكل الملتهبة داخل كل فصيل على حدة أهدأ مما هي عليه بين الفصائل ولا كانت الخصومات أقلّ· فإذا أضفت تأثير التدخلات العربية، الرسمي منها وغير الرسمي، فلك أن تتصور إلى أي حدّ بلغ تعقيد العلاقات وكيف تأججت المزايدات على كل صعيد·
في هذا الجوّ، نشطت حركة تأسيس فصائل جديدة· قردان وحارس، حسب المثل الذي كثيراً ما استحضر في ذلك الوقت، ومكتب، وآلة كاتبة، وتليفون، ومصدر تمويل، واسم جديد على القائمة· وفي هذا الجوّ· نشطت حركة انقسام الفصائل· وهكذا، نبتت أسماء كثيرة واكتظت الساحة بها· ولأن كل فصيل حرص على أن يتضمن اسمه كلمات فلسطين، وجبهة، وتحرير، وما يماثلها، فقد تشابهت الأسماء· وجاء في أواخر الستينات وقت ضمت فيه مفكرة هواتفي أسماء ما يزيد على أربعين فصيلاً واحتجت إلى أن أكتب إيضاحات إضافية أمام عدد كبير من الأسماء كي أُميّز أحدها من الآخرين· وفي عمان، كما في دمشق، ثم في بيروت، انتشرت المكاتب القيادية والإدارية والإعلامية، كما انتشرت مخازن السلاح والتموين· وأنشأ بعض الفصائل مكاتب في بغداد والقاهرة وعواصم الدول العربية الأخرى·
في غضون ذلك، توسعت علاقات الشخصية بناس المقاومة· ولما كانت علاقاتي متينة مع ناس الفصائل الأولى منذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، فقد تيسر لي أن أمدّ علاقات اللاحقة بسهولة· وما قصدت موقعاً لفصيل قديم أو مستجد إلا وقعت فيه على مسؤول أعرفه أو من السهل أن أتعرف عليه، وكنت أحصل على أتم المساعدة· ومعظم شاغلي مراكز النفود كان من أبناء جيلي أنا ابن الثلاثين، أو أكبر مني بسنوات· ولأني تعرفت على هؤلاد قبل أن يصيروا نجوماً أو يظنّوا أنهم صاروا مهمين، فقد ألفت كما ألفوا هم أن أتعامل معهم بغير كلفة، وتعاملت مع الجمية بنديّة بوصفي رفيقاً وليس صحافياً زائراً·
تميزت قيادات الفصائل جميعها بكثرة الشبان بين أعضائها· شبّان أنهوا الدراسة لتوهم أو قبل سنوات قليلة، أو انقطعوا عنها· بعض هؤلاء عمل لبعض الوقت في التدريس أو في وظائف أخرى تم تفرغ للعمل الفدائي قبل أن تنضج خبرته أو يبلغ تكوين شخصيته تمامه· وجاء بعضهم إلى العمل الفدائي مباشرة من مقاعد الدراسة· وفي قيادة فتح، أقدمِ الفصائل نشأةً، لم يكن ثمة من يزيد عمره على الأربعين أو من تولى قبل العمل الفدائي مسؤوليات قيادية في مهنته، وإن تولّى أي مسؤولية فلسنوات قليلة فقط· وانطبق الأمر ذاته على معظم قادة الفصائل الأخرى إن لم يكن عليهم كلهم·
أما الخبرة الني اكتسبها أي من هؤلاء في حركة سياسية أو طالبية فإنها لم تسعف كثيراً· ذلك أن هؤلاء، وقد انتقلوا من مسار إلى آخر مختلف، اندفعوا في تجربة جديدة لم تكن عدهم للخوض فيها مكتملة· ولم يكن غريباً أن يندفع الوافدون من حركات سياسية إلى العمل الفدائي في تأليه السلاح والإستهانة بالعمل السياسي، تماماً كما فعل الذين انضموا إلى العمل الفدائي دون تجربة سياسية· وقد التقى هؤلاء وهؤلاء عند أكثر الشعارات فتكاً بالجهد السياسي: الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين·واستعار الجميع الشعار العتيق السياسة تنبع من فوهة البندقية، وروّجوا مفهوماً حرفياً له، فصار التوسل بالسلاح بديلاً عن الإجتهاد الفكري وسداً في وجه الدعوة إلى اعتماد العقل·
وسط هذا الخليط، برزت ظاهرة أخرى خطيرة، فقبول المناصرين بغير تدقيق أباح حتى لممارسي النشاطات المشبوهة أن يظفروا بعضوية الفصائل ويتمتعوا بمجد الإنضمام إلى صفوف الفدائيين· ومع شيوع استخدام الأسماء الحركية وسهولة الظفر بوثائق شخصية جديدة تطمس الأسماء الحقيقية، أمكن حتى لذوي السوابق إخفاء الماضي عن العيون· وقد لاحظت بنفسي كيف خلَتْ ساحة المرجة في دمشق من ناس الحتالة· وصار من النادر أن تقع العين في ساحة المرجة مثلاً على لاعبي الكشاتبين والورقات الثلاث أو مروجي الصور الفاضحة أو نشيطي السوق السوداء الذين كانت ساحة دمشق المركزية هذه تغصّ بهم في العادة· ولم يكن من النادر أن تقع عيني المدققة على واحد من هؤلاء وقد برز شأنه في فصيل فدائي· ولئن كان بين هؤلاء من تاب حقاً وصلح أمره، فقد كان بينهم من واصل سيرته الأولى واستنبت في موقعه الجديد بذور الفساد ورعاها·
وإلى هؤلاء اجتذب المظهر الفدائي المحتاجين إلى التخلص من ماض سياسي ضار بسمعتهم أو ظروف اجتماعية يضيقون بها· أعضاء أحزاب محظورة يمينية أو يسارية متطرفة وجدوا الملاذ والحماية، ولئن أخص بعضهم للفصيل الذي آواه فإن بعضهم تستر بالعمل الفدائي واستثمر التسهيلات الممنوحة له في هذا البلد أو ذاك ليواصل خدمة الجهة التي نشأ فيها· وقد أسهم هذا في تأجيج حذر أجهزة الأمن العربية وغير العربية إزاء ما يدور على الساحة الفلسطينية· والفارهون لعيشهم في أسر متزمتة، أو الذين ضاقوا بأعباء الدراسة، أو التواقون للمغامرة، أو الذين ترسلهم شتى أجهزة الأمن للتجسس، هؤلاء ومن على شاكلتهم وجدوا أبواب الفصائل مفتوحة دون عوائق·
من هذا كلّه، فلسطينيّة وعربيّة ومختلطة، طيّبة وخبيثة، المفيد منه والضار، الماجد والمنحط، تشكلت الساحة التي وجدتني منهمكاً في شؤونها· اختلط الحابل والنابل، الشريف والخسيس، المثابر والمغامر، المبدئي والإنتهازي، المستقيم الوصولي، المثالي والواقعي· وصار على أن أجالد النفس ليبقى لي ما أحرص عليه من تميز وأحتفظ ببقائي في الساحة فلا تُنفرني سلبياتها·
أما على الصعيد السوري فقد استفحلت ازدواجية السلطة وانداحت تأثيراتها في كل مكان· وإلى تمايز مواقف كتلتي النظام إزاء المسائل السياسية الداخلية، تمايزت مواقعها إزاء الساحة الفلسطينية، أيضاً، وكان التباين في بعض الحالات كبيراً· إلا أن دواعي التنافس جعلت التلتين كليتهما بحاجة إلى التقرب من المقاومة الفلسطينية· ولم يتوان ناس الفصائل في استثمار الظاهرة· لقد صرت تعرف كيف تمركزت كتلة القيادة، المسماة أيضاً كتلة المدنيين أو كتلة صلاح جديد، في منظمة الصاعقة، فكبر حجم هذه المنظمة، وذلك على الصعيد السوري أكثر مما هو على الصعيد الفلسطيني· بينما تمركزت الكتلة الأخرى، كتلة العسكر وفق أكثر تسمياتها شيوعاً، أو كتلة الأسد، نسبة إلى زعيمها حافظ الأسد وزير الدفاع، في الجيش· صار على ناس الفصائل المحتاجين دوماً إلى التعامل مع وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية التابعة لها أن يراعوا هذا الوضع·
وبالرغم من أن وصف الحال بعبارات وجيزة متعذر، فمن الممكن القول إن كتلة القيادة بدت أكثر انفتاحاً في تعاملها مع ناس الفصائل، فيما بدت الكتلة الأخرى أكثر تحفظاً، هذا إذا أبقينا في الإعتبار أن ناس الكتلتين كليهما لم يأذنوا لأي من الفصائل بالتصرف في سورية على هواه· وهذا القول لا يعني أن الإنفتاح كان بغير قيود أو أن أجواءه خلت من المشاكل، كما لا يعني أن التحفظ حال دون التعاون· لقد احتفظت الكتلتان بالتأييد المعلن للعمل الفدائي· وفي حالات غير قليلة، أدى التنافس إلى توفير معونات إضافية لهذا العمل· غير أن تنابذ الكتلتين عوّد نشطاء الفصائل على السعي إلى النفاذ عبر مسننات الخلاف الحادة في البلد الذي يؤوي عدداً كبيراً من مؤسساتهم، واستتبع نوعاً من اللعب على اتلحبال، وكان هذا لعباً خطيراً· وما كان من شأن هذا الحال إلا أن يزيد الصورة على الساحة الفلسطينية تعقيداً واختلاطاً·
كنت مرتبطاً بالساحتين كليتهما· فوجدتني كمن يعيش في دوامة، بل دوامات متلاحقة· ولذن كان في هذا الوضع لذائذ يتمتع بها التواق مثلي إلى الإنهماك في المعامع، فقد كانت له متابعه أيضاً· وما أكثر ما تمتعت وأنا أخوِّض في الدوامات وأخطو فوق المسننات الحادة وأفلح في السير على رؤوس المسامير· لكن، ما أكثر ما أرهقت نفسي وأشدّ ما سببته لها من أذى، أيضاً!
فتحت فتح صفوفها لكل من انجذب إليها، فحوت الثوري والمحافظ، التقدمي والرجعيّ، الراغب في لعب دور في الحياة العامة والباحث عن منفطعة شخصية، المؤهل للكفاح والتضحية والمؤهل لجني المكاسب الشخصية على حساب تضحيات الآخرين، الواثق مما هو مندفع فيه والمندفع مع التيّار دون بصيرة، المتطلع إلى المستقبل والمشدود إلى الماضي، الباحث عن النجاح والهارب من فشل قديم· ولم يلبث أن أثر حال فتح هذا على أحوال الآخرين في سياق التنافس بين الفصائل· فصار كل فصيل فتح مصغرةً كلما تعلق الأمر بالحاجة إلى اجتذاب الأنصار دون تدقيق·
وكانت الفصائل تتحالف إذا داهمها خطر محدق بالجميع أو حفزها على التحالف مطمح أو مطمع مشترك· لكن التحالفات المؤقتة لم تطفيء لهيب التنافس· ولم تكن المنافسات والمشاكل الملتهبة داخل كل فصيل على حدة أهدأ مما هي عليه بين الفصائل ولا كانت الخصومات أقلّ· فإذا أضفت تأثير التدخلات العربية، الرسمي منها وغير الرسمي، فلك أن تتصور إلى أي حدّ بلغ تعقيد العلاقات وكيف تأججت المزايدات على كل صعيد·
في هذا الجوّ، نشطت حركة تأسيس فصائل جديدة· قردان وحارس، حسب المثل الذي كثيراً ما استحضر في ذلك الوقت، ومكتب، وآلة كاتبة، وتليفون، ومصدر تمويل، واسم جديد على القائمة· وفي هذا الجوّ· نشطت حركة انقسام الفصائل· وهكذا، نبتت أسماء كثيرة واكتظت الساحة بها· ولأن كل فصيل حرص على أن يتضمن اسمه كلمات فلسطين، وجبهة، وتحرير، وما يماثلها، فقد تشابهت الأسماء· وجاء في أواخر الستينات وقت ضمت فيه مفكرة هواتفي أسماء ما يزيد على أربعين فصيلاً واحتجت إلى أن أكتب إيضاحات إضافية أمام عدد كبير من الأسماء كي أُميّز أحدها من الآخرين· وفي عمان، كما في دمشق، ثم في بيروت، انتشرت المكاتب القيادية والإدارية والإعلامية، كما انتشرت مخازن السلاح والتموين· وأنشأ بعض الفصائل مكاتب في بغداد والقاهرة وعواصم الدول العربية الأخرى·
في غضون ذلك، توسعت علاقات الشخصية بناس المقاومة· ولما كانت علاقاتي متينة مع ناس الفصائل الأولى منذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، فقد تيسر لي أن أمدّ علاقات اللاحقة بسهولة· وما قصدت موقعاً لفصيل قديم أو مستجد إلا وقعت فيه على مسؤول أعرفه أو من السهل أن أتعرف عليه، وكنت أحصل على أتم المساعدة· ومعظم شاغلي مراكز النفود كان من أبناء جيلي أنا ابن الثلاثين، أو أكبر مني بسنوات· ولأني تعرفت على هؤلاد قبل أن يصيروا نجوماً أو يظنّوا أنهم صاروا مهمين، فقد ألفت كما ألفوا هم أن أتعامل معهم بغير كلفة، وتعاملت مع الجمية بنديّة بوصفي رفيقاً وليس صحافياً زائراً·
تميزت قيادات الفصائل جميعها بكثرة الشبان بين أعضائها· شبّان أنهوا الدراسة لتوهم أو قبل سنوات قليلة، أو انقطعوا عنها· بعض هؤلاء عمل لبعض الوقت في التدريس أو في وظائف أخرى تم تفرغ للعمل الفدائي قبل أن تنضج خبرته أو يبلغ تكوين شخصيته تمامه· وجاء بعضهم إلى العمل الفدائي مباشرة من مقاعد الدراسة· وفي قيادة فتح، أقدمِ الفصائل نشأةً، لم يكن ثمة من يزيد عمره على الأربعين أو من تولى قبل العمل الفدائي مسؤوليات قيادية في مهنته، وإن تولّى أي مسؤولية فلسنوات قليلة فقط· وانطبق الأمر ذاته على معظم قادة الفصائل الأخرى إن لم يكن عليهم كلهم·
أما الخبرة الني اكتسبها أي من هؤلاء في حركة سياسية أو طالبية فإنها لم تسعف كثيراً· ذلك أن هؤلاء، وقد انتقلوا من مسار إلى آخر مختلف، اندفعوا في تجربة جديدة لم تكن عدهم للخوض فيها مكتملة· ولم يكن غريباً أن يندفع الوافدون من حركات سياسية إلى العمل الفدائي في تأليه السلاح والإستهانة بالعمل السياسي، تماماً كما فعل الذين انضموا إلى العمل الفدائي دون تجربة سياسية· وقد التقى هؤلاء وهؤلاء عند أكثر الشعارات فتكاً بالجهد السياسي: الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين·واستعار الجميع الشعار العتيق السياسة تنبع من فوهة البندقية، وروّجوا مفهوماً حرفياً له، فصار التوسل بالسلاح بديلاً عن الإجتهاد الفكري وسداً في وجه الدعوة إلى اعتماد العقل·
وسط هذا الخليط، برزت ظاهرة أخرى خطيرة، فقبول المناصرين بغير تدقيق أباح حتى لممارسي النشاطات المشبوهة أن يظفروا بعضوية الفصائل ويتمتعوا بمجد الإنضمام إلى صفوف الفدائيين· ومع شيوع استخدام الأسماء الحركية وسهولة الظفر بوثائق شخصية جديدة تطمس الأسماء الحقيقية، أمكن حتى لذوي السوابق إخفاء الماضي عن العيون· وقد لاحظت بنفسي كيف خلَتْ ساحة المرجة في دمشق من ناس الحتالة· وصار من النادر أن تقع العين في ساحة المرجة مثلاً على لاعبي الكشاتبين والورقات الثلاث أو مروجي الصور الفاضحة أو نشيطي السوق السوداء الذين كانت ساحة دمشق المركزية هذه تغصّ بهم في العادة· ولم يكن من النادر أن تقع عيني المدققة على واحد من هؤلاء وقد برز شأنه في فصيل فدائي· ولئن كان بين هؤلاء من تاب حقاً وصلح أمره، فقد كان بينهم من واصل سيرته الأولى واستنبت في موقعه الجديد بذور الفساد ورعاها·
وإلى هؤلاء اجتذب المظهر الفدائي المحتاجين إلى التخلص من ماض سياسي ضار بسمعتهم أو ظروف اجتماعية يضيقون بها· أعضاء أحزاب محظورة يمينية أو يسارية متطرفة وجدوا الملاذ والحماية، ولئن أخص بعضهم للفصيل الذي آواه فإن بعضهم تستر بالعمل الفدائي واستثمر التسهيلات الممنوحة له في هذا البلد أو ذاك ليواصل خدمة الجهة التي نشأ فيها· وقد أسهم هذا في تأجيج حذر أجهزة الأمن العربية وغير العربية إزاء ما يدور على الساحة الفلسطينية· والفارهون لعيشهم في أسر متزمتة، أو الذين ضاقوا بأعباء الدراسة، أو التواقون للمغامرة، أو الذين ترسلهم شتى أجهزة الأمن للتجسس، هؤلاء ومن على شاكلتهم وجدوا أبواب الفصائل مفتوحة دون عوائق·
من هذا كلّه، فلسطينيّة وعربيّة ومختلطة، طيّبة وخبيثة، المفيد منه والضار، الماجد والمنحط، تشكلت الساحة التي وجدتني منهمكاً في شؤونها· اختلط الحابل والنابل، الشريف والخسيس، المثابر والمغامر، المبدئي والإنتهازي، المستقيم الوصولي، المثالي والواقعي· وصار على أن أجالد النفس ليبقى لي ما أحرص عليه من تميز وأحتفظ ببقائي في الساحة فلا تُنفرني سلبياتها·
أما على الصعيد السوري فقد استفحلت ازدواجية السلطة وانداحت تأثيراتها في كل مكان· وإلى تمايز مواقف كتلتي النظام إزاء المسائل السياسية الداخلية، تمايزت مواقعها إزاء الساحة الفلسطينية، أيضاً، وكان التباين في بعض الحالات كبيراً· إلا أن دواعي التنافس جعلت التلتين كليتهما بحاجة إلى التقرب من المقاومة الفلسطينية· ولم يتوان ناس الفصائل في استثمار الظاهرة· لقد صرت تعرف كيف تمركزت كتلة القيادة، المسماة أيضاً كتلة المدنيين أو كتلة صلاح جديد، في منظمة الصاعقة، فكبر حجم هذه المنظمة، وذلك على الصعيد السوري أكثر مما هو على الصعيد الفلسطيني· بينما تمركزت الكتلة الأخرى، كتلة العسكر وفق أكثر تسمياتها شيوعاً، أو كتلة الأسد، نسبة إلى زعيمها حافظ الأسد وزير الدفاع، في الجيش· صار على ناس الفصائل المحتاجين دوماً إلى التعامل مع وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية التابعة لها أن يراعوا هذا الوضع·
وبالرغم من أن وصف الحال بعبارات وجيزة متعذر، فمن الممكن القول إن كتلة القيادة بدت أكثر انفتاحاً في تعاملها مع ناس الفصائل، فيما بدت الكتلة الأخرى أكثر تحفظاً، هذا إذا أبقينا في الإعتبار أن ناس الكتلتين كليهما لم يأذنوا لأي من الفصائل بالتصرف في سورية على هواه· وهذا القول لا يعني أن الإنفتاح كان بغير قيود أو أن أجواءه خلت من المشاكل، كما لا يعني أن التحفظ حال دون التعاون· لقد احتفظت الكتلتان بالتأييد المعلن للعمل الفدائي· وفي حالات غير قليلة، أدى التنافس إلى توفير معونات إضافية لهذا العمل· غير أن تنابذ الكتلتين عوّد نشطاء الفصائل على السعي إلى النفاذ عبر مسننات الخلاف الحادة في البلد الذي يؤوي عدداً كبيراً من مؤسساتهم، واستتبع نوعاً من اللعب على اتلحبال، وكان هذا لعباً خطيراً· وما كان من شأن هذا الحال إلا أن يزيد الصورة على الساحة الفلسطينية تعقيداً واختلاطاً·
كنت مرتبطاً بالساحتين كليتهما· فوجدتني كمن يعيش في دوامة، بل دوامات متلاحقة· ولذن كان في هذا الوضع لذائذ يتمتع بها التواق مثلي إلى الإنهماك في المعامع، فقد كانت له متابعه أيضاً· وما أكثر ما تمتعت وأنا أخوِّض في الدوامات وأخطو فوق المسننات الحادة وأفلح في السير على رؤوس المسامير· لكن، ما أكثر ما أرهقت نفسي وأشدّ ما سببته لها من أذى، أيضاً!
Page 5
2
نفحات من غزة تصلني بالوطن وناسهأفلح الشاعر السوري البعثي علي الجندي في اجتذاب الشاعر الفلسطيني الشيوعي معين بسيسو إلى دمشق والإقامة فيها· إغواء معين لم ييحتج إلى جهد كبير· فهذا الغزّاوي الذي لم تحتل مدينته إلا للتو كان مسكوناً بروح مغامرة وتوق إلى التنقل لا يبيحان له أن يستقر في أي مكان· وعندما وقعت حرب حزيران/ يونيو، كان معين قد قدم من غزّة في زيارة بيروت فانقطعت سبل عودته إلى مسقط رأسه، ووجد نفسه وقد انضمّ إلى جموع اللاجئين الفلسطينيين المبعدين عن وطنهم الممنوعين من العودة إليه· وصار على معين الذي خبر سجون مصر السياسية أن يجد مكاناً تتوفر فيه إقامة مأمونة ومصدر رزق· ولا بدّ من أن الشاعر الشيعي كان مفتوناً بسمعة النظام السوري، هذا الذي تضم حكومته وزيراً شيوعياً ذائع الصيت وينتهج أكثر السياسات تشدداً ضد الصهيونية والامبرذالية والرجعية· فلم يكن صعباً أن يرحب معين بالعرض الذي حمله علي الجندي إليه فيحمل هو حقيبته ويتوجه إلى دمشق ويستقدم أسرته إليها·
في دمشق، تعرف معين علي محمد الجندي، وكان هذا أفيد له من علي وأشدّ وفاء· وقدم محمد الوافد الجديد إلى صفوة الأوساط السياسية والإعلامية والثقافية في البلد وأضاف جهده في هذا المجال إلى ما فعله الشيوعيون وأصدقاؤهم، فطاب لمعين المقام·
كان محمد الجندي مديراً عاماً لمؤسسة الوحدة الحكومية ورئيساً لتحرير جريدة الثورة التي تصدر عنها· وكان هذا الإنسان متميزاً من عدّة وجوه؛ فهو في حياته الخاصة راهب عصيّ على الفساد، دون أن يكون متزمتاً ضد انغماس سواه في اللذائذ· وفي السياسة، كان محمد شديد التشبث بقناعاته، يدافع عن مواقفه اليسارية بضراوة، ويهاجم الخصوم بضراوة أشدّ، لكنه لا يقفل أُذنيه إزاء الرأي الآخر· وكان هذا البعثي بريئاً من البغض الذي يختزنه بعثيون كثيرون لحلفائهم الشيوعيين· ومن هذه الناحية بالذات، كان الرجل من أكثر الموالين لكتلة القيادة استقامة في التعامل مع الشيوعيين وأي يساريين آخرين، فهو لا يتردد في بسط اختلافاته معهم، لكنه لا يفرط بأي فرصة لعقد الصلات بهم وتمتين التحالف· وإلى هذا، كان محمد الجندي حريصاً على رعاية من يتوسم فيهم موهبة أو كفاءة؛ فهو بريء، أيضاً، من العجيب الذي يضم رؤساء المؤسسات الذين يسدّون فرص التدم أمام من يفوقونهم في اتلموهبة أو الكفاءة· وقد تجلت مزايا محمد الجندي كلها في حالة معين· فوفّر البعثيّ للشيوعي عملاً محترماً في جريدة الثورة، وأولاه مسؤولية تحرير الصفحة الثقافية، وأفرد له زاوية يومية علً صدر الصفحة الأولى، ووقف إلى جانبه إزاء سخط الساخطين على ما يكتبه الشيوعي حادّ اللسان· وسمى معين زاويته هذه من شوارع العالم، وكانت زاوية أخّاذة، ذلك أنها كانت نابضة بالحياة والطروحات المثيرة للجدل·
وإلى عمله في الثورة، مدّ معين نشاطاته على غير مجال، فكتب التعليقات السياسية للإذاعة كما كتب المسلسلات، وكتب أعمالاً مسرحية عديدة، لعلها جلّ ما كتبه للمسرح طيلة حياته· وزهت روح معين الشعريّة، فكتب وهو في دمشق باقة من أجمل قصائده· وفرد الشغوف باجتذاب الإهتمام حضوره على ساحات النشاط السياسي والثقافي والإجتماعي في العاصمة السورية، وصار في كل منها نجماً· وكنت تجده في أي مكان نيحلّ فيه، في الليل كما في النها، مشغولاً بشيء ما وشاغلاً سواه بشيء، لا يهدأ، ولا يبيح لأحد حوله أن يهدأ· كان قدوم معين إلى دمشق أشبه بقدوم عاصفة، وكانت انطلاقاته فيها أشبه بانطلاق الصواريخ من الراجمة ذات الفوهات المتعددة· وشملت علاقات معين ناساً من مختلف المستويات، من ناس القمم أو ناس القيعان، فكان بين أصدقائه حراس بوابات وموظفو استقبنلا وخدم مطاعم ومقاصف وسواقو سيارات، مثلما كان بينهم زعماء سلطة ومعارضة وصحافيون وكتاب وممثلون وموسيقيون وأدباء من أي نوع أو درجة·
كانت لمعين شخصية مركبة· وعلى كثرة ما عرفت من الناس، لم أعرف شخصاً واحداً يشبه معين· وفي كل واحد من وجوده شخصية، كان معين يذهب إلىحد النهاية إن كان للنهايات حدود· فهو يجدّ في مقام الجدّ فيبزّ أكثر الناس صرامة، ويأسى فيذكر بالخنساء، ويبتذل فتتذكر أبا نواس· إن أقدم معين فهو أجرأ المغامرين، وإن تحسّب فهو أعقل العقلاء؛ يهاجم غيفارات فيأخذ عليه روح المغامرة ثم يكتب مسرحية عن غيفارا فيمجد فيه هذه الروح بالذات؛ يشنّع على التقدميين فيجعلهم مسخرة المجالس ويدافع عنهم إلى حدّ المجازفة بالتعرض لأي أذى؛ يطلق لسانه في انتقاد البعثيين، شعراً ونثراً وحكايات ويكتب مدافعاً عن سياستهم كما لا يكتب غيره؛ يهاجم عبد الناصر ويحمله أشنع المسؤوليات ويدافع عنه ويشتبك مع خصومه ومنتقديه· يحبّ معين فيذل نفسه لمن يحب ويبغض من أحبّه ذاته فيذلّه ببغضه له؛ يصدق فيجيء بالصدق خالصاً من أي شائبة، ويكذب فيهوّل وتتوه وأنت تتابعه؛ يمعن في الولاء فيبلغ حدّ التولّه، ويشتط في الخصام فيبلغ حد القطيعة؛ وكثيراً ما يأتي المتناقضات إزاء الشخص ذاته أو الموقف ذاته·
غير أن هذا الإنسان، مع نوسانه الدائب بين نهاية ونقيضها، انتظمت سلوكه عدة ثوابت وبلغ في ثباته أيضاً حدّ النهاية· فإيمان معين بالشيوعية ظل تام الثبات وكذلك حبّه للإتحاد السوفياتي· وولاء معين لقضية فلسطين شكل السمة الأشدّ ثباتاً في شخصية· أما كرم معين وسخاؤه الذي يبلغ حدّ الإسراف وحفاوته بالضيوف والأصدقاء ولهفته على تقديم العون لأي محتاج إليه، فظلت ثوابت لا يبدلها تبدل الظروف ولا تقلب الأحوال بين اليسر والعوز·
تعرفت على معين فور وصوله إلى دمشق· بحث هو عن الشيوعيين منذ وصوله، وكان مستقبلوه الأوائل بعثيين، وكنت أنا على صلة بالطرفين، فما أسرع ما التقينا، وكان من المتعذر أن لا أنجذب إليه أنا الذي قرأ له وسمع الكثير عنه قبل أن يلقاه·
وقتها، كنت لا أجد الراحة من عناء المشاغل الكثيرة إلا حين تضمني جلسة ألفنا أنا ونخبة من الأصدقاء أن نعقدها في منزل واحد منا كل مساء تقريباً· كنّا شلّة متجانسة، شكل الدكتور نبيه ارشيدات وحنّا مينه وسعيد حورانية والدكتور منير الحمارنة وسعيد مراد وأنا نواتها الدائمة· وكانت لقاءات الشلّة تجتذب آخرين، نختار عن بعضهم وتجيء ببعضهم ظروف طارئة· ولم يلبث أن انضم معين إلى النواة وصار المنزل الذي يقيم فيه واحداً من المنازل التي نسهر فيها·
Page 6
أحببت أنا معين على عيبه، كما ألفت أن أقول، وتأثرت بغنى شخصية وتعدد وجوهها· وقد ينبغي أن أقرّ بأن افتتاني بشخصية معين وما فيها من متناقضات أسهم في تليين تزمتي في الحكم على سلوك الناس وأعتقني من أسر الحرص على الاستقامة الحادة· وبالرغم من أني لم أفلح في طيّ هذا الحرص، فإني صرت أقرب إلى تفهم نزوات الآخرين· ونبيه الذي ك ان أكثرنا تزمتاً كلما تعلق الأمر باستقامة السلوك كان أكثرنا تساهلاً إزاء نزوات الشاعر الشيوعي ومبازله· وكلما شكا أحد سلوكاً لمعين، كان نبيه يبتسم ويقول: بابا، هذه التي سكنت لسانه لكثرة ما تعامل مع سكان حيّه من الأكراد، ثم يضيف: أهم ما في معين أن يظل يكتب، شعره جميل، وكتاباته مؤثرة، لماذا تريد منه أكثر من هذا! حنّا، الحفيّ مثلنا بمعين، لم يمحص الوافد الجديد على الشلّة حبّاً بغير تحفظ· كان حنّا ما يزال ذلك المنحدر من وسط يعلي شأن النزاهة واستقامة السلوك وقيم الفرسان، حتى مع أنه هو نفسه ليس متزمتاً· وكان نموذج حنّا في الرجال هو الطروسي، ذلك الذي جعل منه حنّا في الشراع والعاصفة فارساً مطيّيته مركب بحري· ولئن كان معين فارساً في واحد من وجوهه، هو ذلك لاذي يبرز خصوصاً في الشأن العام، فقد كانت له في الشؤون الخاصة أوجه سلوك أخرى· وقد أحبّ حنّا الوجه الأوّل وضاق بغيره، ليس لأن حنّا غير متسامح، فهو في واقع الأمر عميق الفهم لأوجه الضعف البشري، ولكن لأن معين في رؤية حنا له لا يبذل جهداً للتسامي على ضعفه مع أنه مطالب بأن يراي مكانته بما هو، عند حنّا، قدوة: على عيني الشعر والشعراء، الشيوعية والشيوعيون، فلسطين وقضيتها، النضال والثبات في المعتقلات، يقول حنّا هذا مستعيداً ما يتميز معين به، ثم يستدرك: لكن أن تكون حريصاً على هذا كله، أن يكون لك مجده، يعني أن تظل بين الأخيار أخيرهم يردَّ حنّا بهذا الإستدراك على تسامح نبيه، ويستريح فيخلّ تزمته، فيرفع كأسه ويشملنا بنظرة غدت لتوّها متسامحة، ويهتف: كأسكم يا أحبائي، وكاس جينبا معين!
سعيد حورانية لم يبزّنا جميعناً في حبّ معين، فحسب، بل بزّنا أيضاً في تقدير موهبته الشعرية· كان سعيد حورانية، في سلوكه فارساً ندر أمثاله، معطاء، وصادقاً، وصريحاً، وجريئاً في صراحته، بل جارحاً، وكان في استقامته صارماً كحدّ السيف· إلا أن هذا القاص المبدع كان أكثر من عرفت من الأدباء فهماً لدوافع البشر ونوازعهم ونزواتهم، فكان شديد القدرة على فهم نقاط ضعفهم· وحين يتعلق الأمر بالمبدعين، كان اهتمام سعيد ينصبّ على ما يحرر الموهبة أو يقيّدها ويحكم على السلوك بهذا المعيار· لم يتسامح سعيد حورانية أبداً إزاء الإنحرافات أو النذالات، أما النزوات التي لا تصدر عن روح منحرفة أو نذلة فكان يلتقط دلالتها على التوق إلى حياة غنيّة، والحياة الغنية، عنده، هي المنبع الذي يمدّ الموهوب بمادة إبداعه· وما كان أشدّ ضيق سعيد بالأدباء الذين لا يدخلون في التجربة أوالذين تنحصر اهتماماتهم في مجالات ضيّقة· وعند سعيد حورانية هذا، كان معين شاعراً مجبولاً بالموهبة· وقد رأى سعيد في نزوات الشاعر ما ينمّ عن التوق إلى إطلاق الموهبة· أما ما أخذه سعيد على معين فكان قصور الشاعر عن تمثل التجربة الغنية التي يغرف منها وتعجله في الكتابة والنشر وقلة صبره في مراجعة ما يكتبه وتنقيحه قبل نشره· وقد ظل سعيد على اعتقاده بأن معين ينتج شعراً ومسرحاً شعرياً أقلّ جودة مما تيحه له موهبته، ودأب على أن يصارح صديقه برأيه هذا ويحثه على المماهاة بين المهبة وإبداعاتها· وبتأثير سعيد ومثابرته على انتقاد تعجل معين، أو لهوجته، كتب معين في دمشق بعضاً من أجمل قصائده·
سعيد مراد كان له مع معين شأن آر، أحبّه كما أحببناه، وعُني بشعره دون أن يشارك سعيد جورانيه افتتانه الزائد بموهبة معين الشعرية أو ضيقه بالفارق بين مستوى الموهبة ومستوى تجلياتها· رأى سعيد مراد أن هذا هو معين لا أكثر ولا أقل، في موهبته كما في إنتاجه كليهما· وحياة الشاعر، سلوكه المتوثب، تنقلاته بين نهاية ونقيضها، الحكايات التي يعيشها والحكايات التي يرويها، هي التي فتنت سعيد مراد، ما يرضي الآخرين منها وما يسخطهم· وقد ألف سعيد مراد أن يردد كلما ذكر معين: أجمل قصائد هذا الشاعر وأعظمها هي حياته هذه التي يعيشها وسعيد مراد، هذا الذي تختزن ذاكرته كنوزاً من وقائع الحياة الثقافية العربية وشؤون روادها، هو الذي استحضر زجلاً قديماً قاله صلاح جاهين في الخمسينات· في هذا الزجل وجه الفنان المصري تحية للشاعر الفلسطيني بمناسبة صدور ديوانه الأول· وكان سعيد مراد يردد مطلع هذا الزجل كلما تجلى الشاعر في مجلس واسترقت روحه: معين يا صوت الضحايا، إرعد بصوتك معايا!
منير الحمارنة كان له شأن آخر معنا جميعاً وليس مع معين وحده· كان منير كثير المشاغل، يفترس العمل في المؤسسة الإستهلاكية التي هو أحد مدرائها نصف وقته، ويفترس العمل في الحزب الشيوعي الأردني أو للحزب الذي هو واحد من أنشط ناشطيه النصف الآخر، وتنهكه واجبات الضيافة والعلاقات الاجتماعية التي يتولاها هو الحريص على أدائها على أتم وجه· فلم يكن منير، إذاً، من المواظبين باستمرار على جلساتنا، بل كان ينضم إلينا حين تسعفه الظروف، فقط، وغالباً ما كان يجيء متأخراً· وبالرغم من أن شخصية منير لا تفتقر إلى المزاجيّة، فقد كان أقلنا انشغالاً بهموم الأدب وأقلّ من هذا انشغالاً بهموم الأدباء أنفسهم، واعتاد أن يتابع مسارتنات حين تتناول الأدب والأدبا بوصفها من المشاغل التي لا تعنيه إلا بمقدار ما تتصل بدور أصحابها في الحياة العامة· لكن منير كان يتدخل بتعليقات حاذقة ومبتكرة فيؤكد انتباهه التام إلى مدارات الأحاديث وينمْ عن فهم لأدب بشي بأكثر مما يظهر· وأما حين تنعطف مساراتنا ناحية السياسة والإقتصاد والهموم الاجتماعية فلا بد من أن ينتهي مجراها إلى سيطرة منير عليه؛ كان هذا هو مجال علمه وخبرته وميدان اختصاصه، وكنّا نصغي إليه ونتعلم·
لم يقصر منير في إيلاء معين ما هو لازم من مجالات ولا في إظهار الإهتمام به· لكن منير لم يكن يحامل الشاعر حين يمعن هذا في تهويلاته تماماً كما أن معين لم يكن يرتاح حين يمعن منير في أحاديثه المتخصصة· والواقع أن معين كان حذراً على الدوام من نظرة منير التي تتابعه وتخترقه وهو يروي حكاياته· وإذا استشعر معين برم منير بحكاية معيبة، كان يقطع الرواية ويرسل نحو المتبرم نظرة مجانبة ويسأل بلهجته الغزاوية ونبرتها المتميزة: إيش يا دكتور!، يجعل تاء الدكتور طاء، ويضيف: مش راكبة على الماركسية اللينينية؟، ولا ينتظر الإجابة· وكان منير يصمت، فيظهر صمته أكثر مما كان سيظهره أي كلام أَنها فعلاً مش راكبة، فيضطرب معين لأنه يدرك أن السلوك الذي نمت عنه الحكاية لا يركب لا على الماركسية اللينينة ولا على غيرها· أما إزاء التهويلات التي لا تخول منها حكاية يحكيها معين والتي نلا يكفي حتى الصمت البليغ للتعبير عن استنكارها، فكان منير يفصح عن رأيه بطريقة لا يتقنها غيره؛ يقاطع الرواية، ويرفع كأسه فجأة ويدق به كأس معين دقة مجلجلة وهو يهتف: أبو توفيق، وهذه هي كنية معين، أشرب كأس الصدق!
سعيد حورانية لم يبزّنا جميعناً في حبّ معين، فحسب، بل بزّنا أيضاً في تقدير موهبته الشعرية· كان سعيد حورانية، في سلوكه فارساً ندر أمثاله، معطاء، وصادقاً، وصريحاً، وجريئاً في صراحته، بل جارحاً، وكان في استقامته صارماً كحدّ السيف· إلا أن هذا القاص المبدع كان أكثر من عرفت من الأدباء فهماً لدوافع البشر ونوازعهم ونزواتهم، فكان شديد القدرة على فهم نقاط ضعفهم· وحين يتعلق الأمر بالمبدعين، كان اهتمام سعيد ينصبّ على ما يحرر الموهبة أو يقيّدها ويحكم على السلوك بهذا المعيار· لم يتسامح سعيد حورانية أبداً إزاء الإنحرافات أو النذالات، أما النزوات التي لا تصدر عن روح منحرفة أو نذلة فكان يلتقط دلالتها على التوق إلى حياة غنيّة، والحياة الغنية، عنده، هي المنبع الذي يمدّ الموهوب بمادة إبداعه· وما كان أشدّ ضيق سعيد بالأدباء الذين لا يدخلون في التجربة أوالذين تنحصر اهتماماتهم في مجالات ضيّقة· وعند سعيد حورانية هذا، كان معين شاعراً مجبولاً بالموهبة· وقد رأى سعيد في نزوات الشاعر ما ينمّ عن التوق إلى إطلاق الموهبة· أما ما أخذه سعيد على معين فكان قصور الشاعر عن تمثل التجربة الغنية التي يغرف منها وتعجله في الكتابة والنشر وقلة صبره في مراجعة ما يكتبه وتنقيحه قبل نشره· وقد ظل سعيد على اعتقاده بأن معين ينتج شعراً ومسرحاً شعرياً أقلّ جودة مما تيحه له موهبته، ودأب على أن يصارح صديقه برأيه هذا ويحثه على المماهاة بين المهبة وإبداعاتها· وبتأثير سعيد ومثابرته على انتقاد تعجل معين، أو لهوجته، كتب معين في دمشق بعضاً من أجمل قصائده·
سعيد مراد كان له مع معين شأن آر، أحبّه كما أحببناه، وعُني بشعره دون أن يشارك سعيد جورانيه افتتانه الزائد بموهبة معين الشعرية أو ضيقه بالفارق بين مستوى الموهبة ومستوى تجلياتها· رأى سعيد مراد أن هذا هو معين لا أكثر ولا أقل، في موهبته كما في إنتاجه كليهما· وحياة الشاعر، سلوكه المتوثب، تنقلاته بين نهاية ونقيضها، الحكايات التي يعيشها والحكايات التي يرويها، هي التي فتنت سعيد مراد، ما يرضي الآخرين منها وما يسخطهم· وقد ألف سعيد مراد أن يردد كلما ذكر معين: أجمل قصائد هذا الشاعر وأعظمها هي حياته هذه التي يعيشها وسعيد مراد، هذا الذي تختزن ذاكرته كنوزاً من وقائع الحياة الثقافية العربية وشؤون روادها، هو الذي استحضر زجلاً قديماً قاله صلاح جاهين في الخمسينات· في هذا الزجل وجه الفنان المصري تحية للشاعر الفلسطيني بمناسبة صدور ديوانه الأول· وكان سعيد مراد يردد مطلع هذا الزجل كلما تجلى الشاعر في مجلس واسترقت روحه: معين يا صوت الضحايا، إرعد بصوتك معايا!
منير الحمارنة كان له شأن آخر معنا جميعاً وليس مع معين وحده· كان منير كثير المشاغل، يفترس العمل في المؤسسة الإستهلاكية التي هو أحد مدرائها نصف وقته، ويفترس العمل في الحزب الشيوعي الأردني أو للحزب الذي هو واحد من أنشط ناشطيه النصف الآخر، وتنهكه واجبات الضيافة والعلاقات الاجتماعية التي يتولاها هو الحريص على أدائها على أتم وجه· فلم يكن منير، إذاً، من المواظبين باستمرار على جلساتنا، بل كان ينضم إلينا حين تسعفه الظروف، فقط، وغالباً ما كان يجيء متأخراً· وبالرغم من أن شخصية منير لا تفتقر إلى المزاجيّة، فقد كان أقلنا انشغالاً بهموم الأدب وأقلّ من هذا انشغالاً بهموم الأدباء أنفسهم، واعتاد أن يتابع مسارتنات حين تتناول الأدب والأدبا بوصفها من المشاغل التي لا تعنيه إلا بمقدار ما تتصل بدور أصحابها في الحياة العامة· لكن منير كان يتدخل بتعليقات حاذقة ومبتكرة فيؤكد انتباهه التام إلى مدارات الأحاديث وينمْ عن فهم لأدب بشي بأكثر مما يظهر· وأما حين تنعطف مساراتنا ناحية السياسة والإقتصاد والهموم الاجتماعية فلا بد من أن ينتهي مجراها إلى سيطرة منير عليه؛ كان هذا هو مجال علمه وخبرته وميدان اختصاصه، وكنّا نصغي إليه ونتعلم·
لم يقصر منير في إيلاء معين ما هو لازم من مجالات ولا في إظهار الإهتمام به· لكن منير لم يكن يحامل الشاعر حين يمعن هذا في تهويلاته تماماً كما أن معين لم يكن يرتاح حين يمعن منير في أحاديثه المتخصصة· والواقع أن معين كان حذراً على الدوام من نظرة منير التي تتابعه وتخترقه وهو يروي حكاياته· وإذا استشعر معين برم منير بحكاية معيبة، كان يقطع الرواية ويرسل نحو المتبرم نظرة مجانبة ويسأل بلهجته الغزاوية ونبرتها المتميزة: إيش يا دكتور!، يجعل تاء الدكتور طاء، ويضيف: مش راكبة على الماركسية اللينينية؟، ولا ينتظر الإجابة· وكان منير يصمت، فيظهر صمته أكثر مما كان سيظهره أي كلام أَنها فعلاً مش راكبة، فيضطرب معين لأنه يدرك أن السلوك الذي نمت عنه الحكاية لا يركب لا على الماركسية اللينينة ولا على غيرها· أما إزاء التهويلات التي لا تخول منها حكاية يحكيها معين والتي نلا يكفي حتى الصمت البليغ للتعبير عن استنكارها، فكان منير يفصح عن رأيه بطريقة لا يتقنها غيره؛ يقاطع الرواية، ويرفع كأسه فجأة ويدق به كأس معين دقة مجلجلة وهو يهتف: أبو توفيق، وهذه هي كنية معين، أشرب كأس الصدق!
Page 7
ذكرت لك هذا عن معين وسأذكر غيره لأزيدك معرفة به هو الذي يستحق أن يعرف، ولأظهرك على شخصية إن كان لها فرادتها فإنها تكاد تكون أيضاً، أنموذجاً يُستهدى به لمعرفة الساحة الفلسطينية التي امتزج فيها الأبيض والأسود كما لا يمتزجان في أي ساحة أخرى·
وها أنا ذا أستحضر واحدة من حكايات عديدة بطلها معين بدأت حين كان العمل الفدائي وعداً بارقاً بثّته رعود حرب حزيران/ يونيو 7 6 9 1· ففي ذات صباح، في يوم دمشقي شتاذي عاصف وماطر، اتصلت صهباء البربري بالدكتور نبيه ارشيدات· وصهباء، لمن لا يعرفها، هي واحدة من راذدات الكفاح الوطني الفلسطيني التقدمي، وهي أول معتقلة سياسية من قطاع غزّة تطبق عليها السجون المصرية، وهي زوجة معين، رفيقة عمره وراعية شؤونه المضطربة ومقيلة عثراته الكثيرة وحاميته من المصائب التي تسببها نزواته ذاتها· الحق يا دكتور!، قالت صهباء لنبيه، معين ما جاش الليلة ع الدار واتصل نبيه بي· ولم يكن أي منّا بحاجة إلى التقصّي لنعرف أين قضى معين ليلته· كما لم يكن لأي منّا أن يبلغ إلى زوجة صاحبه أن زوجها قضى الليلة في منزل إمرأة أخرى·
في ذلك العام، أقمنا حفلة احتفاءَ منّا بالذكرى الخمسينية لثورة أوكتوبر الإشتراكية العظمى، وهذا هو الإسم الرسمي للثورة التي سميت أيضاً الثورة البلشفية والثورة الروسية· نظمت الحفلة لجنةٌ كنت أنا عضواً فيها وكان فيها نخبة من الأدباء والرسامين والموسيقيين والممثلين والعلماء والسياسيين ومن في حكمهم· وقد توخينا أن يكون هذا احتفالاً يليق بالذكرى الجليلة ويحررنا من المزاج المأساوي الذي بثته هزيمة حزيران/ يونيو ويوفر فرصة للمتة الراقية· كما توخينا أن يُظهر الإحتفال قوة اليسار وسعة امتداده في الوسط الثقافي وعمق التقدير العربي لدولة ثورة أوكتوبر· وهيأ الشيوعي الدمشقي ذو الإهتمام العميق بالشأن الثقافي، صديقنا الكاتب عبدالله عويشق، منزل أسرته الفسيح ذي الطراز العربي الجميل ليتمّ الإحتفال فيه· وضمّ المنزل ما يزيد على مائة وخمسين محتفلاً ومحتفلة مفتونين بالذكرى· وكانت هذه أمسية من نوع خاص لم أشهد قبلها ما هو أفتن منها· غابت الخطب والتحايا التقليدية، وحلّت الموسيقى، ونشط الرقص، تقليديُّه وحديثه، وتمتعنا بجو رومانسي قلما تيسر لنا مثله في مناسبة أخرى·
معين استهولته فكرة الإحتفال منذ البداية، فهو يحبُّ الإتحاد السوفياتي، وثورة أوكتوبر عنده هي ثورة ثورات البشرية كلّها· وأنعش جوّ الاحتفال روح الشاعر فأطلق لمخزوناته كلها العنان، وتألق حتى لقد كان نجم السهرة على كثرة منازعيه على النجومية فيها· وفي هذا الجوّ، راقص معين سيّدة ألمانية تتكلم الإنجليزية التي يتكلمها هو أيضاً· وقعت السيدة بين يدي الشاعر وهو في ذروة انتشائه، فلم يفطن الذي أدار جمال المرأة رأسه إلى ما ينبغي الرنتباه إليه هو أن مراقصته هي زوجة عالم سوري صديق لنا جميعاً· وما دامت الجميلة من بلد إشتراكي، هو ألمانيا الديمقراطية، فقد أباح معين لنفسه أن يتودد إليها للتو، أليس هو أشهر محبّي البلدان الاشتراكية بين الفلسطينيين· وكما يقع في العادة، في هذا المقام أو غيره، وما دام معين قد شرع في شيء فلماذا لا يمضي إلى النهاية·
وهكذا، عرض الشاعر إعجابه على المرأة التي التقاهما لتوّه، واشتط في التباهي ليظفر بإعجابها ويستأثر باهتمامها· فسمعت الألمانية المفتونة بمراقصة الشاعر الشهير ذي القامة الرشيقة والوجه المسون بشتى التعابير أن مراقصها هو أعظم شعراء العرب، وأفرسهم، وأغناهم، وأن المكتبات المنتشرة من المحيط إلى الخليج لا تكفّ عن مطالبة الناشرين بالمزيد من نسخ دواوينه، وأن الأموال تنصبُّ على حساباته في البنوك العديدة بمختلف العملات، الصعبة منها وغير الصعبة· وفهمت المرأة التي أدرك معين شدّة ميلها إلى المغامرة أن الشاعر الذي وفر لها فرصة العمر بمراقصته دائم الترحال مجبول بالتوق إلى التغيير والتجديد· وسال الإفتتان من عيني الألمانية وهي تصغي إلى حديث المناضل البطل عن سجون أُعتقل فيها وعذابات تعرض لها وعن صموده وثباته على مباءيه· وقال معين للألمانية إنه دأب، منذ تحرره من أسر السجون بعد عجز جزاديه عن ليّ إرادته، على قضاء شتائه في بلد وصيفه في بل آخر· وعدد معين أسماء أكثر البلدان ملاءمة للإنطلاق والمغامرة· بكلمات أقلّ، تعلق معين بالمرأة ووضع نصب عينيه أن يحظى بإعجابها· ومنذ هذه الأمسية تفنن المولج في مغامرة جديدة في تصيّد الأسباب التي تبيح له الإلتقاء بفاتنته، واستفاد من صلته بزوج المرأة فصار يزورهما في منزل الزوجية ويطيل المكوث عندهما·
قد ينبغي أن تعرف أن نزوج هذه المرأة كان رجلاً متين الشخصية، فضلاً عن أنه يغل وظيفة مرموقة في مؤسسة ثقافية محترمة، وظيفة استحقها عن جدارة بحكم موّلاته وكفاءته على الرغم من صغر سنّه· سأسمي هذا الرجل نزيه وأضيف أنه يستحق هذه التسمية· وقد ألف نزيه أن يستقبل معين بترحاب· يجيء المفتون بالزوجة إلى المنزل فيظفر بما يظفر به الزائر المرموق، ثم لا ينصرف إلا حين لا يبقى بدٌ من الإنصراف· وفي الليلة التي غاب معين فيها عن منزله، كان قد مدد مكوثه في منزل الزوجين إلى ما بعد انتصاف الليل· ولما كانت تلك ليلة عاصفة، فقد خشي نزيه على الزائر من مخاطر الرجعة فعرض عليه أن يبيت حيث هو· وما كان أحبّ هذا العرض إلى قلب الشاعر المولّه وما أسرع ما استجابه له!
كانت الألمانية نائمة عندما بلغنا، نبيه وأنا، المنزل· أما معين فكان قد استيقظ لتوّه وجلس مع نزيه الذي أرجأ التوجه إلى عمله· وحلمنا معين نحملاً على أن يصلح حاله، ونبهناه إلى قلق زوجته عليه، وأوصيناه بأن لا يظهر ما يؤذي شعورهما، وكان هو على أي حال حريصاً على هذا· واتفقنا مع معين على أن يتوجه إلى منزله منفرداً ثم نجيء نحن لنصلح ما أفسده غيابه ونعالج أي مشكلة قد تطرأ بسببه· وعندما ولجنا منزل معين، وجدنا المهموم بذنبه جالساً في ركن معتم وقد جلله صمت متهيب وغامض وألجم حركته ولسانه· لم يهتد هو إلى رواية تقنع الزوجة الأريبة فتستر بالصمت والغموض· ولم تلحف صهباء في الأسئلة فسكن الصمت أرجاء المنزل كلّا· والتق نبيه بذهنه الحاضر دوماً لإقالة عثرات أصحابه دلالة المشهد فتطوع بإنقاذ الموقف: هل حكى لك؟ هذر نبيه بهذا السؤال بنبرة توحي بأن وراء نبأً خطيراً· وثار فضول صهباء وتوقها إلى الإطمئنان فانفحت عيناها على آخرهما وجادت منها إيش؟ غزاوية خالصة، ممطوطة ومتوجسة· وأدرك نبيه أنه استحوذ على مفتاح حل المشكلة فلم يتعةل الإجابة، بل أمعن في بثّ الهواجس: لو تأخرت دقيقة واحدة عن الإتصال بي، ولو لم يستخدم فيصل علاقاته مع قادة الفدائيين لوقعت مصيبة عندها، لم يعد لصبر صهباء المديد أن يظل مسعفاً : إرحمني يا دكتور، إيش الحكاية؟ فألقى نبيه جسده على الصوفا وقال بنبرة من نجا لتوّه من مصيبة: نشّف معين دبقي، هاتي لي كاس ماء، وستعرفين الحكاية! وبعد الماء، طلب نبيه فنجان قهوة· وفي هذه الأثناء تخلقت الرواية الملائمة·
روى نبيه لصهباء المندهشة أن معين قضى ليلة هائماً في شوارع المدينة لأن هاجساً خطيراً سيطر عليه منذ تصور أن دوره في الحياة الوطنية شاعراً ليس كافياً فغزم على التوجه إلى الأرض المحتلة والإنضمام إلى ثوّارها الذين يقاومون الإحتلال في جبال الخليل· وقال نبيه إن معين أيقظ صديقه ياسر عرفات من نومه وأقنعه بأن يتدبر أمر إيصاله إلى معاقل الثوار، وأننا، هو وأنا، أدركناه وهو ينتظر استكمال مستلزمات الرحلة، ولولا تدخلي، أنا فيصل، وقوة حججي ودالّتي على ياسر عرفات لكان معين الآن في السيارة التي هيئت لنقله· وعقبت صهباء التي تصورنا أنها صدقت الرواية: معين فيه الخير، بس إيش لزومها حكاية الخليل· معين شاعر وقائد سياسي، وهذا ليس قليلاً أبداً
وها أنا ذا أستحضر واحدة من حكايات عديدة بطلها معين بدأت حين كان العمل الفدائي وعداً بارقاً بثّته رعود حرب حزيران/ يونيو 7 6 9 1· ففي ذات صباح، في يوم دمشقي شتاذي عاصف وماطر، اتصلت صهباء البربري بالدكتور نبيه ارشيدات· وصهباء، لمن لا يعرفها، هي واحدة من راذدات الكفاح الوطني الفلسطيني التقدمي، وهي أول معتقلة سياسية من قطاع غزّة تطبق عليها السجون المصرية، وهي زوجة معين، رفيقة عمره وراعية شؤونه المضطربة ومقيلة عثراته الكثيرة وحاميته من المصائب التي تسببها نزواته ذاتها· الحق يا دكتور!، قالت صهباء لنبيه، معين ما جاش الليلة ع الدار واتصل نبيه بي· ولم يكن أي منّا بحاجة إلى التقصّي لنعرف أين قضى معين ليلته· كما لم يكن لأي منّا أن يبلغ إلى زوجة صاحبه أن زوجها قضى الليلة في منزل إمرأة أخرى·
في ذلك العام، أقمنا حفلة احتفاءَ منّا بالذكرى الخمسينية لثورة أوكتوبر الإشتراكية العظمى، وهذا هو الإسم الرسمي للثورة التي سميت أيضاً الثورة البلشفية والثورة الروسية· نظمت الحفلة لجنةٌ كنت أنا عضواً فيها وكان فيها نخبة من الأدباء والرسامين والموسيقيين والممثلين والعلماء والسياسيين ومن في حكمهم· وقد توخينا أن يكون هذا احتفالاً يليق بالذكرى الجليلة ويحررنا من المزاج المأساوي الذي بثته هزيمة حزيران/ يونيو ويوفر فرصة للمتة الراقية· كما توخينا أن يُظهر الإحتفال قوة اليسار وسعة امتداده في الوسط الثقافي وعمق التقدير العربي لدولة ثورة أوكتوبر· وهيأ الشيوعي الدمشقي ذو الإهتمام العميق بالشأن الثقافي، صديقنا الكاتب عبدالله عويشق، منزل أسرته الفسيح ذي الطراز العربي الجميل ليتمّ الإحتفال فيه· وضمّ المنزل ما يزيد على مائة وخمسين محتفلاً ومحتفلة مفتونين بالذكرى· وكانت هذه أمسية من نوع خاص لم أشهد قبلها ما هو أفتن منها· غابت الخطب والتحايا التقليدية، وحلّت الموسيقى، ونشط الرقص، تقليديُّه وحديثه، وتمتعنا بجو رومانسي قلما تيسر لنا مثله في مناسبة أخرى·
معين استهولته فكرة الإحتفال منذ البداية، فهو يحبُّ الإتحاد السوفياتي، وثورة أوكتوبر عنده هي ثورة ثورات البشرية كلّها· وأنعش جوّ الاحتفال روح الشاعر فأطلق لمخزوناته كلها العنان، وتألق حتى لقد كان نجم السهرة على كثرة منازعيه على النجومية فيها· وفي هذا الجوّ، راقص معين سيّدة ألمانية تتكلم الإنجليزية التي يتكلمها هو أيضاً· وقعت السيدة بين يدي الشاعر وهو في ذروة انتشائه، فلم يفطن الذي أدار جمال المرأة رأسه إلى ما ينبغي الرنتباه إليه هو أن مراقصته هي زوجة عالم سوري صديق لنا جميعاً· وما دامت الجميلة من بلد إشتراكي، هو ألمانيا الديمقراطية، فقد أباح معين لنفسه أن يتودد إليها للتو، أليس هو أشهر محبّي البلدان الاشتراكية بين الفلسطينيين· وكما يقع في العادة، في هذا المقام أو غيره، وما دام معين قد شرع في شيء فلماذا لا يمضي إلى النهاية·
وهكذا، عرض الشاعر إعجابه على المرأة التي التقاهما لتوّه، واشتط في التباهي ليظفر بإعجابها ويستأثر باهتمامها· فسمعت الألمانية المفتونة بمراقصة الشاعر الشهير ذي القامة الرشيقة والوجه المسون بشتى التعابير أن مراقصها هو أعظم شعراء العرب، وأفرسهم، وأغناهم، وأن المكتبات المنتشرة من المحيط إلى الخليج لا تكفّ عن مطالبة الناشرين بالمزيد من نسخ دواوينه، وأن الأموال تنصبُّ على حساباته في البنوك العديدة بمختلف العملات، الصعبة منها وغير الصعبة· وفهمت المرأة التي أدرك معين شدّة ميلها إلى المغامرة أن الشاعر الذي وفر لها فرصة العمر بمراقصته دائم الترحال مجبول بالتوق إلى التغيير والتجديد· وسال الإفتتان من عيني الألمانية وهي تصغي إلى حديث المناضل البطل عن سجون أُعتقل فيها وعذابات تعرض لها وعن صموده وثباته على مباءيه· وقال معين للألمانية إنه دأب، منذ تحرره من أسر السجون بعد عجز جزاديه عن ليّ إرادته، على قضاء شتائه في بلد وصيفه في بل آخر· وعدد معين أسماء أكثر البلدان ملاءمة للإنطلاق والمغامرة· بكلمات أقلّ، تعلق معين بالمرأة ووضع نصب عينيه أن يحظى بإعجابها· ومنذ هذه الأمسية تفنن المولج في مغامرة جديدة في تصيّد الأسباب التي تبيح له الإلتقاء بفاتنته، واستفاد من صلته بزوج المرأة فصار يزورهما في منزل الزوجية ويطيل المكوث عندهما·
قد ينبغي أن تعرف أن نزوج هذه المرأة كان رجلاً متين الشخصية، فضلاً عن أنه يغل وظيفة مرموقة في مؤسسة ثقافية محترمة، وظيفة استحقها عن جدارة بحكم موّلاته وكفاءته على الرغم من صغر سنّه· سأسمي هذا الرجل نزيه وأضيف أنه يستحق هذه التسمية· وقد ألف نزيه أن يستقبل معين بترحاب· يجيء المفتون بالزوجة إلى المنزل فيظفر بما يظفر به الزائر المرموق، ثم لا ينصرف إلا حين لا يبقى بدٌ من الإنصراف· وفي الليلة التي غاب معين فيها عن منزله، كان قد مدد مكوثه في منزل الزوجين إلى ما بعد انتصاف الليل· ولما كانت تلك ليلة عاصفة، فقد خشي نزيه على الزائر من مخاطر الرجعة فعرض عليه أن يبيت حيث هو· وما كان أحبّ هذا العرض إلى قلب الشاعر المولّه وما أسرع ما استجابه له!
كانت الألمانية نائمة عندما بلغنا، نبيه وأنا، المنزل· أما معين فكان قد استيقظ لتوّه وجلس مع نزيه الذي أرجأ التوجه إلى عمله· وحلمنا معين نحملاً على أن يصلح حاله، ونبهناه إلى قلق زوجته عليه، وأوصيناه بأن لا يظهر ما يؤذي شعورهما، وكان هو على أي حال حريصاً على هذا· واتفقنا مع معين على أن يتوجه إلى منزله منفرداً ثم نجيء نحن لنصلح ما أفسده غيابه ونعالج أي مشكلة قد تطرأ بسببه· وعندما ولجنا منزل معين، وجدنا المهموم بذنبه جالساً في ركن معتم وقد جلله صمت متهيب وغامض وألجم حركته ولسانه· لم يهتد هو إلى رواية تقنع الزوجة الأريبة فتستر بالصمت والغموض· ولم تلحف صهباء في الأسئلة فسكن الصمت أرجاء المنزل كلّا· والتق نبيه بذهنه الحاضر دوماً لإقالة عثرات أصحابه دلالة المشهد فتطوع بإنقاذ الموقف: هل حكى لك؟ هذر نبيه بهذا السؤال بنبرة توحي بأن وراء نبأً خطيراً· وثار فضول صهباء وتوقها إلى الإطمئنان فانفحت عيناها على آخرهما وجادت منها إيش؟ غزاوية خالصة، ممطوطة ومتوجسة· وأدرك نبيه أنه استحوذ على مفتاح حل المشكلة فلم يتعةل الإجابة، بل أمعن في بثّ الهواجس: لو تأخرت دقيقة واحدة عن الإتصال بي، ولو لم يستخدم فيصل علاقاته مع قادة الفدائيين لوقعت مصيبة عندها، لم يعد لصبر صهباء المديد أن يظل مسعفاً : إرحمني يا دكتور، إيش الحكاية؟ فألقى نبيه جسده على الصوفا وقال بنبرة من نجا لتوّه من مصيبة: نشّف معين دبقي، هاتي لي كاس ماء، وستعرفين الحكاية! وبعد الماء، طلب نبيه فنجان قهوة· وفي هذه الأثناء تخلقت الرواية الملائمة·
روى نبيه لصهباء المندهشة أن معين قضى ليلة هائماً في شوارع المدينة لأن هاجساً خطيراً سيطر عليه منذ تصور أن دوره في الحياة الوطنية شاعراً ليس كافياً فغزم على التوجه إلى الأرض المحتلة والإنضمام إلى ثوّارها الذين يقاومون الإحتلال في جبال الخليل· وقال نبيه إن معين أيقظ صديقه ياسر عرفات من نومه وأقنعه بأن يتدبر أمر إيصاله إلى معاقل الثوار، وأننا، هو وأنا، أدركناه وهو ينتظر استكمال مستلزمات الرحلة، ولولا تدخلي، أنا فيصل، وقوة حججي ودالّتي على ياسر عرفات لكان معين الآن في السيارة التي هيئت لنقله· وعقبت صهباء التي تصورنا أنها صدقت الرواية: معين فيه الخير، بس إيش لزومها حكاية الخليل· معين شاعر وقائد سياسي، وهذا ليس قليلاً أبداً
Page 8
أدخلتنا هذه الإجابة في جدل مع صهباء المسلحة بحكمتها الثاقبة فيما معين صامت· وقال نبيه ما هو صحيح تماماً: يعتقد أبو توفيق الحبيب أن الفدائيين يبذلون دمهم وهو لا يبذل غير الحبر، وشاء منجد صاحبه أن يضيف جديداً يقتبسه مما كان معين يردده في ذلك الوقت حول هذه النقطة· غير أن اندفاعه مفاجأة من معين الذي أنقذته حكاية جبال الخليل منن حرحجة أوقفت نبيه: فهمها يا دكتور، فهمها! كيف يضحي الثوار بحياتهم ويظل معين بسيسو شاعر المقاومة قاعداً يلوك الكلام· لم يبق للفلسطينين غير الجبال واستغرفتنا المفاضلة بين الكلمة والسلاح فغابت حكاية ببيت معين خارج منزله· وبالرغم من الحجج التي عرضناها مما أوجبته طبيعة الموقف، تشبث معين بالقول إن دوره شاعراً غير كافٍ وحده، وإن الرغبة في الإلتحاق بمعاقل الثوار مستولية عليه·
وعلى أي حال، لم تتلاش هذه الرغبة التي أوقدتها الحاجة إلى التستر على مسلك معيب قبل أن ينجم منها شيء مفيد· والحقيقة أن نبيه لم يبتكر حكاية جبال الخليل من فراغ إذ أنه استحضرها لأن خلايا فدائية كانت تتحصن آنذاك في هذه الجبال وتقوم بعمليات جريئة صارت حديث الناس في كل مكان· ومنذ ذلك اليوم، زاد حضور معاقل الخليل وفدائييها في اهتمامات معين· وراح الشاعر يتابع أنباء العمليات بانتباه زائد وفتنة في نحو خاص بطولات الفدائي الشهير باجس أبو عطوان· والرواية الوحيدة التي كتبها معين طيلة حياته كانت عن جبال الخليل وكان باجس هذا هو بطلها·
قد يشوقك أن تعرف بقية حكاية معين مع الألمانية، فلتعرف إذاً، ما اكتشفناه نحن بعد أن دخل شأن هذه المرأة دائرة اهتماماتنا· فقد اتضح أن الألمانية امرأة عابثة، وأن علاقتها بنزيه كانت قد اهتزت قبل أن يلقاها معين، وأن نزيه شرع فعلاً في تدبر أمر طلاقهما دون ضجيج· وعندما لاحظ نزيه قوة تعلق الشاعر الفلسطيني بالعابثة، خشي على الشاعر من أن يؤذيه هوسه، وجاء إلى نبيه حاثاً إياه على التدخل لحماية صاحبه· قال نزيه إنه ماض في إجراءات الطلاق بالتعاون مع صديقنا المشترك القنصل العام لجمهورية ألمانيا الديمقراطية ألفرد مارتر، وقد اتفق هو والقنصل على أن يجري تسفير المرأة فور إتمام الطلاق· وقال نزيه إنه يربأ بالشاعر الكبير أن يقع في حبائل امرأة تبحث عن سبب يحول دون تسفيرها· ومن نزيه، عرف نبيه أن معين وعد المرأة باستخدام نفوذه ليبقيها في دمشق حتى لو اقتضى الأمر أن يتزوجها·
كان هذا بعداً جديداً للحكاية، جديداً وخطيراً، أُخذ به نبيه وأُخذت أنا به أيضاً· لم يعد الأمر أمر حكاية طريفة نتسلى بمتابعتها كما ألفنا أن نتسلى بنزوات صديقنا· وصار لا بدّ من فعل أي شيء لطيِ الحكاية· وهكذا، عقدنا مشاورات وأجرينا اتصالات من وراء ظهر معين، وتعاون معنا الفرد مارتر· وفي المحصلة، تم الطلاق وسُفِّرت المطلقة إلى ألمانيا الديموقراطية·
عندها، تذكر معين دعوة كانت قد وجهت إليه من اتحاد الكتاب الألمان الديمقراطيين لزيارة برلين، فتوجه إلى القنصلية بأمل أن يحصل على تأشيرة زيارة· لكن ألفرد مارتر العارف بالحكاية كلّها تذرع بالحاجة إلى الإتصال باتحاد الكتاب ما دامت الدعوة قديمة، ثم أبلعغغ إلى معين أن الإتحاد مستعد لاستقباله بعد ستة شهور وليس قبل ذلك· وأغاظ هذا الإرجاء معين حتى كاد ينفجر من الغيظ· وحين تواطأنا مع ألفرد على الإرجاء، قدرنا أن ستة شهور مدة كافية لكي ينسى معين خلاسها ستّ نزوات وليس نزوة واحدة· ولم يطق المحموم بنزوته الإنتظار، فغافل يقظتنا وسافر فجأة إلى بلغاريا· ولما لم نكن بغير حيلة ما دام ألفرد مارتر إلى جانبنا، فقد سمح معين من القنصل الألماني الديمقراطي في صوفيا ما سمعه من نظيره في دمشق: بعد ستة شهور
يوم عودته من دمشق، اتصل معين بي من المطار: هل ما يزال في صفحتك مكان لمقال كتبته وأنا في الطائرة؟ حملت النبرة لهيب غضب فأثارت هواجسي· وجاء معين بغضبه إلى مكتبي من المطار مباشرة ومعه مقال تصدره هذا العنوان: الكلب الأبيض أخوالكلب الأسود ساوى معين بين المسؤولين الألمان الديمقراطيين والألمان الإتحاديين جاعلاً الإشتراكيين في المرتبة ذاتها من السوء الت يضع فيها، هو الشيوعي، الرأسماليين· وحتوى المقال على غمز شديد القسوة بالقوميساريين السياسيين لاذين لا يقيمون وزناً لمشاعر بني البشر·
لم ينشر المقال· كان كافياً أن أذكّر معين بشيوعيته وما يمكن لأعداء الشيوعتية أن يكسبوه من مقاله· فطوى الساخط أوراقه، ورماني بنظرة يمتزج فيها الغيظ والإذعان لمتطلبات المصلحة الشيوعية، ونتر حقيبته نتراً وانصرف· ولم يحتج الأمر لانقضاء ستة شهور، فقد نسي معين الحكاية كلها للتو، ولم يجيء على ذكرها بعد ذلك أبداً·
في نهاية أي مطاف، لم يحترم معين امرأة في الدنيا بمقدار ما احترم صهباء ولم يحبّ امرأة بأعمق أو أدوم مما أحبّ رفيقة عمره· كان المدفوع بنزواته يشرّق ويغرّب لكنه يظل مشدوداً إلى شريكة كفاحه·
ولم يثبت معين على شيء مثلما ثبت على إيمانه بالشيوعية ولم يحب بعد فلسطين بلداً بمقدار ما أحبّ الإتحاد السوفياتي· وقد وقع أن مال معين في الشيوعية إلى ناحية أو أخرى، وربما ساءه هذا أو ذاك من مواقف شيوعي ما أو غيره، إلا أن إحساسه بالإنتماء إلى الشيوعية، هكذا بالإجمال، ظل هو الأدوم وهو الذي رسم أكثر ما في سلوكه أصالة· أما فلسطين وقضيتها فظلتا بالنسبة لمعين في مركز اهتماماته كلها، بهما يبدأ عنده أي شيء وبهما ينتهي·
حضور معين العاصف في دمشق انتهى كما تنتهي أي عاصفة: فجأة، وانطفأ عندما بلغ ذروته فبعد مسؤوليته عن الصفحة الثقافية والشهرة التي تحققت لزاويته اليومية، أو قل محمد الجندي إلى معين مسؤولية رئاسة تحرير الثورة وهذا منصب لم يتول مثله في ظل حكم البعث إلا بعثي، ولا بد من أن محمد الجندي أغاظ كثيرين حين أولاه إلى شيوعي، غير أن فترة تولى معين رئاسة التحرير لم تمتد إلى أكثر من أسبوع واحد أُقصى في نهايته عن الصحافة السورية كلّها·
في هذا الأسبوع أتي معين ما يا يحتمله أي قائد بعثي· وسأوجز لك هنا واقعتين: أول ما فعله معين يوم توليه المسؤولية وآخر ما فعله قبل إقصائه·
ففي يومتسميته رئيساً للتحرير لبى معين دعوة على الغداء وجهها له العقيد عبد الكريم الجندي· وقد باح العقيد الذي يحبّ معين ويرتاح إليه ببعض هواجسه وكاشفه بما جمعته أجهزة الأمن السورية من معلومات عن نشاطات المعارضين السوريين لنظام البعث وما يفعلونه في سعيهم لإسقاط هذا النظام· وفي اليوم التالي، ظهر أول عدد يشرف عليه معين من أعداد جريدة الثورة وقد تصدر صفحته الأولى على عرضها كله باللون الأحمر عنوان من كلمة واحدة: المؤامرة، وامتدت تحته عناوين تكشف مساعي السوريين البيض الذين يتآمرون لإسقاط النظام· وحملت الجريدة إلى القراد ما بقي في ذاكرة معين من حديث عبد الكريم الجندي· ولأن الناس، كما وصفتهم أنا، في تعقيبي السافر على الضجة التي أحدثها العدد في البلاد، كانوا شديدي التوق إلى مؤامرة تسقط العهد القائم، فقد نفد عدد الثورة من السوق خلال ساعة واحدة وصار يباع في السوق السوداء بسعر فاق سعره الرسمي بمائة ضعف·
لم يحم معين من مغبّة هذا الذي فعله إلا صدق عبد الكريم الجندي؛ فقد أقرّ المسؤول نافذ اتلكلمة هذا بأنه حكى لمعين ما حكاه ثم نسي أن يلفت نظره إلى أنه ليس للنشر·
وقبل أن ينقضي آخر أيام الأسبوع، جاء إلى معين صديقه الملحق الثقافي في قنصلية ألمانيا الديمقراطية وأبلغ إليه أن رئيس الجماعة النازية الجديدة في ألمانيا الفدرالية موجود في بغداد حيث دعي إلى إلقاء سلسلة من المحاضرات فيها· وزود الملحق الثقافي صديقه معين برزمة من الوثائق التي تبين كم هي مجرمة هذه الجماعة وحرضه على أن يكتب شيئاً ضد رئيسها المتستر بتأييده للعرب·
هنا، قد ينبغي لك أن تعرف أن بعض العرب كان مفتوناً حقاً بالنازيين الجدد· ومع انحياز الغرب انحيازاً كاسحاً لإسائيل وعدائه المقيت للعرب، بالغ الذين لا يدققون في طبائع القوى السياسية في الافتتان بهوس حفنات النازيين الجدد وما يتوسمونه من معارضتهم لسياسة إسرائيل· وفي هذا السياق، تلقى زعيم الجماعة الألمانية دعوة لزيارة العراق· وقال الملحق الثقافي الديمقراطي لمعين إن الرجل قادم إلى سورية وحثّه على الكتابة ضده·
وعلى أي حال، لم تتلاش هذه الرغبة التي أوقدتها الحاجة إلى التستر على مسلك معيب قبل أن ينجم منها شيء مفيد· والحقيقة أن نبيه لم يبتكر حكاية جبال الخليل من فراغ إذ أنه استحضرها لأن خلايا فدائية كانت تتحصن آنذاك في هذه الجبال وتقوم بعمليات جريئة صارت حديث الناس في كل مكان· ومنذ ذلك اليوم، زاد حضور معاقل الخليل وفدائييها في اهتمامات معين· وراح الشاعر يتابع أنباء العمليات بانتباه زائد وفتنة في نحو خاص بطولات الفدائي الشهير باجس أبو عطوان· والرواية الوحيدة التي كتبها معين طيلة حياته كانت عن جبال الخليل وكان باجس هذا هو بطلها·
قد يشوقك أن تعرف بقية حكاية معين مع الألمانية، فلتعرف إذاً، ما اكتشفناه نحن بعد أن دخل شأن هذه المرأة دائرة اهتماماتنا· فقد اتضح أن الألمانية امرأة عابثة، وأن علاقتها بنزيه كانت قد اهتزت قبل أن يلقاها معين، وأن نزيه شرع فعلاً في تدبر أمر طلاقهما دون ضجيج· وعندما لاحظ نزيه قوة تعلق الشاعر الفلسطيني بالعابثة، خشي على الشاعر من أن يؤذيه هوسه، وجاء إلى نبيه حاثاً إياه على التدخل لحماية صاحبه· قال نزيه إنه ماض في إجراءات الطلاق بالتعاون مع صديقنا المشترك القنصل العام لجمهورية ألمانيا الديمقراطية ألفرد مارتر، وقد اتفق هو والقنصل على أن يجري تسفير المرأة فور إتمام الطلاق· وقال نزيه إنه يربأ بالشاعر الكبير أن يقع في حبائل امرأة تبحث عن سبب يحول دون تسفيرها· ومن نزيه، عرف نبيه أن معين وعد المرأة باستخدام نفوذه ليبقيها في دمشق حتى لو اقتضى الأمر أن يتزوجها·
كان هذا بعداً جديداً للحكاية، جديداً وخطيراً، أُخذ به نبيه وأُخذت أنا به أيضاً· لم يعد الأمر أمر حكاية طريفة نتسلى بمتابعتها كما ألفنا أن نتسلى بنزوات صديقنا· وصار لا بدّ من فعل أي شيء لطيِ الحكاية· وهكذا، عقدنا مشاورات وأجرينا اتصالات من وراء ظهر معين، وتعاون معنا الفرد مارتر· وفي المحصلة، تم الطلاق وسُفِّرت المطلقة إلى ألمانيا الديموقراطية·
عندها، تذكر معين دعوة كانت قد وجهت إليه من اتحاد الكتاب الألمان الديمقراطيين لزيارة برلين، فتوجه إلى القنصلية بأمل أن يحصل على تأشيرة زيارة· لكن ألفرد مارتر العارف بالحكاية كلّها تذرع بالحاجة إلى الإتصال باتحاد الكتاب ما دامت الدعوة قديمة، ثم أبلعغغ إلى معين أن الإتحاد مستعد لاستقباله بعد ستة شهور وليس قبل ذلك· وأغاظ هذا الإرجاء معين حتى كاد ينفجر من الغيظ· وحين تواطأنا مع ألفرد على الإرجاء، قدرنا أن ستة شهور مدة كافية لكي ينسى معين خلاسها ستّ نزوات وليس نزوة واحدة· ولم يطق المحموم بنزوته الإنتظار، فغافل يقظتنا وسافر فجأة إلى بلغاريا· ولما لم نكن بغير حيلة ما دام ألفرد مارتر إلى جانبنا، فقد سمح معين من القنصل الألماني الديمقراطي في صوفيا ما سمعه من نظيره في دمشق: بعد ستة شهور
يوم عودته من دمشق، اتصل معين بي من المطار: هل ما يزال في صفحتك مكان لمقال كتبته وأنا في الطائرة؟ حملت النبرة لهيب غضب فأثارت هواجسي· وجاء معين بغضبه إلى مكتبي من المطار مباشرة ومعه مقال تصدره هذا العنوان: الكلب الأبيض أخوالكلب الأسود ساوى معين بين المسؤولين الألمان الديمقراطيين والألمان الإتحاديين جاعلاً الإشتراكيين في المرتبة ذاتها من السوء الت يضع فيها، هو الشيوعي، الرأسماليين· وحتوى المقال على غمز شديد القسوة بالقوميساريين السياسيين لاذين لا يقيمون وزناً لمشاعر بني البشر·
لم ينشر المقال· كان كافياً أن أذكّر معين بشيوعيته وما يمكن لأعداء الشيوعتية أن يكسبوه من مقاله· فطوى الساخط أوراقه، ورماني بنظرة يمتزج فيها الغيظ والإذعان لمتطلبات المصلحة الشيوعية، ونتر حقيبته نتراً وانصرف· ولم يحتج الأمر لانقضاء ستة شهور، فقد نسي معين الحكاية كلها للتو، ولم يجيء على ذكرها بعد ذلك أبداً·
في نهاية أي مطاف، لم يحترم معين امرأة في الدنيا بمقدار ما احترم صهباء ولم يحبّ امرأة بأعمق أو أدوم مما أحبّ رفيقة عمره· كان المدفوع بنزواته يشرّق ويغرّب لكنه يظل مشدوداً إلى شريكة كفاحه·
ولم يثبت معين على شيء مثلما ثبت على إيمانه بالشيوعية ولم يحب بعد فلسطين بلداً بمقدار ما أحبّ الإتحاد السوفياتي· وقد وقع أن مال معين في الشيوعية إلى ناحية أو أخرى، وربما ساءه هذا أو ذاك من مواقف شيوعي ما أو غيره، إلا أن إحساسه بالإنتماء إلى الشيوعية، هكذا بالإجمال، ظل هو الأدوم وهو الذي رسم أكثر ما في سلوكه أصالة· أما فلسطين وقضيتها فظلتا بالنسبة لمعين في مركز اهتماماته كلها، بهما يبدأ عنده أي شيء وبهما ينتهي·
حضور معين العاصف في دمشق انتهى كما تنتهي أي عاصفة: فجأة، وانطفأ عندما بلغ ذروته فبعد مسؤوليته عن الصفحة الثقافية والشهرة التي تحققت لزاويته اليومية، أو قل محمد الجندي إلى معين مسؤولية رئاسة تحرير الثورة وهذا منصب لم يتول مثله في ظل حكم البعث إلا بعثي، ولا بد من أن محمد الجندي أغاظ كثيرين حين أولاه إلى شيوعي، غير أن فترة تولى معين رئاسة التحرير لم تمتد إلى أكثر من أسبوع واحد أُقصى في نهايته عن الصحافة السورية كلّها·
في هذا الأسبوع أتي معين ما يا يحتمله أي قائد بعثي· وسأوجز لك هنا واقعتين: أول ما فعله معين يوم توليه المسؤولية وآخر ما فعله قبل إقصائه·
ففي يومتسميته رئيساً للتحرير لبى معين دعوة على الغداء وجهها له العقيد عبد الكريم الجندي· وقد باح العقيد الذي يحبّ معين ويرتاح إليه ببعض هواجسه وكاشفه بما جمعته أجهزة الأمن السورية من معلومات عن نشاطات المعارضين السوريين لنظام البعث وما يفعلونه في سعيهم لإسقاط هذا النظام· وفي اليوم التالي، ظهر أول عدد يشرف عليه معين من أعداد جريدة الثورة وقد تصدر صفحته الأولى على عرضها كله باللون الأحمر عنوان من كلمة واحدة: المؤامرة، وامتدت تحته عناوين تكشف مساعي السوريين البيض الذين يتآمرون لإسقاط النظام· وحملت الجريدة إلى القراد ما بقي في ذاكرة معين من حديث عبد الكريم الجندي· ولأن الناس، كما وصفتهم أنا، في تعقيبي السافر على الضجة التي أحدثها العدد في البلاد، كانوا شديدي التوق إلى مؤامرة تسقط العهد القائم، فقد نفد عدد الثورة من السوق خلال ساعة واحدة وصار يباع في السوق السوداء بسعر فاق سعره الرسمي بمائة ضعف·
لم يحم معين من مغبّة هذا الذي فعله إلا صدق عبد الكريم الجندي؛ فقد أقرّ المسؤول نافذ اتلكلمة هذا بأنه حكى لمعين ما حكاه ثم نسي أن يلفت نظره إلى أنه ليس للنشر·
وقبل أن ينقضي آخر أيام الأسبوع، جاء إلى معين صديقه الملحق الثقافي في قنصلية ألمانيا الديمقراطية وأبلغ إليه أن رئيس الجماعة النازية الجديدة في ألمانيا الفدرالية موجود في بغداد حيث دعي إلى إلقاء سلسلة من المحاضرات فيها· وزود الملحق الثقافي صديقه معين برزمة من الوثائق التي تبين كم هي مجرمة هذه الجماعة وحرضه على أن يكتب شيئاً ضد رئيسها المتستر بتأييده للعرب·
هنا، قد ينبغي لك أن تعرف أن بعض العرب كان مفتوناً حقاً بالنازيين الجدد· ومع انحياز الغرب انحيازاً كاسحاً لإسائيل وعدائه المقيت للعرب، بالغ الذين لا يدققون في طبائع القوى السياسية في الافتتان بهوس حفنات النازيين الجدد وما يتوسمونه من معارضتهم لسياسة إسرائيل· وفي هذا السياق، تلقى زعيم الجماعة الألمانية دعوة لزيارة العراق· وقال الملحق الثقافي الديمقراطي لمعين إن الرجل قادم إلى سورية وحثّه على الكتابة ضده·
Page 9
لم يكن معين بحاجة إلى من يحثه على الكتابة ضد أي نازيين، فتجند للمهمة بعزيمة، وكتب مقالاً ضد البروفسور النازي، وضم المقال بالتعبير عن أمله بأن تمتد يدٌ تلقي القبض عليه وهو يعبر حدود سورية وتعيده إلى بلده· ووصف معين الولع بالنازيين الجدد بأشنع الأوصاف وشتم المولعين بهم·
ومع الضجة التي أثارها مقال معين، معها فقط، عرفنا ما كتمه عنه صديقه الملحق الثقافي· فالبروفسور النازي لم يكن قادماً إلى سورية من تلقاء نفسه، بل تلبية لدعوة رسمية· والذي وجه الدعوة إلى البرفسور كان هو الدكتور ابراهيم ماخوس، رجل قيادة حزب البعث النافذ نائب رئيس الحكومة وزير الخارجية، وليس أحداً غيره، وماخوس هو الذي وضع الأمر أمام القيادة في هذا النحو: الثورة جريدة جكومية فمن الذي يحدد خطوات الحكومة في السياسة الخارجية، صحافي ليس حتى عضواً في الحزل الحاكم أو مواطناً من موظفي البلد أم وزير الخارجية·
وهكذا، وجد معين نفسه خارج الصحافة السورية، عاطلاً عن العمل ومفلساً فضلاً عن أنه كان مثقلاً بالديون· ولو لم يكن لمعين معجبون به بين قادة البعث وللو لم يكن صديقه ورئيسه في العمل محمد اجندي شجاعاً ووفياً لربما لحق به أذى أشد·
البطالة، والخسارة المفاجأة للمنصب الرفيع وامتيازاته المادية والمعنوية، وشماتة الشاميين الكثيرين جعلت المتوتر المزمن كتلة هياج فصار علينا نحن أصدقاءه أن نجند أنفسنا لتهدئته والتسرية عنه· وقد أججت هياج معين إشاعةٌ قال مروجوها إن الشاعر المقهور توجه إلى الكويت والتجأ إلى أحضان أُمراء النفط· ولكم تأذى معين من هذه القرية الظالمة!·
وها أنا ذا أتذكر واقعة بطلها معين المهتاج· فقد كنّا نسهر في حديثة مطعم صيفي في وسط البلد اسمه كازينو الصفا، فقدم إلى مائدتنا بعثيّ فلسطيني هو المهندس عاصم خليفة· وكان عاصم المحبّ لمعين قادماً لتوّه من مكان سمع فيه الإشاعة واستاء ففوجئ بوجود معين في الحديقة، الوجود الذي يدحض الإشاعة، فشاء أن يعبر عن تقديره لمعين غير عادف بالطبع بمزاجه· وقد أخطأ عاطم الوصيلة، فبدأ وهو واقف إزاء معين في هذا النحو: قيل لي إنك/ ميت نفسك في أحضان أمراء النفط··· وأراد أن يكمل· غير أن معين الذي لم ينتبه إلى أن محدّثه إنما كان يسخر من مروجي هذا القول انفجر في وجه عاصم وقاطعه وقال على مسمع من الحشد الذي يكتظ به المكان الفسيح: اسمع يا كلب المخابرات، أنا معين بسيسو، كرابيج عبد الناصر ذاتها لم تذلني فأنا لا أخشى كلاب السلطة البعثية وتلبست الحالة معين فأمعن في شتم السلطة بأشنع عبارات وأجهر صوت ولم يأبه بمحاولات عاصم إيضاح موقفه الحقيقي· وفيما معين ممعن في الشتم، أخذ المحتشدون في المكان يرجونه واحداً إثر واحد وجماعة إثر جماعة حتى خلا إلا منا نحن المرغمين على البقاء إلى جانب صديقنا· وبالرغم من خلوّ المكان وانصراف عاصم ذاته يائساً وساخطاً، لم يتوقف معين إلا بعد أن أفرغ مخزونه كلّه، وعندها عاد إلى نفسه وسألني، أنا المعدود عنده خبيراً بسلوك الحكام البعثيين: هل تظن أنهم سيحبسونني؟
لم يحبس معين، إلا أن بقاءه في دمشق صار متعذراً بعد أن انسدت فرص العمل· والمدهش أن معين ذهب بعد هذه الواقعة إلى الكويت فعلاً، لم يذهب إلى حضن أي أمير وما كان لأمير نفط أن يحتضن شاعراً شيوعياً لا يخون الشيوعية، بل ذهب إلى شقيقه عادين الذي يعمل هناك والذي اعتاد أن يقيل عثرات أخيه الشاعر كلما تعثر· ومن الكويت إلى موسكو، في واحدة من الزيارات المتواترة لعاصمة بلد الاشتراكية الأول، وهناك، التقى معين صديقاً قديماً له هو مراد غالب سفير مصر لدى الاحاد السوفياتي· ومراد الذي كان يحتفظ بعلاقة طيبة مع رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل هو الذي توسط لمعين وأمن له عملاً في الجريدة العربية الكبيرة، فانتقل معين إلى الإقامة في القاهرة ثم لحقت صهباء والأولاد به وبدأت الأسرة مرحلة جديدة أخرى من مراحل تطوحها على دروب المنفى·
لم أتعفف عن انتقا سلك أو غيره لمعين ولم يخل الأمر في أي وقت من سلوك أنتقده· وكثيراً ما عارضت رأياً أو غيره من آراء صديقي هذا، بل جاء وقت كدنا فيه نتخاصم· إلا أني تمتعت برفقة معين، وظللت أتمتع بلقاءاتي معه بعد أن بارح دمشق· وإلى المتعة، تعلمت من معين أشياء كثيرة· كان الشاعر الذي يكبرني باثنتي عشر سنة أغنى من تجربة وأشدّ حرارة في التعاطي مع الحياة، وكان من الطبيعي أن أتأثر به· ولك أن تعرف أني تعلمت مما اعترضت عليه في سلوك معين بمقدار ما تعلمت من إيجابياته، وربما أكثر·
ومعين هو الذي وصلني بناس الحركة الوطنية في قطاع غزّة بأكثر مما فعل أي غزاوي آخر حتى ذلك الوقت· وعبر معين عرفت واحداً من شيوخ الحركة الوطنية التقدمية وهو حمدي الحسيني عندما جاء إلى دمشق زائراً كما عرفت كثيرين من أفتى شبانها·
تابعت ما يجري في الأرض المحتلة عبر وسائل الإعلام وروايات الوافدين منها، وكان لمعين الفضل في تعريفي بأوائل الوافدين، وعرفت بما لا بدّ من أنك صرت تعرفه، وهو أن المقاومة المبكرة نهضت أول ما نهضت في قطاع غزة· سبق القطاع الضفة، خصوصاً في المقاومة المسلحة· أخذت المنظمات السياسية المبادرة· لقد كانت في القطاع عندما داهمه الاسراذيليون وحدات من جيش التحرير الفلسطيني فقاومت الغزو الإسرائيلي كما قاومته الوحدات المصرية· وعندما حلت الهزيمة وانسحب المصريون، انفرط عقد وحدات جيش التحرير لكن نثارها بقي وتمثل في مجموعات مسلحة شكلت النواة التي رفعت السلاح في وجه المحتلّين· وبمبادرة من شوعيي القطاع، تشكلت فيه الجبهة الوطنية المتحدة، فرعت هذه كما رعى غيرها نشاطات المقاومة، السري منها والعلني·
ولأن جيش إسرائيل المنتصر كان في أوج قدرته على الفتك، ولأن سلطات الإحتلال عزمت على اجتثاق المقاومة أياً كانت الوسيلة، فقد اتقد صراع ضارٍ استقتل فيه الطرفان: المقاومون ووسائلهم القليلة وخبرتهم الغضّة؛ وجيش الاحتلاف وآلة فتكه الرهيبة· هذه المقاومة المبكرة للإحتلال هي التي حملت للمهزومين الوعد بأن المنتصرين لن يتمتعوا أبداً بالرتحة أو الإستقرار· وفي تعجلها تصفية المقاومة قبل أن تتصلب نواها المسلحة وتتحد، لجأت إسراذيل، مع وسائلها الأخرى ، إلى الأجزاء الذي لم تكف عن اتباعه، فراحت تبعد أي نشيط تتصور أنه من قادة المقاومة إن لم تعتقله أو يبتعد هو بنفسه حين تضيق عليه حلقة المطاردة· وبين أوائل الذين لوحقوا فخرجوا من غزة اثنان من قادة حزبها الشيوعي، حزب معين، هما عطية المقداد سأبو طلعت وعبد الرحمن عوض اللّه أبو حيدر
جاء المبعدان دمشق ليلقيا زميلهما في قيادة الحزب· وقتها لم تكن موارد معين التي يتفنن في تبديدها قد هيأت له أن يستأجر منزلاً مستقلاً فكان يقيم ومعه أفراد أسرته في منزل عديل له، فاستضفت أنا زميليه في منزلي وسعدت بذلك· وبهذا، بدأت صلاتي الشخصية بنشيطي العمل الوطني في قطاع غزة·
ومع الضجة التي أثارها مقال معين، معها فقط، عرفنا ما كتمه عنه صديقه الملحق الثقافي· فالبروفسور النازي لم يكن قادماً إلى سورية من تلقاء نفسه، بل تلبية لدعوة رسمية· والذي وجه الدعوة إلى البرفسور كان هو الدكتور ابراهيم ماخوس، رجل قيادة حزب البعث النافذ نائب رئيس الحكومة وزير الخارجية، وليس أحداً غيره، وماخوس هو الذي وضع الأمر أمام القيادة في هذا النحو: الثورة جريدة جكومية فمن الذي يحدد خطوات الحكومة في السياسة الخارجية، صحافي ليس حتى عضواً في الحزل الحاكم أو مواطناً من موظفي البلد أم وزير الخارجية·
وهكذا، وجد معين نفسه خارج الصحافة السورية، عاطلاً عن العمل ومفلساً فضلاً عن أنه كان مثقلاً بالديون· ولو لم يكن لمعين معجبون به بين قادة البعث وللو لم يكن صديقه ورئيسه في العمل محمد اجندي شجاعاً ووفياً لربما لحق به أذى أشد·
البطالة، والخسارة المفاجأة للمنصب الرفيع وامتيازاته المادية والمعنوية، وشماتة الشاميين الكثيرين جعلت المتوتر المزمن كتلة هياج فصار علينا نحن أصدقاءه أن نجند أنفسنا لتهدئته والتسرية عنه· وقد أججت هياج معين إشاعةٌ قال مروجوها إن الشاعر المقهور توجه إلى الكويت والتجأ إلى أحضان أُمراء النفط· ولكم تأذى معين من هذه القرية الظالمة!·
وها أنا ذا أتذكر واقعة بطلها معين المهتاج· فقد كنّا نسهر في حديثة مطعم صيفي في وسط البلد اسمه كازينو الصفا، فقدم إلى مائدتنا بعثيّ فلسطيني هو المهندس عاصم خليفة· وكان عاصم المحبّ لمعين قادماً لتوّه من مكان سمع فيه الإشاعة واستاء ففوجئ بوجود معين في الحديقة، الوجود الذي يدحض الإشاعة، فشاء أن يعبر عن تقديره لمعين غير عادف بالطبع بمزاجه· وقد أخطأ عاطم الوصيلة، فبدأ وهو واقف إزاء معين في هذا النحو: قيل لي إنك/ ميت نفسك في أحضان أمراء النفط··· وأراد أن يكمل· غير أن معين الذي لم ينتبه إلى أن محدّثه إنما كان يسخر من مروجي هذا القول انفجر في وجه عاصم وقاطعه وقال على مسمع من الحشد الذي يكتظ به المكان الفسيح: اسمع يا كلب المخابرات، أنا معين بسيسو، كرابيج عبد الناصر ذاتها لم تذلني فأنا لا أخشى كلاب السلطة البعثية وتلبست الحالة معين فأمعن في شتم السلطة بأشنع عبارات وأجهر صوت ولم يأبه بمحاولات عاصم إيضاح موقفه الحقيقي· وفيما معين ممعن في الشتم، أخذ المحتشدون في المكان يرجونه واحداً إثر واحد وجماعة إثر جماعة حتى خلا إلا منا نحن المرغمين على البقاء إلى جانب صديقنا· وبالرغم من خلوّ المكان وانصراف عاصم ذاته يائساً وساخطاً، لم يتوقف معين إلا بعد أن أفرغ مخزونه كلّه، وعندها عاد إلى نفسه وسألني، أنا المعدود عنده خبيراً بسلوك الحكام البعثيين: هل تظن أنهم سيحبسونني؟
لم يحبس معين، إلا أن بقاءه في دمشق صار متعذراً بعد أن انسدت فرص العمل· والمدهش أن معين ذهب بعد هذه الواقعة إلى الكويت فعلاً، لم يذهب إلى حضن أي أمير وما كان لأمير نفط أن يحتضن شاعراً شيوعياً لا يخون الشيوعية، بل ذهب إلى شقيقه عادين الذي يعمل هناك والذي اعتاد أن يقيل عثرات أخيه الشاعر كلما تعثر· ومن الكويت إلى موسكو، في واحدة من الزيارات المتواترة لعاصمة بلد الاشتراكية الأول، وهناك، التقى معين صديقاً قديماً له هو مراد غالب سفير مصر لدى الاحاد السوفياتي· ومراد الذي كان يحتفظ بعلاقة طيبة مع رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل هو الذي توسط لمعين وأمن له عملاً في الجريدة العربية الكبيرة، فانتقل معين إلى الإقامة في القاهرة ثم لحقت صهباء والأولاد به وبدأت الأسرة مرحلة جديدة أخرى من مراحل تطوحها على دروب المنفى·
لم أتعفف عن انتقا سلك أو غيره لمعين ولم يخل الأمر في أي وقت من سلوك أنتقده· وكثيراً ما عارضت رأياً أو غيره من آراء صديقي هذا، بل جاء وقت كدنا فيه نتخاصم· إلا أني تمتعت برفقة معين، وظللت أتمتع بلقاءاتي معه بعد أن بارح دمشق· وإلى المتعة، تعلمت من معين أشياء كثيرة· كان الشاعر الذي يكبرني باثنتي عشر سنة أغنى من تجربة وأشدّ حرارة في التعاطي مع الحياة، وكان من الطبيعي أن أتأثر به· ولك أن تعرف أني تعلمت مما اعترضت عليه في سلوك معين بمقدار ما تعلمت من إيجابياته، وربما أكثر·
ومعين هو الذي وصلني بناس الحركة الوطنية في قطاع غزّة بأكثر مما فعل أي غزاوي آخر حتى ذلك الوقت· وعبر معين عرفت واحداً من شيوخ الحركة الوطنية التقدمية وهو حمدي الحسيني عندما جاء إلى دمشق زائراً كما عرفت كثيرين من أفتى شبانها·
تابعت ما يجري في الأرض المحتلة عبر وسائل الإعلام وروايات الوافدين منها، وكان لمعين الفضل في تعريفي بأوائل الوافدين، وعرفت بما لا بدّ من أنك صرت تعرفه، وهو أن المقاومة المبكرة نهضت أول ما نهضت في قطاع غزة· سبق القطاع الضفة، خصوصاً في المقاومة المسلحة· أخذت المنظمات السياسية المبادرة· لقد كانت في القطاع عندما داهمه الاسراذيليون وحدات من جيش التحرير الفلسطيني فقاومت الغزو الإسرائيلي كما قاومته الوحدات المصرية· وعندما حلت الهزيمة وانسحب المصريون، انفرط عقد وحدات جيش التحرير لكن نثارها بقي وتمثل في مجموعات مسلحة شكلت النواة التي رفعت السلاح في وجه المحتلّين· وبمبادرة من شوعيي القطاع، تشكلت فيه الجبهة الوطنية المتحدة، فرعت هذه كما رعى غيرها نشاطات المقاومة، السري منها والعلني·
ولأن جيش إسرائيل المنتصر كان في أوج قدرته على الفتك، ولأن سلطات الإحتلال عزمت على اجتثاق المقاومة أياً كانت الوسيلة، فقد اتقد صراع ضارٍ استقتل فيه الطرفان: المقاومون ووسائلهم القليلة وخبرتهم الغضّة؛ وجيش الاحتلاف وآلة فتكه الرهيبة· هذه المقاومة المبكرة للإحتلال هي التي حملت للمهزومين الوعد بأن المنتصرين لن يتمتعوا أبداً بالرتحة أو الإستقرار· وفي تعجلها تصفية المقاومة قبل أن تتصلب نواها المسلحة وتتحد، لجأت إسراذيل، مع وسائلها الأخرى ، إلى الأجزاء الذي لم تكف عن اتباعه، فراحت تبعد أي نشيط تتصور أنه من قادة المقاومة إن لم تعتقله أو يبتعد هو بنفسه حين تضيق عليه حلقة المطاردة· وبين أوائل الذين لوحقوا فخرجوا من غزة اثنان من قادة حزبها الشيوعي، حزب معين، هما عطية المقداد سأبو طلعت وعبد الرحمن عوض اللّه أبو حيدر
جاء المبعدان دمشق ليلقيا زميلهما في قيادة الحزب· وقتها لم تكن موارد معين التي يتفنن في تبديدها قد هيأت له أن يستأجر منزلاً مستقلاً فكان يقيم ومعه أفراد أسرته في منزل عديل له، فاستضفت أنا زميليه في منزلي وسعدت بذلك· وبهذا، بدأت صلاتي الشخصية بنشيطي العمل الوطني في قطاع غزة·
Page 10
كان عطية المقداد معلم مدرسة· هو رجل حاد الطبع متشدد في أحكامه على الآخرين مثلما هو متشدد في أوجه سلوكه وتفكيره كلها؛ يجادل فيبدو كمن يقاتل، وينتقد فيبدو كمن يرجم حجارة· وكانت معايير عطيه ضيقة فضلاً عن أنها صارمة؛ وهو من الصنف الذي يمكن وصفه بأنه الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب أو أي شهر آخر· وبالرغم من هذه السمات، اجتذبتني في الرجل مزايا ألفت أن أقدّرها حتى وأنا أضيق بسلوك أصحابها· فهو، مع صرامته وتجمهم الدائمتين، مباشر العبارة، صريح لا يلتوي في القول، وهو عفيف النفس صارم في المطابقة بين سلوكه ومعتقده، لا يماليئ ولا يراوغ· حتى مع معين، وهو من فتح لزميليه في دمشق أبواب العلاقات التي حظيا بها، كان أبو طلعت صارماً وكان يرى في الشاعر المتفلت من الضوابط شخصاً لا يصلح للعمل الحزبي· وكان تركيز معين على ذاته ومزجه الشخصي بالعام موضع انتقاد عطيه الدائم· والواقع أن معين كان يهاب هذا الرجل ولا يحبّه·
عبد الرحمن عوض اللّه كان هو الآخر معلم مدرسة· لم يكن أبو حيدر أقل تشدداً من زميله حين يتعلق الأمر بالسلوك الشخصي، غير أنه بدا أميل إلى التسامح إزاء نزوات الشاعر وكان هو نفسه من الذين يكتبون الشعر· وعبد الرحمن هذا كان شاباً لا يكبرني إلا ببضع سنوات، سكن حبُّ الشيوعية وتعلق هو بمثلها المتداولة كأنه صوفيّ يسكنه الوجد· وقد خبر الشاب سجون مصر معتقلاً فيها مع الشيوعيين المصريين· وكان أبو حيدر في السجن نموذجاً لشيوعي قادم من مجتمع مغلق ومحافظ: إلتزام كامل بما يعدّه هو المبدأ، وتزمت في الولاء إلى حدّ السذاجة، ومعرفة شحيحة بالشؤون النظرية، شيوعية على السماع إن جاز التعبير، أو على الفطرة بتعبير أدق· وكانجهل الشاب بما وصلت إليه أحوال المجتمعات المتقدمة لافتاً للنظر· وهل يمكن أن لا يلفت النظر هذا الإنبهار الشديد إزاء ما قد يبهر حقاً وإزاء ما لا يبهر إلا ذوي الفطرة الصافية!
لم يكن هذا الذي سيصير واحداً من أصدقاء العمر من أبناء غزّة الأصليين، فهو لاجئ فيها وفد إليها مع أُسرته طفلاً، كما وفدتُ أنا مع أُسرتي في العام 8 4 9 1، قادماً من اسدود، وفيها تعلم ثم التحق بالأونروا معلماً في إحدى مدارسها· وكما فعل كثيرون من أبناء جيله، سعى عبد الرحمن إلى تحسين ظروف حياته في اللجوء، وانتسب، وهو يعمل، إلى جامعة القاهرة ودرس اللغة العربية وأدبها، إلا أنه، مثله مثل المنتسبين إلى الجامعة عن بعد، لم يعرف من الحياة الجامعية سوى أيام الامتحانات وهواجسها· أما الماركسية التي تعلق بها هذا الشيوعي بالفطرة، فلم يتسن له أن يلمّ بنظريتها إلا عبر ما تلقاه منها على أيدي رفاقه الشيوعيين المصريين في السجن·
أحببت عد الرحمن هذا منذ عرفته، جذبني إليه إخلاصه الصافي للقضية التي يتولاها وتوقه إلى أن يفعل جديداً من أجلها في كل يوم جديد، وفتنتني براءته مثلما فتنتني قدرته على التعلم· كانت حياة التشرد والخبرات التي وفرتها لي تجربة سورية الغنية والتقلبات المتواترة والأسفار قد قضت على براءة إبن القرية الذي كنته أنا وأطفأت حسّ الدهشة فيّ· فطاب لي أن أقع على عبد الرحمن وأراقب دهشته حين يكتشف ما لم يعد يدهشني، مثلما طالب لي أن أراقب فيما بعد انفلاته أولاً بأول من أسر البراءة·
لم يعترف أي من الأحزاب الشيوعية، إذا استثنينا بعض المنظمات المصرية، بالحزب الشيوعي في قطاع غزّة· تفرق الشيوعيون الفلسطينيون الذين شتتهم نكبة 8 4 9 1، فالدين بقوا منهم حيث نشأت إسرائيل ضمهم الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والذين آوتهم الضفة الغربية أو لجأوا إلى ضفة الأردن الشرقية أسسوا مع رفاقهم الأردينين الحزب الشيوعي الأردني، والآخرون الذين التجألوا إلى بلدان أخرى التحقوا بالأحزاب الشيوعية الناشئة فيها· وانت هذه جميعها أحزاباً معترفاً بها في إطار الحركة الشيوعية العالمية· شيوعيو غزة وحدهم، من كان منهم من سكان القطاع ومن لجأ إليه، أسسوا حزبهم الصغير هذا وعانوا ما عانوه مما عاناه الشيوعيون الآخرون وربما أكثر، دون أن يظفروا بإعتراف الأحداب الشقيقة بحزبهم· هل حُزم حزب غزة من الإعتراف به لأن الأحزاب الأخري عدّته ملحقاً بمصر، أم لأنها لم توافق على برنامجه، أم لأنها لم تأبه لوجوده، أم لأن قطاع غزّة لم يكن جزء من دولة قائمة؟ لا أملك إجابة يقينية· وكل ما أنا متيقن منه أن اسم الحزب برز مجدداً في سيقا بروز مقاومة غزة للإحتلال الإسرائيلي وصار من الممكن طرح مسألة الإعتراف به· غير أن موقف هذا الحزب من قرار مجلس الأمن الشهير 2 4 2 عقّد المسألة· فالحزب الغزّاوي تميز عن نظرائه العرب وغير العرب بالجهر بمعارضته قرار مجلس الأمن· وقد انطوت هذه المعارضة على معارضةٍ لموقف الإتحاد السوفياتي المؤيد للقرار· ولم تتحمس الأحزاب الشيوعيّة للإعتراف بحزب غزّة حتى مع انتباهها إلى دوره في المقاومة·
وعندما طرح طعيّة وعبد الرحمن ومعهما معين المسألة من جديد، ساندهم في دمشق آخرون تقدمهم نبيه ارشيدات المفتون بالمقاومة الغزاوية للاحتلال الإسرائيلي ودور شيوعيي غز{ فيها· وانضممت أنا إلى امساندين· وأوصلنا الأمر إلى خالد بكداش المعترف به عميداً لشيوعيي المنطقة وليس أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوري وحده· وفي مقابل جهودنا، وقف كيرون ضد منح حزب غزّة الإعتراف به· وكانت تحفظات الحزب الشيوعي الأردني هي الأصلب· وقد عدّ هذا الحزب اعتراض شيوعيي غزّة على القرار 2 4 2 سبباً لرفض الإعتراف به· وفي الحوار مع بكداش، قال الشيوعي الكبير: لو كنت شيوعياً في غزّة لربما أجزت لنفسي رفض قرار مجلس الأمن· غير أن القرار بالنسبة لنا سلاح نضغط به على إسرائيل بقوة الشرعية الدولية لحملها على الإنسحاب، سلاح مع أسلحة أخرى، وهو ليس قراراً مقدساً وقال بكداش ما بقي محفوراً في ذهني: ليست الوثائق هي ما يقدسه الشيوعي، بل المبادئ، با رفاق! ولكي لا يصطدم بكداش بأي شيوعيين آخرين تعهد أن يقدم حزبه لشيوعيي غزة أي مساعدة يقدر عليها، ورأى أن المطلوب للتوّ هو إيصال صوت المقاومة إلى الخارج والظفر بالتأييد العلمي لها· أما إعلان اعتراف رسمي بالحزب الغزّاوي فقد رأى بكداش إرجاءه إلى أن تنضج ظروفه: نحتاج إلى وقت كي يقتنع الآخرون· ولا ينفعنا ولا ينفع شيوعيي غزة أن ينفرد حزبنا وحده بالإعتراف بهم، ليثبتوا حضورهم الواقعي فيصير الإعتراف تحصيل حاصل، عندهم الجبهة الوطنية المتحدة فليستخدموا رايتها، فهذا مهم مثلما هو ممكن
أول نشاط عالمي وفّر المفتاح الشيوعي السوري لشيوعييي غزة المشاركة فيه جرى في برلين عاصمة ألمانيا الديمقراطية، حيث عقد مجلس السلم العالمي أحد مؤتمراته الكبيرة· وقد آثر الذين سعوا لتمثيل جبهة غزة الوطنية في هذا المؤتمر أن يمثلها عبد الرحمن عوض اللّه وليس عطية المقداد· وتوجب على عبد الرحمن أن يستعد لأول سفراته إلى أوروبا· لقد كان في غزة مثل دارج: من حرّها إلى الدودجْ، وهو مثل يصور حال من ينتقل فجأة من امتطاء ظهر الحمار إلى امتطاء سياردة دودج الفاخرة· وقد كان كان هذا، في نحو ما، هو حال عبد الرحمن حين اقتضى الأمر أن تحيك القادم من غزة المعلقة المحافظة بالمجتمع الأوروبي في سُرَّةِ أوروبا، برلين بالذات·
تعاونا، نبيه ومنير وأنا، في إعداد صاحبنا للإنتقال من حرّها إلى الدودج في صورة لائقة· وكان في هذا ما يشبه إعداد بدوي للزواج بأميرة· وفي نهاية مساع وجدالات طويلة، تزود عبد الرحمن بما يلزم من عدّة ومعلومات أضافتها إلى إخلاصه ورغبته في النجاح وذهب بها إلى برلين· والحقيقة أن الرجل أدى المهمة على أتمّ وجه ممكن ولا بدّ من أن صدق القادم من حرارة التجربة قد عوّض قلة خبرته· وهو على أي حال لم يُضعْ دقيقة واحدة دون أن يستثمرها في ما هو مفيد· ولا بأس في أن أُقرّ بأن قدرة عبد الرحمن على التصرف السديد في أول مهمة من نوعها يتولاها قد أثارت عجبي بمقدارما عززت إعجابي به: وفّر للمخلصين فرص المبادرة تر العجب!
وها أنا ذا أتذكر صاحبي ونن في منزلي بعد عودته من برلين، وهو يروي لي وقائع رحلته، وتعابيرالدهشة تتوالى على صفحة وجهه· ولعل العائد من احتكاكه الأولى بالغرب أدرك أن ما أدهشه لم يدهشني، فشاء أن يجيء بواحدة تحملني على الإندهاش مضحياً بما ظن أنها الحاجة إلى التكتم على نقائص الشيوعيين· واجهني صاحبي بعينين مفتوحتين ورأس مائل، يميله كلما هم بقول ما هو خطير، ثم قال هامساً دون أن نكون في خلوتنا تلك بحاجة إلى الهمس: بس يا رفيق، شفت في برلين شيء غريب، وانتظر أن أستحثه، فلما لم زفعل نسي حذره ولم يعد يهمس: الناس هناك، في البلد الإشتراكي، تقبّل بعضها في الشوارع دون حياء! أدركتُ دون شك سبب دهشة صاحبي الذي يعدّ تقبيل الرجل غير زوجته إباحية حتى لو جرى في الخفاء ويرى أن هذه الإباحية لا تليق بمجتمع يقارع الامبريالية ويبني الشيوعتية· غير أني لم أتعقل كما توقع المندهش، ويبدو أنه تصور أني لم أدرك ما يرمي هو إليه فهتف: اللّه أكبر شيوعية وقلة أخلاق! كان عبد الرحمن منفعلاً كأن الشيوعية كلها في خطر، فحاولت تهدئته، وقلت إن لكل مجتمع عادات قد لا يستسيغها مجتمع آخر، والناس في المجتمعات الأخرى يأخذون هذه الأمور ببساطة ولا يستقبحونها كما قد يستقبحها مجتمعنا، فاشتد انفعاله صاحبي، ونفث دخان سيجارته بعصبية، وقال، مورداً ما عدّه أقبح من أي قبيح: أنا لا أحدثك عن عامة الناس هناك، الشيوعيون، أيضاً، يفعلونها، رأيتهم بعينيّ، الرفاق، يا رفيق!
كثر تردد عطية وعبد الرحمن على دمشق، هما اللذان توزع وقتهما بينها وبين عمان· وعبر صلات زائريّ بغزّة، تعرفت على كثيرين وفدوا منها للإلتقاء بهما وتيسرت لي من جديد أقنية لإيصال أخباري إلى أمي المقيمة فيها وتلقّي أخبارها· قبل هذه الأقنية، وكما لا بد من أنك تتذكر، كان الطالب البعثي الذي درس في جامعة دمشق إميل صبيح هو الذي يتولى هذه المهمة في روحاته إلى غزة وغدواته منها· غير أن إميل استقر في دمشق بعد تخرجه من الجامعة وشغل هو البعثي منصباً حكومياً فيها وأقعدته شاغلة عن السفر إلى غزّة واستقدم أسرته إلى دمشق· فانقطعت صلتي بأمي عدّة سنوات·
وهنا· استطرد لأقول لك إن خطي حين يتعلق الأمر بتوقي المزمن إلى الإلتقاء بأمي كان تعيساً· فارقت أمّي يوم فارقت غزة في العام 9 4 9 1· وكان التفكي بزيارة غزة في السنوات التالية ترفاً لا تبيحه الظروف· وعندما حصلت على عمل مستقر في العام 7 5 9 1 وصار بالإمكان بعد ذلك توفير نفقات الرحلة، وجدتني منهمكاً في العمل العام وصار اسمي، أنا الذي صار بعثياً، في قائمة الممنوعين من دخلو مصر التي لا يمكن الوصول إلى غزّة إلا عبرها· ثم جاء الإحتلال الإسرائيلي فانسدت المنافذ علي وعلى غيري· أما أمي فقد غرفت في شؤون أسرتها وزوجها الثاني· وتوات اضطراب أحوال هذه الأسرة مع اضطراب أحوال القطاع واللاجئين فيه· ولم تتمكن أمي من المجيء إلى دمشق فبقيت محرومة من الإلقتاء بي وبوالديها وأخواتها وإخوتها· وكان أخواي إبنا أمي من زواجها الثاني، قد كبرا، فارقت محمد ورباح فميا الأول في أول مشيه والثاني في القماط، وتوالت السنون وتوجه الأخوان إلى دراستهما الجامعية في القاهرة دون أن ألقاهما·
ولم أكنأنا الوحيد في دمشق التائق إلى رؤية أمي وإبنيها· فجدي عبد المجيد المتجه نحوالسبعين كان هو الآخر شديد التوق إلى الإلقتاء بابنته وحفيديه· إفترق جدي عن إبنته في العام 8 4 9 1، في الظروف التي رويت لك تفاصيلها· وقتها، كانت الخصومة التي اشتعلت بين جدي وأمي بسبب الخلاف على مصير ميراثها من أبي ما تزال تسمم العلاقة بين الإثنين فافترقا وهما متخاصمان· ومنذ العام 8 4 9 1، جرت مياه كثيرة تحت جميعالجسور وعسلت ضغائن كثيرة غير أنها لم تطفيء أى جدي وندمه على تسببه في إخفاق ابنته الكبيرة عليه، وظل الجدّ تواقاً توقاً يفصح نه بلا مواربة إلى الظفر بمسامحتها له· وكان الجد يفصح عن حنينه إلى الغائبة كلما اشتدت عليه أوجاع الفراق بالرغم من أنه ابن جيل يتحرج ناسه من الإفصاح عن مشاعرهم خصوصاً أمام الصغار· ولم يرد ذكر أمي مرة أمام الجد إلا غطت وجهه سحابة كمد لا تخطيء أي عين استخلاص دلالتها· ولم تجر أي مقارنة بين أمي وأي من أخواتها إلا انحاز الجد إليها هي؛ إذا ذكر الجمال فإن لبقة، عند جدي، هي أجمل نساء الأرض قاطبة، وإذا ذكر الذكاء، أو الكرم، أو الأخلاق، فهي دائماً الفائزة·
أما جدتي مدللة، فلا توجد لغة تستوفي وصف حنينها إلى إبنتها البعيدة وحفيديها· وعلى تكتمها المزمن حين يتعلق الأمر بالمشاعر، لم تتحفظ الجدّة في الجهر بشقها إلى الغيّاب: يا رب خلّني أرهم مرة واحدة قبل أن أموت وخذ روحي! كانت الجدة تبثّ هذا الدعاء بمثابرة وتردفه بالإستنجاد بالرسل والأنبياء والأولوياء وجميع الصالحين كي يتشفعوا لها عند ربّ العالمين فيستجيب لدعائها· ولم أزر جدتي مرة إلا جعلت هي ذكر أمي أهتم موضوعات اللقاء ولعنت الزمان الذي تفرق فيه شمل أهل فلسطين وتشتت الأسر· وكان يحدث أن أجيء إلى جدتي بأحد القادمين من غزة فتستقبله استقبال صديق عزيز وتفرط في الترحيب وهي تكرر يا ريحة لبقة!، وتغالب تأثرها كيل لا تفيض الدموع التي تحرص على كتمانها· حتى معين الذي تاق إلى رؤية جدتي لكثرة ما حدثته عنها، استقبلته الجدّة بوصفه من ريحة لبقة مع أنه لم ير أمي أبداً·
كانت تلك كلّها نفحات من غزّة تتوالى فتعزز حضور الوطن البعيد في روحي أنا المحروم من الإقامة فيه وتبقيني على صلة بناسه أنا البعيد عنهم·
عبد الرحمن عوض اللّه كان هو الآخر معلم مدرسة· لم يكن أبو حيدر أقل تشدداً من زميله حين يتعلق الأمر بالسلوك الشخصي، غير أنه بدا أميل إلى التسامح إزاء نزوات الشاعر وكان هو نفسه من الذين يكتبون الشعر· وعبد الرحمن هذا كان شاباً لا يكبرني إلا ببضع سنوات، سكن حبُّ الشيوعية وتعلق هو بمثلها المتداولة كأنه صوفيّ يسكنه الوجد· وقد خبر الشاب سجون مصر معتقلاً فيها مع الشيوعيين المصريين· وكان أبو حيدر في السجن نموذجاً لشيوعي قادم من مجتمع مغلق ومحافظ: إلتزام كامل بما يعدّه هو المبدأ، وتزمت في الولاء إلى حدّ السذاجة، ومعرفة شحيحة بالشؤون النظرية، شيوعية على السماع إن جاز التعبير، أو على الفطرة بتعبير أدق· وكانجهل الشاب بما وصلت إليه أحوال المجتمعات المتقدمة لافتاً للنظر· وهل يمكن أن لا يلفت النظر هذا الإنبهار الشديد إزاء ما قد يبهر حقاً وإزاء ما لا يبهر إلا ذوي الفطرة الصافية!
لم يكن هذا الذي سيصير واحداً من أصدقاء العمر من أبناء غزّة الأصليين، فهو لاجئ فيها وفد إليها مع أُسرته طفلاً، كما وفدتُ أنا مع أُسرتي في العام 8 4 9 1، قادماً من اسدود، وفيها تعلم ثم التحق بالأونروا معلماً في إحدى مدارسها· وكما فعل كثيرون من أبناء جيله، سعى عبد الرحمن إلى تحسين ظروف حياته في اللجوء، وانتسب، وهو يعمل، إلى جامعة القاهرة ودرس اللغة العربية وأدبها، إلا أنه، مثله مثل المنتسبين إلى الجامعة عن بعد، لم يعرف من الحياة الجامعية سوى أيام الامتحانات وهواجسها· أما الماركسية التي تعلق بها هذا الشيوعي بالفطرة، فلم يتسن له أن يلمّ بنظريتها إلا عبر ما تلقاه منها على أيدي رفاقه الشيوعيين المصريين في السجن·
أحببت عد الرحمن هذا منذ عرفته، جذبني إليه إخلاصه الصافي للقضية التي يتولاها وتوقه إلى أن يفعل جديداً من أجلها في كل يوم جديد، وفتنتني براءته مثلما فتنتني قدرته على التعلم· كانت حياة التشرد والخبرات التي وفرتها لي تجربة سورية الغنية والتقلبات المتواترة والأسفار قد قضت على براءة إبن القرية الذي كنته أنا وأطفأت حسّ الدهشة فيّ· فطاب لي أن أقع على عبد الرحمن وأراقب دهشته حين يكتشف ما لم يعد يدهشني، مثلما طالب لي أن أراقب فيما بعد انفلاته أولاً بأول من أسر البراءة·
لم يعترف أي من الأحزاب الشيوعية، إذا استثنينا بعض المنظمات المصرية، بالحزب الشيوعي في قطاع غزّة· تفرق الشيوعيون الفلسطينيون الذين شتتهم نكبة 8 4 9 1، فالدين بقوا منهم حيث نشأت إسرائيل ضمهم الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والذين آوتهم الضفة الغربية أو لجأوا إلى ضفة الأردن الشرقية أسسوا مع رفاقهم الأردينين الحزب الشيوعي الأردني، والآخرون الذين التجألوا إلى بلدان أخرى التحقوا بالأحزاب الشيوعية الناشئة فيها· وانت هذه جميعها أحزاباً معترفاً بها في إطار الحركة الشيوعية العالمية· شيوعيو غزة وحدهم، من كان منهم من سكان القطاع ومن لجأ إليه، أسسوا حزبهم الصغير هذا وعانوا ما عانوه مما عاناه الشيوعيون الآخرون وربما أكثر، دون أن يظفروا بإعتراف الأحداب الشقيقة بحزبهم· هل حُزم حزب غزة من الإعتراف به لأن الأحزاب الأخري عدّته ملحقاً بمصر، أم لأنها لم توافق على برنامجه، أم لأنها لم تأبه لوجوده، أم لأن قطاع غزّة لم يكن جزء من دولة قائمة؟ لا أملك إجابة يقينية· وكل ما أنا متيقن منه أن اسم الحزب برز مجدداً في سيقا بروز مقاومة غزة للإحتلال الإسرائيلي وصار من الممكن طرح مسألة الإعتراف به· غير أن موقف هذا الحزب من قرار مجلس الأمن الشهير 2 4 2 عقّد المسألة· فالحزب الغزّاوي تميز عن نظرائه العرب وغير العرب بالجهر بمعارضته قرار مجلس الأمن· وقد انطوت هذه المعارضة على معارضةٍ لموقف الإتحاد السوفياتي المؤيد للقرار· ولم تتحمس الأحزاب الشيوعيّة للإعتراف بحزب غزّة حتى مع انتباهها إلى دوره في المقاومة·
وعندما طرح طعيّة وعبد الرحمن ومعهما معين المسألة من جديد، ساندهم في دمشق آخرون تقدمهم نبيه ارشيدات المفتون بالمقاومة الغزاوية للاحتلال الإسرائيلي ودور شيوعيي غز{ فيها· وانضممت أنا إلى امساندين· وأوصلنا الأمر إلى خالد بكداش المعترف به عميداً لشيوعيي المنطقة وليس أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوري وحده· وفي مقابل جهودنا، وقف كيرون ضد منح حزب غزّة الإعتراف به· وكانت تحفظات الحزب الشيوعي الأردني هي الأصلب· وقد عدّ هذا الحزب اعتراض شيوعيي غزّة على القرار 2 4 2 سبباً لرفض الإعتراف به· وفي الحوار مع بكداش، قال الشيوعي الكبير: لو كنت شيوعياً في غزّة لربما أجزت لنفسي رفض قرار مجلس الأمن· غير أن القرار بالنسبة لنا سلاح نضغط به على إسرائيل بقوة الشرعية الدولية لحملها على الإنسحاب، سلاح مع أسلحة أخرى، وهو ليس قراراً مقدساً وقال بكداش ما بقي محفوراً في ذهني: ليست الوثائق هي ما يقدسه الشيوعي، بل المبادئ، با رفاق! ولكي لا يصطدم بكداش بأي شيوعيين آخرين تعهد أن يقدم حزبه لشيوعيي غزة أي مساعدة يقدر عليها، ورأى أن المطلوب للتوّ هو إيصال صوت المقاومة إلى الخارج والظفر بالتأييد العلمي لها· أما إعلان اعتراف رسمي بالحزب الغزّاوي فقد رأى بكداش إرجاءه إلى أن تنضج ظروفه: نحتاج إلى وقت كي يقتنع الآخرون· ولا ينفعنا ولا ينفع شيوعيي غزة أن ينفرد حزبنا وحده بالإعتراف بهم، ليثبتوا حضورهم الواقعي فيصير الإعتراف تحصيل حاصل، عندهم الجبهة الوطنية المتحدة فليستخدموا رايتها، فهذا مهم مثلما هو ممكن
أول نشاط عالمي وفّر المفتاح الشيوعي السوري لشيوعييي غزة المشاركة فيه جرى في برلين عاصمة ألمانيا الديمقراطية، حيث عقد مجلس السلم العالمي أحد مؤتمراته الكبيرة· وقد آثر الذين سعوا لتمثيل جبهة غزة الوطنية في هذا المؤتمر أن يمثلها عبد الرحمن عوض اللّه وليس عطية المقداد· وتوجب على عبد الرحمن أن يستعد لأول سفراته إلى أوروبا· لقد كان في غزة مثل دارج: من حرّها إلى الدودجْ، وهو مثل يصور حال من ينتقل فجأة من امتطاء ظهر الحمار إلى امتطاء سياردة دودج الفاخرة· وقد كان كان هذا، في نحو ما، هو حال عبد الرحمن حين اقتضى الأمر أن تحيك القادم من غزة المعلقة المحافظة بالمجتمع الأوروبي في سُرَّةِ أوروبا، برلين بالذات·
تعاونا، نبيه ومنير وأنا، في إعداد صاحبنا للإنتقال من حرّها إلى الدودج في صورة لائقة· وكان في هذا ما يشبه إعداد بدوي للزواج بأميرة· وفي نهاية مساع وجدالات طويلة، تزود عبد الرحمن بما يلزم من عدّة ومعلومات أضافتها إلى إخلاصه ورغبته في النجاح وذهب بها إلى برلين· والحقيقة أن الرجل أدى المهمة على أتمّ وجه ممكن ولا بدّ من أن صدق القادم من حرارة التجربة قد عوّض قلة خبرته· وهو على أي حال لم يُضعْ دقيقة واحدة دون أن يستثمرها في ما هو مفيد· ولا بأس في أن أُقرّ بأن قدرة عبد الرحمن على التصرف السديد في أول مهمة من نوعها يتولاها قد أثارت عجبي بمقدارما عززت إعجابي به: وفّر للمخلصين فرص المبادرة تر العجب!
وها أنا ذا أتذكر صاحبي ونن في منزلي بعد عودته من برلين، وهو يروي لي وقائع رحلته، وتعابيرالدهشة تتوالى على صفحة وجهه· ولعل العائد من احتكاكه الأولى بالغرب أدرك أن ما أدهشه لم يدهشني، فشاء أن يجيء بواحدة تحملني على الإندهاش مضحياً بما ظن أنها الحاجة إلى التكتم على نقائص الشيوعيين· واجهني صاحبي بعينين مفتوحتين ورأس مائل، يميله كلما هم بقول ما هو خطير، ثم قال هامساً دون أن نكون في خلوتنا تلك بحاجة إلى الهمس: بس يا رفيق، شفت في برلين شيء غريب، وانتظر أن أستحثه، فلما لم زفعل نسي حذره ولم يعد يهمس: الناس هناك، في البلد الإشتراكي، تقبّل بعضها في الشوارع دون حياء! أدركتُ دون شك سبب دهشة صاحبي الذي يعدّ تقبيل الرجل غير زوجته إباحية حتى لو جرى في الخفاء ويرى أن هذه الإباحية لا تليق بمجتمع يقارع الامبريالية ويبني الشيوعتية· غير أني لم أتعقل كما توقع المندهش، ويبدو أنه تصور أني لم أدرك ما يرمي هو إليه فهتف: اللّه أكبر شيوعية وقلة أخلاق! كان عبد الرحمن منفعلاً كأن الشيوعية كلها في خطر، فحاولت تهدئته، وقلت إن لكل مجتمع عادات قد لا يستسيغها مجتمع آخر، والناس في المجتمعات الأخرى يأخذون هذه الأمور ببساطة ولا يستقبحونها كما قد يستقبحها مجتمعنا، فاشتد انفعاله صاحبي، ونفث دخان سيجارته بعصبية، وقال، مورداً ما عدّه أقبح من أي قبيح: أنا لا أحدثك عن عامة الناس هناك، الشيوعيون، أيضاً، يفعلونها، رأيتهم بعينيّ، الرفاق، يا رفيق!
كثر تردد عطية وعبد الرحمن على دمشق، هما اللذان توزع وقتهما بينها وبين عمان· وعبر صلات زائريّ بغزّة، تعرفت على كثيرين وفدوا منها للإلتقاء بهما وتيسرت لي من جديد أقنية لإيصال أخباري إلى أمي المقيمة فيها وتلقّي أخبارها· قبل هذه الأقنية، وكما لا بد من أنك تتذكر، كان الطالب البعثي الذي درس في جامعة دمشق إميل صبيح هو الذي يتولى هذه المهمة في روحاته إلى غزة وغدواته منها· غير أن إميل استقر في دمشق بعد تخرجه من الجامعة وشغل هو البعثي منصباً حكومياً فيها وأقعدته شاغلة عن السفر إلى غزّة واستقدم أسرته إلى دمشق· فانقطعت صلتي بأمي عدّة سنوات·
وهنا· استطرد لأقول لك إن خطي حين يتعلق الأمر بتوقي المزمن إلى الإلتقاء بأمي كان تعيساً· فارقت أمّي يوم فارقت غزة في العام 9 4 9 1· وكان التفكي بزيارة غزة في السنوات التالية ترفاً لا تبيحه الظروف· وعندما حصلت على عمل مستقر في العام 7 5 9 1 وصار بالإمكان بعد ذلك توفير نفقات الرحلة، وجدتني منهمكاً في العمل العام وصار اسمي، أنا الذي صار بعثياً، في قائمة الممنوعين من دخلو مصر التي لا يمكن الوصول إلى غزّة إلا عبرها· ثم جاء الإحتلال الإسرائيلي فانسدت المنافذ علي وعلى غيري· أما أمي فقد غرفت في شؤون أسرتها وزوجها الثاني· وتوات اضطراب أحوال هذه الأسرة مع اضطراب أحوال القطاع واللاجئين فيه· ولم تتمكن أمي من المجيء إلى دمشق فبقيت محرومة من الإلقتاء بي وبوالديها وأخواتها وإخوتها· وكان أخواي إبنا أمي من زواجها الثاني، قد كبرا، فارقت محمد ورباح فميا الأول في أول مشيه والثاني في القماط، وتوالت السنون وتوجه الأخوان إلى دراستهما الجامعية في القاهرة دون أن ألقاهما·
ولم أكنأنا الوحيد في دمشق التائق إلى رؤية أمي وإبنيها· فجدي عبد المجيد المتجه نحوالسبعين كان هو الآخر شديد التوق إلى الإلقتاء بابنته وحفيديه· إفترق جدي عن إبنته في العام 8 4 9 1، في الظروف التي رويت لك تفاصيلها· وقتها، كانت الخصومة التي اشتعلت بين جدي وأمي بسبب الخلاف على مصير ميراثها من أبي ما تزال تسمم العلاقة بين الإثنين فافترقا وهما متخاصمان· ومنذ العام 8 4 9 1، جرت مياه كثيرة تحت جميعالجسور وعسلت ضغائن كثيرة غير أنها لم تطفيء أى جدي وندمه على تسببه في إخفاق ابنته الكبيرة عليه، وظل الجدّ تواقاً توقاً يفصح نه بلا مواربة إلى الظفر بمسامحتها له· وكان الجد يفصح عن حنينه إلى الغائبة كلما اشتدت عليه أوجاع الفراق بالرغم من أنه ابن جيل يتحرج ناسه من الإفصاح عن مشاعرهم خصوصاً أمام الصغار· ولم يرد ذكر أمي مرة أمام الجد إلا غطت وجهه سحابة كمد لا تخطيء أي عين استخلاص دلالتها· ولم تجر أي مقارنة بين أمي وأي من أخواتها إلا انحاز الجد إليها هي؛ إذا ذكر الجمال فإن لبقة، عند جدي، هي أجمل نساء الأرض قاطبة، وإذا ذكر الذكاء، أو الكرم، أو الأخلاق، فهي دائماً الفائزة·
أما جدتي مدللة، فلا توجد لغة تستوفي وصف حنينها إلى إبنتها البعيدة وحفيديها· وعلى تكتمها المزمن حين يتعلق الأمر بالمشاعر، لم تتحفظ الجدّة في الجهر بشقها إلى الغيّاب: يا رب خلّني أرهم مرة واحدة قبل أن أموت وخذ روحي! كانت الجدة تبثّ هذا الدعاء بمثابرة وتردفه بالإستنجاد بالرسل والأنبياء والأولوياء وجميع الصالحين كي يتشفعوا لها عند ربّ العالمين فيستجيب لدعائها· ولم أزر جدتي مرة إلا جعلت هي ذكر أمي أهتم موضوعات اللقاء ولعنت الزمان الذي تفرق فيه شمل أهل فلسطين وتشتت الأسر· وكان يحدث أن أجيء إلى جدتي بأحد القادمين من غزة فتستقبله استقبال صديق عزيز وتفرط في الترحيب وهي تكرر يا ريحة لبقة!، وتغالب تأثرها كيل لا تفيض الدموع التي تحرص على كتمانها· حتى معين الذي تاق إلى رؤية جدتي لكثرة ما حدثته عنها، استقبلته الجدّة بوصفه من ريحة لبقة مع أنه لم ير أمي أبداً·
كانت تلك كلّها نفحات من غزّة تتوالى فتعزز حضور الوطن البعيد في روحي أنا المحروم من الإقامة فيه وتبقيني على صلة بناسه أنا البعيد عنهم·