شكر
نادي مدريد كناية عن منظمة مستقلة كرّست نفسها لتعزيز الديموقراطية حول العالم. ويتألف لب عضويته من 68 رئيس حكومة ورئيساً سابقين لديموقراطيات نشأت حديثاً أو موجودة منذ زمن بعيد. وعمد رؤساء الحكومات والرؤساء بشكلٍ متزايد إلى إشراك الباحثين الطليعيين والمجموعات العامة والخاصة في جمعياتهم العامة، وفي تقديم المشورة التقنية والخبرة للديموقراطيات المضطربة. وقد دعاني رئيس نادي مدريد (2003 ـ 2006) فرناندو أنريكي كاردوسو لأكون المنسق الأكاديمي للجمعية العامة الثالثة التي أمضت ثلاثة أيام من المحادثات المكثفة بين الرؤساء ورؤساء الحكومات والأكاديميين المتخصصين في شؤون الديموقراطية. ويشعر جميع الذين شاركوا من بيننا بالامتنان على إنشاء نادي مدريد استجابة للحاجة الملحّة إلى معالجة المشاكل التي لا تزال حادة بالنسبة إلى الكثير من الديموقراطيات. ونشأ هذا الكتاب، على غرار سابقه «بناء الديموقراطية: دروس مستقاة من الممارسة والبحث»، الذي حرره خورخي دومينغيز وأنطوني جونز The Construction of Democracy: Lessons from Practice and Research, edited by Jorge Dominguez and Anthony Jones (Johns Hopkins University Press, 2007) من نقاشات نادي مدريد.
شكّل كاردوسو بالطبع، بوصفه رئيساً سابقاً للبرازيل والرئيس السابق لجمعية العلوم الاجتماعية الدولية وناشطاً رئيسياً ومنظّراً في جهود بسط الديموقراطية في بداية الموجة الثالثة، شخصية مركزية في تصميم وعقد الجمعية العامة التي انبثق منها هذا الكتاب. ومن بين المخططين الأساسيين للجمعية هناك كيم كامبل رئيس الوزراء الكندي السابق والأمين العام ونائب الرئيس لنادي مدريد وخورخي دومينغيز أستاذ القضايا الدولية في كلية كلارنس ديون في جامعة هارفرد. وأدّت ماريا إيلينا أغويرو دوراً حاسماً في المساعدة في تنسيق كل نشاطاتنا بوصفها مديرة المشاريع الخاصة والعلاقات المؤسساتية في نادي مدريد. وأنا شاكر كذلك لمؤسسة العلاقات الدولية والحوار الخارجي وبخاصة رئيسها المؤسس دييغو هيدالغو ولمؤسسة غورباتشيف لأميركا الشمالية، اللتين انشأتا نادي مدريد ودعمتاه ومكّنتانا من إصدار هذا الكتاب. شرعتُ وخوان ج. لينز بدايةً في عام 1978، في النشر عن الديموقراطية مع دار جامعة جونز هوبكنز. وأنا، شأني دائماً، ممتن للمشورة والتشجيع اللذين وفّرهما ناشرنا هنري توم.
مقدمة : النقض في تنظير المشاكل السياسية في الأدب المؤسّس لتحقيق الديموقراطية
ألفرد ستيبان
يواجه الكثير من الديموقراطيات الجديدة الخطر بعد خمسة وثلاثين عاماً على بدء الموجة الديموقراطية الثالثة، وبعد عشرين عاماً على سقوط جدار برلين. وتوجد بالتالي حاجة أكبر من قبل للتفكير في الطريقة التي يمكن أن تجعلها تعمل بشكل أفضل. وقد اجتمعت لمعالجة هذا التحدي مجموعة من أكثر من عشرين رئيساً ورئيساً للوزراء سابقين من ديموقراطيات الموجة الثالثة، شرقاً وغرباً، ومجموعة مدعوّة من الأكاديميين من بلدان مختلفة متخصّصين في تحقيق الديموقراطية في الجمعية العمومية الثالثة لنادي مدريد. وسبق أن كُرّست الجمعية العمومية الثانية للقضايا الاقتصادية الداخلية والدولية، وقررت اللجنة التحضيرية، بالتالي، أن تعطي في الجمعية العمومية الثالثة أولويةً واضحة للقضايا السياسية.
لكن أي قضايا سياسية؟ ربما وُجدت أجندة ضخمة وصعبة على اجتماع يستغرق ثلاثة أيام نظراً للمشاكل الملحة الكثيرة المتعلقة بالسياسة، مثل عدم المساواة، والفساد، والأشكال الجديدة من الشعبوية التسلطية، وتراجع الثقة، وضعف الأحزاب ذات البرامج، والمتاجرة بالمخدرات، والإرهاب، التي أخذت تضع الديموقراطية الجديدة في خطر. واتخذنا بالتالي قرارين تحضيريين إضافيين: قضى أولهما بالتركيز على ثلاث قضايا فقط، بحيث نحظى في سياق الجمعية بقدر من الوقت يسمح للناشطين والمنظرين بتشخيص أصول المشكلة، وبمحاولة تقويم الوصفات الممكنة. وقضى القرار التحضيري الثاني بأنّ علينا، نظراً إلى كثرة المشاكل المحتملة، إعطاء الاهتمام لقضايا أغفلها بشكلٍ خطير الجيل الأول من منظّري تحقيق الديموقراطية، أو في حال عدم الإغفال، تلك التي نشعر الآن بأننا اخطأنا بها، أو شرعت الأبحاث الجديدة بطرح إصلاحات سياسية، أو تجارب من النوع الذي لم يتم التطرق إليه في المؤلفات التأسيسية.
ألغى هذان القراران بعض المشاكل المرشحة للبحث مثل عدم المساواة، ليس لأن عدم المساواة لا يشكّل مشكلة ملحة، بل لأن الملفات التأسيسية تناولته، ولأن التشخيصات الأصلية والوصفات المتعلقة بالحاجة إلى توفير الفرص التربوية المحسنة وذات المستوى الرفيع، ووصول المواطن إلى السلطة، والأنماط الأفضل لصيانة الدخل وتوزيعه، لا تزال محط إجماع. ووُجدت في المقابل بعض القضايا التي كاد يُغفلها كلّياً بالفعل الجيل الأول من المؤلفات حول تحقيق الديموقراطية.
لم يتم، على سبيل المثال، تكريس أي فصل من سلسلة المجلدات الأربعة عن "الانتقال من الحكم السلطوي"، الذي قام أكثر من أي عمل آخر بترسيخ حقل الدراسات المتعلقة بالانتقال إلى الديموقراطية (وقد ساهمتُ فيه وأتحمّل بالتالي قسطي من المسؤولية)، للنزاعات الإثنية والدينية، و/أو حروب الانشقاق من النوع الذي دمّر يوغوسلافيا، و/أو يهدد حظوظ الديموقراطية في نيجيريا، ويحطم في سريلانكا النموذج السابق السلمي والناجح للديموقراطية في جنوب آسيا[1]. والتزمنا الصمت بالطبع حيال قضية الإسلام والديموقراطية نظراً إلى تركيزنا على عمليات الانتقال في جنوب أوروبا وفي أميركا الجنوبية. وتوجبت مناقشة هذه التحديات في جمعيتنا العمومية الثالثة باعتبار إغفالنا السابق للطرق الممكنة لإدارة النزاعات الإثنية والدينية سلمياً وبطريقة ديموقراطية.
كما لم نعمد، نحن الجيل الأول من منظري تحقيق الديموقراطية، إلى طرح عملي للسؤال عن كيفية إدارة الديموقراطية الجديدة لأجهزتها الأمنية – الجيش، الشرطة، والاستخبارات – بطريقة ديموقراطية. وكاد يتركز انتباهنا كله على كيفية التخلّص من الأنظمة المتسلطة القديمة، وهي في الغالب عسكرية، إلا أننا لم نعمد جماعياً إلى كتابة الكثير حول كيفية إعادة تنظيم العسكر. وكدنا أن نلتزم الصمت حيال كيفية تحويل الشرطة، من تهديدٍ للمواطنين ومصدر للفساد، إلى مصدر حاسم لتحسين أمن المواطنين. ولم نتطرق كذلك إلى الطريقة التي يمكن فيها للديموقراطيات إنشاء أنظمة استخبارات جديدة وفاعلة داخل الديموقراطيات كلها، وفي ما بينها، للتعامل مع الشبكات العالمية لتهريب المخدرات والإرهاب، من دون الانتقاص من الحريات التي اكتسبها المواطنون حديثاً. وأنا، أكثر من أي واحد آخر من منظّري الجيل الأول للديموقراطية، مدرك لهذه الثغرات ومسؤول عنها، لأنني كتبت كثيراً عن القضايا الأمنية ما بين عامَي 1971 و 1986. ولم أكرّس في كتبي الثلاثة عن الأمن إلا فصلاً واحداً عن الكيفية التي يمكن للمواطنين الديموقراطيين والقادة أن يديروا بها جيشهم وشرطتهم وأجهزة استخباراتهم. ومن حسن الحظ أن هذا الكتاب يعطينا الفرصة للتعريف بالأبحاث الرائدة الحديثة، ولتقويم "الممارسات الفضلى" التي بدأت تظهر في هذا المجال الحساس، الذي لم ننتقص من التنظير فيه فحسب، بل كدنا أيضاً نتجاهله كليّاً.
لاحت لنا أيضاً فرصة ثالثة كبيرة للتصحيح. لم يهمل الجيل الأول من منظّري تحقيق الديموقراطية تحليل أشكال الأجهزة التنفيذية الديموقراطية. وأنتجنا، على سبيل المثال، مؤلفات جوهرية عن الميزات النسبية للنظام الرئاسي في مقابل النظام البرلماني، وبخاصة ما تعلّق بمسألة هل إنها "تغري على الانقلاب العسكري" أو "تكبح الانقلاب العسكري". وعندما يتم البحث في الانتقال الممكن من النظام الرئاسي في بلدان مثل البرازيل والأرجنتين، وحتى تشيلي، يتّجه النموذج الضمني صوب النظام البرلماني، على الطريقة الفرنسية، الذي لم يُختبر، ونعتقد الآن أنه بُني بشكلٍ كبير على مفاهيم خاطئة، ويُسمّى عادةً بالنظام نصف الرئاسي. غير أن نقاشنا السياسي والنظري يكاد لا يعير أي انتباه لتنوعات جديدة ممكنة للنظام الرئاسي أو نصف الرئاسي. وقررنا بالتالي أن على الأكاديميين والسياسيين معاً أن يناقشوا، في جمعيتنا العمومية التالية، قضيتهم الثالثة حول: هل يسعنا بدء التفكير بالوعد بتنوعات جديدة في السلطة التنفيذية الديموقراطية.
أمكننا، لحسن الحظ، تكليف كاتبَيْن بكل قضية من هذه القضايا الثلاث. فوضعا دراسات عن الأبعاد الخلفية، ناقشها الرؤساء ورؤساء الحكومات السابقون، ثم أُعيدت كتابتها لهذا الكتاب. وانكببنا على المواضيع الثلاثة بالطرق التالية.
كيفية الإدارة الديموقراطية السلمية الناجحة للنزاعات الثقافية الممكنة
أصاب النزاعات الثقافية المتعلقة بالقومية والدين واللغة والعرق، كما سبق وذكرت، إهمال كبير في الدراسات الكلاسيكية التأسيسية حول تحقيق الديموقراطية، ومن الواضح أنها تلقى اهتماماً شديداً الآن في الكثير من الديموقراطيات الجديدة. أردنا بشكلٍ خاص، نظراً للبروز المتنامي "للمجتمعات غير المدنية"، إعادة تفحّص أفكارنا الأصلية في شأن "المجتمع المدني" الذي "ذاع صيته" في بلدان مثل البرازيل وبولندا، وإضفاء المزيد من الانتباه على ما يؤدي بالفعل إلى مجتمع مدني تعاوني بدلاً من مجتمع مدني نزاعي.
عولجت هذه المسائل في الفصل المتعلق بأعمال الشغب الإثنية – الاجتماعية - الدينية الذي كتبه أشوتوش فارشني، والفصل المتعلق بالإدارة الديموقراطية السلمية للمطالب الانفصالية الذي كتبه ريتشارد سيميون.
توجد، من وجهة نظري، ثلاث خطوات أساسية في التنظير الراهن حول المجتمع المدني، تتصل باهتماماتنا في هذا الكتاب. ترتبط الخطوة الأولى بروبرت بوتنام، ويتم اتباعها على نطاق واسع في التفكير المتعلق بالديموقراطيات الجديدة. والموضوع الجوهري لدى بوتنام هو أنه، كلما ازداد المجتمع المدني عدداً ونشاطاً كان ذلك أفضل للديموقراطية[2]. واتخذت شيري برمان الخطوة الكبرى التالية لدى ملاحظتها أن إحدى الدول الأكثر تشابهاً مع الولايات المتحدة، بعبارات كثافة المجتمع المدني وصلابته، كانت ألمانيا فايمر Weimar Germany في العشرينيات [3]. وتمثلت نقطتها الكاسحة في هذا السياق بأنه ليس علينا أن نفكّر في الكثافة فحسب، بل أيضاً في المحتوى السياسي وفي مختلف أنواع النشاطات في المجتمع المدني، وهل أنها تساعد الحياة الديموقراطية في الدولة أو تضرّ بها. واتخذ عالم الاجتماع الهندي أشوتوش فارشني الخطوة الرئيسية الثالثة. وحدّد في كتابه الذي فاز بجائزة عن الهند، وشرح السبب في أن بعض أنواع تشكيلات المجتمع المدني (وبخاصة تلك التي تجمع ما بين المسلمين والهندوس في نشاطات تهدف إلى إحلال السلام الاجتماعي) هي في الواقع "كابحة للشغب" في حين أن تجمعات المجتمع المدني الكثيفة المماثلة المؤلفة من المسلمين فقط أو من الهندوس فقط هي في الغالب "مولّدة للشغب"[4].
وينكبّ فارشني الآن على توسيع رئيسي لبحثه الأصلي من خلال عمل ميداني واسع في بعض الدول المهمة ذات الأغلبية المسلمة: إندونيسيا التي باتت ديموقراطية الآن، ونيجيريا التي هي الآن عند حدود الديموقراطية مع نزاع اجتماعي كبير، وماليزيا التي أدارت النزاع الإثني بطريقة جيدة معقولة لكنها لم تصبح بعد ديموقراطية ذات انتخابات نزيهة وحرة بالكامل. ويناقش فارشني للمرة الأولى في هذا الكتاب بعضاً من نتائج مقاربته الجديدة. وتظهر معطياته المؤقتة أن حجته الأساسية، في أنواع المجتمع المدني الكابحة للشغب والمولّدة للشغب، قائمة مع بعض التهذيب المهم في المفهوم والسياسة في دراسته الهندية الكلاسيكية[5].
وفي النهاية افترض كثير من أدبيات المجتمع المدني أن يكون هذا المجتمع مستقلاً عن الدولة. إلا أن فارشني يظهر كيف أن بعض من مجموعات المجتمع المدني "الكابح للشغب" تلقى المساعدة في إنشائه من أطراف في الدولة. ويعمد، من ثم، إلى استكشاف ما يعنيه هذا بالنسبة إلى نظرية المجتمع المدني والممارسات الديموقراطية المقبولة.
تركّز مقالتنا الثانية، وهي من وضع الباحث الكندي المرموق في الفدرالية المقارنة، ريتشارد سيميون، على مسألة الانفصال. وقد تميزت في الغالب حركات الانفصال الإثنية، مثل تلك الحاصلة في البلقان ونيجيريا وسريلانكا والشيشان، بالحقد وبالكثير من أعمال القتل التي ارتكبها الطرفان وبالممارسات التسلطية. ويرى بالتالي الكثيرون من المراقبين أن كل حركات الانفصال تشكل إخفاقات ديموقراطية يجب تفاديها بأي ثمن.
ومع ذلك تستمر المطالب الانفصالية في أجزاء كثيرة من العالم في التجسّد بشكل بارز. وبالرغم من هذا الواقع، لم يعمل قادة تحقيق الديموقراطية بالشكل الكافي على تحديد مجموعة من الممارسات، ولم يطوّر منظّرو الديموقراطية أي هيكل أدبي مُكرّس لكيفية القيام بالكفاحات الانفصالية، مهما جاءت نتائجها، سلماً وبطريقة ديموقراطية. ويعالج سيميون هذه المسائل الحساسة في نقاشه لكيبيك. وتركتني قراءتي لمقالة سيميون أفكّر بأن كيبيك، حتى لو أصبحت دولة مستقلة، فستحظى عملية إدارة الانفصال بالنجاح لأنه لن يحصل أي عنف، وستبقى كل من كيبيك المستقلة وكندا المستقلة ديموقراطية متماسكة، ولن يتعطّل النظام الاجتماعي والاقتصادي بشكلٍ خطير في أي من البلدين.
يوجّه تحليل سيميون الغني للأسباب المعقّدة لهذه النتائج المحتملة انتباهنا إلى عدد من العوامل الأساسية: تطور أمر واقع "الفدرالية غير المتناظرة" في كندا؛ نشوء "القومية المدنية"، وبخاصة منذ الستينيات، في كل أنحاء البلاد؛ "مقولة لا للعنف" الجماعية التي ظهرت في عام 1970 بعد ارتكاب عملية القتل السياسية الأولى والوحيدة المرتبطة بالانفصال؛ والدور الحاسم للمحكمة الكندية العليا، وهي أداة الحكم الحيادية، وبخاصة في قرارها الصادر في عام 1998، ونصّ على أنه في حال حصول استفتاء يحمل "سؤالاً واضحاً" ويؤدي إلى "نتيجة واضحة" تؤيد انفصال كيبيك، فإن "الواجب الدستوري" يحتم على ما تبقى من كندا التفاوض على المسألة.
كيفية إنشاء وتوجيه الأجهزة الأمنية البشرية التي تُستخدم بطريقة ديموقراطية
دخل معظم المشاركين في جمعيتنا العمومية، من الزعماء السياسيين ومنظّري الديموقراطية على السواء، مرحلة البلوغ، في عالم عمد فيه الكثير من الأنظمة غير الديموقراطية إلى دمج الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات. وركّز معظم التفكير الأصلي بعمليات الانتقال الديموقراطية، بشكل مفهوم، على التخلص من هذه البنى المدمّجة والديكتاتورية.
غير أن التركيز انصبّ على المعارضة. وركّز معظم التأمل النظري على المجتمع المدني، وكان التركيز على المجتمع السياسي قليلاً، والأقل منه على ما يجب عمله بجهاز الدولة القمعي إذا وصل الديموقراطيون إلى السلطة، وحين يصلون[6].
يتمتع المواطنون بحقوق ثابتة، إلا أنه لا يمكن حماية هذه الحقوق بفاعلية في ديموقراطية جديدة في غياب الدولة التي تمتلك جهازاً قمعياً ذا توجيه ديموقراطي. وتم التركيز، إلى الحد الذي امتلك فيه الزعماء الديموقراطيون سياسةً حيال الجهاز الأمني عند بدء الانتقال، على إخراج أصحاب المناصب القدامى من السلطة (حتى ولو لم يمس بمعظم الانتدابات والامتيازات) ومن ثم على تجزئة السيطرة، ما أمكن، على الجيش والشرطة والاستخبارات. ولم يملك إلا قلة من الزعماء الديموقراطيين أو المفكرين استراتيجية لإعادة بناء أجهزتهم الأمنية.
والآن، وبعد مضي خمسة وثلاثين عاماً على بدء الموجة الديموقراطية الثالثة، يختبر الكثير من البلدان تراجعاً في دعم الديموقراطية، لشعور المواطنين بأنهم لا يمتلكون دولة منفتحة وفاعلة في المجال المتعلق بالشرطة.
ويتضح أيضاً أكثر فأكثر، في البلدان التي يؤدي فيها الإرهاب العالمي المنسق و/أو التجارة بالمخدرات، إلى خفض نوعية الحياة في الديموقراطيات ويهدد في بعض الحالات مؤسسات الديموقراطية نفسها، أن النموذج القديم الذي يعمل فيه كل بلد بطريقة مستقلة وداخلية على الفصل بين الاستخبارات والشرطة والقوات المسلحة، لم يعد مناسباً.
سادت القناعة لدى الكثيرين من الرؤساء ورؤساء الوزراء السابقين في الجمعية العمومية أنه يتوجب حصول تنسيق متزايد، وطني ودولي، في عمليات الشرطة والاستخبارات والجيش لحماية الديموقراطيات[7]. وانتابهم القدر نفسه من القلق حول كيفية تفادي تآكل المعايير القانونية الديموقراطية التقليدية، من النوع الذي شهد الكثيرون على حصوله في غوانتانامو. وبالتالي فإن الموضوع الرئيس الثاني في الكتاب يتعلق بكيفية إنشاء وتوجيه الأجهزة الأمنية البشرية التي تُستخدم بطريقة ديموقراطية.
يواجه الكثير من الديموقراطيات الجديدة ما تسميه مقالة الباحث التشيلي المولد فيليبي أغويرو بالـ"التحدي المزدوج الجديد: الصناعة المتزامنة للسيطرة الديموقراطية والفاعلية في ما يتعلق بالجيش والشرطة والاستخبارات". وتستدعي المواجهة الناجحة لهذا التحدي المزدوج للسيطرة والفاعلية، أنماطاً جديدة كلّياً من الاختصاصيين السياسيين والأكاديميين، وآداباً جديدة فعلاً يتوجب أن ندرجها سريعاً في الدراسات الديموقراطية المقارنة. وتشكّل مقالة أغويرو الغنية بالمراجع بداية لمثل هذه الآداب الجديدة.
إن حجج أغويرو متعدّدة ومُركبة. ويتوجب حصول تحوّل ذي مغزى عن الأيديولوجية والتدريب في سبيل "أمن الأرض الوطنية" في اتجاه التدريب على "الأمن البشري للمواطنين"[8]. ويجب على تعزيز الأمن البشري أن يتضمن مقاربة مدمجة للحوكمة الديموقراطية الجيدة ضمن الدولة، وكذلك ضمن الشرطة والاستخبارات والقوى المسلحة. وسُمّيت هذه المقاربة الجديدة "إصلاح القطاع الأمني"[9]. ويحلّل أغويرو، وهو عضو في المجلس الاستشاري الدولي للشبكة العالمية لتسهيل إصلاح القطاع الأمني، بعض من النجاحات المرتبطة بهذه المقاربة الجديدة. وتشدّد الدراسات التأسيسية لتحقيق الديموقراطية على "تتابع" الإصلاحات؛ إلا أنه يجب، إلى حدّ ما، معالجة إصلاحات قطاع الأمن البشري بشكل آني. فمثلاً في كل الديموقراطيات الجديدة التي سبقها مباشرة حكم عسكري، كُرست كل الجهود الإصلاحية الأولية للمسائل العسكرية وأُهملت الشرطة. إلا أن هذه التجربة أظهرت بوضوح الآن أن مثل هذا التتابع تسبّب بمشاكله الخاصة. فمن شأن "الشرطة الضعيفة وغير الفاعلة أن تضغط على المسؤولين لاستخدام الجيش في مهمات حفظ النظام العام" أو لعسكرة الشرطة. وحاجج بأن السبب الأول في التقدم المخيّب للآمال في الإصلاحات، لا يعود كثيراً إلى المقاومة التي تبديها القوى الأمنية، بل إلى "التراخي والموقف المتواطئ أو التشجيع النشط للمسلك غير الديموقراطي من قبل الأطراف المدنية في الحكومة أو في المجتمع السياسي".
تعيدنا فكرة أغويرو الأخيرة إلى الدور الأساسي للزعامة الديموقراطية في ما يخص إصلاح القطاع الأمني. وفي حكم الكثيرين من الاختصاصيين فإن الإسباني نرسيس سيرّا هو أكثر وزراء الدفاع مخيلة وفاعلية في أي ديموقراطية من ديموقراطيات الموجة الثالثة. وهو مدني وأكاديمي ورئيس بلدية سابق لبرشلونة، تولّى وزارة الدفاع من عام 1982 إلى عام 1990 وقام بإصلاحات في كل مظهر تقريباً من مظاهر العلاقات المدنية - العسكرية. وزعامة سيرّا الديموقراطية المدنية هي بالتمام تلك التي يحث عليها أغويرو. وبالتالي فإنه لحدث مهم أن يقدّم سيرّا في هذا المجلد أول عمل رئيسي له يُنشر بالإنكليزية، ويفصّل فيه المبادئ الأساسية التي اتّبعها وكيف تصوّر إصلاحاته وطبّقها. كما إن سيرّا يُعتبر في أوروبا مفكّراً رئيسياً وناشطاً في ما يتعلق بالسياسات الديموقراطية الجديدة في مواجهة الإرهاب. وعمد، بناء على إلحاح مني ومن فرناندو أنريكي كاردوسو، إلى مناقشة بعض المقاربات السياسية الأوروبية الجديدة لهذه التحديات.
يبدأ سيرّا بتفصيل المهمات الرئيسية التي توجب عليه، بوصفه يعمل مع حكومة وسلطة تشريعية ديموقراطيتين، أن ينفذها قبل أن يعتبر أن الانتقال الديموقراطي قد أُنجز في مجال القوات المسلحة. وقضت أولاها بإيقاف تدخّل الجيش في السلطة السياسية كليّةً. وتمثلت المهمة الثانية بالسعي إلى خفض شبه تام في وصاية الأمر الواقع للجيش على الحكومة الجديدة التي تسعى إلى إقامة الديموقراطية، وهي وصاية تنبع من نظرة الجيش إلى نفسه بأنه لا يزال حارس الأمة وقادراً على العمل بصورة منفردة إذا رأى أن الوضع يتطلب ذلك. أما المهمة الثالثة فقضت بإلغاء "تكييف" الجيش لسياسات الحكومات المنتخبة بفضل قدرته على الحد من نطاق بعض الإصلاحات الحاسمة، أو حتى الاعتراض عليها.
ويمضي سيرّا من ثم إلى تفصيل الأعمال الإضافية التي عليه وعلى الديموقراطية الجديدة إنجازها قبل التمكن من توطيد النظام الجديد. وقضت مهمته الأولى بعد الانتقال بإلغاء استقلالية الجيش التنظيمية والسياسية، بعبارات السيطرة على الموازنة وتحديد المهمة وبنية القوة. وهو يعتقد بأنه لا يمكن القيام بهذا إلا إذا تمكّنت القيادة المدنية الديموقراطية، وبخاصة وزارة الدفاع، من تطوير سياسة عسكرية بديلة معقولة، والتعبير عنها وقيادتها. وقضت المهمة الثانية بالفوز بقبول الجيش بالسيادة المدنية والقضائية الديموقراطية المدنية. وتمثلت مهمته الثالثة بالسيطرة الإيديولوجية والتربوية على كل العسكر. ويجادل سيرّا بأن الأمر تطلب خمسة عشر عاماً، 1975 ـ 1988، لإنجاز المهمات الست كلها في إسبانيا، قبل الانتقال وبعده.
وتتمثّل واحدة من المزايا الفضلى لنقاش سيرّا لهذه المهمات الست في أن سردها الواضح يسمح للمواطنين في أي ديموقراطية جديدة بالقيام بجردة حساب عن المقدار الذي اقتربت منه بلادهم، أو ابتعدت، من توطيد السيطرة الديموقراطية على الجيش. ولم تتمكن، في رأيي، بعض الديموقراطيات الجديدة إلا من إنجاز المهمة الأولى، وتمكّن بعضها الآخر من إنجاز ثلاث أو أربع مهمات، لكن قلّة قليلة جدّاً تمكنت من إنجاز المهمات الست كلّها.
ويتعلق الجزء الأخير من مقالة سيرّا بالإصلاحات الضرورية في الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات في كل من الديموقراطية الجديدة (والقديمة) ردّاً على الإرهاب وتجارة المخدرات العابرَيْن للدول. ويحاجج بأن التركيبة الأخطر التي تواجهها معظم الديموقراطيات هي في اندماج كل هذه الأجهزة الثلاثة تحت السيطرة العسكرية. ويحث بالتالي على تفكيك مركزية هذه الأجهزة الثلاثة الخاضعة للسيطرة الديموقراطية. لكنه يدافع من ثم - وهو ما قد يثير، ولا شك، دهشة بعض القراء - عن الصياغة الحريصة لإعادة العمل بمركزية بعض القدرات الوطنية والدولية، مثل تقاسم الاستخبارات، وقوانين قضائية عابرة للدول، جديدة ومنسقة، تسهل عمليات التسليم السريعة للمطلوبين في ما بين الديموقراطيات، والشرطة التي ستعتبر أن أولويتها الأساسية تقضي بحماية أمن المواطنين.
يعي سيرّا وجود خطر بإعادة إنشاء سلطة مفرطة أو مستقلة، ولو أنها الآن في أيدي جهاز تنفيذي ديموقراطي. ويوصي بالتالي بأشكال متنوعة من الإصلاحات لحماية حقوق المواطنين، وللسيطرة على السلطة التنفيذية الديموقراطية، كتحسين دور القضاء المستقل، ومجالس تفتيش مستقلة للاستخبارات، وقدرات معزّزة للسلطة التشريعية.
مقترحات جديدة حول كيفية تحسين النظام الرئاسي ونصف الرئاسي
يُعتبر النظام البرلماني (كما تأسس أولاً في المملكة المتحدة)، والنظام نصف الرئاسي (والجمهورية الفرنسية الأولى مثال عليه)، والنظام الرئاسي (كما تأسس أولاً في الولايات المتحدة) النماذج الأصلية (ولكل منها أنواعه الكثيرة) للحكومة الديموقراطية في الديموقراطيات المعاصرة في العالم[10]. برز إجماع، في نقاشاتنا في نادي مدريد، على أن الكثير من الديموقراطيات التي تواجه الخطر، إنما تواجهه جزئياً بسبب النزعات الموجودة في النظامين الرئاسي ونصف الرئاسي والتي لم يتم تحليلها كما يجب في بداية الموجة الجديدة من تحقيق الديموقراطية.
ومن المؤكد أن الكثيرين من الناشطين والمنظرين الديموقراطيين القلقين من فقدان بعض المرونة في النظام الرئاسي قد ناقشوا إمكان الاستبدال التام للنظام البرلماني بالنظام الرئاسي. إلا أن جهود استبدال النظام الرئاسي أو إصلاحه تضاءلت بعد أواسط التسعينيات لسببين رئيسيين:
الأول، أنه لم يمكن للسياسيين والناخبين الديموقراطيين، في الديموقراطية تلو الأخرى، حمل أنفسهم على التراجع عن فرصة الحصول على رئيس قوي مُنتخب ديموقراطياً، يعتقدون أن في وسعه الدفع بالإصلاحات التي أرادها معظم المواطنين. وبدا أنه لا يمكن الفوز بالكفاح السياسي ضد النظام الرئاسي مهما بلغ وزن الحجج النظرية ضده.
الثاني، يبدو أن الأحداث التاريخية تشكك في واحدة من أكثر الحجج السياسية قوة ضد النظام الرئاسي. وقد حاجج المنتقدون بأن النظام الرئاسي ساهم في الإنقلابات وفي الحكومات العسكرية. وبالفعل فإن خمس دول فقط من بين عشرين دولة في أميركا اللاتينية تجنّبت في الستينيات والسبعينيات الأنظمة العسكرية. إلا أن الأنظمة العسكرية أخذت منذ التسعينيات حتى اليوم تختفي من الديموقراطيات الجديدة في شرق آسيا وأميركا اللاتينية. ومنذ 2009 لم يعد يوجد بالفعل أي نظام عسكري في أميركا اللاتينية.
لكن، وكما يجادل أرتورو فالنزويلا في هذا الكتاب، توحي بعض الاتجاهات الجديدة والمقلقة المتعلقة بالنظام الرئاسي في أميركا اللاتينية، بأننا نحتاج إلى التفكير مرة أخرى في كيفية الإصلاح الجذري لبعض مؤسسات النظام الرئاسي، وبخاصة تنوّع أشكاله الأميركية اللاتينية.
قد لا يوجد الآن أنظمة عسكرية في أميركا اللاتينية، لكن، وكما في وثائق فنزويلا، فقد أُجبر ستة عشر رئيساً منذ 1983 على التنحي عن السلطة قبل انتهاء ولايتهم الدستورية، وأوقف الرئيس السابع عشر العمل بالنظام بالدستوري عن طريق إغلاق الكونغرس، في حين لم يتمكن الكثيرون غيره من وضع التشريعات إلا بمراسيم. كما إن الكثير من درجات شعبية رؤساء السلطة التشريعية الأدنى، والكثير من الدعم التشريعي الأضعف، والمساندة القوية من الرأي العام للبدائل غير الديموقراطية، موجودة اليوم في الديموقراطيات الرئاسية المأزومة في أميركا اللاتينية. وتوجد بالتالي أزمة جديدة من الفاعلية الديموقراطية والشرعية الديموقراطية في أميركا اللاتينية، ويشير فالنزويلا إلى دليل قوي يظهر أن الكثير من هذه الأزمة مرتبط بالنظام الرئاسي.
بَيْد أن البدائل الهادفة إلى تعزيز مثل هذه الديموقراطيات الرئاسية التي تواجه الخطر أخذت تبرز من خلال أعوام من النقاشات حول الأرجنتين مع المنظّر الحقوقي الأرجنتيني الكبير كارلوس نينو، والمنظّر المبدع في الديموقراطية خوان لينز، والرئيس البوليفي الذي حوصر وأطيح به في النهاية غونزالو سانشيز دي لوزادا. وقد سمّيتُ هذه البدائل "النظام الرئاسي البرلماني". ونظراً إلى أزمات النظام الرئاسي الكثيرة، أقنَعَ نادي مدريد كمجموعة، وأنا كمحرّر، فالنزويلا بالحاجة إلى مناقشة هذه البدائل ضمن جمعيتنا العمومية، وتوفير بعضها في مآل الأمر للمرة الأولى، طباعةً في هذا الكتاب.
شاركتُ في الثمانينيات والتسعينيات في البرازيل وتشيلي والأرجنتين في الكثير من النقاشات حول الرغبة والجدوى من تغيير النظام الرئاسي إلى نوعٍ من أنواع النظام البرلماني. وكان النظام نصف الرئاسي على الطراز الفرنسي هو الشكل الأكثر رغبة، مع بعض الاستثناءات، من الزعماء السياسيين والجمهور، لأنه يستوجب سلطة تنفيذية مزدوجة، ورئيس حكومة مسؤول تجاه البرلمان، ولكن أيضاً مع وجود رئيس منتخب مباشرة[11]. والأمر الفاتن، في نظرة إلى الوراء، هو مدى قلّة الانتباه الذي كُرّس في الواقع لاستكشاف المشاكل الممكنة مع النظام نصف الرئاسي.
تعاونت سيندي سكاش، مؤلّفة كتاب رئيسي عن النظام نصف الرئاسي، وتيموتي ج. كولتون، أحد الباحثين الطليعيين في السياسات الروسية، في هذا الكتاب لتزويدنا بالتقويم النقدي لنظرية وممارسة النظام نصف الرئاسي الذي افتقرنا إليه عند بداية الموجة الثالثة[12]. وقاما بذلك بإجراء مقارنة لتجربة ما بعد الشيوعية، وبخاصة في روسيا، مع الجمهورية الفرنسية الخامسة ومع النموذج البرتغالي المهمَل والذي تزيد جاذبيته. وامتلكا مجموعة غنية جديدة من الدليل التجريبي ليتفحّصاه، لأن النظام نصف الرئاسي أصبح الشكل النموذجي للحكم المعتمد في أوروبا ما بعد الشيوعية[13]. استخدما مجموعة الأدلة هذه ليثبتا أنه يوجد المزيد من التنوع، ومن المخاطر المحتملة على الديموقراطية في بعض هذا التنوع، أكثر مما تم تشخيصه في السابق.
وكما يشيران إلى ذلك، فإن معظم التحليلات للنظام نصف الرئاسي تناقش شكلَيْن أتيا عن طريق الانتخاب من جوهر نموذج «السلطة التنفيذية المزدوجة». ففي الوضعية الأولى: يتزعم الرئيس حزباً أو ائتلافاً يمتلك غالبية في المجلسَيْن. وفي الوضعية الثانية: لا يمتلك الرئيس غالبية في البرلمان، لكن رئيس الحكومة يمتلكها[14].
إن أحد الأسباب التي دفعت ببعض الناس إلى المجادلة في أن النظام نصف الرئاسي أفضل الاثنين، هو في أنهم نظروا إلى ما أسميه بالوضعية الأولى بوصفها نظاماً رئاسياً محضاً مع أغلبية تشريعية، واعتبروا بالتالي أنها معصومة من مشاكل الحكومة المنقسمة. واعتبروا الوضعية الثانية قريبة من النظام البرلماني المحض لوجود رئيس لمجلس الوزراء يحكم بغالبية تشريعية وهو زعيم للحكومة. ولا وجود بالتالي، بالنسبة إلى بعض الكتّاب أمثال أرند ليبهارت، لحيّز خطر في النظام نصف الرئاسي (وهو يكاد يكون غير موجود كشكل منفصل من أشكال الحكم) لأنه يتضمن فقط تناوباً (من الوضعية الأولى إلى الوضعية الثانية وبالعكس) بين الشكلين الأقل التباساً من أشكال النظام الرئاسي والنظام البرلماني.
إلا أنه يوجد مع ذلك حيّز مثير للمشاكل في النظام نصف الرئاسي. فالوضعية الثانية ليست في الواقع قريبة من النظام البرلماني المحض. فرأس الدولة هو رئيس مُنتخب مباشرة بولاية محددة، وغالباً ما يمتلك مركز رئاسة الجمهورية امتيازات دستورية مدمجة تتعلق بالأمن الخارجي والداخلي، والاستخبارات، والشؤون الخارجية، وسلطات الطوارئ، وإصدار المراسيم، والحق في حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة. وهذا ليس نظاماً برلمانياً محضاً بل هو "سلطة تنفيذية مزدوجة"، مع مصدرَيْن انتخابيَّيْن مختلفَيْن للشرعية. فمركز رئيس الجمهورية المنتخب مباشرة، في النظام نصف الرئاسي، يمتلك بالتالي مع هذه السلطات قاعدة في الدولة لمواجهة رئيس الوزراء، أكثر متانة مما يمكن لأي مركز أن يمتلكه في النظام البرلماني المحض.
ولكني لم أناقش الحيّز الأكثر إرباكاً للنظام نصف الرئاسي. فالوضعيتان الأولى والثانية لا تستنزفان، في الواقع، إمكانات النموذج الناتجة عن الانتخابات. ويمكن، منطقياً، وجود وضعية ثالثة لا يمتلك فيها لا الرئيس ولا رئيس الحكومة، الغالبية[15].
أُهملت المشاكل المحتملة للوضعية الثالثة في الأدبيات التأسيسية لدراسات تحقيق الديموقراطية لأنها لم تلقَ ما يكفي من الاعتراف بها بوصفها ممكنة. فالنموذج الرئيسي الذي دار في ذهن معظم الناشطين والمنظّرين الديموقراطيين، وهو الجمهورية الفرنسية الخامسة، احتلّ دوماً الوضعية الأولى في سنواته الست والعشرين الأولى ولم يكن قَطْ في الوضعية الثالثة[16]. إلا أن الكثير من البلدان نصف الرئاسية الجديدة مثل روسيا كانت دوماً، حسبما يحاجج كولتون وسكاش، في الوضعية الثالثة.
وقد حاججا بأن الوضعية الثالثة هي المحفوفة أكثر بالمخاطر على الديموقراطية لأن لكلا السلطتين التنفيذيتين المزدوجتين ادعاءات دستورية بامتيازات تنفيذية بالرغم من عدم امتلاك أي منهما الغالبية التشريعية. ويجادلان في أن حالات الوضعية الثالثة تُحل غالباً على يد الرؤساء الذين يستخدمون سلطات الطوارئ الدستورية المتضمّنة، ووصولهم الخاص إلى مصادر الاستخبارات والشرطة والجيش، لتغيير ميزان القوى من خلال إجراءات غير ديموقراطية.
يبرهن كولتون وسكاش، بالتفصيل المقنع، كيف أن الوضعية الثالثة ساهمت، في حالة روسيا، في قيام الرئيس يلتسين، في الغالب، بالحكم على هوامش الديموقراطية أو بخروجه وقتياً "من الصندوق الديموقراطي"، كما في عام 1993 عندما أغلق البرلمان بالقوة وأنشأ دستوراً جديداً "رئاسياً من الدرجة الأولى"، ومن ثم الحصول على التصديق على الدستور في ظل ظروف تمكّن من إجراء الاستفتاء.
وما يخرج من تحليل كولتون وسكاش هو أنه علينا أن نعي، ليس فقط النظام نصف الرئاسي بأسلوب الجمهورية الخامسة الفرنسية (وهو برأيي الآن بشكل تجريبي خلية من واحد) بل أيضاً اثنين من أبرز الأنماط وهما: نمط "رئاسة الدرجة الأولى نصف الرئاسية" على طريقة يلتسين، والنمط الآخذ في البروز والذي أدعوه "النظام نصف الرئاسي البرلماني". وهذا النمط الأخير من العلاقات الدستورية بين السياسة وحزب السلطة التنفيذية لم يخضع فعلاً للدراسة. وقد ظهر أولاً في البرتغال، وهو يطغى الآن، مع بعض التنوع، في بولندا وسلوفينيا وليتوانيا وكرواتيا.
أقصد بعبارة "النظام نصف الرئاسي البرلماني" أن ألفت الانتباه إلى مجموعة مُدركة من القرارات السياسية يتخذها الزعماء وواضعو الدستور والناخبون لخفض بعض المشاكل المحتملة للنظام نصف الرئاسي. ويستلزم الاقتراح رئيساً يُنتخب مباشرة. لكن هناك، كما في البرتغال وبولندا وليتوانيا وسلوفينيا وفي وقت أقرب في كرواتيا، جهداً مقصوداً لتفادي "النظام الرئاسي من الدرجة الأولى" عن طريق خفض سلطات الرئيس وزيادة سلطات البرلمان والمحاكم في الغالب[17]. ومن تأثيرات هذه التغييرات الزيادة في تحفيز السياسيين المنتخبين ورؤساء الحكومات على إنشاء الأحزاب السياسية الديموقراطية والائتلافات، وتعزيزها. ومرد ذلك إلى أنه لا يمكن للطامحين إلى الزعامة السياسية قيادة الحكومة الديموقراطية في هذا النوع من النظام نصف الرئاسي، إذا كانت الغالبية في البرلمان ضدهم.
وهذا الشكل من النظام نصف الرئاسي هو في رأيي الأقل خطراً على الديموقراطية لأنه يقلّل كثيراً من احتمالات الوصول إلى الوضعية الثالثة. علاوة على ذلك، وبالرغم من أنه لن يلغي التوترات بين السلطتين التنفيذيتين المزدوجتين المتوطنة في الوضعية الثانية، فإنه سيجعلها أقل خطورة. يمتلك الرئيس في سلوفينيا وليتوانيا سلطات أقل من الرئيس في فرنسا، فيما تُعتبر الرئاستان في البرتغال وبولندا ضعيفتين الآن[18].
إن إلقاء نظرة على ثمانية من بلدان ما بعد الشيوعية التي قُبلت في الاتحاد الأوروبي في عام 2004 واعتُبرت بالتالي أنها اجتازت عتبة مهمة في توطيد الديموقراطية، يمكن أن تشكّل إيضاحاً كبيراً للغاية. فخمس من الدول الأعضاء الجديدة ذات نظام برلماني محض وهي: المجر، جمهورية تشيكيا، أستونيا، لاتفيا، وسلوفاكيا. ولم تعتمد أي واحدة نظام الجمهورية الخامسة الفرنسية نصف الرئاسي. كما لم تعتمد أي منها "النظام نصف الرئاسي، الرئاسي من الدرجة الأولى". أما الدول الثلاث المتبقية من الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي – بولندا، سلوفينيا، وليتوانيا – فهي أقرب إلى "النظام نصف الرئاسي البرلماني".
ولا تقع قيمة تحديد هذا النمط الجديد في أنها تلفت الانتباه إلى هذه الترتيبات السياسية الجديدة على هذا النحو وحسب، بل في أنها تنبهنا أيضاً إلى عملية سياسية غير متوقعة وصالحة ديموقراطياً. وتوحي بوجود أنواع من الأفعال التي يمكن للزعماء الديموقراطيين والناخبين اتخاذها للتخفيف من بعض الأخطار على ديموقراطية الحكم نصف الرئاسي.
ينتهي الكتاب بخاتمة من وضع واحد من أكثر القادة الفكريين من منظّري جيل تحقيق الديموقراطية الأول نفوذاً، فرناندو أنريكي كاردوسو، الذي أصبح أيضاً رائداً مؤثّراً لإصلاحات الجيل الثاني الديموقراطية خلال عهدَيْ حكمه كرئيس للبرازيل من عام 1995 إلى عام 2003.
القسم الأول
الإدارة الديموقراطية للنزاعات الثقافية المحتملة
الفصل الأول :المجتمع المدني، الإسلام، والنزاع الإثني الطائفي
أشوتوش فارشني
ركّزت بعض المساهمات الأخرى في هذا الكتاب على المؤسسات السياسية الوطنية مثل "الفدرالية غير المتناظرة". وسأركّز، مستقياً من أبحاثي في الهند وإندونيسيا وماليزيا وسريلانكا، على المجتمع المدني الذي يُعرّف بأنه المجال غير الحكومي في حياتنا الجماعية والذي توجد فيه وتعمل منظمات مستقلة نسبياً عن الدولة[19]. وأقوم بهذا لأعالج السبب في استيطان النزاعات الإثنية الطائفية في العالم، ولأسأل عن أنواع جمعيات المجتمع المدني التي يمكنها كبح انفجار مثل هذه النزاعات. إن مثل هذه النزاعات، كما هو معروف، لها وقع سلبي على نوعية الديموقراطية، بل وأحياناً على بقائها. ويقدم هذا البحث الجديد تشخيصاً حديثاً للعنف الإثني الطائفي.
سأتقدم، حيث يلزم، بملاحظات وجيزة عن العلاقة بين الإسلام والنزاع. إذ ينصب اهتمام كبير على دور الإسلام في السياسة في المناخ الفكري والسياسي الراهن. ويشكل المسلمون الغالبية في اثنين من البلدان المذكورة أعلاه – إندونيسيا وماليزيا – وأقلية في الهند وسريلانكا. والهند من بين أقدم الديموقراطيات وأكثرها استقراراً في العالم النامي؛ وأضحت إندونيسيا منذ عام 1998 ديموقراطية عاملة؛ ويُنظر في العادة إلى ماليزيا بوصفها نصف ديموقراطية؛ وبقيت سريلانكا ديموقراطية على مدى ثلاثة عقود قبل أن يقوّض الحكم الأكثري المتفلت في عام 1983 حيويتها ويؤدي إلى الحرب الأهلية. وباتت سريلانكا عند هذا الحد نصف ديموقراطية في أفضل الحالات: يوجد صراع قوي بين الحزبين السياسيين الرئيسيين على الفوز بأصوات طائفة الأكثرية، إلا أن المشاركة الانتخابية لطائفة الأقلية الرئيسية، التاميل، هي في حدها الأدنى (ولو أنه لا يمكن قول الأمر نفسه عن جماعات الأقليات الأخرى، وبخاصة المور ] عرب سريلانكا[). ومن الممكن، استناداً إلى خبرات هذه البلدان، تطوير بعض الأفكار عن الدور الذي يلعبه الإسلام في النزاع الإثني الطائفي، وبخاصة في الأُطُر الديموقراطية أو نصف الديموقراطية.
سأطرح نوعين من الاستنتاجات في نهاية هذه المقالة: واحد يتعلّق بكيفية تمكّن المجتمع المدني من كسر حدّة العنف الإثني، والآخر يتعلّق، بالإضافة إلى أمور أخرى، بالكيفية التي يتم فيها التوسط في الرابط بين الإسلام والعنف، والذي يُنظر إليه، في الغالب، على أنه بديهي في هذه الأيام، من خلال العلاقات المحلية التي يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تتداخل فيها مع الآخرين. ولا يمكن إثبات أن العنف متأصّل في الإسلام.
توضيح التعابير
يجب في البدء، وتفادياً لأي التباس ممكن، إعطاء تحديد واضح لتعبيرين اثنين: المجتمع المدني والنزاع الإثني الطائفي. يفهم مختلف الباحثين هذين التعبيرين بطريقة مغايرة. فكيف أفسّرهما أنا؟
أعني بالمجتمع المدني المجال الموجود في حياتنا الاجتماعية بين مؤسسات الدولة من جهة، والعائلات من جهة أخرى، والذي يسمح للناس بالاجتماع طوعاً لممارسة أنواع مختلفة من النشاطات العامة، وهو مستقل نسبياً عن الدولة. وليس المجتمع المدني في الحياة الجماعية بالمجال غير السياسي لكنه ليس بالمجال الحكومي. ويمكنه، علاوة على ذلك، أن يعتنق، بوظائفه غير الحكومية، كلاً من النشاطات الاجتماعية والسياسية. ويمكن لفرق كرة القدم ونوادي ورق اللعب وهواية جمع الطوابع والموسيقا والسينما أن تكون اجتماعية لا سياسية؛ لكن النقابات العمالية والأحزاب السياسية في الأنظمة المتعددة الأحزاب (وليس أنظمة الحزب الواحد) هي في الأساس سياسية وليست اجتماعية بالرغم من أنها قد توفّر منابر للقاءات الاجتماعية في إطار أداء أدوارها السياسية[20]. ويشكل هذان النوعان من التنظيمات جزءاً من المجتمع المدني طالما هما مستقلان عن الدولة.
هل "النزاع الإثني الطائفي" و "العنف الإثني الطائفي" صنوان أم يجب التفريق بينهما؟ لم يفرق، في المجمل، معظم ما يوجد من أدب بين العنف الإثني الطائفي والنزاع الإثني الطائفي. ومن المحتم بدرجة أو بأخرى، في أي مجتمع متعدد إثنياً ودينياً وتتوفر فيه حرية التعبير، حصول بعض النزاع الإثني الطائفي.
تتمثل المسألة الأساسية في هل أن النزاع الإثني الطائفي (ومن ثم الإثني أو الطائفي) هو عنفي أم غير عنفي، ويحصل ضمن القنوات المؤسساتية للنظام السياسي. وإذا تم التعبير عن مظالم المؤسسات المعترف بها في النظام – في البرلمانات والمجالس والبيروقراطيات – وتم السعي فيها إلى أفعال تحسينية، أو إذا اتخذ، بدلاً من ذلك، شكل المظاهرات غير العنفية في الشوارع، حيث يصبح العصيان المدني ذروة هذه السياسة، فهو نزاع - ولا شك - لكنه ليس عنفاً. ولا تجب مساواة مثل هذا النزاع المؤسساتي، الذي يمكنه أن يضفي، وبطرق كثيرة، درجة كبيرة من الصحة على النظام السياسي، مع وضع يصبح فيه الاحتجاج عنيفاً وتجري أعمال شغب، ويُشرع في مذابح مدبّرة ضد بعض المجموعات الإثنية بالتواطؤ مع سلطات الدولة. أو تندلع، في شكله الأقصى، حرب أهلية. ويجب، لغايات عملية، تصوّر السلم الإثني الطائفي باعتباره عملية توجيه مؤسساتية وحلاً للنزاعات الإثنية. ويجب النظر إليه على أنه غياب للعنف وليس انتفاء للنزاع. ولو أمكننا أن نلغي النزاعات الإثنية والقومية من وسطنا لعشنا ربما في عالم أكثر سلاماً لكن لا يبدو ان حقبة ما بعد الإثنية وما بعد القومية في المتناول، أقله على المديين القصير والمتوسط.
الأحجية
سيواجه الباحثين في النزاع الإثني، عاجلاً أو آجلاً، انتظامٌ اختباري محيّر. فبعض الأماكن – دول، مناطق، مدن، قرى – تحافظ على سلامها بالرغم من تنوّعها الإثني، فيما تختبر أخرى، لها التنوع نفسه، انفجارات متكرّرة من العنف. ومن قبيل ذلك، تنفجر بعض المجتمعات المتعددة الإثنيات فجأة بعد الحفاظ على سجل طويل من السلم. ولم تكن الدراسات على التنوعات التي تحصل عبر الزمان والمكان، حتى وقت قريب، موضوع تركيز التحقيقات في حقل الإثنية والقومية. تناول كتابي "النزاع الإثني والحياة المدنية" مسألة التغايرات عبر المكان؛ في حين أن مشروعي الجديد، الذي سأشرحه لاحقاً، سيتعامل مع التغايرات عبر الزمان.
ولفهم التغايرات عبر المكان في العنف الهندوسي – المسلم في الهند، تفحّص كتابي كل ما ذُكر عن أعمال الشغب الهندوسية – المسلمة في البلاد ما بين 1950 و 1995 [21]، وتوصّل إلى نتيجتين حاسمتين: الأولى أن حصة القرى المتورطة في أعمال الشغب الطائفية صغيرة بشكل ملحوظ. وتبين أن الهند الريفية، حيث لا يزال يعيش اثنان من أصل كل ثلاثة هنود، شكلت مسرحاً لـ 3,6 بالمئة من مجموع الوفيات التي تسبب بها العنف الطائفي في هذه الفترة. فالعنف الهندوسي – المسلم هو في الأساس ظاهرة مدينية. والثانية أن أعمال الشغب الهندوسية – المسلمة في الهند المدينية مُركزة محلّياً إلى درجة عالية. فقد كانت ثماني مدن – أحمد أباد، بومباي، أليغار، حيدر أباد، ميروت، كالكوتا ودلهي – مسؤولة عن حصة غير متكافئة بشكل كبير من العنف الطائفي في البلاد: ما يقارب نصف كل الوفيات المدينية و 45 بالمئة من كل وفيات العنف الطائفي المديني والريفي. بيد أن هذه المدن الثماني تشكل كمجموعة أقل من خمس سكان الهند المدينيين (وخمسة إلى ستة بالمئة فقط من مجموع سكان البلاد). فاثنان وثمانون بالمئة من سكان المدن ليسوا "ميالين إلى أعمال الشغب".
بعبارات أخرى، إن العنف الهندوسي – المسلم في الهند خاص بالمدينة. ويُنظر في أفضل الحالات إلى سياسات الولاية (والسياسات القومية)على أنها توفر الإطار الذي يتم من خلاله تفعيل الآليات المحلية المرتبطة بالعنف أو بالسلم. وعلينا، لشرح العنف الطائفي، تدقيق البحث في هذه الآليات المحلية.
هل هذه الأنماط حكر، بأي حال، على الهند فحسب؟ بالرغم من أن أنماط أعمال الشغب الداخلية لم تخضع لتمحيص منهجي في الكثير من البلدان، يوحي ما نعرفه بأن الأنماط الهندية ليست شاذة. ففي إندونيسيا كانت 15 مقاطعة (كابوباتن)، تضم 6,5 بالمئة من مجمل عدد سكان البلاد، مسؤولة عن 85,5 بالمئة من كل الوفيات جراء العنف الجماعي الذي قارب الحروب الأهلية ما بين عامي 1990 و 2003 [22]. وتُظهر أيضاً المعطيات التي بحوزتنا عن العنف العرقي في الولايات المتحدة في القرن العشرين وعن "الاضطرابات" في إيرلندا الشمالية في أواخر الستينيات، انماطاً أكبر تكاد تكون مشابهة[23].
يتجه العنف الإثني الطائفي إلى أن يصبح على درجة عالية من التركيز المحلّي أو المناطقي، حتى أنه لا ينتشر بشكلٍ متساوٍ في البلد المعني. ومن النادر أن تنهار العلاقات الإثنية في بلد ما قبل أن تتحول النزاعات الإثنية إلى حرب أهلية. ونحن نميل إلى تكوين انطباعات جزئية، أو خاطئة، عن العنف الإثني، لأن العنف هو الذي يجتذب انتباه الإعلام وليس الاستمرار الهادئ للحياة الروتينية، أو لأننا نستخلص بشكل عام الاستنتاجات حول النزاع الإثني من الحروب الأهلية، مع أنها لا تشكل إلا نوعاً واحداً، ولو أنه الأشد فتكاً، من أنواع النزاع الإثني. فالكثير من العنف الإثني يتّخذ طابع أعمال شغب قبل اندلاع الحروب الأهلية، ومن الشائع، بما هو أقل من الحرب الأهلية، حصول جيوب من العنف محاطة بامتدادات واسعة من السلام. والفارق الأساسي بين أعمال الشغب والحروب الأهلية هو ببساطة أنه حين تُثار الشكوك حول حياد الدولة خلال أعمال الشغب، فإن الدولة لا تعلّق مبدأ الحياد ولا تصبح فريقاً مقاتلاً في النزاع الإثني. وتُسقط الدولة كلّياً مبدأ الحياد في الحروب الأهلية وتصبح فريقاً مقاتلاً ضد المجموعة التي تتحدى الدولة. وتشكّل، بالتالي، أعمال الشغب والحروب الأهلية ظاهرتين مختلفتين جداً.
الشروح التقليدية الغالبة
امتلك الباحثون، حتى وقت قريب، أربعة تفسيرات رئيسية للعنف الإثني الطائفي. وتعاني هذه التفسيرات، بمعايير البحث الراهنة، من عيوب متعددة سأناقشها بإيجاز في نهاية هذا القسم. والفجوة الأهم، في ما يعنيني هنا، هي عدم قدرة هذه الأعراف على تفسير التركيزات المحلية للعنف الإثني الطائفي، وهو الاستنتاج التجريبي الأساسي المذكور سابقاً. ودعونا ننظر في كل عرف على حدة.
يُعرف التفسير الرئيسي الأول أيضاً بالـ"بدائية"، وهو إلى حدّ كبير الأكثر شهرة في الدوائر الصحافية والشعبية[24]. ويشير إلى أن "الأحقاد البدائية أو القديمة" هي سبب النزاع الراهن. ويقال إن الاحقاد المستمرة منذ قرون، ترتكز إلى الفوارق العرقية أو الدينية أو الثقافية. وتنتج النزاعات عندما تتخطى روابط الدم الانفعالية أو الأحقاد القديمة، الحسابات العقلية. وقلة من الباحثين تتبنى اليوم فكرة الأحقاد القديمة بالرغم من الشعبية التي تتمتع بها وجهة النظر هذه في الصحافة. ويعتقدون، في تبسيط للأمر، أن معظم النزاعات الإثنية، فضلاً عن الدينية، حديثة. أو أن معنى هذه النزاعات ومستواها يختلفان كلّياً في حال وجد المرء دليلاً على انتشارها في الأزمنة السابقة للحداثة. لم تؤد الحداثة إلى اختفاء الهوية الإثنية أو الدينية كما افترض ذلك كثير من الباحثين والمفكرين أو السياسيين بعد الحرب العالمية الثانية. بل يمكن بالأحرى إثبات أن الحداثة، ولأسباب مختلفة كلياً، يمكنها أن تفعّل النزاع الإثني أو الديني.
يُعرف العرف الكبير الثاني بالـ"ذرائعية". وفحوى طرحه الأساسي أن الأحقاد القديمة ليست القضية الرئيسية؛ بل إن النخبة السياسية تستخدم الإثنية لأهداف سياسية أو اقتصادية، بغض النظر عن اعتقاد هذه النخبة، أو عدم اعتقادها، بالعرقية. وما النزاعات إلا نتيجة لمثل هذا التلاعب العبثي الذرائعي. ولم تتمكّن وجهة النظر هذه من حلّ أحجية كبرى: وهي أنه قد يمكن بالفعل للنخبة كسب السلطة من خلال تعبئة الهوية الإثنية، ومن دون أن تؤمن بها في الحقيقة. ولكن لماذا يجب على الجماهير أن تنقاد للزعماء وبخاصة في حالة معرفة أن كلفة المشاركة كبيرة، وقد تستجلب السجن أو الضرر أو الموت؟[25]
أصبح يُطلق على العرف الثالث، وهو أحدث من الاثنين السابقين، اسم "البنائية". ويقضي الطرح الأساسي للبنائيين بأن هويتنا كهندوس أو كمسلمين، كيهود أو كمسيحيين، كتيبتيين أو هان صينيين، حديثة وليست قديمة. ولا يعني هذا عدم وجود هندوس ومسلمين ويهود ومسيحيين وتيبتيين وهان صينيين في الأزمنة السابقة للحداثة. بل إن الهويات في الأزمنة السابقة للحداثة اتجهت، على العموم، لأن تقف وجهاً لوجه، وتعمل على نطاق صغير. ونادراً ما تفاعل الناس العاديون بما هو أبعد من بيئاتهم المحلية. وعولجت النزاعات محلّياً لدى اندلاعها، ونُظر إلى الهوية بوصفها مرنة. لم يشكّل "الناس" جزءاً من المجتمعات غير المحلية؛ وتألفت مثل هذه المجتمعات الأكبر أساساً من نخبة الإكليروس والأرستقراطيين والنبلاء الذين يستوطنون البلاط[26]. وبدّلت الحداثة في معنى الهويّات بجلب الجماهير إلى إطار أكبر، غير محلّي، من الوعي. ووسع ذلك من الهويات والطوائف وزاد في مأسستها. وتظهر ليندا كولي، في ما أصبح حجة كلاسيكية بنائية، كيف أمكن لتركيبة من البروتستانتية ومعارضة فرنسا ومنافع الأمبراطورية، أن تذيب النزاعات التاريخية المريرة بين الإسكتلنديين والإنكليز وتؤدي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى بناء الهوية البريطانية[27]. ويركزّ كتاب بينديكت أندرسون، المجتمعات الخيالية Imagined Communities، وهو واحد من أكثر النصوص تأثيراً على القومية اليوم، على أن التكنولوجيا والنظام الاقتصادي الحديثَيْن – الطباعة والرأسمالية، في دقة أكثر – مكّنا من تخيّل مجتمعات كبيرة وشعبية تخطّت مجتمعات الإكليروس غير المحلية السابقة للحداثة من جهة، والسلالات الأرستقراطية من جهة أخرى.
ويُطلق على العرف الرابع الكبير اسم «المأسسة". وتتمثل فكرته المركزية بوجود روابط يمكن تحديدها بوضوح، بين النزاع الإثني (أو السلم) من جهة، وبين المؤسسات السياسية من جهة أخرى. ومن المهم معرفة ما إذا كان للمجتمعات المتعددة الإثنيات ديموقراطيات توافقية أم أغلبية، حكومات فدرالية أم وحدوية، دوائر انتخابية فردية أم متعددة، تمثيل نسبي في مقابل نظام انتخابي يفوز فيه من يحصل على العدد الأكبر من الاصوات. ويُجادَل بأن التعددية الإثنية تتطلب مؤسسات سياسية – أشكال وقواعد تقاسم السلطة، أنواع الدوائر الانتخابية، أنواع أنظمة التصويت، وأنظمة الأحزاب – تختلف عن تلك المناسبة للمجتمعات المتجانسة إثنياً، أو التي لم يمكن تقسيمها إثنياً. ومن شأن التبني الخالي من النقد للأشكال المؤسساتية، بغض النظر عن تميّز المجتمع بالانقسامات الإثنية أم لا، أن يشكّل سبباً خطيراً للنزاع الإثني. ومن شأن الخيار المؤسساتي المتناسب مع الخريطة الإثنية للمجتمع أن يحل النزاع، أو يخفف منه.
هناك ثلاثة عيوب في هذه الأدبيات تستحق أن نوليَها اهتمامنا. اثنان منها مفاهيميان والآخر تجريبي[28]. يرتبط العيبان المفاهيميان بفكرتين جديدتين، هما: الآلية والتنوُّع، قادتا تطوّر البحث في الأعوام العشرة الماضية.
غالباً ما تعوّد الباحثون، في أوقات سابقة، أن يعتمدوا في بناء النظرية على رابط بين الظروف البنيوية وطفرة النزاع الإثني أو القومية. ويشكّل إرنست غلنر المثال الأشهر على هذه النزعة[29]. وقد جادل في أن نشوء العصر الصناعي تطلّب القومية بعدما أصبح توحيد المعايير اللغوية ضرورياً للتواصل بين المواطنين، وانتقلت الجماهير الريفية إلى المدن بحثاً عن الوظائف في الصناعة. ولم يعد يُنظر إلى هذا النوع من الاستدلال على أنه يتمتع بما يكفي من الدقة نظراً إلى معايير التسعينيات العلمية. ولا يعني واقع أن التصنيع يتطلب القومية أنها ستحصل. فهل يمكن للحاجة أن تخلق الإنجاز الخاص بها؟ إن أكثر من الحاجات تبقى، في التاريخ وفي السياسة، من دون تحقيق. ويتطلب الأمر، بأقل تقدير، احتساب المنظمات والحركات أو الزعماء الذين سيتولون عملية تحويل الحاجات إلى نتائج فعلية.
أدّت فكرة التنوّع والتشابه إلى أن يصبح التقدم ممكناً. فقد تعوّدنا أن نركّز في التنظير للعنف الإثني على إثبات التعميم بين حالات كثيرة من العنف (أو يرتكز أحياناً على دراسة عميقة لحالة أو اثنتين)[30]. وبحلول منتصف التسعينيات، وفي أعقاب ما حظي به كينغ وكليوهان وڤيربا من شهرة، أصبح هذا الشيء يُسمّى "الانحياز الانتقائي" واعتُبر غير جائز في البرهان السببي[31].
ولوحظ لاحقاً أن الانحياز الانتقائي ليس عقيماً بالكامل. إذ يمكنه، مثلاً، أن ينسف نظرية قائمة في حال أدى التعميم المرتكز على حالات مشابهة إلى حجة تتعارض مع المعتقد التقليدي النظري القائم[32]. إلا أنه لا يكفي، في حد ذاته، لتوليد نظرية سببية جديدة صالحة اختبارياً.
لكن، وبالنظر إلى أهداف هذه المقالة، فإن الفجوة الأهم في الآداب التقليدية تقع في مكان آخر. فهذه النظريات عاجزة عن تفسير التركيزات المحلية/الجغرافية للعنف الإثني. ولو صحّت الحجج البدائية الذرائعية والبنائية، وكلها معروضة على مستوى عام جداً، فلماذا يحصل مثل هذه التنوعات في داخل البلد المعني؟ ولو كانت المؤسسات السياسية القومية حاسمة، فلماذا توجد اختلافات دولية؟ من الواضح أن هناك أمراً محلياً محدداً يلعب دوراً، ويبدأ، ما إن يتم اكتشافه وتضمينه، في شرح التنوعات مع الشروحات على المستوى القومي أو من دونها.
اكتشاف دور المجتمع المدني
اتبع كتابي عن الهند منحى التفكير هذا وانتقى ست مدن – ثلاث منها معرّضة لأعمال الشغب والثلاث الأخرى مسالمة – رتّبها في ثلاثة أزواج، احتوى كل منها على مدينة ينتشر فيها العنف الطائفي وأخرى يندر فيها العنف أو يغيب عنها كلّياً. ولضمان عدم خلط الأمور بعضها ببعض، اعتُمدت نسب المشاهدة الأصغر (minimum control) المئوية نفسها تقريباً للسكان الهندوس والمسلمين، لكل زوج من المدن[33].
وأظهرت هذه المقارنة العلاقة بين المجتمع المدني والعنف الإثني الطائفي. ولأكون أكثر تحديداً، ركّزت حجتي على الروابط بين الطائفتين (شبكات ومنظمات تدمج بين الهندوس والمسلمين) وليس على الروابط في داخل كل طائفة (شبكات ومنظمات كلها من الهندوس أو كلها من المسلمين). وفي تعبير مميز يطلق روبرت بوتنام على الأولى تسمية رأسمال التقارب الاجتماعي، وعلى الثانية رأسمال اللحمة الاجتماعية[34].
ويمكن القيام بمزيد من الفصل وتقسيم هذه الشبكات إلى نوعين: تنظيمي ويومي. أطلقت على الأول اسم الأشكال الترابطية للانخراط المدني، وعلى الثاني اسم الأشكال اليومية للارتباط المدني. وتشكّل اتحادات الأعمال: ونقابات الأطباء والمحامين والأساتذة والطلاب، ونوادي المطالعة والسينما والرياضة، ومنظمات المهرجانات، والنقابات العمالية، والأحزاب السياسية، بعضاً من الأمثلة على الأشكال الترابطية. وتغطي الأشكال اليومية للارتباط تفاعلات الحياة الروتينية مثل قيام عائلات الهندوس والمسلمين بزيارة بعضها لبعض، وتناول الطعام بعضها مع بعض والمشاركة معاً في المهرجانات، والسماح للأولاد باللعب معاً في الجوار. ويروّج شكلا الارتباط للسلام بشرط تمتعهما بالمتانة: في حين أن غيابهما أو ضعفهما يفسح المجال للعنف الطائفي. وتبين، من بين الاثنين، أن الأشكال الترابطية أكثر متانة من الارتباطات اليومية وبخاصة عندما تواجَه بمحاولات السياسيين استقطاب الجماعات الإثنية. وتلعب الحياة الترابطية المتينة، إذا حصلت بين الطوائف، دور الرادع الجدي لاستراتيجيات الاستقطاب التي تمارسها النخب السياسية.
لماذا يُفترض بالأمر أن يتم على هذا الشكل؟ توجد وصلتان تربطان بين الحياة المدنية والنزاع الإثني. أولاً، يسمح الاتصال السابق والمستدام بين أعضاء مختلف الجماعات بالتواصل فيما بينها لكسر حدة التوترات، التي تنشأ نتيجة لأعمال الشغب في مدينة مجاورة أو ولاية، أو عنف بعيد أو تدنيس تحكي عنه الصحافة أو يظهر على التلفاز، أو شائعات يزرعها السياسيون أو جماعات في المدينة لإثارة الاستياء الطائفي والعواطف، أو أعمال استفزازية من الأذى الطائفي تقوم بها الشرطة أو المشاغبون أو الشبان. ويمكن معادلة ذلك كله بالشّرر الذي لا يتحوّل بالضرورة إلى نيران. وفي المدن ذات التفاعل الكثيف بين مختلف الطوائف تبرز اللجان السلمية من الأسفل، في مختلف الأحياء، في زمن التوتر؛ ولا تحتاج الإدارة المحلية إلى فرض مثل هذه اللجان من فوق على كامل المدينة. وتشكل الأولى حماية أفضل من الثانية لأنها تأتي من تدخل نابع من قبول مشترك وإرادي. ومن شأن مثل هذه التنظيمات الشديدة اللامركزية المديرة للتوتر، أن تقضي على الشائعات، وتزيل سوء التفاهم، وتحافظ في الغالب على الأمن في الحي. ولا يمكن لمثل هذه التنظيمات، في غياب التواصل السابق عبر الطوائف، أن تنشأ طبيعياً من الأسفل. ويتم نموذجياً فرضها من فوق، ولا تعمل اللجان من فوق بشكل جيد لأن أعضاءها السياسيين ملتزمون في العادة الاستقطاب والعنف من أجل المكاسب الانتخابية، بالرغم من تعيينهم لغايات السلام. ووجودهم في اللجان السلمية ليس إلا وجوداً رمزياً محضاً.
ثانياً، تصبح أسس السلام أكثر قوة في المدن التي تمتلك أيضاً اندماجاً ترابطياً وليس مجرد اندماج يومي. ويجد السياسيون الذين يستفيدون، نظرياً، من الاستقطاب الإثني صعوبة في إثارة الكراهية الواسعة وفي التحريض على العنف في مثل هذه التركيبات. وينتفي إلى حد بعيد احتمال حصول أعمال الشغب الكبرى والقتل في غياب الرابط بين السياسيين والمجرمين. وإذا اندمجت النقابات واتحادات العمال واتحادات الأطباء والمحامين في الطبقات المتوسطة، ونوادي السينما في الطبقات الأفقر، وبعض الأحزاب السياسية على الأقل، فلن يتمكن حتى الرابط السياسي – الإجرامي، الذي يتمتع، بخلاف ذلك، بالقوة في العادة، من كسر الروابط الموجودة بين الطوائف. وقد لا يتمكن التواصل اليومي في الأحياء من الوقوف في وجه عنف العصابات التي تحظى بحماية السياسيين الأقوياء، لكن النقابات والاتحادات والكوادر المدمجة لبعض الأحزاب السياسية – التي هي، على عكس المستقطبين، ليست مهتمة بالنزاع الإثني – تصبح حصوناً للسلام بطريقتين: تقنع قوتهم المحلية من سيستفيدون من العنف بأن تنظيم أعمال الشغب يفوق مجالات الاحتمال؛ وحتى لو حاولت الكادرات العنيفة للأحزاب الاستقطابية، والمجرمون المرتبطون بها القيام بذلك، فستُمنع من التحريض على الشغب. وتشكّل التنظيمات المدمجة عائقاً مانعاً حتى في وجه العصابات المحمية سياسياً. فمع توفر الدمج الترابطي يتقلّص المجال الممكن للعمل المدمّر والعنيف.
تتنوع الروابط المدنية عبر الجماعات محلياً أو إقليمياً بشكل ملحوظ. وهي تتّجه إلى الاختلال بين مكانٍ وآخر، بحسب توزّع الجماعات المختلفة في الأعمال المحلية ووظائف الطبقة المتوسطة والأحزاب وأسواق العمل. والنتيجة أنه، حتى عندما يتمكّن التنظيم نفسه من خلق التوترات والعنف في مدينة ما أو منطقة ما، فإنه يعجز عن ذلك في مدينة أخرى أو منطقة أخرى، حيث يخترق التواصل المدني الخطوط الطائفية. ويمكن بالتالي للتنوع المحلي والاقليمي في العنف الإثني، ولانتشاره الجغرافي غير المستوي، أن يكون من وظائف التواصل المدني الذي يتجه إلى التنوّع محلياً أو اقليمياً.
قُدّمت هذه الحجة بشكل تخطيطي في الصورة رقم 1. وهي ترتكز إلى استعارة "الشّرر" (اشتباكات صغيرة، توترات، شائعات) و "النيران" (أعمال الشغب) لإثبات دور المجتمع المدني. فالروابط بين طائفتي الهندوس والمسلمين، وليس الروابط داخل كلّ من طائفة الهندوس أو طائفة المسلمين، هي التي تشكل الحصن القوي للسلم الطائفي .
ولو أن البلدات والمدن انتظمت من خلال الخطوط الهندوسية الداخلية أو المسلمة الداخلية فستصبح حظوظ اندلاع النيران، في حالة الشّرر، مرتفعة جداً. ففي المدن الهندية يتلازم تلاحم رأس المال الاجتماعي تلازماً كبيراً مع العنف الهندوسي - المسلم: ولكن يمكن لتقريب الروابط أن يخمد الشّرر بفاعلية كبيرة، ويمنعه من تعطيل التوازن السلمي المحلي. وعملت أجهزة الدولة المحلية – الشرطة والإدارة – بطريقة أفضل في الحؤول دون أعمال الشغب في المدن التي تشهد اندماجاً.
لم يشكل التديّن الإسلامي أو الهندوسي السبب الأساسي لأعمال الشغب في المدن الهندية. وقد بدا التديّن للعيان في المدن المسالمة والعنيفة وليس في المدن العنيفة فقط. فنوعية الرابط المدني – التقارب أو اللحمة، الاندماج أو التفرّق – هي التي تسهّل أعمال الشغب أو تحول دونها.