eKtab
EN ع
فاطمة
Read free sample

فاطمة

by نور مؤيد الجندلي

Page 1

الإهداء

إلى كلّ حبّة عَرَقٍ تتساقطُ أبيّةً من جبينِ الشُّرفاء..

لتنقش على جبين الزمن القادم معنى الإنسانيّة.

Page 2

-1-

أتى أيّار هذا العام مرتدياً ثيابَ آب، حاملاً وهج الشمس وشدّة الحر، موصلاً رسالة فصليّة مضمونها أن صيف العام سيكون الأشدّ والأعتى، وبأنّ الرّبيع بجوّه اللطيف ونسائمه العذبة قد غادر سريعاً دون استئذان، حاملاً حقائبه المملوءة بثمار الإكيدينيا وزهور شقائق النّعمان، تاركاً بقايا من بصماته على عربات الباعة في شوارِع مدينة حِمص، والتي تلوّنت بحمرة الفراولة، وخضرة العوجا، وقد بدت وكأنها تستقبل عشّاقها وتودّعهم في آنٍ معاً.

حركة كبيرة شهدتها الشّوارع والأسواق، فيما يشبه احتفالية خاصّة باستقبال الصيف، وبدأت سلع غذائيّة معيّنة تفرض نفسها، وتجد طلباً وإقبالاً كبيرين في السّوق، وكان أهم هذه السّلع هو اللبن الرائب (الزبادي) لما له من أهميّة خاصة وشعبية على طاولة الطعام الحمصيّة، فهو يرافقهم في الوجبات الثلاث، يتناولونه لبنة لذيذة عند الإفطار مع زيت الزيتون، ويخلطونه بالماء والنعناع ليصبح شراباً منعشاً يطفئ عطش الصّيف عند الغداء أو العشاء، وهو يتربع بفخر في الولائم على المائدة قرب أقراص الكبة المشوية، أو أطباق ورق العنب والمناسف، ليغدو حاجة ضرورية لا غنى عنها...

كان الطلب يكثر على اللبن في تلك الأوقات خاصّة، من قِبل المتاجر الكبيرة والصغيرة على السواء، حتى تلك المنزوية في حارة قديمة، أو البعيدة عند أطراف المدينة، الجميع يحتاجونه غذاءً متميزاً، ويطلبونه فيطعمون منه ويطعمون أطفالهم، ولا يفتأ كبار السّن يعددون فوائده للجسم والأعصاب وتحسين المزاج، ولذلك كانت المعامل تنتج منه كميات كبيرة، كما يقوم بصناعته بعض الأفراد بشكل مستقل، وبيعه وتوزيعه ليكسبوا قوتهم، فهم يعتبرونه تجارة رابحة، وعليه يقومون بتأسيس مشروعاتهم الصّغيرة التي كانت تؤمن لهم قوتهم، وتنمّي في تلك الآونة رؤوس أموالهم.

***

على رصيف إحدى الحارات القديمة، حيث تتوزّع الدكاكين في أرجاءٍ متفرّقة، وتضيقُ بزبائنها في ساعاتٍ محددة من النّهار، توقّفت سيارة بيضاء من نوع (بيك أب) مسقوفة من الخلف، ونزلت منها سيدة ثلاثينية ذات هندام مرتّب أنيق، تطفو على وجهها ابتسامة مشرقة توحي بالتفاؤل والفرح..

سارت باتجاه صندوق السيارة وفتحته، وأشارت لصبيّ كان يراقبها واقفاً أمام بقاليّة قديمة، لكي يأتي فيستلم دلاء اللبن الرّائب...

أتى ومعه فتى آخر في مثل عمره، وتناوبا على حمل الدّلاء ونقلها إلى داخل المتجر الكبير، وهي تراقبهما بانتباه، وتَعُدّ ما يخرج من السيارة، وتسجل ذلك كله على دفتر صغير ضمته حقيبتها السوداء الأنيقة.

ثم دخلت البقالية وألقت التّحية، وقبضت الثّمن وهي تستمع بطرب إلى عبارات الشّكر والثّناء من قبل المالك، وهو يتحدث عن مواعيدها الدقيقة، واللبن الذي تصنعه، بطعمه الطيب الشّهي الذي لا يستغنى عنه...

عادت إلى السّيّارة مجدداً حيث كان زوجها العبوس ينتظرها بصبر يكاد أن ينفد، وانتقلت معه إلى حارة أخرى، وقامت بالمهمة نفسها؛ من بيع ومتابعة وقبض للنقود، وابتسامتُها المشرقة هي ذاتها، لم تتعكر ولو درجة واحدة، وهي تقوم بعملها، وتحتمل اعتراضَ بعض الباعة أو تذمّرهم، فهي في كلّ مرة تقنعهم بوجهة نظرها عبر حوار قصير، تختمه بابتسامة نصر، فتشعّ قسماتها بالبِشر، وحين تنتهي تجري بخطواتٍ سريعة إلى السّيّارة البيضاء، تُناولُ زوجها المال وقد غزت ابتسامتها ملامح فرح طفولي، ولا تلبث تلملمها وهي تسمع اعتراضه الدّائم على طريقة مشيها السّريعة، ليذكّرها أنها ما عادت فاطمة الصّبيّة بنت العشرين، وما عادت تصرّفات الأطفالِ تليقُ بها.

Page 3

لكنها لم تكن تبالي بتعليقاته، فلا تلبث تعودُ للابتسام، وتبدأ بسردِ حكاية مفاوضاتها مع الباعة، وهي تنظرُ إلى الشّوارعِ والأطفال، وتتابعُ أحاديثها اليوميّة، لا تعبأ أن زوجها لا ينصتُ إليها، بل إلى نشرة الأخبار عبر الإذاعة، ولا تعترض على كون نشرة الأخبار أيضاً مكرّرة، ومملّة؛ فهي غالباً ما تكون راضية سعيدة بما أنجزت، وحديثها معه إنما هو حديث قصير مع نفسها، لترضى بما قامت به، ولترفع روحها المعنوية، فترسم الأحلام العريضة، والمشروعات الكبيرة من عرق جبينها.

كان وجه فاطمة صافياً جذاباً أكثر من كونه جميلاً، لونه الحنطيّ يُذكّر بالكفاح، وتقاسيمه البارزة تنطقُ بالسّموّ والصّدق، أنفُها المستطيل يُشعر بإبائها، ولون القهوة في عينيها يشعر بالنشاط والحيويّة، هي طفلة إذا تحدّثت رغم طولها الفارع، وبِنيتها القويّة، وهي طفلة وإن ارتدت جلبابها الأسود الفضفاض، ووضعت غطاء رأسها ذا الألوان الهادئة. وهي طفلة مهما فاوضت وباعت واشترت، تلك الطفولة التي كانت دائماً تُبدّد الكدر وتمسحه عن قلب زوجها المُتعب.

كان الباعة كثيراً ما يتساءلون عن هذا الرّجل الطويل الأسمر الكسول الذي يلقي على عاتق زوجته كلّ المهام المتعِبة، والقوةُ لا تخفى في تقاسيم وجهه وبِنية جسده...

كثيراً ما انتقدوا جلوسه مرتاحاً على مقعد سيّارته بلا حراك، دون أن يكلف نفسه بالنهوض لمساعدة زوجته، أو حتى مفاوضة الباعة والاتفاق معهم، مما يأبى تصرفاته أي رجل شرقيّ، وكثيراً ما سمعتهم فاطمة يتهامسون شفقة عليها، واعتراضاً عليه، لكونه يفتقر إلى الذوق والأخلاقيات العامة، فتلتزم الصّمت أحياناً، أو تخبرهم باقتضاب أنه مريض، ومرضه لا يسمح له بحمل أي شيء ثقيل، تتجنب في كل ذلك أن يسمعها، لئلا تثور ثائرته، ويحيل نهارها إلى نكد هي في غنى عنه.

في الماضي كانت هي التي تقوم بصنع اللبن، وهو يساعدها في ذلك، ومن ثم يتولى مهمة التوزيع، وقد كان يقوم بكلّ المهام وحيداً، قبل أن يعاني من عموده الفقري، وقد اختلّت فقراته فسببت له كثيراً من ألم، على أثر سقطة شديدة من أعلى السّلم، وذلك في بيت أهله القديم ذي الدرجات الضخمة، التي تحتاج إلى جهد كبير في تسلقها لقسوتها وخشونتها، تلك السقطة التي دفعته لأن ينزلق درجة بعد أخرى بسرعة البرق، ثم يرتطم أرضاً، وقد كاد يفقد الوعي لفرط الألم وضيق التنفّس، وما زال لتلك السقطة أثر ظاهر على حركاته، حتى بات أي مجهود يشكل له عبئاً، حتى قيادة السيارة كثيراً ما أشعرته بإجهاد وتعب، لكنه لم يكن ليظهر تعبه، فهو دائماً يكابر ويتحامل على نفسه، ليبقى محتلاً دوره في المنزل دون إحداث خلل، لكن ذلك كثيراً ما يؤثر سلباً في مزاجه، ويجعله مثل بالون قابل للانفجار في أيّة لحظة، وفاطمة هي الدواء دائماً، فقد آلت على نفسها ألا تضطره إلى الانفجار أبداً...

Page 4

أدارت وجهه نحوها، ونظرت إلى عينيه السوداوين القاتمتين لترغمه على التركيز معها، بعد أن أطفأت جهاز المذياع، وأخذت بمرحٍ تعدّد ما تريدُ إنجازه بصوتٍ مسموع، فيما كان وجهه كعادته جامداً لا يتفاعل معها...

- علينا شراء مواد تحضير اللبن مجدداً، ولنعرّج على بائع اللحم والخُضار، أشتهي طهي البامية مع الأرز، ولنحضر لآية الحلاوة المُلوّنة، ستبتهج كثيراً بذلك... كما أود الوقوف عند دكان أبي زياد لأحضر بعض المواد التموينية، ولنتفرغ لأمور المنزل بعد ذلك، واحسب حساب أهلك في السمن والسكر والأرز، كما تعلم فإن اعتمادهم الأكبر عليكَ، وإن كان والدكَ يصرف على البيت، إلا أنك تُعتبر الأغنى في عيون الجميع يا زوجي العزيز...

ابتسم للجملة الأخيرة، فقد بلسمت بعض جراحه، وأشعرته بالقوّة والقدرة على تقديم شيء ما يعزز مكانته، بعدما بدأ المرض يسلبه القوّة والعمل والإرادة والأصدقاء، فباتت فاطمة والأولاد هم كلّ حياته، وبات المال هو المتصرّف بأمور أحلامه وتطلّعاته.

توقفا عند محلّ أبي زياد، وقبل أن تنزل من السيارة، سمعت صوتاً جَهْوَرياً يطلق ألواناً من الشتائم في فضاء الحارة، تليه أصوات قهقهات وضحك متقطّع آتياً من كل ناحية، تليه أصوات شتائم متبادلة، ضحكت كثيراً وقالت:

- لابد أنه بشير، شفى الله عقله، لولاه لما ضحك أحد في هذه الحارة الجامدة أبداً!!

أحضرا كلّ اللوازم، وعادا إلى منزلهما الجميل، وحارتهما الصّغيرة الدّافئة، وفيما كان عصام ينادي الأولاد ليحملوا الحاجيات، أخذت فاطمة تنظرُ إلى الشّرفات العتيقة، تتدلى عليها ألوان وأشكال من السّجاد، باتجاه معاكس لدوالي العنب التي تتطلع دائماً نحو الأعلى في منظر ساحر بديع، فيما تمتد البطانيات الشتوية المغسولة بعناية على حبالِ الغسيل، وتفوح روائح مساحيق التنظيف المُعطّرة، لتبدو الحارة وكأنها في مهرجان احتفاليّ خاص بتوديع الشتاء واستقبال الصّيف.

قالت فاطمة مُعجبة:

- انظر، لقد سبقتني الجارات جميعهن في حملة التنظيف الفصليّة، يا له من منظر رائع لا يُملّ تأمُّله!!

لم تُكمل عبارتها حتى ملأ المكانَ صوتُ طرْقٍ عنيفٍ متتابعٍ، نظرا معاً إلى أعلى، كانت إحدى الجارات تقوم بنفض الغبار عن سجادتها العجمية بطريقة تشبه الانتقام.

قال عصام هامساً وقد تحسّن مزاجه:

- انظري إلى جارتكِ، يبدو أنها تشاجرت مع زوجها للتّو، فهي تصبّ كل الغضب على تلك السجادة المسكينة!

أخذته من يده، ودخلا سريعاً إلى البيت، وهي تحاولُ كتم ضحكة عالية، قبل أن تراها الجارة، فيحدث ما لا تُحمد عقباه!.

Page 5

-2-

خرجت فاطمة من المطبخ على عجل، نظرت إلى غرفة الجلوس باستياء، وقد بدت وكأن مجموعة من اللصوص قد سطوا عليها فقلبوها رأساً على عقب، لكنْ في الحقيقة لم يكن هنالك أي لصوص، بل كانوا صغارها يتراشقون الوسائد والحاجيات في حالة من الجنون المرِح، وقد انتهت تلك المعركة ببكاء آية ذات الأعوام الثلاثة، وصراخ هستيريّ لوداد ابنة السنوات العشر وقد أمسكت في يدها خصلة من شعرها قد باغتها أخوها أحمد ذو السنوات الثماني وقصّها فيما كانت لاهية تقرأ لغزاً شائقاً، أما ابنها البكر محمد وسندها كما تردد دائماً، فقد اختفى اختفاء مريباً!

وضعت يديها على خاصرتها وبامتعاض قالت:

- أهكذا تعينون أمكم، سيأتي والدكم بعد لحظات، وقد يسحب موافقته بأن نذهب إلى حديقة الألعاب إن رأى هذا المنظر، أنتم أحرار في لعبكم..

صرخت وداد:

- إنها خصلات شعري الذهبية يا أمي، أيعقل هذا؟! انظري إلى هذا الوغد أحمد، لقد قصّها ببرودة أعصاب...

وانهمرت بعض الدموع من عينيها، وبدأت تندب حظها العاثر:

- كيف سأذهب للمدرسة؟!! ماذا سأقول لصديقاتي؟! أكرهك يا أحمد، أكرهك...

اعترض أحمد سريعاً، وانطلق مثل محامٍ قصير القامة ووقف على الأريكة ورفع كمّ قميصه، وقال:

- انظري يا أمي، إنها لم تسكت أبداً، لقد خمشتني كالهرّة هنا. انظري؛ يكاد الدم يسيل!!

Page 6

أسرعت آية الصغيرة وخصلات شعرها الأملس تتطاير في الهواء، وخدَّاها قد تورَّدا بفعل الحركة والنشاط، وتسلقت الأريكة متعثرة بطبقات ثوبها الأحمر، وكشفت عن ذراعها هي الأخرى، وقالت بحروفها المبعثرة:

- كمشتني هرة...

دخل محمد في صمت والجميع يضحكون، وقد كان يعبث بجوال والدته، ولكنه حين رآها أخفاه خلف ظهره.

بإشارة واحدة من إصبعها استعادته بصمت ودون إثارة أية مشكلات... وأراد إبعاد كل الشبهات عنه وتغيير موضوع المحاسبة والعقوبات، فنظر إلى الجميع وقال ببرود:

- لَم تضحكون؟!

وقبل أن يجيبه أحد، سألهم مرّة أخرى:

- ألا تشمّون رائحة حريق؟!

ولم يكد ينهي جملته حتى صرخت فاطمة هذه المرة، وانطلقت إلى المطبخ لعلها تتدارك الكارثة...

بعد لحظات خرجت وعلامات الكآبة بادية عليها، نادت على أحمد ومحمد، وأعطتهم نقوداً وطلبت بلهفة أن يحضرا أكبر كمية ممكنة من الحليب بأسرع وقت ممكن...

***

كان بائع الحليب يمرّ كلّ صباح بالحي ليزودهم ويزود أهل الحي بحاجتهم منه، يتجول من بيت لآخر على سيارته، ويكيل لهم ما يرغبون به، يقدمه بأكياس نظيفة، أو يسكبه في أوعية يعطونها له، فيوفر عليهم عناء تأمين الحليب والبحث عنه.

لم يكن يتخلف يوماً عن أداء مهمته، فيؤمن مصلحته ومصلحة غيره في وقت واحد، وقد كان يسعده المرور ببيت عصام وفاطمة لأنه بذلك سيبيع أكبر كمية ممكنة، وقد كان يخفف مروره هذا عن فاطمة العناء، لكنه أيضاً لم يجعلها تفكر لحظة في ادخار المزيد من الحليب للأوقات الحرجة والطوارئ كهذه التي تمر بها.

Page 7

عادت إلى المطبخ تحاول إخفاء معالم الجريمة ورائحتها، بعد أن طلبت من وداد برجاء أن تعيد ترتيب الغرفة، ووعدتها بقصّة شعر بديعة تحسدها عليها صديقاتها إن هي أسرعت في الترتيب...

عاد عصام إلى البيت مقطباً، واستلقى على الأريكة ليلتقط بعض أنفاسه المتعبة، وصرخ منادياً على الغداء.

حين كان عصام يعود إلى البيت كانت الحركة فيه تتوقف، والهدوء يسود، فكأنه لم تكن قبل دقائق شجارات ولا معارك، ضحكات ولا حتى همسات، فالأولاد كلّهم كانوا يهابونه، ومع ذلك يحاولون التّمرّد في الخفاء، فإذا ما أتى انصرف كلّ واحد إلى غرفة، أو اجتمعوا كلهم في غرفة واحدة، يتشاجرون بصمتٍ، يبدؤون ذلك بهمسة أو غمزة أو لكزة أو قرصة، يتطور الأمر سريعاً إلى شجار صامت، خصلات شعر تُشدّ، وصراخ مكتوم، مصارعات حرّة تدور، ودموع تتساقط، وإجراءات هدنة وصلح، كلّ ذلك يتم بصوتٍ منخفض، فإذا ما غادر الأب عادت الحياة إلى طبيعتها، وانتشرت عناصر الشّغب في أرجاء المنزل، وعادت الحيويّة إليه من جديد.

ولم تكن فاطمة عن ردّة فعل الأولاد ببعيدة، فقد كانت تعمل جاهدة على احتواء زوجها بكلّ وسيلة، والابتعاد عن إغضابه، وتحويل بوادر الغضب إلى ابتسامة قبل وقوع أيّة كارثة...

حين وصل زوجها أسرعت وهيأت له الطعام، فتناوله وبدأ يأكل، وبعد لحظة، تلفت حوله، وسأل عن الأولاد...

تلكأت في الإجابة، وحاولت إخفاء الأمر عليه، وافتداء الخسارة من نقودها المدّخرة، لكن الإجابة حضرت بنفسها بين يدي أحمد ومحمد، يحملان الأكياس الثقيلة، وبصوتيهما الجهوريين يناديان:

- ماما... أين نضع الحليب؟!

فهم عصام ما حدث، وأزاح الطعام عنه بنزق وصرخ:

- خسارة جديدة، أليس كذلك؟ هل احترق أم سُكب أرضاً؟! ألا تعلمين كم خسارة منيتُ بها وأنا أقوم بهذا العمل بسببك؟ ألا تتعلمين أبداً؟!

ابتلعت ملامح الخوف والرهبة وابتسمت قائلة:

- لن أسمح لزوجي الحبيب بأن يخسر، لقد دفعت ثمن الحليب من مدخراتي فلا تقلق!

- وكيف لا أقلق، وهل الدفع من مدخراتك لا يعدّ خسارة؟! ألا تشعرين بالمسؤولية الملقاة على عاتقي؟ لقد عدت للتو من بيت والدتي، وأسمعتني كلاماً عن المساهمة في جهاز أختي، وعن واجباتي نحوهم، ثم إن لدي التزامات مادية كثيرة، لا تحتمل أخطاءكِ وعبثكِ...

قاطعته قائلة:

- سأساهم أنا نفسي بتجهيز أختك ماجدة أجمل جهاز، وسأعينك بما أستطيع، لكن لا تصرخ، ولا تقلب جوّ البيت إلى نكد، أرجوك...

لم يلتفت إلى رجاءات عينيها الطفوليتين الجميلتين، وغادر إلى غرفته وهو يردد...

Page 8

- مستهترة، حمقاء، لست أهلاً للمسؤولية!!

انتفض محمد كرجل صغير، وقال هامساً وكأنه يصرخ ولكن بصوت منخفض:

- لماذا يعاملك بهذه الطريقة؟ حين أتسلم عملاً لن أسمح له بأن يزعجكِ، ألا يقدر كم تتعبين من أجله ومن أجلنا؟! إني أراكِ تكدّين وتتعبين طوال النهار، ليأتي هو بكل بساطة يتأمر عليكِ ويملي مطالبه، وفوق ذلك كله لا يعجبه أيّ شيء، ألا يعلم أنك أنت من تصرفين على المنزل، وتجلبين المال الذي يجلس ليعدّه كلّ ليلة، وكأنه هو الذي تعب في جلبه؟!! غداً أعيد لكِ حقكِ المسلوب يا أمي...

أشارت إليه بالصّمت، فلم تكن لترضى بأن يتحدث ابنها عن والده بتلك الطريقة، وعقّبت:

- إنه يبذل كل ما بوسعه ليعمل، لو كانت صحته تساعده لما رأيتني أقوم بكل هذا العبء وحدي، إنه القائد في منزلنا، ولا أسمح لأحد أن يعترض أو يتجاوز حدوده معه... أما أنتَ يا حبيبي، فستعوضني حقاً عندما تدرس وتصبح طبيباً أو مهندساً تشرفني وترفع رأسي، لن أسمح لك بتطبيق أية فكرة من أفكارك العجيبة، أتفهم؟! ثم إنني سعيدة بعملي، أشعر بأنني مختلفة عن الأخريات، لدي ما يملأ وقتي غير الثرثرة والكلام الفارغ، والزيارات السخيفة التي لا طائل منها، إنني مستمتعة بوظيفتي، وأحمد الله أن أعانني على توفير المال من أجلكم...

صمتَ ولم يُجب، كان وجهه الأسمر الفتيّ غائماً، وعيناه مركزتين في الأرض، كأنه يحدق في فراغ، بدا شبيهاً بأمه في لحظات الحزن، فحين يعبس يختفي البياض من عينيه الواسعتين، وتغرقان في سواد لامع جميل...

أمسكت أمه برأسه، عبثت بخصلات شعره الداكنة بحب، وسألته أن يعِدها بأن يجدّ في دراسته...

وبعد إطراقة طويلة، رفع رأسه وتصنَّع ابتسامة، ووعدها كرجل، فتصافحا، وانطلق إلى كتبه، فيما أسرعت هي لتعيد تجهيز اللبن قبل ضياع الوقت في مشكلة جديدة.

Page 9

-3-

أخرج رأسه من باب الدكان الخارجي، ونظر إلى الشارع الهادئ، وكل العابرين فيه، هذا طالب ماضٍ إلى جامعته، وذاك موظف مسرع إلى وظيفته، وتاجر متأهب لفتح متجره، ومتسكع يبحث عن مصبّ لسخفه..

نادى بأعلى صوته قائلاً: «يا حمااار...».

أمسكه أبو زياد وابنه من رأسه وكأنهما يقبضان عليه بتهمة خطيرة، وأدخلاه إلى الدكان عنوة وهو ما زال يقهقه قائلاً: «انظر إليهم... لقد التفتوا جميعاً إليّ...»...

لم يتمالك الرجل وابنه نفسيهما فانفجرا ضاحكَين رغماً عنهما...

قال زياد:

- أكثر ما أفتقده في غيابي عن هذه المدينة هو هذا الرجل!!

أجاب أبو زياد بخفة:

- ليتك تأتي إلى هنا كل يوم أربعاء، لتجد أفلاماً أطرف من تلك التي تتابعها على الرائي... كل يوم حكاية أو مشكلة أو دعابة.. والمصيبة أن الجميع لا يحترزون، بل يلتفتون كلّ يوم إليه..

كان صوت بشير مجلجلاً ومميزاً كهيئته الأنيقة، وقامته الفارعة، والشباب البادي في محياه، في أناقته وحذائه اللماع، مما يخدع كل من يراه للوهلة الأولى، وعلى الرغم من كونه شخصية شهيرة في الحارة، وهو دائماً موضع تندر وسخرية من إنسان فَقَدَ عقله، لكنه لم يفقد قدرته على النيل من الآخرين، فغالباً ما يصوّب الكلمات فيحسن التصويب!.

Page 10

أجلسه زياد بحفاوة، وقدم له كوباً من الشاي، وجلس يرتب بعض البضائع المتراكمة مع والده، ويراجع بعض الحسابات محاولاً إنجاز كلّ شيء قبل أن يبدأ الدوام في كلّيّة الزراعة، لم تمض دقائق خمس حتى دخلت فاطمة تحمل لأبي زياد وعاءين من اللبن كان قد طلبهما منها...

سارع زياد لحملها عنها، فيما هيأ والده النقود وأعطاها لها سائلاً عن أحوالها وزوجها والأولاد...

كان أبو زياد يعتبر فاطمة كواحدة من بناته، يهتمّ بأمرها، ويكرمها، ويحاول مساعدتها قدر الإمكان، وكانت هي لا تشتري تموين البيت إلا من عنده.

ناولها كل الحاجيات حسب القائمة تماماً، وقبض الثمن شاكراً.. كانت فاطمة تبدو شاحبة على غير عادتها، مقطبة الجبين، مما أثار قلق أبي زياد وتساؤلاته، فتساءل عن حالها، وإن كانت تشتكي من مرض أو علة... لكنها ابتسمت لتطمئنه، وتمتمت في نفسها:

- يبدو أنني أعاني أعراضاً جربتها أربع مرات قبل الآن...

كان شحوبها مصدره الهمّ أكثر من كونه أعراضاً تتعرض لها كل الأمهات، فالقادم الجديد سيعطلها عن مساعدة زوجها، وسيشل حركتها الدؤوب في طلب الرزق، وهي التي تدرك تماماً أن لا أحد يمكنه أن يحل محلها في أداء تلك المهمة.

قبل أن تمضي، استوقفها أبو زياد، وسألها عن معرفتها بأي امرأة أمينة ثقة، لتساعد أخت زوجته في أعمال البيت.

حدثها بطيبة عن ورشة السّجاد وتنظيفه، وورشة تنظيف الجدران، وورشة الكي والغسيل، وترتيب الملابس الشتوية وتوديعها، واستقبال الصّيفيّة، مما لا تطيقه وحدها.

هزّت رأسها موافقة، وأخبرته بأنها أيضاً لم تبدأ بهذه المهام في بيتها بعد، وبأنها ستفتش وتسأل معارفها وجاراتها عن امرأة تقوم بهذه المهمّة، وتجيبه لاحقاً.