eKtab
EN ع
ضريبة هوليود
Read free sample

ضريبة هوليود

by أحمد دعدوش

Page 1

الإهداء

إلى كل من دفع الضريبة..

ومن أجبرنا على دفع أضعافها..

ومن رفض أن يدفع شيئاً منها..

ومن أنقذنا من دفع ما هو أقل.

إلى كل من قرأ وعلّق وأضاف وصوّب..

إلى كل من فهم..

ومن حاول أن يفهم.

إلى الأجيال القادمة..

من يدفع منهم..

ومن يرفض الدفع..

ومن يحلم بأن يقبض شيئاً ذات يوم.

إلى كل من تشرفوا بتجربة عمر الشريف..

ومن سيعقد العزم يوماً لحمل رسالة مصطفى العقاد.

أقدم اعتراضي وصراخي، وأهدي امتناني وثنائي..

أحمد

Page 2

المقدمة

عندما نتحدث عن هوليود فحديثنا لا يكون عن مجرد ضاحية من ضواحي لوس أنجلوس، ولا حتى عن مركز صناعة السينما والإعلام في الولايات المتحدة، بل عن عاصمة هذه الصناعة في العالم كله، والتي تصدّر منتجاتها إلى أكثر من مئة وخمسين دولة، فمع أن ملايين الدولارات تُضخ كل عام في مراكز سينمائية أخرى في العالم، مثل الهند والصين وفرنسا وبريطانيا، ومع أن (بوليود) الهندية تنتج وحدها نحو ضعف عدد الأفلام التي تنتجها هوليود سنوياً[1]، تبقى هوليود هي الوحيدة القادرة على تصدير جميع منتجاتها، وبغض النظر عن قيمتها ومضمونها، إلى معظم دول العالم، لذا فإن كل من يعمل فيها أو ينتقل إليها، وكل ما يُنتَج في استوديوهاتها أو يتمكن من الوصول إليها من الخارج، فإنه يُعطى صفة العالمية.

ولما كانت منافسة مراكز صناعة السينما الأخرى ليست واردة في الوقت الحاضر أو المستقبل المنظور، فستظل هوليود محط أنظار جميع العاملين في هذه الصناعة والمهتمين بمنتجاتها، وكما تخطّى الدولار الأمريكي حدود الدولة التي يُطبع فيها ويمثل قوتها الاقتصادية ليصبح في الوقت نفسه عملة العالم؛ فقد تخطت هوليود أيضاً حدودها الجغرافية مع أنها محكومة بسياسة الدولة التي تقع فيها وثقافتها، وهذه هي أبرز ملامح العولمة الثقافية التي نعيشها اليوم، والتي تعطي من يملك السلاح الأقوى والاقتصاد الأضخم الحقَّ في فرض وجهة نظره ورؤيته وفلسفته على الآخرين بما يحقق مصالحه الخاصة.

انطلاقاً من هذه الحقائق، فإن اختراق حدود عاصمة السينما والإعلام العالميين قد لا يكون بالأمر السهل، خصوصاً عندما تأتي هذه المحاولة من قبل أشخاص لا يتفقون بالضرورة مع توجهات القوى المسيطرة، مما قد يضطرهم إلى دفع ضريبة ما، تتناسب طرداً أو عكساً مع درجة انسجام مواقفهم مع التوجهات والرؤى المسيطرة على الساحة، ومع قدرتهم على الثبات والمقاومة وترتيب الأولويات. ولأن العلاقة القائمة بين العرب والمسلمين من جهة وبين القوى المسيطرة على هوليود من جهة أخرى كانت تتسم دوماً بالصراع والتنافر، فإن احتمال دفع هذه الضريبة قد يرقى إلى درجة الضرورة.

في هذا الكتاب المختصر، نسعى إلى تسليط الضوء على هذا الجانب من علاقة العرب والمسلمين بهوليود، دون الإغراق في تفاصيل هذه العلاقة وجوانبها الأخرى والتي قد سبق للعديد من الباحثين الخوض فيها. بدءاً بالسرد التاريخي الموجز لتطورها مع التركيز على الضريبة التي يدفعها العرب والمسلمون بوصفهم الطرف الأضعف في معادلة غير متكافئة، علماً بأننا لا نهدف في هذا الكتاب إلى حصر جميع التفاصيل التي تتعلق بموضوعه، بل نهتم بالتعمق في تحليل بعض الأمثلة التي نجدها نموذجية، بهدف الارتقاء بوعي القارئ لفهم أبعاد القضية المطروحة، وتدريبه بصرياً على المشاهدة الواعية في المستقبل ليتجنب الوقوع في أسر الرسائل غير المباشرة والصور النمطية، مع تركيزنا على السنوات الأخيرة من تاريخ العلاقة المذكورة والتي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001، حيث دخلت منذ تلك اللحظة مرحلة جديدة في غاية الأهمية. كما لم نقصر اهتمامنا في بعض الأمثلة على ما تنتجه هوليود دون غيرها، خصوصاً عندما تنجح بعض الأعمال السينمائية، أياً كان مصدرها، في الوصول إلى العالمية دون المرور بعتبة هوليود.

ولا ننسى التذكير بأن دور الباحث والناقد يقتصر على جمع وتحليل المعلومات وطرح التساؤلات ومحاولة البحث عن بعض الأجوبة، لذا فإن نقدنا لتجربة أي شخص أو جهة أو دولة في هذا الكتاب لا نقصد منه المحاسبة أو الطعن أو التجريح، ولا سيما أن موضوع الكتاب يستلزم تسليط الضوء على الثغرات والنواقص دون أن يعني ذلك بالضرورة عدم الاعتراف بالجوانب الأخرى المضيئة أو التقليل من شأنها.

والله من وراء القصد.

أحمد دعدوش

Page 3

هوليود.. عاصمة الفن السابع

في مطلع القرن العشرين، بدأت السينما بشق طريقها إلى قلوب الناس الذين أُخذوا بما تعرضه تلك الآلة العجيبة من صور متحركة، وبدا واضحاً أن هذا الفن الجديد سيحتل مكاناً بارزاً بين الفنون الستة التي عرفتها الشعوب السابقة بدءاً من التلوين والرسم ووصولاً إلى المسرح، وربما لم يكن قد خطر ببال رواد هذا الفن آنذاك أن يتحول فنهم إلى صناعة قائمة بذاتها، وأن تتحول أهدافها من تسجيل الأحداث اليومية إلى وسيلة لنشر الثقافة أو لبث الدعاية السياسية والإيديولوجية على النحو الذي بدا شائعاً قبل نهاية القرن.

تنازع كل من الأمريكي (توماس أديسون) والأخوان الفرنسيان (لوميير) شرف هذا الاختراع، لذا انتشرت صناعة السينما في كل من أوربا والولايات المتحدة بالتوازي وفي وقت واحد أواخر القرن التاسع عشر، وعندما اختار المخرج (سيسل بي ديميل) ضاحية هادئة من ضواحي لوس أنجلوس تسمى هوليود لتصوير فيلم (الكاوبوي) الصامت (رجل المرأة الهندية) لم يخطر ببال أحد حينها أنها ستصبح فيما بعد عاصمة لواحدة من أضخم صناعات العالم الحديث، ولتبلغ مبيعاتها في هوليود وحدها ما يقارب 85 مليار دولار كل عام.

بدأت شركات الإنتاج الناشئة بصناعة أفلامها الصامتة الأولى وعرضها على الجمهور بهدف التسلية لا غير، ووجدت الفرق المسرحية الجوالة في هوليود مهنة أكثر ربحاً وأقل جهداً. لم يحظ الممثلون بالشهرة آنذاك ولم تكن أسماؤهم تعلن على الجمهور، إلى أن أُدرج اسم الممثل (فلورنس لورنس) لأول مرة في أحد أفلامه عام 1910، ثم تطور الأمر بسرعة حتى أصبح الممثل النجمَ الأول للفيلم بدلاً من المخرج والكاتب في كثير من الأحيان.

أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها؛ وجدت السينما الأمريكية نفسها بدون منافس، فبينما انشغل الأوربيون بصناعة الأسلحة وإعادة بناء ما دمرته الحرب، ازدهرت حياة الترف في هوليود بجوها المشمس وتلالها الخضراء وقصورها الباذخة، وأصبحت قبلة المستثمرين في صناعة الترفيه والهاربين من جحيم الحرب في أوربا، أو من بقية الولايات الأمريكية التي لم تحقق سياساتها الاقتصادية أحلامهم.

Page 4

وبعد انفراج أزمة الكساد الأمريكي في نهاية العشرينيات، تسارعت وتيرة الإنتاج في هوليود وأُسست فيها البنية التحتية اللازمة لمنافسة الاستوديوهات الأوربية العملاقة، والألمانية منها على وجه الخصوص، وأصبحت صناعة الترفيه قطاعاً اقتصادياً مستقلاً بذاته، يعمل فيه آلاف الموظفين من الكتاب والمخرجين والنجوم والفنيين، إلى جانب المنتجين والموزعين والإداريين المتخصصين بتنظيم أعمال هذه الصناعة، فسارعت السلطات الأمريكية إلى سن القوانين لتنظيمها، ووضعت لها عدداً من الضوابط الأخلاقية؛ مثل حظر مشاهد الإغراء والألفاظ السوقية، ثم تراجعت حدة الرقابة الأخلاقية مع التقلبات الثقافية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية.

وبعد مرور أكثر من قرن على اختراع آلة التصوير السينمائي، ما زالت السينما تكافح في سبيل الوفاء لبذورها الأولى في تربة الفن والإبداع، ولتحمل في ثمارها خلاصة الحس الإنساني وتفلسف العقل البشري، كما هو حال الفنون والآداب الراقية، ولكن ظروف القرن العشرين أعطت السيادة للجوانب الأخرى التي حولت هذا الفن إلى صناعة تخضع لقواعد السوق الصارمة، وإلى وسيلة إعلامية تعكس في أحسن حالاتها ثقافة المجتمع الذي تنشأ فيه، وتتأثر بالحراك الاجتماعي وبالتقلبات السياسية والفكرية التي تعصف به، وأيضاً بالتطورات التكنولوجية والاكتشافات العلمية التي يكتسبها. لذا أصبحت هوليود البيئة الأكثر ملاءمة لغرس بذور الثقافة الأمريكية، ومن ثم لجني ثمارها وتصديرها إلى العالم كله، مما جعلها محط أنظار المهتمين بالتأثير والتغيير فضلاً عن الربح، ولتتحول هوليود من مجرد مركز للترفيه إلى ساحة للصراع بين القوى المختلفة، وإلى واحدة من أهم أذرع الدعاية الموجهة (البروباغاندا) لمصلحة الطرف الأقوى!

Page 5

كيف قدمت هوليود صورة العرب والمسلمين؟

حسب شهادة البروفسور (جاك شاهين) أستاذ الاتصال في جامعة (إلينوي الجنوبية) والمستشار السابق لشبكة (CBS) التلفزيونية لشؤون الشرق الأوسط، فإن نحو 25% من الأفلام التي أنتجتها هوليود في تاريخها تحقر بشكل أو بآخر العرب، إذ شاهد الأستاذ شاهين نحو ألف فيلم هوليودي مما أنتج بين عامي 1896 و2000م ولم يستطع أن يجد أكثر من 12 حالة إيجابية فقط للعرب والمسلمين، إلى جانب 52 حالة يصنفها على أنها معتدلة من وجهة نظره، في حين تبقى الأفلام المتبقية ذات صور سلبية ومسيئة!.. حيث لا تكاد صورة العرب والمسلمين تخرج عن إطار الصور النمطية القليلة المعروفة[2]، التي تطورت عبر مراحل مختلفة خلال القرن العشرين، ففي أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين اقتصرت هذه الصورة على ما يعرفه الغرب من قصص الرحالة الأوربيين وأساطيرهم عن الشرق الغامض المليء بقصص السحر والجان، حيث الصحراء الواسعة التي تملؤها عصابات قطاع الطرق وتتخللها الواحات الخضراء، والتي يكتشف فيها الرحالة الأوربي قصراً منيفاً للباشا المحاط بجَوارٍ حسناوات لا يفعلن شيئاً سوى الرقص، ولا يكتمل القصر إلا بقبو للتعذيب، وخدم يرقّصون الأفاعي على ألحان الناي. وجسدت هوليود هذه الصور النمطية بإنتاجها ما بين أربعة أفلام وستة كل عام خلال الفترة الواقعة بين عامي 1910 و1920.

ومع ظهور النفط في الربع الأول من القرن العشرين تغيرت هذه الصورة ليتحول العرب من قطاع طرق إلى ملوك نفط متخمين، وتضخمت هذه الصورة في بداية السبعينيات بعد معاناة الأمريكيين من ارتفاع أسعار النفط إثر قرار العرب بقطع إمداداته عن الغرب إبان حربهم مع الكيان الصهيوني، وهو القرار الذي أعقبه تهديد الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) ووزير خارجيته اليهودي (هنري كيسنجر) بأنهما لن يسمحا لمجموعة من البدو المتخلفين الذين يغمسون أقدامهم في بحيرات من النفط بالتحكم في مصير أمريكا.

النفوذ الصهيوني المبكر في هوليود قام بدور كبير في تشويه صورة العرب والمسلمين، إذ بدأ هذا النفوذ بعد عامين فقط من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 مع فيلم (درايفوس)، الذي تلاه صدور عشرات الأفلام التي تكرس فكرة الهجرة إلى أرض الميعاد أو تجسد الأساطير اليهودية وتروّج لها. وبالتزامن مع حركة الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين؛ تصاعد الدعم السينمائي في هوليود لما يسمى بالقضية الصهيونية، وكانت النتيجة إنتاج عشرات الأفلام خلال العشرينيات والثلاثينيات ومنها (الوعد الكبير)، (ملك الملوك)، و(بيت أبي والشيخ)، كما اختارت المنظمة الإرهابية الصهيونية (آرجون) الكاتب والمنتج والمخرج السينمائي (بن هيشت) لتمثيلها في هوليود في منتصف الثلاثينيات.

ومع إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام 1948، حملت هوليود على عاتقها مهمة الترويج المجاني لنشوء هذه الدولة وإظهارها في صورة الحمل الوديع المحاط بقطيع من الذئاب، وقام بهذه المهمة عشرات الصهاينة الذين كانوا قد سيطروا بالفعل على أهم شركات الإنتاج ومحطات التلفزة، واعتمدوا سياسة الإنتاج المشترك وغير المعلن مع مركز الفيلم الحكومي الصهيوني، ونجحت هذه السياسة في تأمين المزيد من دعم النجوم الباحثين عن الشهرة والمجد، الذين وجدوا في تعاطفهم مع إسرائيل طريقاً مضموناً للنجاح، وكان من أهم نتاجات هذه المرحلة فيلم (سيف في الصحراء) المنتج عام 1949، الذي يتنكر للدور البريطاني في قيام دولة الصهاينة، ويقدم الولاء للولايات المتحدة التي انتقل إليها مركز الثقل العالمي. كما أدّى (كيرك دوغلاس) سنة 1953 دور البطولة في فيلم (الحاوي) وهو أول فيلم يُصور على أرض فلسطين، التي يقدمها في صورة الوطن الوحيد لليهود الناجين من محارق ألمانيا النازية.

أما فيلم (الخروج) للمخرج الصهيوني (أوتو بريمنجر) فقد شبّه الفلسطينيين بالهنود الحمر الذين استحقوا الإبادة على يد الأمريكيين البيض القادمين من أوربا، ممهّداً الطريق لأفكار إبداعية أخرى في تشويه صورة العرب على مدار العقود المقبلة.

Page 6

مع اندلاع حرب 1967 تكثفت جهود هوليود لدعم إسرائيل بمختلف الوسائل الممكنة، ففي فيلم (جوديث) للمخرج (دانييل مان) تُشوّه صورة السوريين إلى درجة تجعل البطل الألماني الهارب إلى سورية من الاضطهاد النازي يتحسّر على الأيام الخوالي التي قضاها في ألمانيا. ولم يكتف صهاينة هوليود بدعم كيانهم المزروع على أرض فلسطين من خلال أفلامهم، بل قام بعضهم، بقيادة (جيري لويس)، بتنظيم مظاهرات تؤيد الكيان الصهيوني خلال الحرب، ورفَعوا خلالها شعاراً في غاية الوضوح: "ادفع دولاراً.. تقتل عربياً"! كما توسعت جهود هوليود لدعم الكيان الصهيوني سياسياً، إذ لا يمكن أن نعزو الأمر إلى المصادفة عندما نعلم أن رئيس وكالة المواهب المسرحية والأدبية في هوليود (مارفن جوذفسون) هو رئيس لجنة العمل السياسي في منظمة العلاقات الإسرائيلية - الأمريكية (إيباك) والتي دشنها نجم الكوميديا اليهودي (وودي آلان)، خصوصاً أنه أطلق أول نداء لجمع التبرعات في أمريكا من أجل مناصرة قضايا اليهود[3].

في منتصف السبعينيات، ومع اكتشاف فظاعة الجرائم الصهيونية في فلسطين لم يعد من الممكن الترويج لصورة اليهودي الهارب إلى أرض الميعاد من البطش النازي، فتحول الاهتمام إلى تشويه صورة العدو وترويجها في إطار الإرهاب بالتوازي مع صورة البطل الصهيوني الذي لا يقهر، ومن أهم نماذج هذه المرحلة فيلم (البرعم) المنتج عام 1975[4]. ولم ينته عقد الثمانينيات حتى أُنتج نحو ثلاثين فيلماً لترسيخ هذه الصورة النمطية للمسلم الإرهابي في أعماق اللاوعي عند المشاهد الغربي[5].

تزامن هذا التشويه مع أعمال نضالية نفذها بعض العرب والمسلمين وحملت طابعاً دولياً، مثل عملية الهجوم على الفريق الإسرائيلي في دورة الألعاب الأولمبية في ميونخ عام 1972 من قبل منظمة أيلول الأسود المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية، والتي استلهمت منها هوليود أفلاماً كثيرة بدءاً من فيلم (الأحد الأسود) عام 1976 وصولاً إلى فيلم (ميونخ) عام 2005، ومثل اختطاف السفينة (أتيل لاورو) عام 1985 ومقتل المليونير اليهودي (كلينجوفر) على أيدي المختطفين الفلسطينيين، وهو الذي أصبح بعد مقتله شخصية محورية لعدد من الأعمال الفنية. وكذلك عملية اختطاف طائرة العال الإسرائيلية في مطار عنتيبي في أوغندا[6]، والتي أعيدت صياغتها مباشرة في هوليود من خلال ثلاثة أفلام شهيرة. هذا بالإضافة إلى حركات الانتفاضة والصراع في لبنان وحروب الخليج والصومال وأفغانستان وباكستان وغيرها من الأحداث التي لا تكاد تتوقف في هذه المنطقة المستهدفة من العالم، وهي الأحداث التي سرعان ما تنتقل إلى استوديوهات هوليود لإعادة إخراجها في أعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية يشاهدها العالم كله، ولا يظهر فيها إلا الجانب الذي يوافق هوى الطرف الأمريكي- الإسرائيلي، في حين يرمى بالحقيقة إلى عالم النسيان. وهكذا؛ ومع أن الصور النمطية المسيئة لليهود في الأدب والمسرح الأوربيين طوال عدة قرون كانت مترسّخة، فقد نجح الصهاينة وبسرعة قياسية في قلب الطاولة في وجه العالم الغربي وتقديم إسرائيل المعصومة عن الخطأ إحدى أهم المسلّمات المتفق عليها في هوليود، التي لا يمكن خرقها تحت أي مسوّغ كان، وإذا كان أفلاطون قد أعلن في القرن الرابع قبل الميلاد أن «الذين يحكون القصص هم الذين يتحكمون في المجتمع» فمن المقبول إذن تفهّم الدور الذي يؤدّيه اليوم صنّاع السينما والإعلام في التحكم بالرأي العام العالمي.

في بداية العقد الأخير من القرن العشرين شهد العالم أحداثاً كبرى غيرت مجرى التاريخ، فبعد سقوط القطب الشيوعي توجهت أنظار الغرب إلى الإسلام بصفته العدو الأول في ساحة الصراع الاستراتيجي، وتزامن ذلك مع اندلاع حرب الخليج الثانية وإعلان الولايات المتحدة سيادتها على النظام الدولي الجديد. في الوقت نفسه حقق تطور التقنيات السينمائية قفزات قياسية، وأحسنت هوليود استغلالها في إنتاج العديد من الأفلام الضخمة التي واصلت مهمة تنميط صورة (الإرهاب الإسلامي) بما يتناسب مع تطورات المرحلة، ومن أشهر هذه الأفلام فيلم (أكاذيب حقيقية) سنة 1994 وفيلم (الحصار) سنة 1998.

Page 7

مع ذلك؛ شهدت المرحلة نفسها تحولاً جديداً في علاقة هوليود بالعرب والمسلمين، إذ بدأت مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والعرب تؤتي ثمارها، كما أحدثت حرب الخليج، والتي نُقلت أحداثها مباشرة عبر أخبار (CNN) للمرة الأولى في تاريخ التلفزيون، وعياً جديداً في الشارع الأمريكي تجاه الصراع الخارجي، إذ تؤدي الحروب عادة إلى نوع من الاحتكاك مع الآخر والمفضي إلى قليل من الحوار والانفتاح، وهكذا أصبح من الممكن ظهور أدوار عربية طبيعية أو حتى إيجابية، ففي فيلم (قبلة الليل الطويل) (1996) يُتهم أحد العرب ظلماً بتهمة الإرهاب، وفي فيلم (جريمة كاملة) (1998) يحرص المحقق العربي- الأمريكي على كشف الحقيقة والوقوف إلى جانب سيدة أمريكية مهددة بالقتل على يد زوجها، أما فيلم (روبن هود أمير اللصوص) فيُظهر العربي في صورة نموذجية للأمانة والنبل، وبلغت هذه الصورة نضجها التام عندما مثّل (أنتونيو بانديراس) رحلة الفارس العربي المتحضر إلى شمال أوربا المتخلفة في فيلم (المحارب الثالث عشر) (1999). ومنذ ذلك الحين أصبح من الممكن رؤية صورتين متوازيتين، وغير متكافئتين بالطبع، للشخصية العربية المسلمة في هوليود، وكان من الممكن للصورة الإيجابية أن تشق طريقها بسرعة لولا تدهور العلاقات السياسية وانقلاب الموازين.

ففي مطلع الألفية الجديدة استأنفت هوليود مرحلة جديدة من الدعاية الممنهجة بعد وقوع أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والتي ما زالت الشكوك تحوم حول صحة نسبتها إلى المسلمين، ولكن هذه الشكوك لم تقف حائلاً دون إعلان الحرب على الإرهاب ، أو على الإسلام كما يرى كثيرون، وكان لا بد للمنتجين في هوليود من مواكبة هذا التطور في الأحداث، فبعد شهرين فقط من وقوع هجمات أيلول/سبتمبر استدعى أحد مستشاري الرئيس الأمريكي أبرز منتجي ومخرجي هوليود إلى البيت الأبيض للبحث في السبل الممكنة لإشراك هوليود في «الحرب على الإرهاب»[7]. وبالرغم من ذلك، تابعت التيارات المنشقة عن الخط العام في هوليود نموها وأثبت بعض المنتجين والمخرجين قدرتهم على الاستقلال والتحرر، وخصوصاً بعد تفاقم أزمة الوجود الأمريكي في العراق وانكشاف الكثير من أسرار "الحرب على الإرهاب"، كما أن التنميط السطحي والسخيف لكل ما هو عربي مسلم لم يعد مقبولاً كما كان في الماضي، مع أنه مستمر في بعض الأفلام، حيث قامت أدوات العولمة وثورة الاتصالات بدورها في الانفتاح على الشعوب الأخرى وإعادة تقييم الصور النمطية المسبقة بشيء من الموضوعية والاعتدال.

Page 8

عرب ومسلمون أمريكيون في هوليود.. النجاح أولاً!

كما هو الحال مع الأقليات الأخرى المكوّنة لنسيج المجتمع الأمريكي، هاجر الآلاف من العرب والمسلمين الطامحين إلى بدء حياة جديدة في أرض الأحلام منذ أكثر من مئة وخمسين سنة، وتوطنوا في ولايات أمريكية عديدة من أهمها: متشغان، كالفورنيا، فلوريدا، ثم اندمجوا كغيرهم في ذلك المجتمع الناشئ مع خليط الأعراق والأديان المختلفة.

وتعد الجالية العربية من أكثر المجموعات العرقية نجاحاً في أمريكا، إذ يحمل أكثر من ثلث أبنائها درجات تعليمية عالية، ويعمل 65% منهم في أعمال وظيفية دائمة، كما يعمل 73% من هؤلاء في وظائف إدارية أو تقنية أو في المبيعات، ويحصلون على دخل يزيد بنسبة 22% عن معدل الدخل على المستوى الوطني.

لذا كان من الطبيعي أن يتطلع بعض أبناء هذه الجالية كبقية أبناء شعبهم الأمريكي إلى النجومية في هوليود، ومع أن ثقافة الولايات المتحدة قامت منذ تأسيسها على مبادئ الحرية والمساواة في الفرص، التي تستلزم فتح أبواب هوليود لمن يملك الأهلية والكفاءة، فإن تحقيق هذه المبادئ لم يكن دائماً على هذا النحو المثالي.

Page 9

تاريخ حافل بالنجاح

قد يتعذر على الباحث حصر جميع الأسماء العربية التي نجحت في هوليود، إلا أن عدداً لا بأس به من هؤلاء تمكن من تحقيق درجة متقدمة من الشهرة والنجاح، كما حاز عدد منهم على جائزة الأوسكار أو ترشح لها، فضلاً عن جوائز أخرى رفيعة.

نبدأ استعراضنا لبعض النماذج الناجحة في هوليود مع الكوميدي (داني توماس)، الذي هاجر والده من بلدة الكاتب اللبناني المعروف جبران (بشرّي) إلى الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين، وأطلق على أحد أبنائه الأربعة اسم مزيد، وهو الذي ظهرت عليه بوادر الموهبة منذ الصغر، فقرر احتراف الكوميديا الإلقائية وغيّر اسمه إلى (داني توماس)، ثم استفاد من تجربة زملائه المتحدرين من أقليات أخرى كالإيرلنديين والإيطاليين الذين يستمدون نكاتهم من أصولهم العرقية، فابتكر شخصية (العم طنوس)، وأخذ يستمد نكاته من صعوبات والده المهاجر في العثور على عمل على الرغم من الفقر والجهل باللغة والبيئة، ومع انتشار الاختراع الجديد (التلفزيون) تمكن داني من الدخول إلى بيوت الأمريكيين والاستحواذ على قلوبهم في الستينيات والسبعينيات، وجمع ثروة كبيرة سخّر قسماً كبيراً منها لتأسيس مستشفى (سانت جود) الخيري لعلاج وأبحاث السرطان في أمريكا، ولتعلقه بجذوره العربية أوصى داني بأن تبقى نسبة 70% من أعضاء مجلس إدارة المستشفى من أصول عربية. وقبل وفاته في مطلع التسعينيات دفع بابنته ( مارلو ) إلى التمثيل أيضاً في هوليود، وكان داني قد فاز بجائزة آيمي التلفزيونية، كما فازت ابنته (مارلو) بها مرتين.

وطوال القرن العشرين، تتابعت الأسماء ذات الأصول العربية في الظهور، ونذكر منها الممثل اللبناني الأصل (جورج نادر) بطل أفلام المغامرات في الخمسينيات والستينيات، والممثل السوري الأصل (مايكل عنصرة) الذي بدأ العمل في فيلم (Action in Arabia) سنة 1944، ثم اشتهر بتمثيل أدوار الهنود الحمر، ويُحسب له رفض تمثيل الشخصيات العربية الناطقة باستثناء دور (أبي سفيان) في فيلم (الرسالة)، والممثل (مايكل نوري) المتحدر من أصول لبنانية والذي كانت له بطولة فيلم (Flash Dance) كما ظهر في المسلسل التلفزيوني (يوميات رجل عصابات)، والممثلين (جيمي فار) (فرح) و(فيك تيباك) (طباخ)، أما الأسماء النسائية فاشتهرت منها كل من الممثلات (كاثي نجمي) و(آمي يزبك ) و(ويندي مالك) و(كريستين الحاج).

وفي السنوات الأخيرة لمع اسم الراقصة (بولا عبدول) ذات الأصول السورية اليهودية، والممثلة البريطانية (جابرييل أنور) ابنة المونتير هندي الأصل ( طارق أنور )، والتي صُنفت في قوائم أجمل نساء العالم، وأدّت أدواراً مهمة؛ ومنها دور (إيملي) التي تسعى بصحبة المغامر (فلِن) إلى البحث عن كنوز النبي سليمان عليه السلام في فيلم (العودة إلى مناجم الملك سليمان) (The Librarian) المنتج عام 2006[8]. كما نذكر الممثلة (سارة شاهي) ذات الأصل الإيراني والتي ظهرت في بعض المشاهد الساخنة، مما أثار استياء بعض الإيرانيين الأمريكيين الذين يرون أنها لا تمثلهم، أما الممثلة الشابة شانون إليزابيث فأثارت استياءً أكبر عندما أشارت وسائل الإعلام الأمريكية إلى أنها من أصل سوري- لبناني، حيث رأى بعض أتباع الجاليتين أنها تسيء إلى سمعتهم عندما تتسلق سلم الشهرة بالتعري[9].

Page 10

جوائز عالمية

بالانتقال إلى قائمة الأوسكار، نجد عدداً لا بأس به من الأمريكيين ذوي الأصول العربية أو الإسلامية الذين رُشحوا لها أو فازوا بها، ونبدأ مع إميل كوري (Emile kuri) مصمم الديكور الشهير والحائز على جائزة الأوسكار مرتين عن فيلمين هما: (الوارثة) عام 1949 و (20 ألف فرسخ تحت الماء) عام 1954، كما رشح (كوري) للجائزة نفسها ست مرات أخرى خلال الخمسينيات والستينيات، ونذكر أيضاً المنتج رونالد شويري (Ronald Schwary) الذي حصل فيلمه (أناس عاديون) على جائزة أفضل فيلم عام 1980، كما رشح فيلمه (قصة جندي) للجائزة نفسها عام 1984، ورشحت أفلامه (عطر امرأة)، (توتسي) و(لقاء جو بلاك) لعدة جوائز أوسكار.

أما الكاتبة كالي خوري (callie khourie) ففازت بالأوسكار لأفضل سيناريو أصلي عن فيلمها (ثيلما ولويز)، كما فاز الموسيقي بول جبارة (Paul Jabara) بالأوسكار لأفضل أغنية عن فيلم ( شكراً للرب إنه يوم الجمعة )، ولمع اسم المخرج والكاتب وليام بيتر بلاطي (William Peter Blatty) الذي رُشح فيلمه الشهير ( طارد الأرواح الشريرة ) عام 1973 لعشر جوائز أوسكار، وفاز باثنتين منها حيث ذهبت إحداهما إلى وليام عن فئة أفضل سيناريو[10].

وفي عام 1984 أدى الممثل (ف. موراي أبراهام) واحداً من أنجح الأدوار في تاريخ السينما مجسداً شخصية (أنتونيو سيليري) الذي عاش صراعاً مريراً بين الحقد على الموسيقار الناشئ موتزارت وبين تقبل فنه المبدع بحسه المرهف، وذلك في الفيلم الشهير (أماديوس) والذي مُنح لأجله جائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل، إضافة إلى جائزة الكرة الذهبية (الغولدن غلوب)، ولكنه تراجع بعدها عن النجومية ولم يحصل على أي دور لافتٍ منذ ذلك الحين، ومن الجدير بالذكر أن والد (أبراهام) هاجر من سورية في مطلع القرن وأطلق على ابنه اسم فريد، ولكن فريد اختار الإشارة إلى اسمه بالحرف الأول ثم تغيير اسم والده من مرعي إلى موراي.

وينضم إلى قائمة الجوائز الكبرى أيضاً النجم التلفزيوني والسينمائي (توني شلهوب) ذو الأصول اللبنانية، الذي اشتهر بدور (أدريان مونك) في المسلسل الذي حمل اسمه (مونك) وفاز من خلاله بجائزة (الأيمي) ثلاث مرات على أنه أفضل ممثل في مسلسل كوميدي خلال أعوام 2003، 2005، 2006، إضافة إلى جائزة (الغولدن غلوب) عام 2003 لأفضل ممثل في مسلسل كوميدي، وجائزة نقابة ممثلي الشاشة مرتين بوصفه أفضل ممثل في مسلسل كوميدي عامي 2004 و2005.

ومن الجدير بالذكر أن معظم هؤلاء الناجحين ينتمون إلى طوائف غير مسلمة، ربما لكون أتباعها أكثر قدرة على الاندماج والقبول في هوليود، أو لأن بعض التقديرات تشير إلى أن نحو ثلاثة أرباع الأمريكيين العرب هم من المسيحيين واليهود.

ومن الملاحظ أن معظمهم اندمجوا في المجتمع الأمريكي كبقية زملائهم المتحدرين من أصول وعرقيات مختلفة، وربما نسي أو أخفى كثيرون منهم هويتهم الأصلية، كما لم يحملوا من بلاد أسلافهم رسالة ما يدافعون عنها في هوليود، ولم يسخّروا مواهبهم لإبراز أي خصوصية لهويتهم تتعدى بعض مشاعر الحنين إلى الوطن الأم الذي عرفوه في حكايا الأجداد، ولم يكونوا في غالب الأحيان أكثر من طامحين إلى النجومية والنجاح والثروة، وأحياناً إلى إنشاء بعض الأعمال الخيرية والإنسانية، دون أن يحملوا على عاتقهم أي عبء آخر من قبيل ذاك العبء الذي حمله زملاء آخرون من أقليات مختلفة، وعلى رأسهم اليهود الذين سخّروا هوليود لمصلحة قضيتهم المشتركة!