منهـج الكتـاب2
يتقدم الكتاب تعريف قرآني من زاوية خاصة بـ(الرب الجميل) خالق هذا الوجود، ويعقبه وصف لـ(أطباق الوجود) الانساني، وفق البيان القرآني للأحوال التي يتقلب فيها الانسان مدى الوجود، ثم يتناول الكتاب –في أقسام ثلاثة- فقه الحياة وفقه الموت وفقه الجنة بالروح التي تليق بالوعي الاسلامي خاصة، وبالوعي الانساني عموماً، وهو يتدرج في مراحل وجوده في هذا الكون الجميل بعد أن لم يكن شيئا مذكوراً.
فأما القسم الأول فيتناول (طبق الحياة) في بابين، يتحدث الباب الأول منهما عن (فقه الحياة)، وفق منهج يتدرج في الإجابة عن أسئلة: (من أنت؟)، و(ما علاقاتك بمن سواك؟)، و(ماهو النظام الحاكم لتلك العلاقات؟)، وكيفية العلم بـ(مكانك الخاص في الوجود)، ومن ثم يؤسس هذا الباب في (الفصل الأول) لتفهم طبيعة الحياة من خلال فقه خصائص أركان الوجود الانساني فيها: من حيث تفرد الذات الواحدة لكل إنسان، والتنوع اللانهائي بوصفه أبرز خواص المكان، والتغير المستمر على أنه واحد من أهم علامات الحياة، في ظل فقه (نظام الحركة الإنسانية) الدافع لهذا التغير، ثم يتم في (الفصل الثاني) بيان الموضع الانساني العام في الحياة من خلال دائرة علاقاته بمن سواه فيها: مع من لا نظير له -الله-، ومع نظرائه في الخلق من الناس، ومع من ليس له بنظير من بقية المخلوقات، وما يقتضيه كل نوع من أنواع هذه العلاقات من أداء خاص، في ظل تدبير الرب الخالق ونظام القدر الحاكم لهذه العلاقات ولحركة الكون وقوانينه الذي يأتي بيانه في (الفصل الثالث)، وليقود هذا الفهم -في (الفصل الرابع)- إلى تعريف بـ(فقه المقام)، على طريق الفهم الدقيق للموضع الخاص الذي خلقه الله لكل فرد وخُلِق هو له في الوجود، والقدر العظيم لكل لحظة يقضيها الفرد في الحياة.
ويستعرض الباب الثاني من هذا القسم (إشارات في فن الحياة) في أربعة فصول، يعرف الفصل الأول (في فن الحياة) بقواعد ثلاثة من أجل حياة أجمل، في حين يتناول الفصل الثاني قضية (حب الحياة) ويبين ضوابط هذا الحب في القرآن وضوابط التعامل مع نعم الحياة، ثم يعالج الفصل الثالث (تنمية القدرات) الانسانية على طريق حياة أفضل؛ يحبها الخالق لمخلوقه، ويبين ملامحها الفصل الرابع (الحياة في سبيل الله)، الذي يعالج قضية تهميش الحياة والحط من قدرها، التي سادت أدبيات التربية الاسلامية، حتى صار التهرب من عيشها (فناً) متخصصاً، يُسَوِّغ التقاعس عن الانجاز المادي فيها، ويدعو إلى إنكار فطرة (حب الحياة)، ويشرع للموت في سبيل الله فحسب غاية عليا، مما أدى إلى تشكيل قلق وشعور بالتقصير في الشخصية الاسلامية التقية، صار جزءاً من أي مشروع فردي أو جماعي للانجاز المادي في الدنيا، وكأن المسلم مقصر إذ (يحيا في سبيل الله)، مما أضعف ما هو كامن في العقيدة من دافع للانجاز والتفوق، وهذا نقيض ما يدعو إليه القرآن من رسالة، تجعل كل (طبق) من أطباق وجودنا نعمة عظمى، تستحق منا بذل الوسع لفهم مراد الله من كل فرد، ثم بذل الوسع للكون وفق هذا المراد، وهي غاية الخلق: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).
وأما القسم الثاني: (طبق الموت)، فيتناول في بابه الأول (فقه الموت)، ويهدف إلى تخليص الوعي الاسلامي من عقد الخوف من المجهول، التي تجرد وصف الموت بكونه هَولاً مفزعاً، ورعباً دائماً يسوغ الهروب من الحياة، - فيما لم يخلق ربنا الجميل إلا جميلاً -، فيبدأ هذا الباب من الكتاب بمقدمة عامة في بيان خصائص الموت اليقينية الخمسة، التي تشكل دافعاً عظيماً لإرادة (فقه الوجود)، يعقبها بيان لـ(ما بين الحياة والموت) في (الفصل الأول)، وفيه تعريف بقلق الموت وطبيعته العامة، وإشارات الغيب المبثوثة في فرصة العمر لتهيئنا لإرادة الوعي وطلب العلم بحقيقته، ثم يعرف الفصل الثاني من هذا القسم ببعض قضايا (ما بعد الموت)، من مثل التعريف العام بـ(البرزخ)، ولحظة الانتقال والخروج من الحياة، ليتم في (الفصل الثالث) التعريف بـ(الموت الجميل)، ووصف البرزخ من حيث كونه طبقاً (مخلوقاً) من أطباق وجودنا، يبدأ لحظة نهاية طبق الحياة، وفيه من الخير والجمال والراحة ما فيه، وعلى قدر معرفتنا به سنـزداد له حباً كحبنا للحياة، دون داع للقلق منه ما دام في أصل النفس إرادة للخير وحب للحق، وإخلاص لرب العباد الذي خلق لنا الحياة، وخلق لنا (موتاً جميلاً)، يستحق حباً لاحقاً من نوع خاص، مثلما استحقت حياتنا منا حباً خاصاً، ثم يتعرض الباب الثاني من هذا القسم –بشكل مختصر- لـ(فقه ما بين البرزخ وبين الطبق الأخير)، ويبين في فصله الأول (شأن ما قبل الخلق، وشأن ما بعد البرزخ)، ويحكي في الفصل الثاني عن (ما بعد البرزخ) مع بيان صورة مجملة عن نبأ القيامة العظيم وما يتعلق بها من أحوال الانتقال إلى الطبق الأخير، ويعطي الفصل الثالث صورة مختصرة عن (جهنم: دار الألم).
وأما القسم الثالث من الكتاب فيتناول (فقه الجنة)، ويهدف إلى بيان الصورة المعجزة للوصف القرآني لطبق وجودنا النهائي، وهي صورة لا تتوافر في أي نص بشري من قبل ولا من بعد، ولا في النصوص المحرفة للكتب السابقة، ولا يمكن لوعي إنساني مهما كانت قدراته أن ينتج مثلها، وهي مؤسسة على مقدمات ثلاث تؤسس للوعي بتفرد هذا الطبق من الوجود، لتبنى عليها في الفصل الأول مفاهيم (الخصائص العامة للوجود في الجنة)، وليتم في الفصل الثاني استعراض (بعض من صور النعيم)، وهذه الخصائص والصور كلها مستنبطة من إشارات ومعاني النور الحق الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جمعت لهذا الغرض آيات القرآن العظيم التي تتناول وصفها المعجز، وستجدها هنا تحكي صورة هذا الوجود القادم الحيوي المتجدد العظيم بنفسها، دون تدخل منا سوى في التصنيف والتقسيم، ووضع العناوين التي توضح المراد.
وينتهي الكتاب بعود على بدء، وخاتمة في وصف الله، فيها فرصة لمعرفته بما ثبت عنه من وصف لنفسه بالحق، تؤطر المعرفة المتحصلة من شهود ما صدر عنه من آثار صنعه في الخلق، التي بدأ بها الكتاب عند التعريف بالرب الجميل، ثم بيان خصائص علاقة كل مخلوق في الوجود بالله الذي منه كان هذا الوجود بأطباقه جميعاً، وبه يبقى كل موجود.
مصـادر الكتـاب
إن المرجع الأول في كل ما ورد من مفهوم للوجود في هذا الكتاب هو رسالة السماء الأخيرة إلى الأرض: (القرآن العظيم)، وفيه بيان بالحق من خالق الوجود إلى الخلق يكسوه الجلال: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ) (الواقعة: 57)، وبجلال يؤكد الخالق أنه من أنزل هذا القرآن: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً) (الإنسان: 23)، وأنه بالحق أُنزِل: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) (الإسراء: 105)، وما ستراه من فقه لهذا الحق هنا إنما هو محاولة واجتهاد بشري قاصر -مهما بلغ في دعواه- عن بلوغ تمام ما يكمن في وحي السماء من حقائق كبرى وأنوار تشرق على بصائر القلوب فتحييها، وترفعها إلى حيث يليق بها من رشد وفهم راقٍ لقيمة الوجود والنفس الانسانية وفرصة العمر، وللدور الانساني الجميل الخاص المتفرد المتميز مطلقاً؛ لكل إنسان أنعم الله عليه بنعمة الوجود بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً.
ومن تقسيمات القرآن المبثوثة في آياته، -المطابقة لبديهيات الوعي الانساني-، تم تحديد أركان الوجود الانساني: (الذات والمكان والزمان)، وبيان خصائصها، وتعريف الموضع الانساني في الحياة، ودائرة علاقاته فيها: مع الله -الذي لا نظير له-، ومع نظرائه من الناس، ومع من ليس له بنظير من بقية المخلوقات، -وهي الأنواع الثلاثة الممكنة من العلاقات لمعيَّن مع الأعلى منه والمساوي له والأدنى منه-، ثم في فهم السنن الإلهية الحاكمة للحركة في الوجود باعتبار نوعيها: (السنن الإلهية الكونية العامة) -التي تنظم ما يكون من الله إلى كل مخلوقاته-، و(السنن الإلهية الخاصة بالحركة الانسانية) -التي تتعامل مع ما يكون من فعل إنساني، باعتبار خصوصية هذا الكائن المختار المتفرد الحر الإرادة-، ثم لتستثمر هذه المعارف جميعاً في التقديم لمعرفة (المقام) الخاص لكل إنسان في الوجود، وقصته الخاصة في الحياة، وهذه من أعظم أنواع المعارف شرفاً، بعد العلم بالله وبكلماته التي أنزلها ليعلم الانسان ما لم يعلم.
وبالمنهج نفسه تم استقراء آيات القرآن على طريق فقه الموت ومابعد الموت وفقه الجنة، والتعريف بالله خالق الوجود بالوصف الذي وصف به نفسه، مما سترى مصداقيته في ما ستقرأه في صفحات هذا الكتاب3.
وبعد: فـ(إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً) (الإنسان: 29)، وهي دعوة للأمة، ودعوة لكل فرد، في زمان تخاذلنا فيه عن تحقيق أقصى الانجاز في ميادين كثيرة غاب عنها الفعل الاسلامي، بسبب استصغارنا لقدر الحياة، أو طبيعة تعريفنا لمفهوم (العبادة) والعلاقة بين الخالق والمخلوق، وهي دعوة لنـتعرف بحب على أحوال كل طبق من أطباق وجودنا، ثم لنشرع في بذل الجهد لاستحقاق هذا الوجود في هذه الدنيا، وبذل خير ما فينا لخير ما فيه، ثم ليستحق كل منا من بعد موضعه في البرزخ الجميل، ثم بعده في الطبق النهائي، -حيث الموضع الذي خُلق لك وخُلِقت له دون كل من سواك-.
مقدمة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واصفاً ربه؛ رب السماوات والأرض وما بينهما:
(إن الله جميـل، يحب الجمـال)4
إن الله الأول والآخر قد أبدع بسر كلماته الكونية هذا الوجود، كما خلق أرواحنا بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم أودع الارواح هذه الاجساد في طبق الحياة، ثم سيوفيها حقها لتخرج منها عند الموت، ثم بعد وجودها في البرزخ سيعيدها مع أجسادها -كما خلقها أول مرة- في طبق وجودها النهائي: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28)، وإذا كانت الحياة فرصتنا الأولى والوحيدة لمعرفة الله والاستعداد للقائه، فإن أغلى ثمرات تلك المعرفة، وأعلى مراتب الاستعداد للقائه منفرداً هي: حبه تبارك وتعالى.
والمقصود هنا، تحصيل بعض تلك المعرفة الباعثة على حب ربنا الجميل الذي يحب الجمال، الذي بث في كل ما خلق نوع كامن خاص من الجمال، هو تجلية للجمال الإلهي وأثر من آثاره، مثلما جعل رحمته مبثوثة في كل شئ تجلية للرحمة الإلهية، وإن إحساسك بهذا الجمال الكامن في الاشياء هو الباعث لقلبك لأن يهتدي إلى معرفة (نبع الجمال الكلي الذي لا ينتهي)، ومن ثم حبه إلى الحد الأقصى الذي يقدر عليه قلبك الصغير، دون الوصول أبداً إلى ما يستحقه من الحب، واقرأ الكلمات التاليات من قرآن ربك العظيم، وتأمل معها هذا المقصود:
1- أنت مخلـوق جميـل
لقد أخبرنا الله تعالى عن الجمال المبثوث في خلق الأشياء جميعاً، ومنه الجمال المتفرد الظاهر في خلق كل واحد منا على وجه الخصوص:
(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ ....
فَسَوَّاكَ .......
فَعَدَلَكَ......
فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار:6- 8)
وأنت ترى هنا كلمات ربك متحدثة عن خلقك الذي أفرغك فيه بـ(تسوية)، وبـ(بنسب) متناغمة خاصة تضمن (اعتدالك)، وهو ما يسمى في علم الجمال: (توازنك)، لتتكون بمشيئته صورتك المتناغمة المنسجمة المتوازنة، وهذه هي أساسيات صناعة الجمال، التي بها جعلت في أحسن صورة:
(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (غافر: 64)
إذن، لقد خلقت (أنت) بصورة جميلة، وأنت إذن: جميل!، وإدراكك لبعض من جمال خلقتك الخاص، يجعلك تخطو باتجاه معرفة (الجميل) خالق ذلك الجمال.
2- الأرض جميـلة
إن (الأرض) التي نقف عليها، ومن طينها تتألف لحومنا وعظامنا، وإلى ترابها تنتمي عند موتنا أجسادنا: جميلة!، وقد أودع فيها الخالق ما يزيدها جمالاً:
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف: 7)
أي ان كل ما على الأرض من موجودات قد جُعل ليكون (زينة)!، تجعل الأرض تبدو (أجمل)!، وليكون الابتلاء المراد حصوله في فرصة الحياة (ممكناً) بوجود هذا الجمال، إذ لولاه لعمَّ الاحباط النفس حين لا تجد صارفاً لها عن قلق الموت القادم ولا دافعاً للانجاز، وكذلك لتتفتح مع هذه الزينة بوابات القلب لـ(يبتهج) لمرأى هذا الجمال:
( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ) (النمل: 60)
إنها متعة رؤية الجمال وبهجتها المتحصلة عند النظر إلى ألوان وأشكال الزينة التي على الأرض، وهي (مقصودة) لإعداد القلب للتعرف على: (الرب الجميل)!.
3- السمـاء جميـلة
إن (السقف) الذي يعلو رؤوسنا: جميل، وقد خلق الله السماوات المحيطة بنا لتكون جميلة متزينة:
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) (الملك: 5)
إذن: فإن النجوم العظيمة التي تفوق حجماً أرضنا بملايين المرات، والكواكب التي يزيد عددها على آلاف آلاف الملايين وهي تسبح في مداراتها من الكون، قد وضعت في مدارات وأفلاك تجعل السقف الذي يعلونا يبدو (مزيناً) وأكثر جمالاً، حيث تبدو وكأنها (مصابيح) تجعل السقف السماوي الذي يعلوك لوحة بديعة ملونة ممتدة بلا حدود، وكل ما تحتاج إليه هو نظرة إلى السماء في ليلة صافية، لتكتشف هول ما أغمضت عينيك عنه طويلاً، وليتحرك في القلب ما خمد فيه من استعداد لمعرفة جمال من خلق هذا الجمال!.
4- الطعـام جميـل
إن (الثمرات) التي تعطيها لك هذه الأرض، وطعامك منها الذي به قوامك، قد خلق بجمال متنوع لا ينتهي لتمتع به روحك وبصرك قبل نفاذه إلى بدنك:
(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ:
فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً.....
نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً.....
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ......
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ......
مُشْتَبِهاً... وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ.....
انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ..... وَيَنْعِهِ....
إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 99)
أنظر!!: إن الذي خلقك يقول: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ..... وَيَنْعِهِ)، ويدعوك -وهو خالق هذا الجمال- لتنظر إلى (التنوع) في (الشكل)، و(اللون)، و(الملمس)، و(التكوين)، وبعد ذلك (الطعم)، وتُسبِّح بإيمان وحب خالق هذا الجمال.
5- ملبسـنا جميـل
إن (اللباس) الذي يغطي بدنك، لم يجعله الله تعالى ليواري سوءاتك فحسب، وإنما قد أُنزل ليكون: (رياشاً)، -وهو اللباس الحسن الفاخر-، ومن ثَمّ فإن الجمال الذي فيه مقصود، ليضفي على جمال الخلقة لمسة من نوع آخر، يمتـن الخالق الجميل بها عليك في ملبسك:
(يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) (الأعراف: 26)
والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته عليك، وينكر على من حرم على نفسه تلك الزينة:
(قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ؟
قُلْ: هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الأعراف: 32)
إن ربك يحب أن يراك (جميلاً) في ملبسك لأنه يحب الجمال، وسيحبك أكثر إن زدت على ذلك كله (ابتسامة) يشرق بها وجهك، وتلتقي وتستقبل بها الناس، وتكتب لك بها صدقة.
6- مركبنـا جميـل
إن (وسائل تنقلك) في مناكب هذه الأرض قد خلقت ليكون لك فيها (جمال) حيث تحملك:
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل: 6)
وقد قصد بها أن تكون جميلة ومزينة، مع إرادة كونها حاملة لأثقالك إلى المواضع التي يشق عليك حمل أثقالك إليها من دونها:
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (النحل: 8)
أي أن ما خلقه الله من وسائل للنقل مما عرفته الإنسانية قبلاً كالدواب، ومما لم تعرفه من قبل (كالسيارات والطائرات)، ومما لم تعلمه بعد (مما سيخلقه ربنا مستقبلاً)، قد جعلت جميعاً لتكون (جميلة) عند ركوبها، كما خلقت قبلها الأرض والسماء جميلتين، وخلقت صورتك وطعامك وملبسك جميلة كلها.
7- إدراك الجمـال طريقك الأقصر للإيـمان بالله
إن أشد الناس خشية لله أعلمهم به، وكلما زاد العلم بالله وبمخلوقاته زادت تلك الخشية، و(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، وهؤلاء العلماء المؤمنون ذوو منزلة عند ربهم: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11)، وهذا العلم بالله على درجات، تصفه ثلاث آيات متتابعات في السورة التي تذكر فيها الأنعام:
أ- إن من أعظم سبل العلم بالله: النظر في الكون وفي عالم النجوم الواسع؛ الذي يدرك معه العقل كم نحن صغار بالنسبة إلى عظمة هذا الكون الفسيح، وكم هو عظيم ربنا الذي خلق كوناً بهذه العظمة: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (الواقعة: 76)، وهذا العلم والنظر في الكون طريق للوصول إلى وصف كونك من أهل العلم: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأنعام: 97).
ب- وهناك نوع ثانٍ من العلم أدق وأعلى درجة، يسمى العالم به (فقيهاً)، -والفقه: أخص من العلم-، وهذا الفقه يتعلق بهذا الكائن الانساني العجيب، الذي تتجاوز به المادة الجامدة كل الحدود بعد أن تبث فيها الروح، ليكون منها أنا وتكون منها أنت، بكل ما أنت عليه من علم وما أوتيت من إرادة، وهو علم عظيم يدرس خصائص ظاهرة الحياة ووظائف الأعضاء وعلم الأجنة والخلية الحية وعلم الاجتماع وغيرها من العلوم المتعلقة بالانسان، مما يستحق به حامله وصف كونه (فقيهاً) حين يجعله سبيلاً للتعرف على خالق هذا الكائن العجيب، وليكون بهذا الفقه أقرب إلى الله وأشد خشية له: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 98).