Page 1
نحو استعادة اليسار مهماته
خلال الندوة التي عقدت في باريس، في تشرين الثاني من العام 2008، قبل الأزمة الحالية للرأسمالية العالمية، كان الهمّ الطاغي على المشاركين من قوى اليسار في العالم يتمحور حول ضرورة الانتقال من حال الدفاع السلبي عن "حق الوجود"، إلى حال الهجوم لهذا التيار في النوادي الايديولوجية والسياسية، أي الانتقال من "حق الوجود" بأبعاده التاريخية، إلى "واجب الفعل" بأبعاده المبررة حاضراً، والحاملة همّ المستقبل، ليس فقط مستقبل اليسار، بل مستقبل البشرية جمعاء التي بدأت أزمة الرأسمالية، نعم أزمتها، تهدد مصيرها على الكرة الأرضية بشكل عام...كذلك في لبنان، وعلى الرغم من الهمّ اللبناني الخاص، كان الحزب الشيوعي اللبناني، "المحصور" شكلاً في "الحيّز الضيق"، في بلد تتزاحم فيه ضغوط "المذاهب" وحروبها المنظمة من قياداتها المنتسبة جميعها إلى البرجوازية اللبنانية، المتلاحمة ضد التغيير، والمتزاحمة على الحصص، كان هذا الحزب، من أوائل الأحزاب اليسارية التي انتقلت إلى الهجوم، حيث حاول في مؤتمره العاشر صياغة "خطط هجومية" في مجالي الفكر والسياسة بغض النظر عن موازين القوى الحالية في لبنان وفي العالم العربي...
وعندما قرأت ما كتبه الدكتور "الشاب" حسن خليل، لم يلفت نظري أبداً لا الأسلوب ولا الصياغة، ولم أتوقف عند بعض النقاط ربما "المتسرعة" المغلفة ببعض الدوغمائية التي يمكن تبريرها بالمرحلة السابقة، أو بظلاميات ما بعد "فوكوياما" و"هنتنغتن" وضرورات الصمود في وجهها...، بقدر ما لفت نظري "جرأة المبادرة" في أخذ مكان طليعي في مهمة "الهجوم" الفكري والسياسي لليسار اللبناني والعربي في مواجهة الأزمة العامة للنظام الرأسمالي... فهو لم يحاذر صعوبة إعادة تكوين مفاهيم اليسار في هذا العالم المتغير، بل انخرط بجرأة في هذه المهمة مستبعداً منذ البداية، الوقوع في إحدى الخطيئتين اللتين وسمتا بعض مفكري ومنظري اليسار في السنوات الماضية:
الخطيئة الأولى: خطيئة الإحباط واليأس اللذين يؤديان إلى الاستسلام النظري لمقولة نهاية التاريخ، واختفاء مفهوم "الصراع الطبقي" مخلياً المكان لصراع الحضارات...
الخطيئة الثانية: خطيئة "الدفاع الخائف" حيث اندفع بعضهم إلى الانضواء داخل شرنقة النص، مدافعاً عن الماركسية بمنهج كلاسيكي، جعلها جزءاً من الفلسفة المتدينة، العاجزة أمام الحاضر والمستسلمة أمام المستقبل...
يحاول حسن خليل تقديم نفسه ماركسياً في مواجهة المفاهيم المتغيرة، لذا نراه يسعى إلى إعادة تحديد هذه المفاهيم، وتوصيف معاييرها الابستمية ضمن حراك الواقع السياسي - الاقتصادي عالمياً وفي العالم العربي، ولبنان، معيداً "للبراكسيس" لمعانه كأساس في الفكر الماركسي...
رحلة المفاهيم تلك بدأت مع مفهوم اليسار، في محاولة لإعادة تحديد أصله، انطلاقاً من الموقع الطبقي في مواجهة موجة من التحديدات التي أضاعت أساسه الطبقي في بحر من المعايير، استجلبها بعضهم لجعل هذا المفهوم ملتبساً، يضيع بين "تشي غيفارا" و"طوني بلير"، وفي هذه المحاولة منطلق ودعوة لنهج يجب التركيز عليه باستعادة الموقع الطبقي لليسار بأبعاده السياسية والاجتماعية والوطنية..
من المفاهيم التي ظهرت ملامحها، والتي نرى ضرورة التركيز عليها لاحقاً، محاولته إعادة تحديد معنى الإرهاب والأصوليات، مستعيناً بالتاريخ والوظيفة، استناداً إلى تأمين الغطاء الايديولوجي والسياسي لنموها منذ النازية حتى الفكر الصهيوني كأول نتاج إرهابي مستند إلى فكر ديني أصولي، وصولاً إلى ارتكاز جورج بوش الاسلامي الممتد من ممالك الخليج العربي إلى افغانستان وباكستان وحلقة ربطها في مركز البنتاغون.
لم يكن مفهوم الديمقراطية أقل شأناً في التركيز عند الدكتور حسن، ولا ضرورة استعادته كأداة مفاهيمية لليسار، ذلك انه تحول على يد الراسمالية منذ أوائل القرن الماضي حتى مشروع جورج بوش من أداة تطوير سياسي واجتماعي إلى أداة تحكم وسيطرة، من أداة بناء إلى أداة هدم، ومن أداة سلم واستقرار اجتماعي إلى اداة قتل جماعي، حتى بتنا في عالم يحكمه، ويتحكم به، الخوف والقمع والجوع والنهب والحروب....
نعم لقد أصبغت الرأسمالية قيمها اللإنسانية على الديمقراطية حتى غدت مسلوبة من معاني الحقوق والاخلاق والعدالة والمدنية. أليست هذه هي ديمقراطيتها؟ فهل يعقل مثلاً أن من يكون همه الوحيد امتلاك وسائل الإنتاج والربح بغض النظر عن الوسيلة وأداة السيطرة، يلتفت إلى تلك القيم ويدافع عنها؟
في مواجهة "الديمقراطيات القاتلة" المحملة على صواريخ القتل والتدمير استعاد مفهوم الديمقراطية - الحقوق، وإن كان مفهوماً غير جديد، مكانته عند العديد من المفكرين في العالم في تركيز على البعد الاجتماعي والحقوق الطبيعية للبشر، وصولاً إلى حقوق الارض والطبيعة، التي طالها النهب والتدمير من قبل ورثة الرأسمالية الاوائل.. إنَّ هذا المفهوم الذي تناوله تفصيلاً "جون كين" في كتابه عن "حياة الديمقراطية وموتها" مستعيداً كتابة تاريخها على أساسه وعلاقاته بالعقل المشرقي القديم قبل اليونان، يلامسه "حسن خليل" بما يستدعي أبحاثاً مطورة له، ومركزة على جوانب طالها التشويه في هذا المجال من قبل الفكر البرجوازي، وأيضاً من قبل التجربة الاشتراكية المحققة. ومما يستدعي بحثاً خاصاً تلك الفكرة المسمومة عن مجافاة "العقل المشرقي"، عموماً، والعربي خصوصاً لفكرة الديمقراطية.
لقد ربحت الرأسمالية منذ مدة هذه المعركة، وللأسف، قدمها اليسار أو القوى المناهضة لها دون مقابل. فاستعادة هذه القيم يجب أن تكون الممر الإلزامي لحل أزمة اليسار والبديل، والاستعادة هنا لا تعني أخذ ما ليس لنا، وإنما استعادة ما سلب منا، في غفلة من الزمن، ومن أصحاب اليسار، أو لنقل من بعضهم.
تبقى استعادة الحديث عن "الحداثة" في العالم العربي ماضياً وحاضراً حجرً أول يمكن البناء عليه تناوله د.حسن في كتابه الراهن...
بداية ورشة، حكماً لحسن خليل دور بدأه فيها، لكن لن يبقى وحيداً، إنها محاولة لا بد من استكمالها...
الأمل كبير ببداية شباب فكيف بنهاية شيب.
خالد حدادة في 20/10/2009
Page 2
تمهيد
هل انتهى فعلاً عصر الثورات؟
سؤال يتبادر إلى الذهن مباشرةً بعد مشاهدة حجم المتغيرات التي طرأت على جميع القضايا والأمور التي شغلت العالم طيلة قرون من الزمن، أمور طبعت بطابعها المتقلّب شكل ومميزات ما كان يحدث: فمن ثورة سبارتاكوس وما قبلها إلى غيفارا وما بعده وما بينهما، تاريخ عنيف ومتغير وجميل من الرفض والانتفاض على مفاهيم الظلم والعبودية، من التوق إلى الحرية والتحرر، وأيضاً من الحلم بعالم آخر. واقع فرض طابعه وسلوكه على الجميع، غنّت له ملايين الحناجر وسالت لأجله دماءٌ غزيرةٌ، حمله الشباب أيقونة على صدورهم وأحلاماً في عقولهم، وهمّاً نضالياً مارسوه واقتنعوا به، وحافزاً محدداً لسلوكهم. واقع فرض طابعه بقوة المتغيرات التي أحدثها، شرقاً وغرباً، في الفكر والممارسة، للفقراء وغيرهم، لا تستطيع البشرية التغاضي عنه ولا المرور عليه بشكل عارض. واقع لم تستطع وقفة بوريس يلتسين على ظهر دبابة في وسط موسكو في مطلع تسعينيات القرن الماضي إلغاءه أو إلغاء حلم الاشتراكية الحقيقية والإنسانية، ولا ادعاءات الإدارات الأميركية المتلاحقة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان التقليل من حضوره وتأثيراته، ولا الأساطيل الغربية ستستطيع اغتياله واغتيال روح الثورة و"التمرد" على الظلم. فلا غيفارا سيستقيل ولا حلم الثورة سينتهي؛ إنه الواقع وسنَّة الحياة والتاريخ والمنطق، فلا يمكن مواجهة الظلم والاحتلال بالورود، كما لا يمكن مواجهة الفقر والجوع بوضع الوسائد البالية على البطون الفارغة.ما نودّ قوله في هذا الكتاب ليس سوى محاولة لاستكشاف ما آلت اليه حالة عالم ما بعد انهيار بعض المنظومات الضابطة سواء في الفكر أو الممارسة، أو شكل الحكم وانهيار القيم ومقولات الأخلاق وممارساتها في السياسة والاجتماع وغيرها، واستبدالها بلغة المصالح. محاولة لا تبتغي زيادة في الكلام أو التحليل بقصد التبرير أو الانتقاد، بل إنَّ ما نودّه هو من خلالها وضع الأمور في نصابها المنطقي المعاش، قراءتها، تحليلها ومن ثم التوصل إلى استنتاج العبر بقصد البناء. يمكن لهذه المحاولة أن تؤدي إلى نقاش مؤسس إذا ما استتبعت بأعمال أخرى، وبذلك تكون، ويكون ما يليها، قد شكل لنا بداية تلمس طريق واضح وجلي لإنضاج البديل المطلوب وبشكل ملحّ في هذه الأيام نظراً لخطورة ما يمر به عالمنا المعاصر.
"مفاهيم متغيرة في عالم متغير" هو بداية الكلام في هذا الكتاب، بداية هدفها إبراز الواقع المتغير باضطراد وفوضى، هدفها إبراز الواقع المأزوم بكليته وليس بأجزائه؛ فالمأزوم هو النظام العام المسيطر وليس بعضه، فإليه نتوجه مباشرة دون مواربة أو تهرب، وبذلك نكون قد بدأنا تلمّس الطريق المؤدية إلى فهم الواقع. واقع ترجمته مجموعة مفاهيم مشوّهة حاول اصحاب العالم الحر إيهام العالم بها من ديمقراطية تحت الطلب إلى حرية مزيفة وحقوق انسان أصبحت مادة للبيع على رصيف تجار السياسة والقيم؛ إنها، وبكل بساطة، المفاهيم و "الديمقراطيات القاتلة" بمضمونها وكيفية استخدامها والنتائج المترتبة عليها. حالة جهد من بيده ناصية السلطة والقرار ليتحكم ويستغل، ليس كل قضية، وإنما كل شيء بهدف تأبيد سيطرته. من الواقع المعاش وتداعياته إلى الواقع المفترض وآلياته المتوقعة سلسلة من مفاهيم وديمقراطيات اساسها الاستغلال، خطابها الخداع وحسب الطلب، هدفها السيطرة. لقد ضاعت معها كل امكانية أخلاقية واستبدلت بالحرب والقهر والخوف والفوضى. إنها ديمقراطياتهم وليست لنا، وما علينا إلا اثبات المثبت بحكم الواقع، فلا يجوز، بعد الآن، دفن الرؤوس في الرمال وكأن شيئاً لم يكن.
أمام تلك المعادلة برزت، وعلى امتداد القرنين الماضي والحاضر، سلوكيات من ادّعى تمثيل وقيادة العالم الحر على حد زعمه، سلوكيات امتدت وغطت مساحة العالم عابثةً بكل القيم ومطيحةً بكل الأخلاق في السياسة وغيرها؛ لقد غلفت حقيقة أهدافها بالشعارات الكبيرة، الكثيرة الكلام والقليلة الفعل، فمن وعود الحرية والديمقراطية والحياة السعيدة إلى الوجود العسكري والاحتلال المباشر ونهب الثروات، تاريخ أسود عابق بالمؤامرات والدسائس، بالخيانات والاغتيالات، بالقهر والذل لأنظمة تعرف تماماً كيفية امتلاك مثل تلك السلوكيات وامتهانها. تاريخ امتد على مساحة العالم من دون استثناء أو تمييز. ولعل الشرق الأوسط من الساحات التي تعكس حقيقة ما ابتلى به العالم على امتداد عهود "الحداثة" و"المعاصرة". ساحة شهدت تبدلات وتغيرات كبيرة وخطيرة في شكل السياسة والحكم والتحكم. هذا النموذج الشرق الأوسطي أردناه النموذج الحي والمتواصل لنبرز من خلاله كيفية استخدام القيم في لعبة المصالح من قبل الدول الكبيرة.
إنَّ ما يشهده العالم في الوقت الراهن من أزمات متعددة ومتنوعة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية... ما هو الا نتيجة طبيعية لتراكم السلوك العام للنظام الحاكم والمتوارث. فكثرة الحروب وتنوعها ليست سوى إلا ترجمة لذهنية السيطرة بالقوة على مقدرات العالم ومحاولة سلبها لصالح مجموعات متحكمة. والأزمة الاقتصادية الحالية ما هي إلا امتداد طبيعي لسلوك وسياسة العالم المعولم بأوجهه كافة؛ فسياسة النهب الرأسمالي تستوجب، من حين لآخر، تغيير وتبديل نمط أو أنماط ممارساتها، وبذلك تتحول من ممارسة وسلوك شرس إلى آخر أشرس. فالفروقات بين أغنياء العالم وفقرائه كما بين شماله وجنوبه، ستزداد، وبشكل خطير، نتيجة لمثل تلك السياسات المتبعة. وإنَّ من حق الحكومات الأميركية المتعاقبة أن تحافظ على رفاهية شعبها من خلال عدم القبول بتغيير بعض السلوكيات المجتمعية والصناعية التي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض، لكن تلك الرفاهية المؤقتة، وبكل تأكيد، ستنتفي عاجلاً أم آجلاً، وبالانتظار فإنَّ ملايين فقراء العالم يعانون، ليس من قلة الرفاهية وإنما من قلة الطعام والماء والخدمات والهواء النظيف... وأيضاً من كثرة الحروب. فإذا كان من يتحكم بالعالم لا يدري، فهذه مصيبة، لكنه، وبكل تأكيد، يدري ويعلم ويدرك ماذا يفعل. فهل تستحق تلك الرفاهية كل هذا الثمن؟ إنَّ الصمت عن عدم وجود جواب لمثل هذا السؤال هو المصيبة الأكبر.
إنَّ هذا الواقع المأزوم يستوجب، وبكل تأكيد، العمل من أجل إيجاد البديل المنطقي والمعقول. ولم يعد مسموحاً بعد الآن أن يبقى الواقع على ما هو عليه. فالعالم ليس ملكاً لأحد، إنه لمن يعيشون عليه، الذين لهم الحق في حياة كريمة خالية من الظلم والاستغلال، خالية من الحروب، من الفقر، من السلاح النووي، من التسلط، ومن امتهان الكرامات... عالم أفضل يستحق إرادة التغيير وممارستها. إنَّ ابراز الحالة الراهنة بهذه الطريقة ليس بهدف الإحباط وإنما لإظهار مخاطر ما نعيش وواقع هذه المخاطر. إنها دعوة لإعادة تشكيل البديل الإنساني المنحاز إلى أكثرية اجتماعية لا تمتلك حالياً حق العيش الكريم. دعوة لإعادة الاعتبار إلى الصراع الاجتماعي القائم على القضية وليس المصلحة. من هنا، فإنَّ ما نود مناقشته ليس فقط القضايا المطروحة في اللاحق من أمور في هذا الكتاب، وإنما الواقع المعاش بكل تفصيلاته. إنَّ القضايا المطروحة في هذا الكتاب ما هي إلا نماذج يمكن أن تكون أكثر، وهي بالفعل كذلك، تستوجب منا النقاش والتحليل وإعادة التركيب واستخلاص العبر.
إنها دعوة للنقاش والتفكير والنقد، كما هي، أيضاً، دعوة للفعل والعمل والنضال من أجل القيم والأفكار التي ناضل واستشهد من أجلها ملايين الناس على امتداد الحياة الإنسانية. دعوة لإعادة الاعتبار للهمّ الاجتماعي وكيفية تحويله إلى فعل يومي يأخذ بالاعتبار حجم المتغيرات الحاصلة وشكلها ونوعها، ويستشرف أشكال الحلول، أو أقله اتجاهاتها. لم يعد هناك متسع كبير امامنا، فلما الانتظار؟
في 24 أيلول 2009 د. حسن خليل
Page 3
الفصل الأول
مفاهيم متغيرة في عالم متغير
عندما انهار جدار برلين سنة 1989 ساد الاعتقاد بأن عهداً جديداً قد بدأ بالتبلور، وعندما انهار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 اعتقد بعضهم أنَّ هذا العهد قد بدأ فعلاً. وعليه بدأت القوة المنتصرة والمقصود بها الولايات المتحدة الأميركية إعادة صياغة العالم بحسب مفهومها ووفق مصالحها مستفيدة من تلك الحالة. لقد ساد الاعتقاد بأن عصر السياسات والأيديولوجيات الكبرى قد انتهى، وعليه يجب صياغة مفاهيم جديدة تتطابق مع الواقع المتغير. بعد ذلك بدأ عهد ما بعد الانهيارات، ابتداؤه كان بالتخلص من إرث السوفيات ومن بقايا ثورات القرن العشرين، أما تجلياته فكانت من خلال إشاعة مفاهيم "العالم الحر" على حد تعبير أصحابه، من سلام وديمقراطية وحرية، فتسابقت الدول والقوى للنهل منها معتقدة أنها حقيقة وضرورة تاريخية حان أوانها، أو لطلب الغفران عن موقعهم السابق معتقدين بذلك أنه يمكنهم حجز مكان لهم في تشكيل العالم الجديد الذي كان قد بدأ طور التبلور."مفاهيم متغيرة في عالم متغير" هي جملة للمفكر ليوتارد (1)، مُطلق مفهوم "ما بعد الحداثة" في كتابه الشهير "ظروف ما بعد الحداثة" عام 1979؛ جملة يمكن استخدامها لتبيان الواقع المعاش في مرحلة ما بعد الانهيارات، ولمناقشة الخصائص المرافقة، والتي بأكثريتها مفاهيم وقيم سابقة على تلك الفترة، لكن أُعيدت صياغتها بشكل يتكامل مع المستجدات الفكرية والثقافية والسياسية ويتماشى معها. من هنا، ومتابعة لما قلناه، فإنَّ ما نودّ مناقشته هو أزمة الفكر العالمي التي استجدت: فإذا كان اليسار أول من تضرر من الانهيارات لأنها كانت في معسكره فإن البديل الذي نعتقد أنه انتصر أيضاً مأزوم في بديله وفي تركيبته ومنظومته الفكرية وكيفية ترتيب الحالة العامة المواكبة واللاحقة لفترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. إذن سنتناول أزمَتَيْ اليسار والرأسمالية مع مناقشة الظواهر المرافقة ومحاولة التفكير في اتجاهات الحلول. ما نودّه هنا إجادة بعض المقاربات لتحفيز نقاشها؛ فالقضايا المطروحة لا تطال، فقط، أموراً نظرية بل تتعداها إلى الواقع، لأن انعكاس ما جرى قد طبع بطابعه الفترة الممتدة من بداية تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. نقاش لا نريده محصوراً لا بفترة زمنية بعينها ولا بواقع سياسي محدد، نريده شاملاً وعاماً.
من هذا المنطلق نودّ الاشارة إلى مستوى الأزمة التي واكبت انطلاقة الواقع الجديد. أزمة أخذت طابعي النظرية والتطبيق وانعكاساً النتائج. فلا اليسار استوعب ما جرى ولا النقيض استفاد. فأزمة اليسار تُرجمت بعدة سلوكيات، أكثريتها لجأت إلى ردات الفعل المباشرة: من التبرؤ من الذي كان إلى الرفض المطلق للواقع من موقع الرافض وغير المصدق. بالنتيجة اتجهت القوى اليسارية أو بعضها إلى التغيير السريع وغير المدروس في بناها الفكرية وممارساتها السياسية. الاتجاه الوسطي كان أكثر المواقع جذباً لذلك تمّ اللجوء إليه، فانتشرت بسرعة فائقة فكرة "اليسار الديمقراطي"، وللتذكير فقط ليس فيه لا يسار ولا ديمقراطية، في السلوك والفكر والممارسة. قسم آخر تمسك بما كان سائداً، رافضاً ما جرى، حافظ على بناه بطريقة أكثر تشدداً. اتجه إلى الراديكالية في الطرح، وانتشرت معه أو حوله المنظمات والحركات "المتطرفة"، ومنها من ارتبط أو ناضل تحت اسم وشعار رفض العولمة فسمّوا أنفسهم "مناهضو العولمة". ويساريون آخرون قبلوا بما جرى واستوعبوا الأحداث، دعوا إلى التجديد في الفكر والممارسة، يحاولون ايجاد المساحة اللازمة لإبراز التمايز. هؤلاء وقعوا في فخ النظام العالمي المُستجد مع إعلامه الذي جهد لإبراز "اليسارَيْن السابقين" بتطرفهما المتناقض. لهذا الأخير نتوجه في هذا النص لنفكر سوية بالحلول المناسبة.
على الضفة المقابلة: ما تميز به النظام العالمي الجديد هو كثرة الحروب والفقر والبطالة؛ لقد افتتح عهده بالحرب على العراق سنة 1991، وبإطلاق مفاوضات سلام في الشرق الأوسط في ظل اختلال موازين القوى لصالح قوى الاحتلال فحوّلها إلى مفاوضات استسلام. اندلاع الحروب الطائفية والمذهبية والعرقية واستعارها في وسط أوروبا، يوغسلافيا، في القوقاز، في افريقيا، في وسط آسيا، بالإضافة إلى تطويع بقية المناطق في العالم من خلال الوجود العسكري المباشر... هذا ما أنتجه ولم ينته أو يكتمل بعد.
من هذا الواقع، إذن، سنحاول المقاربة، ومن ضفتي الصراع والتناقض سنقارب الأمور، نناقشها، نحللها على أمل اكتشاف بعض اتجاهات الحلول المطلوبة:
Page 4
أولاً: في أزمة الفكر اليساري
في البداية لا بد من الملاحظات التالية:ژ1 إنَّ هذا الموضوع أو الإشكالية المطروحة ليست إلا مجرد أفكار تطرح للنقاش، أي بمعنى آخر هي أفكار لم تكتمل بعد، وهي بحاجة إلى نقاش ضروري ومكثّف وعقلاني لاستكمال عناصر فهمها، لتصبح مقاربات أولية في عملية إعادة بناء فكر عالمي يساري جديد قادر أن يصبح بديلاً للسائد والمهيمن.
ژ1 إنَّ الأزمة المطروحة للنقاش، أي "أزمة الفكر البديل" لا تُختصر بفئة معينة، أعني بهم "المتضررين مما هو قائم"، وإنما تطال الجميع. هناك أزمة عامة قبل أن تكون "أزمة فكر"، وباعتقادنا أنها أزمة "النظام العام" (2)، أي النظام المكوّن للواقع السياسي والثقافي والفكري والاقتصادي، وبذلك سنناقش من خلال هذه المحاولة الظواهر المرافقة والنتائج المترتبة ومحاولة استشراف البدائل أو اقله ملامسة اتجاهاته.
ژ1 إنَّ بعض أهداف هذه المحاولة، ولنقل ذلك بشكل متواضع، يتمثّل بإجراء مقاربة لما هو مطروح سواء أكان فكراً أو ممارسة، من خلال دراسة النظم المكوّنة، أي بمعنى آخر في النظرية والتطبيق والممارسة. بذلك نكون، ومن منطلق إعادة النقاش إلى أساسه قد أعدنا الاعتبار للفكر الإنساني بالمعنى العام، والذي يحتل الفكر اليساري موقعاً أساساً فيه، أو أقله أحد مكوّناته، ومن هنا يمكن طرح السؤال التالي: هل فعلاً هناك أزمة فكر؟ وهل الفكر اليساري في أزمة؟
سؤال يبدو للوهلة الأولى بديهياً وذلك لسببين: الأول لكثرة من طرحوا هذا السؤال، و الثاني لأن المفهوم والواقع السائد ارتباطاً بالانهيارات الكبرى التي حدثت في أواخر القرن الماضي يبيّنان أن الجواب بديهي أيضاً. لذلك نرى أن محاولة إعادة طرح السؤال أو النقاش تحمل وجهين: الأول: لإعادة فهم ما حصل و الثاني: لإعادة تكوين المكوّن أصلاً ببعض النظريات والمنظرين على ضفتي الواقع الفكري الأيديولوجي والسياسي - أي في حقليّ الصراع التاريخي بين معسكري الرأسمالية من جهة والآخرين، بغض النظر عن ماهيتهم، من جهة أخرى. إنَّ التصدي لإشكالية إعادة نقاش واقع مأزوم بوجوده وشخصيته، تاريخه وحاضره، ليست سوى مسألة تحتمل أوجهاً عدة، منها الفشل والتكرار، ولكن وجوب إعادة الاعتبار إلى مفهوم "إعادة التوازن" -أقله في المرحلة الأولى- لهذا الاختلال الحاصل كماً ونوعاً وممارسةّ في الحياة العامة، بات ضرورة موضوعية حتمية وملحة نظراً لأن هذا "اللاتوازن" يهدد في حال استمراره إرساء حالة ثابتة للواقع المتغير أصلاً في ذاته وطبيعته، ويمكن، كذلك، أن يؤدي إلى اختفاء عنصر وجوده ومبرره المجسد بالآخر، سواء أكان فكراً أو وجوداً مادياً، وفي مرحلة لاحقة إلى إعادة حركة التاريخ إلى حالتها الطبيعية (هنا الإشارة إلى أن هذا لا يعني بأننا خارج حركة التاريخ!). نعني بالحالة الطبيعية، الحالة التي تكون فيها الوقائع المعاشة سبباً لتكوين العقل الجماعي المؤلف في طبيعته للواقع الجماعي، وهذا ما انحرفت عنه تجارب الأعوام الماضية بحيث أصبحت مسببات إنتاج العقل الجماعي محصورة في فئة معينة ومكان معين يوزع "جدول العمل" على الجميع للتنفيذ من دون مشورة أو استئذان (3).
من هذا المنطلق فإن إعادة طرح الإشكالية من خلال أزمة اليسار يعني الطرح الأوسع والأشمل "للنظام العام" الذي يتحكم بمفاصل تطور الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية في عالم تسوده "الثقافات القديمة" المتجددة في طبيعتها وأهدافها. بذلك يكون العامل المؤثر في إعادة إنتاج تلك الثقافات هو المصلحة بحدّ ذاتها. ولقد وجب، إذن، على أصحاب تلك المصلحة أن يكونوا أول من يناقشها، ولا بد من الإشارة هنا إلى وجود أكثر من صاحب مصلحة. بذلك يكون اليسار أحد أصحاب هذه المصلحة، ولكن لماذا؟ وهنا التساؤل الثاني: دائماً اليسار يناقش هذه القضايا من واقع أزمته، أي لماذا يقدم أزمته في النقاش أو يحصرها فيه من دون غيره؟ سؤال يتطلب التبصر قبل الإجابة لأنه في شقّي الإجابة، أي أنه فعلاً مأزوم، ولا بد له ولن يستطيع إلا أن يفعل ذلك. لذلك يجب الانتباه لما يقال وضرورة نقاشه بشكل هادئ وموضوعي لكي لا نقع مجدداً في دائرة المساهمين في زيادة مشاكل اليسار التي هي في أصل وجودها كثيرة. من هذا المنطلق سنحاول الدخول في فهم تلك الأزمة من زاوية تحديد الهوية والوظيفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لليسار وارتباطها بمصالح طبقية وشعبية تخص أكثر من فئة من الناس.
المفهوم والهوية
لا بد من خلال مناقشة أزمة أي فكر أو أيديولوجيا من أن نسلّط الضوء على ما تعنيه هذه الأزمة، ما مصدرها وإلى ماذا سوف تؤدي. بذلك تكون مناقشة هذا الموضوع عملياً إعادة طرح ماهيته وتحديد أهدافه، أي بمعنى آخر إعادة طرح التعريف من خلال مناقشة الأزمة؛ فعملية الفصل بين المفهوم والممارسة هي بحد ذاتها أساس في طرح المشكلة، فأزمة اليسار إذا أخذناها من خلال تعريف الوظيفة السياسية لهذا المشروع، نرى عندئذٍ أن مناقشة الأزمة تتعدى المفهوم إلى العمل أو الواقع، وبذلك نكون قد بدأنا الخوض في نقاش النظام العام المؤلف من عدة أجزاء وأقسام، وبطبيعة الحال فإنَّ هذا اليسار هو مكوّن من مكوناته. لذلك فإنَّ طرح المشكلة كمشكلة خاصة باليسار، فقط، هي كمن يعزل هذا اليسار عن الواقع العام، وهذا بطبيعته غير صحيح، أو حصر المشكلة والأزمة فقط باليسار وهذا تجن ٍ على هذا الأخير. من هنا، فإنَّ طرح الإشكالية يجب أن يكون من خلال طرح أزمة النظام العام المرتبط أصلاً بتطور النظم المحددة والضابطة لآليات تطور الفكر والسياسة والأيديولوجية وعلم الاجتماع.
هذا الطرح يؤدي، إذن، وفي ظل واقع مأزوم بطبيعته، إلى تعميم الأزمة، وبذلك يكون التصدي ولو لجزء من هذه الأزمة، نعني به اليسار، من خلال مقاربات بدائل للنظام المأزوم أوعلى الأقل آليات تصدي لهذه الأزمة. عندئذ يكون طرح أزمة اليسار هو مسألة طبيعية وواجبة.
إنَّ إعادة التمركز والتموضع اليساري اليوم ناتج من خلال بعض الأمور التي يعتقدها أهل اليسار في أساس هويتهم الفكرية والسياسية، ونعني هنا الانحياز إلى الفئات الأكثر تضرراً والأكثر تهميشاً على الصعيد الاجتماعي وهذا صحيح بالأساس. لكن السؤال الإشكالية اليوم هو كيف يمكن إعادة توصيف هذه الهوية الاجتماعية في ظل التحولات الجذرية الناتجة عن تغيرات في الواقع العام - بيولوجياً إن صح التعبير (4)؟ - أي عملية التحوّل الناتجة عن التغير بفضل منطق الحياة والتطور بحد ذاتها، وليس فقط بفضل التطورات والتغيرات الاجتماعية والسياسية والجيوسياسية. من هنا فإنَّ إعادة التمركز تكون في موضع الخلل بهدف إصلاحه أو تعطيل مفاعيله في صلب نقاش أهل اليسار، سواء من خلال تحديد الهوية والوظيفة لهذا اليسار اللتين تسمحان بفهم خارطة طريق التطور الفكري والثقافي والبعد الاجتماعي، وبعدها يحدد هذا اليسار موقعه لينطلق في حمل لوائها والدفاع عن تلك الفئات التي تربى ونشأ حاملاً لواءها، وناطقاً باسمها.
Page 5
في الواقع السياسي-الفكري وتطوره
إنَّ أحداثاً كبيرة وهامة كانهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية السابقة قد أسهمت وبشكل حاسم في أزمة اليسار. فهذا الانهيار قد أدى بحسب بعض اليساريين إلى انهيار للمنظومة الفكرية والأيديولوجية التي على أساسها قامت الفكرة وكان التطبيق، وأيضاً بحسب منظري من هم في الموقع النقيض المقابل الذين بشروا بنهاية التاريخ وبانتهاء الصراع الأيديولوجي وإعلان الانتصار الحاسم والتاريخي للفكر الرأسمالي كحالة أبدية بحكم إنسانيتها وحيويتها ودفاعها عن القيم الإنسانية على ما يدعون. إنَّ هذا الانهيار، برأينا، قد شكل حدثاً لا يمكن التغاضي عنه، وهو أساسي ومحوري عند مناقشة أي مقولة أو حالة تخص الأزمة الحالية. ولكننا، بعيداً عن موقع الدفاع أو التبرئة والتبرير، سنحاول إرجاع سبب الانهيارات، خاصة في المنظومة الفكرية للاشتراكية واليسار بشكل عام إلى ما قبل هذا التاريخ، أي إلى التاريخ الذي كان خلاله بعض "متسولي اليسارية والاشتراكية" -المنظرين للأزمة الحالية- يحمّلون النموذج الساقط المسؤولية ويعفون أنفسهم منها. هؤلاء أنفسهم كانوا يراهنون على العكس، أي على انهيار الرأسمالية ودائماً حجتهم كانت التحليل الماركسي القائم على المادية التاريخية القائلة بحتمية الصراع الطبقي وانتصار الاشتراكية بحكم الواقع والتطور التاريخي ونضال الطبقة العاملة التي ادعت بعض النخب السياسية تمثيلها والنطق باسمها.إذن، وبالعودة إلى ذلك التاريخ "المميز" لمنظّري الانتصار الحتمي والتاريخي، ذلك التاريخ الذي نقصده هو نهاية ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، يوم كان الاتحاد السوفياتي "العظيم" يحقق "الانتصارات"؛ وهنا يمكن التوقف عند عدة تواريخ شكلت بداية انعطاف حاد في مسار الصراع التقليدي بشكل عام، وبداية انحراف في منظومة الفكر السائد خلال القرنين الماضيين اللذين تميزا بحتمية الصراع "الأخلاقي" بين منطق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات والمساواة، ومنطق الاستئثار والحروب ورأس المال. هذا الانحراف لم يحدث لأن مفاعيله قد انتفت بانتفاء الحاجة والحجة، بل بالعكس لأنَّ الحاجة إلى تلك الأمور، وذلك المنطق هي أكثر ضرورة، وخاصة في ظل السيطرة الحاسمة والعامة لرأس المال المتفلت أصلاً من كل ضوابطه وكل "أخلاق"، بالإضافة إلى الفضاء والحدود المفتوحة ولو بشكل أحادي، أي دائماً في اتجاه سلب الطبقات الفقيرة، ليس فقط ما تملكه من أمور مادية وإنما تعدى ذلك إلى سلب أفرادها أحلامهم في إحداث التغيير ولو لحياة تعادل "الأنسنة". لقد شهدت نهاية السبعينيات عدة تحولات سياسية أثرت، وبشكل كبير، على تطور الأحداث اللاحقة، كما أثرت، وبشكل أساسي، على مستقبل الصراع الذي كان دائراً في ذلك الوقت، وأبرز تجلياته الحرب الباردة. إنَّ انتصار الثورة في إيران ودخول السوفيات إلى أفغانستان ووصول يوحنا بولس الثاني بابا لروما، وحركة التضامن في بولونيا، وتحريك ملف حقوق الإنسان في المعسكر الاشتراكي، وتوقيع اتفاقيات كمب دايفيد بين مصر وإسرائيل... وغيرها من الأحداث مع ما رافقها من حروب وأبرزها الحرب الإيرانية العراقية، وبعض الحروب التي غلب عليها الطابع الديني والعرقي والمذهبي، قد طبعت ذلك الوقت بطابع الانتقال من مرحلة الصراع الأيديولوجي والفكري، وأحياناً الطبقي، إلى حقل صراع آخر تجلى بمجموعة سلوكيات أسست إلى مرحلة لاحقة أنتجت انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية وأنتجت، فيما بعد، مصطلحاً جديداً على القاموس السياسي الحالي، وهو النظام العالمي الجديد مترافقاً مع "الحرب ضد الإرهاب" المعلنة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. إنَّ تأثير تلك الأحداث لا يبدو في الشكل، عاملاً محدداً ومؤثراً على مجريات تطور الأحداث، ولكن إذا دققنا أكثر في طبيعة تلك الوقائع وامتداداتها وما رافقها من خطاب سياسي مستجد نرى خطورة ما جرى وما يجري.
إنَّ الخطاب السياسي الذي رافق تلك الفترة قد أسس لمفهوم جديد أضفى على الحياة السياسية مفردات جديدة وواقعاً غريباً بعض الشيء عن السياق الطبيعي لتطور الأمور. ألم يتحدث الرئيس الأميركي الراحل ريغان عن "امبراطورية الشر" المتجسدة بالاتحاد السوفياتي وحلفائه؟ ألم يتكلم الأميركيون والعرب "المعتدلون" وغيرهم عن "الحرب المقدسة" ضد الالحاد الشيوعي في أفغانستان وأرسلوا المتطوعين للجهاد في سبيل الله؟ ألم تتحدث الثورة الايرانية عن ولاية الفقيه وعن الشيطان الأكبر عند وصف أميركا والشر المطلق عن اسرائيل؟ ألم يتحدث بابا روما عن ضرورة الخلاص من أنظمة الكفر والابتعاد عن الله في أوروبا الشرقية وعمل على إثارة القلائل ليحرر تلك المنطقة من الفكر الالحادي ويعيدها إلى كنف الله؟ ألم يصبح خطاب الممانعة والتناقض الأيديولوجي خطاباً تصالحياً بعد توقيع كمب داي؟يد، ويصبح بموجبه العرب عربين: الاعتدال والصمود والتصدي...؟ ولكن لماذا استجدت هذه المصطلحات والمفردات وبهذه الطريقة في الخطاب السياسي؟ لماذا لم تلق الاهتمام والدراسة خصوصاً من قبل المفكرين اليساريين والماركسيين؟ ألم يلفت نظرهم هذا التراكم في كم ونوع الأحداث التي جرت وأدت إلى تلك المتغيرات. أتراهم كانوا غافلين عما جرى؟ هذا الأمر سنعود اليه مفصلاً في الآتي من الكلام.
إنَّ بروز تلك العوامل في الخطاب السياسي-الفكري قد أضفت حالة جديدة تم بموجبها اختتام مرحلة الصراع الطبقي-الأيديولوجي التي طبعت نضال أكثر من قرنين من الزمن، وافتتحت عصراً جديداً قائماً على مفردات تمّت استعارتها من قواميس كان قد فاتها الزمن، وتواكبت مع سياسة الانفتاح الاقتصادي والمعولم. لم تحظ تلك المرحلة بدراسة معمقة لمجريات هذا التبدل الذي حصل، وإنما كان منطق الحرب الباردة هو من غلب عليها مما اتاح للرأسمالية اختيار عدة العمل الجديدة لاستعمالها فيما بعد. إنَّ غياب التحليل والنظرة اليسارية عن أحداث تلك المرحلة كان له الأثر السلبي الكبير على كل ما تلاها من تطورات، ويمكن القول أنَّه لو تمّ التنبه لما كان يجري لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا اليه لاحقاً. إنَّ ما يميز الفكر اليساري-الاشتراكي هو المنهج العلمي القائم على التحليل والتبسيط والتركيب وإعادة الإنتاج، وهذا ما جعل منه أداة فاعلة للتغيير في كل المجتمعات، وجعله ملهماً لكل حركات التحرر الوطني، وبديلاً لكل النظم الظالمة والمستبدة. ولكن بالمقارنة البسيطة نرى الرأسمالية تنجح دائماً في إعادة انتاج ذاتها من دون مشاكل، لا بل يمكن القول، تستطيع أن تحمِّل الطرف المقابل لها نتائج فشلها ومشاكلها وإعادة تكوين آلياتها بشكل مرن يراعي دائماً التحولات والتبدلات على مختلف الصعد وفي مطلق الأحوال والظروف.
إنَّ غياب العمل التحديثي وأحياناً الاستقرائي في الفكر الاشتراكي قد جعل من ذلك الفكر اطاراً جامداً ثابتاً يدخل في أدبيات محددة ومقوننة، وأحياناً مقدساً إن لم نقل الجمود ولا ندري لماذا! نخشى أن يكون ذلك انتفاءً للبديل أو عدم تبلور فكر آخر. لقد نجحت الرأسمالية في إعادة انتاج نفسها بشكل أكثر خطورة وتوحشاً، وقد تجلى ذلك في الأحداث اللاحقة، ولم تنجح الاشتراكية في حماية نفسها من الانهيار؛ نقول ذلك وبكل مسؤولية في التحّمل والتقصير، ولكن ذلك ممكن الحدوث وقد حدث، ولكن أليس من المنطقي الآن، وبعد الذي جرى أن يُعاد انتاج ذلك الفكر الإنساني -الاشتراكي- الحالم بعالم أفضل والمنادي بالعدالة الاجتماعية والمساواة، بطريقة مختلفة عما سبق حيث يستفاد من الماضي بانتصاراته وهزائمه ويؤسس على أنقاض الانهيار محاولة انتاج بناء جديد قائم على مفهوم آخر ورؤية أخرى تأخذ بعين الاعتبار مجريات تطور الصراع، وتغّير من طبيعة القوى المتصارعة وآليات السيطرة والتحكم. ألم يحن الوقت لإعادة ذلك الفكر المتفاعل في أصله ومكوناته إلى مكانه في رسم منطق وأسس حياة فكرية تعيد الصراع إلى طبيعته الأصلية بعد الانحراف الذي أصابه، وهذه الاعاقة المستمرة لخط التمايز والاختلاف: برأينا أنه نعم. لذلك يجب المحاولة وتكرارها بهدف تجديدها والانطلاق بها نحو مستقبل زاهر وليس للاقامة في داخل أزمتها.
Page 6
لكن من الضروري والملحّ جداً عند تناول أزمة اليسار من زاوية ما أفرزته التطورات السياسية والفكرية التي طرأت على الخطاب السياسي الحالي بعد المتغيرات الكبرى التي عصفت بالعالم، والتي أتينا على ذكر بعضها فيما سبق، أن نذهب مباشرة إلى مقاربة بعض المفاهيم التي لا بد من توضيح ماهيتها ومدى تأثيرها على إعادة فهم القضايا المكوِّنة للفكر اليساري بشكل عام.
إننا نعيش اليوم في ظل "مفاهيم متغيرة لعالم متغير" والتي لم ترسُ بعد على وجه نهائي وثابت، وهذا بحد ذاته يمكن أن يشكل موضوعاً اشكالياً ليس طلباً لثباته وإنما لمواجهته. فهذا المتحرك دائماً يحمل في طياته أسباب اشكاليته، بمقاربة أكثر: هذا المتحرك ناتج عن دينامية في ذاته، وهذا أكيد، ولكن ما تنتجه هذه الدينامية المتسارعة في آلياتها يمكن أن تكسبه بعداً آخر بعيداً عن طبيعته الأصلية والتي أساسها حركة رأس المال المعروف سببها وهو السيطرة. إنَّ فقدان آلية السيطرة الضرورية في الواقع الموضوعي لتأبيد سيطرة رأس المال هي ما سيؤدي به إلى فقدانها، وهنا الإشكالية التي ستنتج عن ذلك، وهي عدم تمكن القوة المهيمنة على رأس المال وعلى آليات العولمة من ضمان تلك السيطرة بشكل ثابت ونهائي، وهذا سيؤدي حتماً إلى تسارع وتيرة هذه الحركة، ولو باشكال ظاهرها أكثر توحشاً ورجعية؛ وإذا ما أضفنا إليها حالة الانكماش الاقتصادي والمشاكل البيئية المهددة للعالم، وحالات بروز الانتماء العرقي والمذهبي وانتشاره كبديل للانتماء الوطني والانساني وتنامي ظاهرة التفرقة الاقتصادية الحادة ومعدلات النمو وضمور القيم والمفاهيم الإنسانية الكبرى التي قام على أساسها العالم في القرن الماضي، كل هذه الاشياء تجعل هذا الواقع مأزوماً بطبيعته وآلياته، وبالتأكيد بقواه المهيمنة.
هنا السؤال الأهم: أين اليسار من هذه الأزمة وتلك المفاهيم؟
يمكن القول، وبكل صراحة، أن هذا المسمى "يساراً" هو سبب من أسباب هذه الأزمة وهو في قلبها، ليس لمسؤولية مباشرة وإنما لعدم تمكنه من أن يكون في موقع المسؤولية. والمسؤولية هنا لا نريد أن نردّها إلى ما يتحدث فيه الكثيرون من منظّري الفكر الماركسي حول الانهيارات والجمود وليس لاعفائها، وإنما لمقاربة لب القضية وأساسها. أليس ملفتاً أو مستغرباً، إذا ما اتبعنا ما قلناه سابقاً عن مسؤولية النظام العالمي المعولم-الجديد عن سبب الأزمة الراهنة ومسؤوليته عن تفاقمها وعن هذا التناقض القائم، ألم نسمِّ هذا أزمة في أساس النظام، أي في بنيته الأساسية؟ كيف أننا نسمع اليسار وعلى امتداد العالم يناقش أزمته؟ لقد تحّول هذا النقاش بحد ذاته إلى أزمة ذات قيمة مضافة، لأنها زيادةٌ لأزمةٍ فوق الأزمة. ألن يُحدث هذا بما نسميه في أدبياتنا الماركسية تراكمًا؟، وهذه المرة سيكون مزدوجًا، أي كمياً وكيفياً بتأثيراتٍ تطال بنية هذا اليسار، وتحوّله عن مهامه وتحدث تغييرًا جوهرياً في طبيعته وآلياته... فإذا افترضنا أن الأزمة عامة، فلماذا إذن الانفراد بسبيل التفتيش عن أسباب هذه الأزمة؟ وأين يتم؟ أليس في قسمٍ أو جزءٍ من هذه الأزمة؟ إذن لماذا لا يتحمل الأزمة مسببها، أي بنية النظام العالمي المُسبب لها؟، سؤال تكمن إجابته في قدرة المسبب-وهنا نقصد النظام العالمي الجديد-المعولم- عن تحييد نفسه عن مسببات وتأثيرات هذه الأزمة من جهة، ولوجود من تبرع بأخذ المهمة عنه من خلال إلصاق نفسه وغوصه في نقاش أزمته، حتى ليكاد يكون هو الوحيد المأزوم، ونعني به اليسار. هنا برأينا تكمن المشكلة، وهنا واجب البحث فيها للوصول إلى مقاربة لحلّها، إن لم نقل أقله محاولة تحديدها. إنَّ الأزمة العامة المرتبطة في أزمة النظام العام، ترتب على قوى اليسار إعادة التموضع الفكري والسياسي بانحيازٍ تام، ودون لبسٍ إلى جانب صاحبي المصلحة وهم منهم، وإلى جانب المتضررين من النظام العام الحاكم اليوم لكي يكونوا جزءًا مكونًا من أساس المواجهة، باعتبارهم قوى محركة ومنحازة دائمًا إلى من هم في موقع الدفاع عن مصالحهم بغض النظر من هم، ولكن طالما هم في موقع الدفاع عن النفس، فهذا يعني أنه الانحياز الطبيعي إلى فئات مهمشة مستقلة في كيانها ووجودها وكينونتها، وهذه، في الأغلب، حال كل من تضرر اليوم من مفاعيل السياسة النيوليبرالية والحروب، وهي ديمقراطيات السوق الرائجة في هذه الأوقات تحت مسميات مختلفة، والتي انبهر بها بعض قادة اليسار، وحتى أنّهم غطّوا بعضها. لكننا سنكون من ذوي النيات الحسنة وسنقول إن بعضها قام بذلك عن عدم فهم أو قصور وبعضها الآخر عن عدم معرفة وجهل، ونخشى أن نقول بعضها عن قصد (5).
إذن من الضروري عودة اليسار إلى الحاضنة الاجتماعية له لتشكل هويته الفكرية ولتكسبه شرعيته ومشروعية التمثيل والدفاع عن مصالحها. كذلك يجب عدم الاكتفاء فقط بتحديد الهوية الاجتماعية وإنما يجب التفتيش عن الوظيفة، لأن تحديد الوظيفة التي وجب على اليسار امتهانها، تشكل الرافعة الثانية لإعادة الاعتبار لإحياء دور تلك الفئة الممثلة للواقع المأزوم-المهزوم في هذه الأيام. من هنا ضرورة التحديد في شكل العلاقة الواجب اتخاذها وواقع المكان والوضعية المطلوب الاضطلاع فيها. فلا يمكن أن يعاد تشكّل القوى الاجتماعية فقط من واقع الهيمنة للفئة الداعية، على اعتبار أن تحديد تلك الفئة خاضع دائماً لاعتبارات تكون بعيدة كل البعد عن الوظيفة الأساسية. لذلك ومن منطق إعادة إطلاق دينامية التشكيل وفق الحاجة والهوية والوظيفة يُفترض، وبالضرورة، حسن اختيار البرنامج والممارسة، وهذا يفرض، وبالتأكيد، تحديد ساحة المعركة وميدانها وموضوعها لكي لا يستدرج هذا اليسار، كما اليوم، إلى خوض معركة خارج الزمان والمكان الطبيعيين لها.
إنَّ إعادة دراسة ما استجد من تطوراتٍ في المجتمع، سواء من خلال إعادة فهم تلك المتغيرات، لا بد وأن يطرح مجموعة أسئلة واستفهامات تحدد من خلال أجوبتها جوهر ما نريد ان نُحدثه من تغيير. فهل مسألة الديمقراطية هي مسألة جوهرية وحتمية في الصراع؟ هل العولمة هي جزء من المشكلة أو من الحل؟ هل النظام العالمي الجديد هو مناقض للتطور التاريخي الطبيعي؟ أسئلة عديدة، ولكن في جوهر إجاباتها يمكن تحديد الخلل وموقع الحل، وهنا فإنَّ محاولة الإجابة عنها يمكن أن تحمل بطبيعتها حقيقة تشكل أو تبلور الواقع المأزوم حالياً بشقيّه-السلطوي الحاكم -المتحكم بالسيرورة والدينامية، والمحكوم بحكم سيطرة رأس المال والاستغلال على اعتباره حالةً مادية تنتقل ملكيتها من فريق إلى آخر أو من نظامٍ إلى غيره.
سنحاول إذن مناقشة تلك المسائل من خلال تحديد آلياتها ونظم ممارسة تلك الآليات سواء في مجال السيطرة أو تحمّل نتائج هذه السيطرة، في مجال الفعل أو في مجال من يقع عليه هذا الفعل. إننا نطمح في نهايته أن نطرح محاولة إحياء رؤيةٍ جديدة أو أقله مقاربات يمكنها إعادة النقاش إلى المربع الأول، أي إلى المكان الذي يحاول الجميع التمسك به من حيث التعبير عن نهاية التاريخ والصراع الإيديولوجي أو قيمة انتصار منطق التطور التاريخي؛ نطمح إذن للبدء، على الأقل، بتلمّس هذه الأشياء، والتأكد من أنها لا تزال تملك القدرة لإحداث نقلةٍ تفضي بالمأزق اليساري إلى شاطئ الأمان لتحديد انطلاقته ولإحداث الوظيفة المطلوبة منه.
إننا نعيش اليوم في ظل "مفاهيم متغيرة لعالم متغير" والتي لم ترسُ بعد على وجه نهائي وثابت، وهذا بحد ذاته يمكن أن يشكل موضوعاً اشكالياً ليس طلباً لثباته وإنما لمواجهته. فهذا المتحرك دائماً يحمل في طياته أسباب اشكاليته، بمقاربة أكثر: هذا المتحرك ناتج عن دينامية في ذاته، وهذا أكيد، ولكن ما تنتجه هذه الدينامية المتسارعة في آلياتها يمكن أن تكسبه بعداً آخر بعيداً عن طبيعته الأصلية والتي أساسها حركة رأس المال المعروف سببها وهو السيطرة. إنَّ فقدان آلية السيطرة الضرورية في الواقع الموضوعي لتأبيد سيطرة رأس المال هي ما سيؤدي به إلى فقدانها، وهنا الإشكالية التي ستنتج عن ذلك، وهي عدم تمكن القوة المهيمنة على رأس المال وعلى آليات العولمة من ضمان تلك السيطرة بشكل ثابت ونهائي، وهذا سيؤدي حتماً إلى تسارع وتيرة هذه الحركة، ولو باشكال ظاهرها أكثر توحشاً ورجعية؛ وإذا ما أضفنا إليها حالة الانكماش الاقتصادي والمشاكل البيئية المهددة للعالم، وحالات بروز الانتماء العرقي والمذهبي وانتشاره كبديل للانتماء الوطني والانساني وتنامي ظاهرة التفرقة الاقتصادية الحادة ومعدلات النمو وضمور القيم والمفاهيم الإنسانية الكبرى التي قام على أساسها العالم في القرن الماضي، كل هذه الاشياء تجعل هذا الواقع مأزوماً بطبيعته وآلياته، وبالتأكيد بقواه المهيمنة.
هنا السؤال الأهم: أين اليسار من هذه الأزمة وتلك المفاهيم؟
يمكن القول، وبكل صراحة، أن هذا المسمى "يساراً" هو سبب من أسباب هذه الأزمة وهو في قلبها، ليس لمسؤولية مباشرة وإنما لعدم تمكنه من أن يكون في موقع المسؤولية. والمسؤولية هنا لا نريد أن نردّها إلى ما يتحدث فيه الكثيرون من منظّري الفكر الماركسي حول الانهيارات والجمود وليس لاعفائها، وإنما لمقاربة لب القضية وأساسها. أليس ملفتاً أو مستغرباً، إذا ما اتبعنا ما قلناه سابقاً عن مسؤولية النظام العالمي المعولم-الجديد عن سبب الأزمة الراهنة ومسؤوليته عن تفاقمها وعن هذا التناقض القائم، ألم نسمِّ هذا أزمة في أساس النظام، أي في بنيته الأساسية؟ كيف أننا نسمع اليسار وعلى امتداد العالم يناقش أزمته؟ لقد تحّول هذا النقاش بحد ذاته إلى أزمة ذات قيمة مضافة، لأنها زيادةٌ لأزمةٍ فوق الأزمة. ألن يُحدث هذا بما نسميه في أدبياتنا الماركسية تراكمًا؟، وهذه المرة سيكون مزدوجًا، أي كمياً وكيفياً بتأثيراتٍ تطال بنية هذا اليسار، وتحوّله عن مهامه وتحدث تغييرًا جوهرياً في طبيعته وآلياته... فإذا افترضنا أن الأزمة عامة، فلماذا إذن الانفراد بسبيل التفتيش عن أسباب هذه الأزمة؟ وأين يتم؟ أليس في قسمٍ أو جزءٍ من هذه الأزمة؟ إذن لماذا لا يتحمل الأزمة مسببها، أي بنية النظام العالمي المُسبب لها؟، سؤال تكمن إجابته في قدرة المسبب-وهنا نقصد النظام العالمي الجديد-المعولم- عن تحييد نفسه عن مسببات وتأثيرات هذه الأزمة من جهة، ولوجود من تبرع بأخذ المهمة عنه من خلال إلصاق نفسه وغوصه في نقاش أزمته، حتى ليكاد يكون هو الوحيد المأزوم، ونعني به اليسار. هنا برأينا تكمن المشكلة، وهنا واجب البحث فيها للوصول إلى مقاربة لحلّها، إن لم نقل أقله محاولة تحديدها. إنَّ الأزمة العامة المرتبطة في أزمة النظام العام، ترتب على قوى اليسار إعادة التموضع الفكري والسياسي بانحيازٍ تام، ودون لبسٍ إلى جانب صاحبي المصلحة وهم منهم، وإلى جانب المتضررين من النظام العام الحاكم اليوم لكي يكونوا جزءًا مكونًا من أساس المواجهة، باعتبارهم قوى محركة ومنحازة دائمًا إلى من هم في موقع الدفاع عن مصالحهم بغض النظر من هم، ولكن طالما هم في موقع الدفاع عن النفس، فهذا يعني أنه الانحياز الطبيعي إلى فئات مهمشة مستقلة في كيانها ووجودها وكينونتها، وهذه، في الأغلب، حال كل من تضرر اليوم من مفاعيل السياسة النيوليبرالية والحروب، وهي ديمقراطيات السوق الرائجة في هذه الأوقات تحت مسميات مختلفة، والتي انبهر بها بعض قادة اليسار، وحتى أنّهم غطّوا بعضها. لكننا سنكون من ذوي النيات الحسنة وسنقول إن بعضها قام بذلك عن عدم فهم أو قصور وبعضها الآخر عن عدم معرفة وجهل، ونخشى أن نقول بعضها عن قصد (5).
إذن من الضروري عودة اليسار إلى الحاضنة الاجتماعية له لتشكل هويته الفكرية ولتكسبه شرعيته ومشروعية التمثيل والدفاع عن مصالحها. كذلك يجب عدم الاكتفاء فقط بتحديد الهوية الاجتماعية وإنما يجب التفتيش عن الوظيفة، لأن تحديد الوظيفة التي وجب على اليسار امتهانها، تشكل الرافعة الثانية لإعادة الاعتبار لإحياء دور تلك الفئة الممثلة للواقع المأزوم-المهزوم في هذه الأيام. من هنا ضرورة التحديد في شكل العلاقة الواجب اتخاذها وواقع المكان والوضعية المطلوب الاضطلاع فيها. فلا يمكن أن يعاد تشكّل القوى الاجتماعية فقط من واقع الهيمنة للفئة الداعية، على اعتبار أن تحديد تلك الفئة خاضع دائماً لاعتبارات تكون بعيدة كل البعد عن الوظيفة الأساسية. لذلك ومن منطق إعادة إطلاق دينامية التشكيل وفق الحاجة والهوية والوظيفة يُفترض، وبالضرورة، حسن اختيار البرنامج والممارسة، وهذا يفرض، وبالتأكيد، تحديد ساحة المعركة وميدانها وموضوعها لكي لا يستدرج هذا اليسار، كما اليوم، إلى خوض معركة خارج الزمان والمكان الطبيعيين لها.
إنَّ إعادة دراسة ما استجد من تطوراتٍ في المجتمع، سواء من خلال إعادة فهم تلك المتغيرات، لا بد وأن يطرح مجموعة أسئلة واستفهامات تحدد من خلال أجوبتها جوهر ما نريد ان نُحدثه من تغيير. فهل مسألة الديمقراطية هي مسألة جوهرية وحتمية في الصراع؟ هل العولمة هي جزء من المشكلة أو من الحل؟ هل النظام العالمي الجديد هو مناقض للتطور التاريخي الطبيعي؟ أسئلة عديدة، ولكن في جوهر إجاباتها يمكن تحديد الخلل وموقع الحل، وهنا فإنَّ محاولة الإجابة عنها يمكن أن تحمل بطبيعتها حقيقة تشكل أو تبلور الواقع المأزوم حالياً بشقيّه-السلطوي الحاكم -المتحكم بالسيرورة والدينامية، والمحكوم بحكم سيطرة رأس المال والاستغلال على اعتباره حالةً مادية تنتقل ملكيتها من فريق إلى آخر أو من نظامٍ إلى غيره.
سنحاول إذن مناقشة تلك المسائل من خلال تحديد آلياتها ونظم ممارسة تلك الآليات سواء في مجال السيطرة أو تحمّل نتائج هذه السيطرة، في مجال الفعل أو في مجال من يقع عليه هذا الفعل. إننا نطمح في نهايته أن نطرح محاولة إحياء رؤيةٍ جديدة أو أقله مقاربات يمكنها إعادة النقاش إلى المربع الأول، أي إلى المكان الذي يحاول الجميع التمسك به من حيث التعبير عن نهاية التاريخ والصراع الإيديولوجي أو قيمة انتصار منطق التطور التاريخي؛ نطمح إذن للبدء، على الأقل، بتلمّس هذه الأشياء، والتأكد من أنها لا تزال تملك القدرة لإحداث نقلةٍ تفضي بالمأزق اليساري إلى شاطئ الأمان لتحديد انطلاقته ولإحداث الوظيفة المطلوبة منه.
Page 7
ثانياً: في أزمة الفكر الرأسمالي
إنَّ ما نريد طرحه هنا ليس تكراراً أو سرداً لواقع بات معروفاً، وإنما لمناقشة الواقع الموجود والسائد بطريقة نستطيع معها ادراك الخلل وكذلك البديل في الوقت نفسه. من هنا فإنَّ ما سنتناوله هو اتجاهات فكرية ومفاهيم وقيم نعود اليها لاحقاً بالتفصيل.لقد بات معروفاً ومعاشاً خصوصاً في العقدين السابقين أننا نعيش تحت سلطة اعتقدت نفسها منتصرة أبدياً، سلطة حاولت إدارة العالم بصورة مختلفة وبنظام وفكر جديدين. إنَّ ابرز تجليات هذا الجديد هو اللجوء إلى آليات محددة يستطيع من خلالها، حسب اعتقاده، حكم العالم. فمن السوق العالمي الذي أرادوا فرضه إلى الترابط الإنتاجي بين المؤسسات والدول والقارات وصولاً إلى التحكم والسيطرة، نهج أدّى إلى بروز نظام عالمي ومنطق جديد وبناء آخر للسلطة. ببساطة، هو شكل مُحدث للسيادة أو فهم آخر لها، وللديمقراطية وللدولة وغيرها من القضايا والأمور التي تدخل في تكوين آليات المجتمعات الإنسانية وطريقة ادارتها. إنها العولمة التي برزت كشكل آخر وبديل لما كان سائداً، إنها المعطى السياسي والاقتصادي الذي حاول تنظيم عملية التبادل والعلاقات الدولية ومستلزماتها، إنها السلطة "السيدة" والسائدة التي تحكم بالعالم وتتحكم به، إنها الشاهد والمسبب لعجز الدولة-الأمة (6) عن السيطرة على مكوناتها وحل المشاكل المترتبة عليها، هي المسببة لتدهور وإفلاس القيم أمام منطق التكيّف مع متطلبات السوق والواقع العالمي الجديد. هذا بعض من واقع استجد بفعل المتغيرات، واقع فرض نمطية حركته على جميع المستويات وفي جميع الظروف، واقع أراد له أصحابه أبدية دائمة. بالمقابل يجب أن لا نأخذ هذا الواقع كواقع ثابت غير قابل للنقاش الذي يؤدي إلى نتائج ثابتة ونهائية، بل يجب أخذه كواقع متحرك لمنظومة أفكار وقيم وحتى مفاهيم تتعدد بتعدد مصادرها وتختلف باختلاف وجهة استعمالها وكيفية استخدامها؛ واقع أثبت عجزاً كبيراً في الكثير من الأمور، وأثبت أيضاً أنه واقع مأزوم. من هذا المنطلق سنحاول عرض أبرز مظاهر تجليات ازمته الراهنة في قضايا منها ما كان جوهرياً في خطابه السياسي ومنها ما هو على نقيض مما كان يُطرح. قضايا اعتقدها أنها تابعة له أو أنَّ له حصرية الدفاع عنها أو تبنيها.
أزمة القيم والمفاهيم
لقد مرت الرأسمالية خلال تاريخها المعاصر بعدة مراحل وتحولات، ولكل مرحلة وضعيتها وأساليبها وشعاراتها، المشترك فيها هو العداء المستحكم للتغيير وللطبقات الفقيرة. لقد تميزت مراحل الرأسمالية بحدة الصراع العالمي وتوسعه ليشمل أماكن ومناطق واسعة ويستخدم أساليب مختلفة في الشكل والمضمون. فإذا أخذنا مثلاً مرحلة القرن العشرين لوجدنا أنَّ للرأسمالية ثلاث مراحل تميزت فيها مع اختلاف في الظروف وطبيعة الصراع:
- المرحلة الأولى: هي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وتميزت بالصراعات الكبرى في الطبيعة والقوى، ما بين امبراطوريات استعمارية آفلة وأخرى مستجدة، صراع على النفوذ والسيطرة أو لنقل، عند بعضهم من أجل البقاء. شعارات تلك المرحلة انتقلت من الحرية إلى التحديث، فالمدنية، فالحضارية. إنها مرحلة صعود الاستعمار الجديد بصيغتة المُعدلة أي تحت حجة تطوير الشعوب وتحديثها. جوهر هذه القضية لم يكن كذلك، وإنما كان بكل بساطة وضع اليد وتقاسم النفوذ. تميزت أيضاً بصعود اليمين الفاشي والنازي وسيطرة النزعة القومية، وأيضاً بالأزمة الاقتصادية العالمية (7). هذا الواقع أسس للحرب العالمية الثانية. إنَّ ما يميز تلك المرحلة هو الخطاب السياسي المرافق من حيث الشكل والمضمون والنتائج: فخطاب الحداثة تحول إلى استعمار، والسلام إلى إعادة انتاج حرب أكثر شراسة، والرخاء ومحاربة الفقر إلى أزمة اقتصادية قضت على أي أمل في انتاج نظام اقتصادي عادل وقوي. إنها بكل بساطة لعبة الشعارات الكبرى والقيم في خدمة المصالح.
- المرحلة الثانية: هي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتميزت بالانقسام الدولي حول معسكرين: الاشتراكي من جهة والرأسمالي من جهة أخرى، وبإنشاء المنظمات الدولية من أمم متحدة إلى مجلس الأمن. شعارات تلك المرحلة انتقلت إلى موقع متقدم ومختلف، فأصبح شعار التحرر الوطني ملازماً للمعسكر الاشتراكي والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان مرادفاً للآخر. وقع العالم مجدداً في فخ اللعبة الكبرى الناتجة عن صراع الكبار وصراع النفوذ. فليست كل معارك التحرير الوطني كانت كذلك كما أنَّ شعارات العالم الحر التي أطلقتها الامبريالية الغربية لم تكن هي الهدف المنشود، بحيث أنَّ سلوك من تلطّى خلف هذه الشعارات خلال تلك المرحلة يشهد على ذلك. لقد جرى، وبصورة أكثر وضوحاً، استخدام تلك القيم مجدداً في لعبة المصالح ولخدمة أصحابها. إنَّ الخطاب السياسي الذي خرجت به تلك الفترة كان أكثر راديكالية في مقاربته للأمور. لقد افصح عن نيّاته بكل وضوح ومن دون مواربة. لقد أنهى عهد الصراعات والمصالح المتعددة وأرسى عهد الانقسام السياسي الثنائي، وجعل كل متطلبات الحياة العامة تخضع لمفاعيل هذا الانقسام. ولقد اتسمت تلك الفترة بصفتي التوازن والتعطيل.
- المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ما بعد الانهيارات، مرحلة أسست لعالم أحادي القطب والشعارات حيث عادت شعارات الحداثة إلى الواجهة مع نسخة أكثر تطوراً. إنها مرحلة المشاريع الكبرى المجسدة في منطق العالم المعولم والقرية الكونية. إنها عولمة السياسة والاقتصاد والإعلام والأسواق والقيم والقانون، إنها صراع الحضارات... إنها عولمة كل شيء. واقع أفرز بطبيعته لاعبين جدداً وأساليب جديدة وقضايا أيضاً جديدة، ولكن بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. إنَّ الخطاب السياسي المرافق لهذه المرحلة اتسم بالكثير من العنف والضراوة نظراً لحجم الأحداث التي وقعت، وكثرة الحروب التي اندلعت. لقد أنهى عهد الانقسام الثنائي ولكن أيضاً عهد التوازن الذي ضبط طبيعة وكمية الصراعات والحروب وحجمها. هذا الواقع الذي انتقلت إليه الرأسمالية بعد سيطرتها وسيادتها على العالم، أنتج خطاباً سياسياً يعتمد على الخطاب السابق نفسه ولكن مع بعض التعديلات التي طالت شكله وتسمياته. لقد انتقلنا من عهد المعسكرين وجدار برلين إلى عهد العالم المفتوح فقط أمام رأس المال والجيوش، من عهد الصراعات السياسية إلى عهد الصراعات الدينية والاثنية ومن عهد حروب التحرر الوطني إلى محاربة الإرهاب المُعدّ والمُصنّع بتوجيهات من يدّعون ويدعون إلى محاربته.
Page 8
هذا هو الواقع الذي أنتجته رأسمالية القرن العشرين وما بعده، واقع أصاب العالم منه الكثير من الكوارث والمشاكل ولا يزال مستمراً. المتغير فيه هو طبيعة بعض القوى والاساليب، والثابت هو استخدام الشعارات واستغلال القيم في سبيل تحقيق المصالح. إذن من جديد، يقع العالم تحت وهم الحداثة وفخ العولمة وكذبة الديمقراطية. هذه الوقائع تعطي الصورة عن طبيعة الصراع وشكله الذي كان دائراً ومستمراً، مع الأسف، ولكن بصورة أكثر اختلافاً:
- الديمقراطية والحرية: ليس من الممكن تحديد أو تعريف الديمقراطية وذلك لاختلاف المعايير والأسس التي على اساسها قام هذا المفهوم منذ القدم حتى يومنا هذا (8). غير أن كثرة استخدام هذا المصطلح أوالمفهوم في الحياة السياسية وبطريقة «مؤشكلة» في هذه الأيام جعله موضوعاً «نقاشياً» لكثرة ما استخدم واستعمل في إطار النظام العالمي الجديد وفي زمن العولمة التي نعيش أكثر فصولها تعقيدًا أقله حتى الآن. إنَّ كثرة استخدام هذا المفهوم تعكس أزمة بنيوية، فكيف يجب التعاطي إذن؟ فكل النظم ديمقراطية، وكلها غير ديمقراطية! هنا اختلاط النقيض بالنقيض بحد ذاته، هو الإشكال والمشكلة، فلماذا إذن محاكمة هذا المفهوم كما لو أنه تعريف واضح ومحدد وعلى أساسه يتم التوصيف والحكم؟. أليس من الملفت للنظر أن هناك نظماً تخوض حروباً باسم فرض الديمقراطية، أو أنظمة توّصف أخرى أنها ديمقراطية أو لا ديمقراطية؟ أليس في هكذا تصرفات مخالفة أقله لما اتفق عليه من مفهوم للديمقراطية وربطه بمبدأ الحرية وحقوق الإنسان؟ إنه لمن الإجحاف بحق الديمقراطية إذا قبلنا بنسختها المعولمة أو رفضناها لأجل السبب ذاته، أي «لنسختها»، فمن الظلم تحميلها مساوئ ما نتج عن سوء استخدام النظام العالمي الجديد مع ما حمله من شعاراتٍ خاويةٍ من المضمون الطبيعي لهذا المفهوم. لذلك يجب فصل مناقشة فهم الديمقراطية عن الواقع المأزوم بالنسبة للمتضررين، والمزدهر بالنسبة لأصحابه، والمتجسدين دائمًا بأصحاب رأس المال المتفلت من كل أشكال الضبط والقوننة واستطراداً من كل ما يمت إلى فكرتَي الحرية والديمقراطية وارتباطهما بالقيم الإنسانية. إنَّ منطق العولمة السائد في هذه المرحلة، ونقصد به الاستعمار المتقدم في آلياته وسرعة سيطرته، هو منطق، بحد ذاته، مخالف لتلك القيم التي ذكرناها سابقًا: فاستلاب الشعوب حرياتها وثرواتها دائماً باسم نشر الحرية هو بحد ذاته مخالف، وفرض الديمقراطية والديمقراطيات بالقوة هو أيضاً مناقض لقيم تلك الديمقراطية، ولنقلها بشكل أوضح «الديمقراطية الغربية» لأن في ذلك توصيفًا لحالة -نموذج- حتى هذا النموذج يتناقض مع ما يفرض- ومن القوى الديمقراطية الغربية- نفسها ودائماً تحت مسميات وأشكال مختلفة، من حقوق الإنسان إلى إطلاق حرية الشعوب في التعبير عن آرائها بكل حرية ومن دون وصاية أو تدخُّل من أحد. فهل هذا ما يجري هنا؟ الجواب، وبكل وضوح، هو كلا!!. إذن إنها أولى الأزمات.
- الأقليمية أو "الأقلمة": هي من حيث الشكل والمضمون على نقيض تام مع نظام العولمة المعمول به في فترة ما بعد الانهيارات، ولكن من حيث الاستخدام والوظيفة فإنها من أبرز مرتكزات، ليس العولمة فقط، وإنما كل النظام السياسي والاقتصادي الجديد بنسخاته المطورة والمتلاحقة. للتذكير فقط: ما أُعلن عنه غداة انتهاء الحرب الباردة أنَّ عصراً جديداً سيبدأ، معالمه الانفتاح والحدود المفتوحة والغاء الحواجز المادية والفكرية وغيرها، إنه عصر القرية الكونية المفتوحة الفضاء والحدود إلى ما هنالك من أمور وقضايا تدخل تحت مسميات النظام العالمي الجديد والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا ما بشرنا به اصحاب نهاية التاريخ، لكن ما جاء بعده أفضى إلى شئ آخر وليست "الأقلمة" (من اقليم) إلا أحد تجلياته الواضحة والتي لا لبس فيها. إنَّ اسباب ظهور، أو لنقل بروز الدور الكبير لهذا المفهوم عائد إلى طبيعة المتغيرات السياسية والجيوسياسية التي ظهرت مؤخراً ومن ابرزها:
- ظهور اقطاب وتجمعات اقليمية جديدة، سياسية أو اقتصادية أو الاثنتين معاً (9)، وذلك ارتباطاً بانتهاء عالم القطبين الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية أو لأسباب جغرافية. هذا الظهور كان لاعتبارات تدخل في اهمية المتغيرات أو في النتائج والتداعيات التي حصلت، أو يمكنها أن تعود إلى طبيعة الصراعات التي اعقبت المرحلة السابقة مما استوجب إعادة صياغة تحالفات تأخذ المستجدات بعين الاعتبار.
- صعود دول جديدة مع امكانيات اقتصادية لا بأس بها تسمح لها بلعب دور اقتصادي وسياسي اقليمي (10). هذه الدول ربما وجدت الفرصة المناسبة لتقديم نفسها كعامل استقرار أو مساعدة أو لتقديم خدماتها في اطار ضبط الأمور المستجدة في منطقة وجودها. كما يمكن وضعها في خانة التناقض الرأسمالي-الرأسمالي الذي برز وبشكل كبير على مسرح الأحداث وارتباطه بالصراع على الأسواق والمواد الخام وحتى على النفوذ.
- الأهمية الاستراتيجية لبعض المناطق والتي اصبحت "مناطق ممنوعة" على بعضهم وذلك لأسباب تتعلق إما بالغنى الطبيعي أو الموقع الجغرافي أو لأسباب تدخل في نطاق المجال الحيوي أو مناطق النفوذ (11). بذلك استعرت، ومن جديد، حرب باردة بين دول كانت حتى الماضي القريب حليفة.
- "استراتيجية المصالح" لبعض الدول أدت إلى وضع اليد على بعض المناطق أو التجمعات أو حتى محاولة تأسيس تجمعات جديدة. هذه الأسباب وربما غيرها دخلت في صلب تكوين هذا النمط من التجمعات وأعطت لمفهوم " الأقلمة أو الأقليمية" بعدها السياسي المهم، حتى لتكاد تصبح الوجه الآخر للعولمة أو المكمل لها (12). إنَّ أخطر ما في هذا المفهوم ليس الشكل وليس المضمون وانما الطريقة التي اعتمدت في مراحل التكوين والتأليف وليس أبسطها سوى الحروب والتوتير والعنف. وبذلك مجدداً تسقط الشعارات التى نادى بها "العالم الحر" في أول امتحان حقيقي لها لتبرز كما لو أنها، أو هي فعلاً كذلك، شعارات واهية وكاذبة تعكس أزمة داخلية في قلب الفكر الرأسمالي.
- الديمقراطية والحرية: ليس من الممكن تحديد أو تعريف الديمقراطية وذلك لاختلاف المعايير والأسس التي على اساسها قام هذا المفهوم منذ القدم حتى يومنا هذا (8). غير أن كثرة استخدام هذا المصطلح أوالمفهوم في الحياة السياسية وبطريقة «مؤشكلة» في هذه الأيام جعله موضوعاً «نقاشياً» لكثرة ما استخدم واستعمل في إطار النظام العالمي الجديد وفي زمن العولمة التي نعيش أكثر فصولها تعقيدًا أقله حتى الآن. إنَّ كثرة استخدام هذا المفهوم تعكس أزمة بنيوية، فكيف يجب التعاطي إذن؟ فكل النظم ديمقراطية، وكلها غير ديمقراطية! هنا اختلاط النقيض بالنقيض بحد ذاته، هو الإشكال والمشكلة، فلماذا إذن محاكمة هذا المفهوم كما لو أنه تعريف واضح ومحدد وعلى أساسه يتم التوصيف والحكم؟. أليس من الملفت للنظر أن هناك نظماً تخوض حروباً باسم فرض الديمقراطية، أو أنظمة توّصف أخرى أنها ديمقراطية أو لا ديمقراطية؟ أليس في هكذا تصرفات مخالفة أقله لما اتفق عليه من مفهوم للديمقراطية وربطه بمبدأ الحرية وحقوق الإنسان؟ إنه لمن الإجحاف بحق الديمقراطية إذا قبلنا بنسختها المعولمة أو رفضناها لأجل السبب ذاته، أي «لنسختها»، فمن الظلم تحميلها مساوئ ما نتج عن سوء استخدام النظام العالمي الجديد مع ما حمله من شعاراتٍ خاويةٍ من المضمون الطبيعي لهذا المفهوم. لذلك يجب فصل مناقشة فهم الديمقراطية عن الواقع المأزوم بالنسبة للمتضررين، والمزدهر بالنسبة لأصحابه، والمتجسدين دائمًا بأصحاب رأس المال المتفلت من كل أشكال الضبط والقوننة واستطراداً من كل ما يمت إلى فكرتَي الحرية والديمقراطية وارتباطهما بالقيم الإنسانية. إنَّ منطق العولمة السائد في هذه المرحلة، ونقصد به الاستعمار المتقدم في آلياته وسرعة سيطرته، هو منطق، بحد ذاته، مخالف لتلك القيم التي ذكرناها سابقًا: فاستلاب الشعوب حرياتها وثرواتها دائماً باسم نشر الحرية هو بحد ذاته مخالف، وفرض الديمقراطية والديمقراطيات بالقوة هو أيضاً مناقض لقيم تلك الديمقراطية، ولنقلها بشكل أوضح «الديمقراطية الغربية» لأن في ذلك توصيفًا لحالة -نموذج- حتى هذا النموذج يتناقض مع ما يفرض- ومن القوى الديمقراطية الغربية- نفسها ودائماً تحت مسميات وأشكال مختلفة، من حقوق الإنسان إلى إطلاق حرية الشعوب في التعبير عن آرائها بكل حرية ومن دون وصاية أو تدخُّل من أحد. فهل هذا ما يجري هنا؟ الجواب، وبكل وضوح، هو كلا!!. إذن إنها أولى الأزمات.
- الأقليمية أو "الأقلمة": هي من حيث الشكل والمضمون على نقيض تام مع نظام العولمة المعمول به في فترة ما بعد الانهيارات، ولكن من حيث الاستخدام والوظيفة فإنها من أبرز مرتكزات، ليس العولمة فقط، وإنما كل النظام السياسي والاقتصادي الجديد بنسخاته المطورة والمتلاحقة. للتذكير فقط: ما أُعلن عنه غداة انتهاء الحرب الباردة أنَّ عصراً جديداً سيبدأ، معالمه الانفتاح والحدود المفتوحة والغاء الحواجز المادية والفكرية وغيرها، إنه عصر القرية الكونية المفتوحة الفضاء والحدود إلى ما هنالك من أمور وقضايا تدخل تحت مسميات النظام العالمي الجديد والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. هذا ما بشرنا به اصحاب نهاية التاريخ، لكن ما جاء بعده أفضى إلى شئ آخر وليست "الأقلمة" (من اقليم) إلا أحد تجلياته الواضحة والتي لا لبس فيها. إنَّ اسباب ظهور، أو لنقل بروز الدور الكبير لهذا المفهوم عائد إلى طبيعة المتغيرات السياسية والجيوسياسية التي ظهرت مؤخراً ومن ابرزها:
- ظهور اقطاب وتجمعات اقليمية جديدة، سياسية أو اقتصادية أو الاثنتين معاً (9)، وذلك ارتباطاً بانتهاء عالم القطبين الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية أو لأسباب جغرافية. هذا الظهور كان لاعتبارات تدخل في اهمية المتغيرات أو في النتائج والتداعيات التي حصلت، أو يمكنها أن تعود إلى طبيعة الصراعات التي اعقبت المرحلة السابقة مما استوجب إعادة صياغة تحالفات تأخذ المستجدات بعين الاعتبار.
- صعود دول جديدة مع امكانيات اقتصادية لا بأس بها تسمح لها بلعب دور اقتصادي وسياسي اقليمي (10). هذه الدول ربما وجدت الفرصة المناسبة لتقديم نفسها كعامل استقرار أو مساعدة أو لتقديم خدماتها في اطار ضبط الأمور المستجدة في منطقة وجودها. كما يمكن وضعها في خانة التناقض الرأسمالي-الرأسمالي الذي برز وبشكل كبير على مسرح الأحداث وارتباطه بالصراع على الأسواق والمواد الخام وحتى على النفوذ.
- الأهمية الاستراتيجية لبعض المناطق والتي اصبحت "مناطق ممنوعة" على بعضهم وذلك لأسباب تتعلق إما بالغنى الطبيعي أو الموقع الجغرافي أو لأسباب تدخل في نطاق المجال الحيوي أو مناطق النفوذ (11). بذلك استعرت، ومن جديد، حرب باردة بين دول كانت حتى الماضي القريب حليفة.
- "استراتيجية المصالح" لبعض الدول أدت إلى وضع اليد على بعض المناطق أو التجمعات أو حتى محاولة تأسيس تجمعات جديدة. هذه الأسباب وربما غيرها دخلت في صلب تكوين هذا النمط من التجمعات وأعطت لمفهوم " الأقلمة أو الأقليمية" بعدها السياسي المهم، حتى لتكاد تصبح الوجه الآخر للعولمة أو المكمل لها (12). إنَّ أخطر ما في هذا المفهوم ليس الشكل وليس المضمون وانما الطريقة التي اعتمدت في مراحل التكوين والتأليف وليس أبسطها سوى الحروب والتوتير والعنف. وبذلك مجدداً تسقط الشعارات التى نادى بها "العالم الحر" في أول امتحان حقيقي لها لتبرز كما لو أنها، أو هي فعلاً كذلك، شعارات واهية وكاذبة تعكس أزمة داخلية في قلب الفكر الرأسمالي.
Page 9
- التعددية الطوائفية: هي من أهم المرتكزات التي قامت عليها سياسة ما بعد الحرب الباردة. وتكاد تكون من أهم العوامل المقررة لطبيعة النظام السياسي للعولمة وشكله. إنَّ فكرة التعددية ليست بالفكرة المرفوضة بل نقول إنها مطلوبة وذلك لإبراز الأفكار وتباينها وصراعها ليسهل الاختيار. لكن المشكلة تكمن في كيفية تكوين هذا المفهوم واستقدامه وطريقة التعاطي معه إضافة إلى نوعية التعدد وطبيعة الاستخدام. ما لجأت إليه نظم العولمة أو نظم ما بعد سيادة فكر ومنطق العولمة كان بعيداً كل البعد عن الطبيعة المنسوبة للتعدد. لقد حاولت الاستفادة منه لأجل بسط سيادتها واستخدمته بالطريقة التي يمكنها من خلالها استغلاله لتحقيق سياساتها وفرضها على الجميع. من هذا المنطلق ندرك خطورة ما تم خلال العقدين السابقين من تأجيج للنزاعات والصراعات ذات الطابع المذهبي والعرقي والطائفي، وذلك ارتباطاً بمدى تطور المشروع الأمبريالي الأميركي. إنَّ طبيعة هذا الواقع قد أفرزت قوى جديدة على مسرح الأحداث وأسّست لمنطق وأسلوب مختلفين في شكل إدارة الصراع. نحن، هنا، أمام حالة خرجت عن اطار المتعارف عليه خلال ما سبق من عهود الصراعات، ومما لا شك فيه أنه مؤثرٌ في النتائج والتداعيات. إنَّ استخدام ما جرى استخدامه من حالات وسياسات من قبل القائمين على الواقع السياسي المعولم كان للأسباب التالية:
- يؤمن حالة اللااستقرار واللاأمن في منطقة ما، مما يستوجب وجوداً عسكرياً مباشراً للدول الكبرى تحت حجة الحفاظ على الأمن، أو الحفاظ على الأقليات أو على المصالح. كما أنَّه يؤجج ويغذي الصراعات وخاصة إذا ما وجدت لها العدة والوسائل وسبل الدعم. كما أنه إضافة إلى ذلك يمنع، وبشكل نهائي، أي إمكانية لقيام استقلال حقيقي في الواقع أو السياسة أو الاقتصاد.
- لا تناقض على صعيد الوظيفة بين التعددية الطائفية التي يسيء استخدامها وبين الامبريالية أو الرأسمالية ولا حتى مع مفهوم العولمة المرتبطة بشكل السلطة السياسية الحاكمة في العالم؛ فهدف السلطة السياسية الحاكمة هو السيادة والسيطرة، وحالات التناقض الطائفي أو العرقي تغذي الصراعات وتعطيها أبعاداً أكثر دموية مما يجعل أو يُسهّل السيادة والهيمنة للطرف الأقوى.
- طبيعة تلك التعددية الطوائفية مرتبطة بمنطق السلطة الدينية، الأثنية أو العرقية ومنطق الرجوع إلى النمطية الدينية أو القبلية أو المناطقية في كيفية إدارة الحياة العامة السياسية والاجتماعية، مما يجعلها في مجتمع تعددي أداة صراع وخلاف وتنافر. هنا تجدر الإشارة إلى كثرة الاستخدام لمثل تلك المفاهيم في الخطاب السياسي المواكب للأحداث الدائرة حول العالم، كما أيضاً لطبيعة الحروب التي طغت عليها الصبغة العرقية والأثنية والطائفية، وأيضاً إلى التشجيع والرعاية اللتين حظيت بهما تلك الفئات سواء أكانوا أفراداً أو جماعات ممن بيدهم سلطة الحكم الحالية (13).
- التوافق بين هذا النوع من الحكم وبين سياسة المحافظين الجدد اليمينية وارتباطها بمصالح مع مراكز قوى تكون في بعض الأحيان دينية. لقد طغى الخطاب الممزوج ما بين السياسي والديني على سطح الأحداث فارتبط البعد الماورائي من مكالمة الله أو الخير والشر... الخ بالبعد السلوكي المرتبط بالسلوك اليومي. هذا الواقع المستجد اعطى منطق التعددية الطوائفية دوراً أساسياً في مسار الحياة السياسية وصناعة الأحداث.
- إنَّ أحد أبرز أهداف سياسة العالم المعولم أو السياسة الامبريالية الجديدة هو الغاء الصراع الطبقي كشكل من اشكال الصراع السياسي المؤدي إلى التغيير؛ فبهذا النوع من التعددية الطوائفية ووضعها الواحدة في مقابل الأخرى يمكن الغاء الصراع الطبقي واستبداله بالآخر المذهبي. إنَّ امكانية خلق رأي عام مع قضية سياسية أو طبقية مرتبطة بالواقع الاجتماعي أو الاقتصادي هو سهل ويمكن البناء عليه في ظل صراع سياسي، وهذا بطبيعة الحال يشكل تهديداً لأصحاب النظام العالمي الجديد أو لنقل تهديداً لمشروعهم. الافضل لهم إذن هو تزكية الصراعات ذات الطابع المذهبي أو الديني وبذلك يتحقق لهم التخلص من الانقسام السياسي وتستفيد من الآخر الذي يعطيها الحجة الدائمة والذريعة المناسبة للتدخل.
هذه هي أبرز أشكال ومظاهر النظام العالمي المعولم، مظاهر تستوجب التوقف عندها نظراً لمدى خطورتها على التطور الطبيعي للمجتمعات ولما لها من أثر سلبي على كيفية ممارسة السلطة من خلال إبدال طرق وإدارة السلطة بأخرى أكثر رجعية. من هنا فإنَّ المطلوب مواجهتها بكل الامكانيات لمنع تشويه المنطق الطبيعي لتطور القضايا والأمور. هذا الواقع يتطلب المواجهة من خلال تعريته وكشف حقيقة أهدافه. ولا يمكن الركون إلى هذا الواقع واعتباره نهائياً بل متغيراً ومتبدلاً ولم يستقر بعد.
فمواجهة العولمة تتطلب إذن عدم طرح الموضوع «بالجملة» أي بالكلية المطلقة لأن ذلك يفقد روح المواجهة عنصر الموضوعية والوضوح. إنَّ نقد العام أو السائد كما هو، هو ضربٌ للمنطق التاريخي للتغيير-فالنقد بحد ذاته هو بداية مؤشرات صراع البدائل. وبذلك يكون عند اكتمال عناصر هذه البدائل قد حصل بالفعل، وفي الواقع، الانتقال من مرحلة النقد إلى مرحلة الوجود بالفعل أي مرحلة وضع البديل موضع التنفيذ. من هذا المنطلق فإنَّ نقد الواقع بكليته، بحسب رأينا ليس بالرأي الصائب، فمن جهة ليس كل ما هو موجود في هذا العالم هو سيء، ومن جهة أخرى ليس كل ما هو موجود حالياً هو نتاج من تحكم بمفاصل السياسة والاقتصاد؛ إنَّ بعض ما هو موجود ليس بالقليل، هو منتوج قيم وأفكار وتطور أساسه البشرية بصيرورة تطورها وتقدمها وتقدم علومها وقيمها، أي بمعنى آخر هو نتاج الفكر الجماعي للبشرية والذي يشكل مجموع من اجتمع في هذه الحياة وأعطى وأنتج.
إذن نحن أمام عالم متغير ومفاهيم متغيرة، تغيرات فرضتها طبيعة تطور الأمور وسرعتها، وأيضاً فرضتها الطبيعة الإنسانية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بدينامية مكونات المجتمع المدني وآلياته. من هذا المنطلق سنحاول المباشرة في تحليل الواقع الحالي والتوقف عند بعض القضايا والمظاهر والتي نتوخى منها ملامسة الواقع وكشف حقيقته وحقيقة أهدافه. إنه واقع مأزوم ومضطرب، ولكن لا بأس من محاولة النقاش.
- يؤمن حالة اللااستقرار واللاأمن في منطقة ما، مما يستوجب وجوداً عسكرياً مباشراً للدول الكبرى تحت حجة الحفاظ على الأمن، أو الحفاظ على الأقليات أو على المصالح. كما أنَّه يؤجج ويغذي الصراعات وخاصة إذا ما وجدت لها العدة والوسائل وسبل الدعم. كما أنه إضافة إلى ذلك يمنع، وبشكل نهائي، أي إمكانية لقيام استقلال حقيقي في الواقع أو السياسة أو الاقتصاد.
- لا تناقض على صعيد الوظيفة بين التعددية الطائفية التي يسيء استخدامها وبين الامبريالية أو الرأسمالية ولا حتى مع مفهوم العولمة المرتبطة بشكل السلطة السياسية الحاكمة في العالم؛ فهدف السلطة السياسية الحاكمة هو السيادة والسيطرة، وحالات التناقض الطائفي أو العرقي تغذي الصراعات وتعطيها أبعاداً أكثر دموية مما يجعل أو يُسهّل السيادة والهيمنة للطرف الأقوى.
- طبيعة تلك التعددية الطوائفية مرتبطة بمنطق السلطة الدينية، الأثنية أو العرقية ومنطق الرجوع إلى النمطية الدينية أو القبلية أو المناطقية في كيفية إدارة الحياة العامة السياسية والاجتماعية، مما يجعلها في مجتمع تعددي أداة صراع وخلاف وتنافر. هنا تجدر الإشارة إلى كثرة الاستخدام لمثل تلك المفاهيم في الخطاب السياسي المواكب للأحداث الدائرة حول العالم، كما أيضاً لطبيعة الحروب التي طغت عليها الصبغة العرقية والأثنية والطائفية، وأيضاً إلى التشجيع والرعاية اللتين حظيت بهما تلك الفئات سواء أكانوا أفراداً أو جماعات ممن بيدهم سلطة الحكم الحالية (13).
- التوافق بين هذا النوع من الحكم وبين سياسة المحافظين الجدد اليمينية وارتباطها بمصالح مع مراكز قوى تكون في بعض الأحيان دينية. لقد طغى الخطاب الممزوج ما بين السياسي والديني على سطح الأحداث فارتبط البعد الماورائي من مكالمة الله أو الخير والشر... الخ بالبعد السلوكي المرتبط بالسلوك اليومي. هذا الواقع المستجد اعطى منطق التعددية الطوائفية دوراً أساسياً في مسار الحياة السياسية وصناعة الأحداث.
- إنَّ أحد أبرز أهداف سياسة العالم المعولم أو السياسة الامبريالية الجديدة هو الغاء الصراع الطبقي كشكل من اشكال الصراع السياسي المؤدي إلى التغيير؛ فبهذا النوع من التعددية الطوائفية ووضعها الواحدة في مقابل الأخرى يمكن الغاء الصراع الطبقي واستبداله بالآخر المذهبي. إنَّ امكانية خلق رأي عام مع قضية سياسية أو طبقية مرتبطة بالواقع الاجتماعي أو الاقتصادي هو سهل ويمكن البناء عليه في ظل صراع سياسي، وهذا بطبيعة الحال يشكل تهديداً لأصحاب النظام العالمي الجديد أو لنقل تهديداً لمشروعهم. الافضل لهم إذن هو تزكية الصراعات ذات الطابع المذهبي أو الديني وبذلك يتحقق لهم التخلص من الانقسام السياسي وتستفيد من الآخر الذي يعطيها الحجة الدائمة والذريعة المناسبة للتدخل.
هذه هي أبرز أشكال ومظاهر النظام العالمي المعولم، مظاهر تستوجب التوقف عندها نظراً لمدى خطورتها على التطور الطبيعي للمجتمعات ولما لها من أثر سلبي على كيفية ممارسة السلطة من خلال إبدال طرق وإدارة السلطة بأخرى أكثر رجعية. من هنا فإنَّ المطلوب مواجهتها بكل الامكانيات لمنع تشويه المنطق الطبيعي لتطور القضايا والأمور. هذا الواقع يتطلب المواجهة من خلال تعريته وكشف حقيقة أهدافه. ولا يمكن الركون إلى هذا الواقع واعتباره نهائياً بل متغيراً ومتبدلاً ولم يستقر بعد.
فمواجهة العولمة تتطلب إذن عدم طرح الموضوع «بالجملة» أي بالكلية المطلقة لأن ذلك يفقد روح المواجهة عنصر الموضوعية والوضوح. إنَّ نقد العام أو السائد كما هو، هو ضربٌ للمنطق التاريخي للتغيير-فالنقد بحد ذاته هو بداية مؤشرات صراع البدائل. وبذلك يكون عند اكتمال عناصر هذه البدائل قد حصل بالفعل، وفي الواقع، الانتقال من مرحلة النقد إلى مرحلة الوجود بالفعل أي مرحلة وضع البديل موضع التنفيذ. من هذا المنطلق فإنَّ نقد الواقع بكليته، بحسب رأينا ليس بالرأي الصائب، فمن جهة ليس كل ما هو موجود في هذا العالم هو سيء، ومن جهة أخرى ليس كل ما هو موجود حالياً هو نتاج من تحكم بمفاصل السياسة والاقتصاد؛ إنَّ بعض ما هو موجود ليس بالقليل، هو منتوج قيم وأفكار وتطور أساسه البشرية بصيرورة تطورها وتقدمها وتقدم علومها وقيمها، أي بمعنى آخر هو نتاج الفكر الجماعي للبشرية والذي يشكل مجموع من اجتمع في هذه الحياة وأعطى وأنتج.
إذن نحن أمام عالم متغير ومفاهيم متغيرة، تغيرات فرضتها طبيعة تطور الأمور وسرعتها، وأيضاً فرضتها الطبيعة الإنسانية والسياسية والاجتماعية المرتبطة بدينامية مكونات المجتمع المدني وآلياته. من هذا المنطلق سنحاول المباشرة في تحليل الواقع الحالي والتوقف عند بعض القضايا والمظاهر والتي نتوخى منها ملامسة الواقع وكشف حقيقته وحقيقة أهدافه. إنه واقع مأزوم ومضطرب، ولكن لا بأس من محاولة النقاش.
Page 10
الفصل الثاني
الديمقراطيات القاتلة
أولاً- مقدمة لا بد منها"لم ننس بعد كونداليسا رايس (14)، خلال مؤتمرها الصحافي في بيروت في تموز 2006 والتي قالت رداً على سؤال حول عذاب الشعب اللبناني، خاصةً الأطفال، نتيجة العدوان الإسرائيلي: "هذه اوجاع ولادة الشرق الأوسط الجديد". إنَّ منطق السيدة رايس وجوابها ليسا بحاجة إلى كثير من الشرح لتبيان مضمونهما الإجرامي...
بالمقابل لم ننس أيضاً مئات الآلاف الذين نزلوا إلى الشوارع، وفي نفس الوقت، في بيروت كما في العواصم العربية، في باريس، لندن، مدريد، كراكاس وغيرها رافضين ومنددين بالعدوان الإسرائيلي المدعوم والمُشجّع من السياسة الأميركية، هذه السياسة التي تجعل من كل اعمالها الوحشية والإجرامية كما لو أنها أعمال شرعية وصحيحة، خاصة عندما تضعها تحت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان".
"الديمقراطيات القاتلة" هو الواقع الحالي للعالم، واقع نعيش فيه "الكذبة الكبرى" لليبرالية-المعّولمة (15) والممّوهة بمجموعة أفكار ومفاهيم عن "عالم حر" يعيش في أمن وسلام. إنها حالة تعبر عن واقع مأزوم في شكله ومضمونه. عالم نعيش فيه هذا الوهم الكبير، وهم أصبح معه كل حديث عن "ديمقراطية" أو "حقوق انسان" هو حديث "مشبوه" أو لنكن أكثر تسامحاً، هو حديث يستوجب الكثير من التمحيص في مصدره، ومضمونه وظروفه، حديث ننتظر بعده مباشرةً حرباً جديدة ليصبح أي كلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مرادفاً للحروب.
إنَّ الحديث عن الديمقراطية في هذا الوقت ضرورة ملحة نظراً لما ارتبط بهذا المفهوم من أمور وسلوكيات وصلت في بعض الأحيان إلى ارتكاب أفعال وممارسات ابعد ما تكون عن المفهوم التقليدي-الكلاسيكي للديمقراطية. لقد اخترنا هذا الموضوع لأنه يمس بشكل مباشر حياتنا اليومية، وواقعنا اليومي المعاش بكل تفاصيله وعلى جميع الصعد: السياسية، الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية، ولأنه يختص أيضاً بما يدور من حولنا، في عالم مأزوم بطبيعته وتطوره؛ وسبب الاختيار ليس لزيادة مفهوم جديد أو تعريف آخر لهذا المُسمى "ديمقراطية" وإنما زعمٌ بتحقيق قراءة تحليلية لبعض الظواهر الفلسفية والسياسية التي ظهرت اخيراً على مسرح الأحداث وفي الفكر الإنساني، خاصة في العقدين الأخيرين، وفي القلب منها الديمقراطية التي ارتُكبت باسمها مجموعة "موبقات" سياسية وسلوكية هي أبعد ما تكون عن جوهرها: نعيش اليوم في عصر حيث نرى بعضهم يقوم ويدعو إلى الحرب والغزو والقتل باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تُباع في أسواق السياسة والمصالح، نرى روح، وجوهر ومفهوم الحرية مرتبطاً بشكل كبير بالذي يمتلك سلطتَي المال والقوة، ونرى أيضاً شدة الترابط والتماهي بين القيم والمصالح في الخطاب السياسي والأيديولوجي لأصحاب "الرأي العالمي الجديد" بحيث تضيع القيم في لعبة المصالح وبتقدم المفهوم الأخير على الأول في مطلق الأحوال.
أمام هذا الواقع المأزوم هناك ضرورة لطرح الأسئلة التالية:
هل فعلاً نعيش اليوم في عالم "ديمقراطي"؟
هل الأنظمة الموجودة والمصنّفة "ديمقراطية" هي فعلاً كذلك وتُطبق أصول الديمقراطية؟
النفي هو الإجابة الطبيعية عن هذين السؤالين لأنه هو الواقع، مما يجعل فكرة دراسة هذا النوع من "الديمقراطيات" امراً واجباً ومطلوباً، خاصة مع هذا الانتشار الواسع لهذا المفهوم-الملتبس والمعقد. واقع فرض علينا مفاهيم جديدة تستوجب التوقف عندها وتحليلها. واقع ونظام يبرر الأفعال ويستغل القيم في لعبة السياسة. وإنَّ ما نحاول قوله في هذا النص هو مقاربة لواقع "النظام العالمي" (16) وتجلياته في كل المجالات، إنها محاولة لإظهار مدى "الإفراط" في استخدام المفاهيم وخاصة "القيم" في لعبة المصالح، إنها محاولة لحث الفكر الإنساني على "الانتفاض" على واقع "الكذبة الكبرى" التي نعيش فيها، إنها محاولة للقول: إنه هو الواقع، لا حل مع هذه العقلية المتحكمة، إذن اصبح من الواجب التفكير في بديل آخر، بديل يكون أكثر انسانية، إنها دعوة لعدم التسليم بالواقع كما لو أنه قدرٌ محتمٌ.
إنها ملحّة وضرورية مسألة تفكيك المنظومة الفكرية السائدة وإعادة تركيبها، وفي هذا الوقت بالذات، لأننا في واقع صعب. من يدري فقد نصبح على عالم من دون "قيم"، وهنا يكون متأخراً جداً القيام بشىء. إذن هذا هو الواقع، وما سنحاول مناقشته هو بكل بساطة استعراض بعض الظواهر السلوكية التي ظهرت مؤخراً على مسرح الأحداث الدولية وكان لها أثر كبير، حاسم ومقرر في الكثير من الأحيان: إنها محاولة نقاش إذن مع بعض الاتجاهات لإيجاد مخارج.