eKtab
EN ع
فضاء الكون الشعري
Read free sample

فضاء الكون الشعري

by د. محمد صابر عبيد

Page 1
من حديث المقدّمات
 
حديث الشعر هو الحديث الأكثر حيوية ونشاطاً وغبطة وحلاوة ولذّة وجنوناً وإثارة وانفتاحاً وتشظيّاً وسحراً وغموضاً، في أيّ زمان ومكان وحدث ومصير وأفق وجهة، وحين يتخصّص الحديث ضمن تجربة نوعية خاصة لها تاريخها ضمن النشاط السيرذاتي فإن الأمور تأخذ حساسيتها على نحو أكبر وأكثر ثراءً وخصباً وبهاءً، ويأخذ حديثنا الموسوم بـ ((من حديث المقدمات)) مساراً نقدياً سيرذاتياً خاصّاً في عموميته وعاماً في خصوصيته، له تاريخه وفضاؤة وجغرافيته وحكايته ورؤيته للأشياء وموقفه من العالم أيضاً.
 
حدث صيف عام 1982 حيث التحقتُ بالخدمة العسكرية في مدرسة ضباط صف المشاة في الموصل، أن يأتي إلى مهجع الجنود المتدربين الشاعر عبد الجبار الجبوري وقد كان نائب عريف مهذّباً في المدرسة ويسأل عني، وقد نشرت حتى ذلك الوقت الكثير من الموضوعات الأدبية والقصائد الشعرية في (جريدة الحدباء) الموصلّية و(مجلة الجامعة) التي كانت تصدرها جامعة الموصل، وإذ تعرّفت إليه هناك فقد عرّفني بالمناخ الأدبي والثقافي في المدينة وحرّضني على التواصل وحضور الأمسيات الأدبية الأسبوعية، التي كانت تقام في مقر دور الثقافة الجماهيرية كما كانت تسمّى على ما أتذكّر في بناية المتحف، وهو مكان مركزي جميل وسط مدينة الموصل يقع في (شارع المتحف) أو (شارع الجمهورية) الموازي لـ (شارع حلب) الشهير، ويقود على بعد أمتار قليلة إلى أحد جسور الموصل الشهيرة الموسوم بـ ((جسر الحريّة)) العابر نحو الجانب الأيمن من المدينة.
 
وفعلاً دوامت على حضور هذه الأمسيات وتعرّفت إلى الكثير من أدباء المدينة بأجيالهم المختلفة، ولكن في حدود ضيّقة ـ أول الأمر ـ تناسب خجلي وريفيتي وعدم رغبتي ـ أو ربما خوفي ـ بالظهور اللافت، ومن بين من تعرفت إليهم بوساطة عبد الجبار الجبوري الشاعر محمد مردان، وكان وقتها مديراً لأحد أقسام مديرية شرطة نينوى، ويحمل إجازة في القانون، يكتب الشعر ويترجم عن التركمانية، دمث ومتواضع ومحب وحسّاس وكريم لا يُجارى في أكثر هذه الصفات.
 
مكتبه في مديرية الشرطة كان صالوناً أدبياً للكثير من أدباء المدينة، وكان لي ولبعض من زملائي ملاذاً نتواجد فيه بشكل شبه يومي منذ ذلك الوقت، وحتى إحالة صديقنا مردان على التقاعد من الشرطة، حيث افتتح مكتباً للمحاماة وما لبث أن تحوّل المكتب إلى صالون بديل عن الصالون الذي فقدناه في مديرية الشرطة، لكن تواجدنا كان في المساء عادة حيث يكون هو قد أنهى عمله مع مراجعيه في المكتب.
Page 2
كانت لقاءاتنا مملوءة بالحوارات النافعة والمفيدة، نقرأ لبعضنا ونتبادل الملاحظات على ما نسمع ونقرأ، ونذهب بعد ذلك إلى مقر جريدة الحدباء في منطقة (الدندان)، حيث كان مقرها مأوى آخر نتردد عليه باستمرار ونلتقي فيه، ننشر قصائدنا ومقالاتنا على صفحات الجريدة وكنا نتقاضى على ما نكتب مكافآت جيدة، تساعدنا في ترتيب أوضاعنا في حدود المصاريف اليومية، ولعلّ هذه الجريدة إحدى العلامات المركزية المهمة في تاريخ الحركة الثقافية والأدبية الموصلية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وأنا والكثير من أبناء جيلي ندين لها بالكثير بوصفها عتبة مهمة من عتبات انتشارنا وحيويتنا الثقافية والأدبية، تحكي على نحو غزير جانباً من صعلكتنا الهادئة في المدينة.
 
بعد ذلك بقليل جمعني والشاعر محمد مردان مجال آخر له أهميته وحضوره هو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ـ فرع نينوى ـ، إذ عملنا معاً في الهيئة الإدارية للفرع دورتين متتاليتين مع الأدباء نجمان ياسين ومزاحم علاوي وثامر معيوف وآخرين، وكانت لقاءاتنا أسبوعية حيث نقيم ندوة أسبوعية استضفنا فيها الكثير من مثقفي وأدباء المدينة وأساتذة جامعة الموصل، فضلاً على استضافة أدباء عراقيين من محافظات أخرى، وكانت استضافتنا للشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي لمدة أسبوع تقريباً تاج هذه اللقاءات، إذ أقام أمسيات شعرية وندوات حوارية طيلة تلك الأيام، وأصدر فرع الاتحاد طبعة ثانية من ديوانه الذي كانت طبعته الأولى قد صدرت حديثاً عن دار الشروق في القاهرة ((بستان عائشة)).
 
وبعد عودته إلى بغداد كانت جامعة الموصل قد أوفدتني ـ وأنا أحضّر لأطروحتي في الدكتوراه ـ لمدة شهر إلى القاهرة، سافرت مطلع شهر حزيران 1990، وكان البياتي قد طلب مني أن ألتقيه قبل سفري، فهاتفته فور وصولي بغداد واتفقنا على اللقاء في كافيتريا فندق الشيراتون الساعة السابعة من عصر الثالث من حزيران، وحين دلفت إلى الكافيتريا وجدته صحبة الدكتور نزار الحديثي وقد جلب له ديوان أبي نؤاس، وما أن غادر الدكتور مجلسنا حتى سألني البياتي عن قابليتي على التسكع والسهر، فأجبته بأنني سأسعى إلى مجاراته ما وسعني ذلك وهو المشهور بأنه لا ينام لشغفه بالسهر، فجبنا ليل بغداد ننتقل من حانة إلى أخرى حتى بلغت الساعة الرابعة فجراً، إذ أعلن البياتي أن السهرة انتهت فغادرته إلى منزل صديقي عبد الله إبراهيم في منطقة الشرطة الخامسة، فوجدته بانتظاري وحدّثته عن سهرتي مع البياتي بأكثر تفاصيلها.
Page 3
كانت لقاءاتي بالصديق الشاعر محمد مردان مستمرّة ومثمرة طيلة السنوات الست الأخيرة من العقد التسعيني خاصة، وشهدت هذه السنوات رحلات كثيرة معه وبعض الأصدقاء إلى بغداد بسيارته نوع ((لادا 79))، قبل أن يستبدل بها سيارة من نوع ((برازيلي)) فيما بعد، حيث ننزل في أحد فنادق العاصمة الشعبية ونواصل مسيرتنا صباحاً نحو دار الشؤون الثقافية العامة في منطقة (سبع ابكار)، وصحف الثورة والجمهورية والقادسية والعراق، نجمع المكافآت التي نتقاضاها عما ننشره من مواد فيها على مدى أشهر، ونمضي سهرتنا عادة وجيوبنا عامرة في نادي اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس فنلتقي الكثير من أدباء بغداد والمحافظات القريبة هناك.
 
الشاعر محمد مردان أول من شجعني على النشر في صحف بغداد المركزية بعد إذ رأى أن مستوى كتابتي ستحظى بالاهتمام هناك، وكان أن أرسلت أول مقال نقدي إلى الصفحة الثقافية في صحيفة الثورة التي كان يشرف عليها الشاعر المبدع خالد علي مصطفى، وربما كانت صفحته من أهمّ الصفحات الثقافية لما يتميّز به من موضوعية وثقافة ورؤية علمية ناقدة، حيث كانت محطّ أنظار الكثير من الكتاب والمثقفين العراقيين والعرب أيضاً، وفوجئت بعد أسبوع من إرسال المقالة أنها نشرت في صدر الصفحة الثقافية باهتمام واضح، على الرغم من وجود صفحة ثقافية أسبوعية خاصة بأدب الشباب تصدر كل ثلاثاء ويشرف عليها كذلك الشاعر خالد، وكانت تحظى بأهمية كبيرة أيضاً.
 
إن نشر مقالتي في صدر الصفحة الثقافية المركزية وضعني أمام مسؤولية كبيرة وبعث في داخلي فرحاً كبيراً وثقة عالية بنفسي كنت بأمسّ الحاجة إليها، واستمررت بإرسال المقالات حتى بلغتْ أكثر من عشرين مقالة منشورة وضعت اسمي على لائحة النقاد العراقيين الشباب الأكثر حضوراً في الساحة الأدبية، قبل أن أذهب إلى بغداد بمعية مردان طبعاً لأتعرّف إلى الفضاء الأدبي والثقافي، ولتكلّفني مجلة الطليعة الأدبية والأقلام بكتابة مقالات ودراسات كانت فاتحة أكبر لدخولي هذا المجال بقوّة.
 
لعلّ من الطرائف الثقافية التي يمكن إدراجها في سياق حديث المقدمات ذي النكهة السيرذاتية المرتبطة بعلاقتي الثقافية بالشاعر محمد مردان وثلّة من مثقفي مدينة الموصل، هي تلك الطريفة التي جمعتني صحبة محمد مردان مع الشاعر رعد فاضل والقاص ثامر معيوف، ونحن نسهر في أحد مطاعم المدينة حيث كنّا بصدد تشكيل ما سميناه حينها بـ ((المربع الذهبي)) الذي يضمّنا أربعتنا، في وقت كنّا فيه مولعين بالتجمعات التي تتألف من بعض الأدباء الذين يجدون في أنفسهم مزايا ثقافية ورؤيوية مشتركة، يمكنها أن تجمعهم ضمن خيمة تسمية ثقافية وفكرية وأدبية ذات شأن ـ حتى وإن كان هذا الشأن على صعيد التسمية الإعلامية حسب ـ.
Page 4
المهم أن أمور تشكيل المربع الذهبي كانت على وشك الإنجاز قبل أن يدخل المطعم صديقنا القاص سمير إسماعيل، وهنا انبرى القاص ثامر معيوف المعروف بقفشاته ومقالبه ليحوّل المربع الذهبي فجأة إلى ((مخمّس ماسي)) يضمّ إلى مربعنا السابق سمير إسماعيل، وحين شاركنا الجلسة أصبح واحداً من خمسة أدباء من أدباء المدينة يشكّلون تجمعاً أدبياً جديداً هو المخمّس الماسي، وحيث لم يجد سمير من مكافأة يقدّمها لنا على انتخابنا إياه شريكاً لنا في هذا التجمّع سوى أن يتكفّل بدفع حسابنا جميعاً، وهو الأمر الذي خطّط له ـ طبعاً ـ ثامر معيوف بخبث طريف، فقد بادر إلى ذلك بقوّة وحماس لقي منا طبعا الرضا الكامل، ولم يلبث هذا المخمّس الماسي أن عاد إلى مربعه الذهبي السابق بمجرد أن دفع سمير الحساب حيث انتهت مهمته وغادر المطعم.
 
يمكنني أن أصف صديقي الشاعر محمد مردان بالشاعر الخجول في حياته وشعره، فهو كائن إنساني عالي الدماثة والخلق والهدوء والرحابة والعمق، ينطوي على عبث داخلي وانتظام خارجي ولعل ذلك قادم من مهنة الشرطة وتخصص القانون، فعبثه الداخلي أشبه بالموج الهادر الذي يتجلّى في عينيه، لكنّ انتظامه الخارجي على الدوام يحدّ من ثورة الداخل ـ وربما يكبتها ـ ولا يوفّر لها سوى حرية الحركة المتموجة في الأعماق.
 
ويمكنني في السياق ذاته أيضاً أن أصفه بالشاعر العاشق، فقضية الحب عنده هي قضية انتماء وشعور وحياة وشعر، لا يتعامل مع مفهوم الحبّ وسلوكه وتجلياته إلا بمنظوره الصوفي الذي يتجانس على نحو ما مع المنظور الإيروسي، وهو ما يتجسّد في شعره على نحو واضح وعميق وغزير، فشعرة مضمّخ بتجربة الحبّ ومتشبّع بدواله وصوره وإيقاعه وحكاياته وأساطيره ورموزه وإشاراته وعلاماته، بحيث تبرز بوصفها قضية مركزية لا يمكن فهم تجربته من دون مقاربتها وفحص كينونتها وحضورها في شعره.
 
تكاد تكون شخصية محمد مردان الشعرية والإنسانية واحدة، داخل كيان واحد ووجود واحد، إذ ثمة تماهٍ منقطع النظير بينهما، فهو شاعر في إنسانيته وإنسان في شاعريته، وتنفتح هذه الشخصية المزدوجة على قدر كبير من هدوء وعمق وأناقة الشاعر، فضلاً على صوفية الشكل والشخصية من حيث جوانبها كافة.
 
يضطلع الآن بعمل موسوعي مهم، بل في غاية الأهمية، يتمثّل هذا العمل المهم في إنجاز موسوعة التراث الشعبي التركماني، وهو من المشروعات الكبرى التي يمكن أن تحقق له حضوراً إبداعياً يوازي إبداعه الشعري، لما ينطوي عليه من فرادة وقيمة تاريخية وثقافية وفنية وأدبية، يحفظ فيه ثقافة شعب زاوج في تكوينه الموروث ـ شعبي بين قوميته التركمانية وانتمائه العراقي إلى أرض العراق، وقد شكّلت فسيفساء خلاّقة خصّبت التاريخ العراقي والثقافة العراقية بهذا التنوّع المدهش والتعدد الجمالي الخلاّب.
Page 5
أزعم أن خطاب ((من حديث المقدمات)) الذي أزمع هنا أن أجعله مفتتحاً للكتاب الذي يضمّ باقة دراسات نقدية منتخبة في التجربة الشعرية للشاعر محمد مردان، هو خطاب قابل للتشظّي والامتداد والتوالد بحيث يكون من الصعب إيقافه أو صدّه، وبما أن حديث المقدمات في مثل هذه المناسبة يجب أن لا يطول مهما عاندت العاطفة واعترض والوجدان، إلا أنني سأختم بالرغم مني حديثي بالقول: إنني أفخر بكوني مع صديقيّ الدكتور فيصل القصيري والدكتور خليل شكري هياس من أسهم في إصدار الأعمال الشعرية للشاعر محمد مردان، لإيماني وإيمان صديقيّ بأهمية تجربته وضرورة إصدار هذه الأعمال بعد ثلاثة عقود من الكتابة الشعرية للشاعر، فضلاً على قيامنا أيضاً بالعمل على إصدار هذا الكتاب التكريمي النقدي لتجربة الشاعر على النحو الذي بين أيديكم.
 
ومن نافل الحديث القول إننا بعثنا دعوات للإسهام في هذا الكتاب مرفقة بنسخة من المجموعة الكاملة لعشرات من أساتذة الجامعات العراقية والنقاد العراقيين، ونشكر من استجاب ونعذر من لم تتح له فرصة الاستجابة، فظروف الجميع على نحو عام ليست على ما يرام بفعل العوامل الموضوعية والذاتية التي لم تعد خافية على أحد.
 
وحسبنا أننا نجحنا في تقديم تجربة نؤمن إيماناً قاطعاً بأنها من التجارب الشعرية العراقية المهمة التي تستحق النظر والتأمل والدراسة، وسنبقى على أمل في أن تكون هذه المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر محمد مردان وهي تضمّ جلّ شعره وتفصح عن جوهر تجربته، فضلاً على هذا الكتاب النقدي التكريمي حافزاً نقدياً للكثير من الدارسين القادمين الذين سيجدون في دعوتنا الدائمة للكتابة عنه ميداناً لكتابة نقدية جديدة، وللجميع الشكر من قبل ومن بعد، والله من وراء القصد.
Page 6
المستوى الرؤيوي والتناصي
 
ـ مدخل
 
ـ فضاء الرؤيا ورمزية الحلم: د. شادان جميل
 
ـ شعرية التضمين القرآني: مصطفى مزاحم
 
ـ توظيف اللهجة القرآنية في النص الشعري:
 
الجواز والشبهة: آمنـة محمود
Page 7
ـ مدخل:
 
يشتمل المستوى الرؤيوي والتناصي في التجربة الشعرية عند الشاعر محمد مردان على شبكة مسارات تتصّل بجوهر الرؤية الشعرية التي يشتغل عليها في شعره، فهو شاعر يولي هذا المستوى أهمية بالغة إذ هو سليل الشعراء العرب الذين ينفتحون على مجال الرؤيا، على النحو الذي يعكس انشغالهم العميق بالتجربة الصوفية في الكتابة الشعرية وهي تتماهى مع المقولات الصوفية الكبرى في الثقافة الصوفية.
 
حظي هذا المستوى في الكتاب بثلاث بحوث مهمة تصدرها البحث الموسوم بـ ((فضاء الرؤيا ورمزية الحلم ـ الملامح الصوفية في ديوان ((أسفار الشجر)) ـ)) للدكتور شادان جميل، وهو يترسّم خطى التجربة الشعرية عند الشاعر محمد مردان من خلال مفهوم الرؤيا بمعطاه الفلسفي الصوفي، مقترناً بمفهوم الحلم بواقعه الرمزي المستمدّ من حيوية المعطى الصوفي ذاته، وقد اشتغل البحث على مجموعة من النصوص المنتخبة من ديوان ((اسفار الشجر))، وهو أحد أهم دواوين الشاعر في مضمار تجلّي حيوية هذه التجربة وبلوغها مرتبة الصيرورة والتمثّل العالي للحساسية والفكرة.
 
يشتغل البحث الثاني على الديوان ذاته في سياق آخر يخضع لفضاء المستوى ذاته أيضاً، وقد جاء البحت بعنوان ((شعرية التضمين القرآني ـ ديوان أسفار الشجر أنموذجاً ـ)) للباحث مصطفى مزاحم، الذي ذهب إلى معاينة حساسية التضمين الشعري في الديوان من القرآن الكريم، كاشفاً عن المدى العميق الذي استغرقته شاعرية الشاعر وهي تستمّد رؤيتها الفاعلة من صور القرآن الكريم ومجازاته وصيغ تعبيره الراقية، وقيمة الحضور اللافت لهذه العلاقة التناصية التي تلحّ على تجربة الشاعر في توغله الخصب داخل الفضاء القرآني، عبر استئثار أغلب قصائد الديوان بهذه الروح وهذه الحساسية.
 
وقاربت الباحثة آمنـة محمود في بحثها الموسوم بـ ((توظيف اللهجة القرآنية في النص الشعري: الجواز والشبهة)) الموضوع السابق ذاته، لكنها أتت إليه من وجهة نظر أخرى اجتهدت في الاشتغال عليه من خلال ثنائية الجواز والشبهة، وما تتيحه هذه الثنائية من خصب بحثي في انتخاب النماذج وقراءتها والتوصل إلى الكشف عن سبل وطرائق التوظيف الشعري عند الشاعر.
Page 8
فضاء الرؤيا ورمزية الحلم
 
ـ الملامح الصوفية في ديوان ((أسفار الشجر)) ـ
 
د. شادان جميل
 
كلية اللغات / جامعة صلاح الدين
 
ــ مدخل نظري:
 
المفهوم الأدبي للرؤيا:
 
يمكن وصف الأدب على نحو عام بأنه كون آخر موازٍ للكون الإنساني ومكمّل له في الوقت نفسه، ويضاهي كذلك هذا العالم الواقعي ويوسّع حدوده ويستكمل صورته من حيث ((إن الأدب عالم مغاير))(1)، لا تعيش حيواته ومفرداته وصوره وإيقاعاته مثلما يعيش الإنسان، بل تتغاير مع حياة ومفردات وصور وإيقاعات الإنسان في كونها عالماً خيالياً من ورق، يتحلّى بقدرٍ عالٍ من حرية الحلم وسعته ورمزيته، ويدخل في فضاء الرؤيا بوصفه عالماً خيالياً تصورياً يعبّر عن تجربته، ويصله بحلمه، ويقوده إلى مناخ مختلف من الحركة والفعل والحياة.
 
لعلّ أول درجة من درجات مغايرة عالم الأدب لعالم الواقع هي اشتغاله على فضاء الرؤيا، إذ ((إن الرؤيا هي من طبيعة الأدب))(2)، وهي المحرّك الأساس لنقل الأدب من حدود الرؤية البصرية إلى فضاء غير محدود يتمثّل بالرؤيا، التي تحرّك اللغة والصورة والإيقاع في سياق تعبيري يتجاوز منطق التعبير السائد، لينفتح على سياق مجازي تنزاح فيه المفردات عن معناها المعجمي البسيط لترتقي إلى معانٍ رمزية، تحرّض القارىء على إقامة حوار ثقافي وفكري مع النص، من أجل إدراك طبيعة هذه الرؤيا، ومن ثمّ السعي إلى حلّ شفرة الرموز والتوصل إلى لذّة النص في إشكالية المعنى الأدبي.
 
من هذا المنطلق يمكننا وصف الرؤيا بأنها الجوهر الثقافي والفكري والجمالي للعملية الإبداعية، بمعنى أنّ ((الرؤيا بما هي تعميق لمحة أو تقديم نظرة شاملة وموقف من الحياة يفسّر الماضي ويشمل المستقبل، إنما هي تقديم نموذجي مثالي، بأفضل شكل جمالي، وبحدود الكمال))(3)، تنقل الحالة الإبداعية في النص من حدود التعبير الطبيعي عن الأشياء إلى فضاء التعبير المجازي الرؤيوي، الذي يجعل من الحالة الأدبية الكامنة في النص حالة مختلفة ومغايرة وصانعة للإدهاش والجمال واللذّة.
 
يتمخّض مفهوم الرؤيا عن جملة خصائص نوعية تدخل في المكوّنات الأساسية العميقة للنص الأدبي، ((فالتخيّل، والكلية، والأمثلة والنمذجة، والتأمل، والنظام (أي اكتشاف علة لوجود الأشياء أو نسق تسير عليه الأمور) من خصائص الرؤيا التي ترى الأمور بعين جديدة تسعى إلى الاندهاش والتعجّب تجاه الأمور المألوفة))(4)، وتمضي في رفع حساسية العمل الأدبي إلى أعلى مراحل الأدبية والفنية والفكرية.
 
إن مفهوم التجلّي في هذا السياق الذي يحيل على منطقة الرؤيا في اشتغالها النوعي داخل حدود العمل الأدبي، ((هو اللحظة التي يصير فيها ما كان يتفاعل في الخفاء من عناصر التجربة الفنية بادياً للعيان في الإدراك والتعبير معاً، إنه الحدس التعبيري الذي يتّخذ شكل صورة تقع بين المفهومات المجرّدة ومنطقة الشعور، لذلك فهو يحمل العنصر الذاتي في إطار المفهومات التي تتكوّن منها التجربة، ولهذا السبب أيضاً يحمل صورتي المفهوم والإدراك الحسّي في وقت واحد، وبالتالي فهو جوهر الرؤيا))(5)، إذ ترتفع الرؤيا إلى أعلى حالات القدرة على التخييل حيث تصل مرحلة التجلّي.
 
وعلى هذا فإن الرؤيا ((مصطلح يشير إضافة إلى دلالته الحلمية إلى المنظور الفكري والفلسفي ووجهة النظر))(6)، وبذلك يتسّع مفهومها ليشمل موقفاً من العالم وينفتح على حساسية تعبيرية عالية في النظر والإجراء والقراءة.
Page 9
ــ المفهوم الشعري للرؤيا:
 
تعمل الرؤيا في نطاق فن الشعر أكثر وأوسع وأعمق من عملها في الفنون الأخرى، وذلك لأن فن الشعر بطبيعة تكوينه وبنائه وخصائصه الفنية والتشكيلية والإيقاعية يستجيب نوعياً لحساسية هذا المفهوم، ويرتقي في حلقات التكوين الشعري إلى أعلى المستويات التعبيرية والرمزية والأدائية.
 
يسعى الشاعر دائماً إلى استغلال كل ما هو متاح من الإمكانات المتعلقة بالرؤيا، في مركزها وما يحيط بها وفي ظلالها أيضاً، من أجل الارتفاع بنصّه الشعري إلى الإبداع المتميّز، فـ ((الشاعر قد يكوّن الرؤيا عن طريق توظيف الإمكانات المتاحة كافة، من كلمة وتركيب وصورة وأسطورة ورمز وإيقاع، بمعنى أن القصيدة تسعى إلى بناء عالم يتّجه مباشرة إلى الرؤيا، وفي هذه الحالة تعلن الرؤيا عن نفسها، ويمكن أن تسمّى القصيدة التي تبنى هلى هذا النوع قصيدة الرؤيا))(7).
 
وتمثل هذه القصيدة التي توصف بأنها ((قصيدة الرؤيا)) نوعاً شعرياً عالي المستوى في اشتغال القصيدة على مجمل التقانات والإمكانات الفنية والتشكيلية والتعبيرية، وصولاً إلى ضخّها بأكبر قدر ممكن من الطاقة التعبيرية والرمزية والأسطورية، وهي تجعل من القصيدة صورة كثيفة وعميقة وزاخرة بتجربة الإنسان في الوجود وموقفه من الحياة والأشياء، على النحو الذي تكون في القصيدة صورة منتخبة ومتعالية من صور الكون، ومعبّرة عن حقيقة التفكّر الإنساني في الطبيعة والموقف من العالم.
 
وإذا ما توغلنا عميقاً في فحص العناصر الشعرية التي تسهم في تمتين الرؤيا وتشغيلها، فإننا سنجد أنها تتحرّك على التجربة في أكثر من مستوى، إذ ((تشترك عناصر عديدة في تمتين قوّة الرؤيا ووضوحها إلى جانب وعي الواقع:
 
ـ التجربة الحياتية: وهي تفيد الشاعر في الإحاطة بالواقع وفهمه فهماً دقيقاً.
 
ـ التجربة الشعرية: وهي تمكّن الشاعر من صياغة الرؤيا بشكل فنّي جيد.
 
ـ الحدس الموضوعي والقدرة على النفاذ إلى جوهر أشياء الواقع.))(8).
 
فعلاقة التجربة الحياتية في منظورها الواقعي، بالتجربة الشعرية في منظورها التخييلي، بالحسّ الموضوعي المرتبط بالحال المرتهنة بعلاقة التجربتين، هو الذي يخلق حالة من التكامل والتوافق والتماسك النصّي في النص الشعري.
Page 10
وبهذا يمكن أن ننظر إلى القصيدة التي ينتجها الشاعر في هذا السياق بوصفها ((التعبير الشخصي الفريد عن رؤيا الشاعر الشخصية الفريدة))(9)، بمعنى أن التعبير الفريد الذي يتميّز به الشاعر هنا إنما هو نتيجة طبيعية للرؤيا المتفردة التي يمتلكها الشاعر، وقدّ كونها من خلال الخبرة والمران والتأمل والمعرفة العميقة.
 
إن الرؤيا الشعرية تعمل في هذا الخصوص، على إثرء النص وتخصيبه وتوسيع مدياته وحدوده، بحيث يحتاج إلى نوع غزير وثرّ من القراءة النقدية، التي تتمكّن من خلال فعالياتها القرائية المستمرّة والمتنوعة الكشف عن ثراء المعاني وغنى الدلالات، إذ ((تتأسس القراءة النقدية على عمليات التساؤل والتحليل والمقارنة والوضع في نسق، ولكما ازدادت معرفتنا بالعمل الأدبي، ازداد وعينا وثراء وجودنا وعمق تجربتنا، ذلك أن ثراء النص يسمح بتضاعف المعاني، ولا سبيل إلى إغفال ذلك التنوّع، أو تقليص المعنى الأدبي وقصره في حدود ضيّقة. فلا تصادر قراءة نقدية على غيرها من القراءات، بل تضيف للعمل في سياق رؤية جديدة لا تخلو من تميّز))(10).
 
على النحو الذي تتكشّف فيه كلّ قراءة نقدية مستقلّة وذات بعد منهجي ورؤيوي خاص، عن أنموذج نقدي نوعي لا يلغي القراءات الأخرى بل يفتح السبيل أمام تنوّع مدهش، ينعكس على التنوّع المدهش الذي تتمتّع به القصيدة وهي تحمل رؤيا شعرية عميقة وثرية لتجربة بالغة الخصب والعمق.
 
وقد تتكشّف الرؤيا الشعرية أحياناً لدى بعض الشعراء عن اغتراب وجودي يقف على الضدّ من فكرة التصوّف بمعناها الإيجابي، وذلك ((لأن هذا الاغتراب هو من مفردات السوداوي العدمي وينطوي تحت هذا التجلّي وهذه الصورة من صور العذاب في شعر الحداثة، بل إنه ملازم للعدمي، وهذا عائد لطبيعة المغترب الوجودي، الذي لا يرى معنى للأشياء وللعناصر وللوجود بشكل عام))(11)، على العكس من الصوفية الشعرية المنتجة التي ترى في الحياة معنى أنموذجياً ومثالياً، يتحقق عن طريق الرؤيا والتجلي الإنساني المعمّق في النظر إلى الوجود والأشياء والعناصر في الحياة، ويكون بوسع القراءة بعد ذلك عن طريق التحليل والمقارنة أن تميّز بين النمطين.