Page 1
المقدمة
إن الألوان تحيط بنا من كل جانب ونتعايش معها في كل يوم، ونستمتع بجمالها في كل نظرة، ولا نتصور كل ما يحيط بنا بدون ألوان. ولا نتخيل كم تكون عليه صورة هذه الكائنات التي نراها بدون ألوان.
فاللون هو البُعد الإضافي الذي يمنح الفنان معاني لا متناهية للتعبير عن كل شيء جميل يحيط بنا.
واللون يوقظ الإحساس، وينمي الشعور ويبهر النظر وهو إما أن يكو مثير للعاطفة أو مهدئاً للنفس وهو يعتبر جزء مهم في حياتنا الذي من خلاله إذا تأملنا الطبيعة في الصباح ثم الظهيرة نجد الألوان في الصباح فاتحة وفي غاية الجمال المتمثلة في الأشجار والبحار بينما تتلاشى هذه الألوان في الماء تدريجياً. وعند الغروب تنعدم الرؤية تماماً ما عدا انعكاس غروب الشمس على البحر الذي يعطي قرص الشمس أثر الألوان في منتهى الروعة والجمال.
إن الله سبحانه وتعالى أبدع في خلقه، على أكمل وجه في جمال الطبيعة بألوانها الساحرة الخلابة وإبداعه عز وجل في تصوره الجميل بألوان باهرة غاية في النقاوة والصفاء.
تحيط بنا الألوان من كل جانب، ونستمتع بجمالها في كل نظرة، ولا يمكننا أن نتصور أن كل ما يحيط بنا في هذا الكون من أشجار وأنهار وجبال... بدون ألوان.
من أجل ذلك لا بد وأن نتعرف على ماهية اللون ونتعمق في صفاته وخصائصه وتأثيراته لنتمكن من استخدامه بأسلوب جيد في تنفيذ موضوعاتنا الفنية.
الألوان زينة العالم وعالم بلا ألوان عالم ممل وحزين ولكن هل نتصور عالماً بلا ألوان؟ وإن اهتمام الإنسان باللون اهتمام فطري وحين نسعى لملائمته مع ما يحيط به يكون سعينا لبلوغ الأكمل والوصول إلى الأفضل.
فحين يكون لون القميص منسجماً مع لون البدلة. ولون ربطة العنق منسجماً مع لون القميص يكون المظهر متألقاً مع الذوق السليم.
الرسام الذي يختار ألوانه بحسب شعوره الفطري (الذوق) لا يستطيع أن يتحكم بالألوان ولا باللوحة لأن الألوان تخضع لقوانين من الممكن دراستها للاستفادة من مزاياها وبالتالي لتجنب أخطائها فالألوان أداة بيد الرسام ومهندس الديكور والمصور ومصمم الأقمشة والأزياء وفني الطباعة والماكيير على حدٍّ سواء.
حتى فترة قريبة كان اختيار الألوان يعتبر ذوقاً ناجماً عن موهبة طبيعية أو خبرة مكتسبة من التعامل مع الألوان... فالألوان بهجة الحياة.
ماذا يحصل لو أننا نرى العالم بلون واحد أو بالأسود والأبيض؟ سيبدو غير جميل بالتأكيد وممل ويبعث على السأم.
اللون موضوع معقد وهو جزء مهم من خبرتنا الإدراكية الطبيعية للعالم المرئي واللون لا يؤثر في قدرتنا على التمييز بين الأشياء فقط بل وتغير من مزاجنا وأحاسيسنا ويؤثر في خبراتنا الجمالية بشكل يكاد يفوق تأثير أي بُعد آخر يعتمد على حاسة البصر وأي حاسة أخرى.
اللغة العربية مملوءة بتعبيرات ملونة ربما تتعلق برد فعلي فسيولوجي أو نفسي لدى الإنسان فإذا ما ضحك الإنسان ضحكة صفراء فربما كانت الصفراء (العصارة المرارية) تلعب دوراً في هذا النوع من الغضب المكبوت وإذا قيل مثلاً إن هذا الشخص يتطاير الشرار الأحمر من عينيه هذا لأن الدم الذي يزدحم في الرأس ويتأثر به النظر.
وإن الدراسة النظرية للألوان ليس المقصود بها حذف إحساسات وانفعالات الفنان أمام شاعرية هذه الألوان بل إن المقصود منها توجيه هذه الأحاسيس وصقلها وتزويدها بدراسات تحليلية دقيقة.
ولا بد أن نعلم أن أسطح الأشياء ليست لها ألوان ولكن لها خاصية امتصاص بعض إشعاعات الطيف وأن التردد (أي انعكاس) بعضها يقتضي مختلف تأثيرات الضوء الأبيض أو اللون الذي يضيئها فيكتسب الشيء لون الإشعاع الذي يعكسه مع استثناء الأسطح المصقولة التي يمكن اعتبارها أسطحاً عاكسة لكل الإشعاعات المضيئة.
منذ البدء جذب اللون الإنسان البدائي بعدما كان مصاباً بعمى الألوان؛ وأول لون استهواه هو اللون الأبيض، ثم الأخضر، قبل أن يلحظ التناقض الكلي بين اللونين الأبيض والأسود. وبعد تلك المرحلة البدائية (أي ما قبل التاريخ) انغمس الإنسان في لعبة الألوان إلى حد أن الديانات القديمة اعتبرت اللون رمزاً مقدساً، حتى أصبح الأبيض رمزاً للعفة وللطهارة، والأسود للحزن وللموت، والأزرق للوفاء، والأصفر للخبث والحسد، والأحمر للعنف، والأخضر للرجاء. ومن ألوان قوس قزح السبع استخلص الإنسان رقم 7 لحسن الحظ والطالع الجيد. فالجديد الذي أدخله صدفة على علم الألوان ربطه الوثيق بين اللون ورموزه على أساس كونية الألوان، والاهتمام بها لدى كل الشعوب.
والألوان ترافق أو تواكب تطور العلم؛ إذ نلاحظ مدى أهمية اللون في صناعة السيارات أو النسيج، حيث نرى حزمة لونية خارجة على المفهوم التقليدي للألوان، تأخذ في استعمالاتها الشعبية بلاغية متداولة مثل: لون خمري، لون زهر هندي، لون فستقي، أو لون بني محروق، لون زيتي - وكل ذلك يعني أن لا حدود للغة الألوان. والألوان متناقضة ومتزايدة؛ ولو مُزجت أو خُلطت بعضها ببعضها الآخر لحصلنا على لون جديد تماماً. واللون لغة قائمة على نحو مستقل كأن نقول: اللون لغة الديكور، أو لغة البيوت، أو لغة السيارات، أو لغة التطريز. وقد اهتم الأعاجم كثيراً بلغة السجاد، حتى بلغت هذه اللغة مستوى غير مسبوق من الإتقان. ويرمز السجاد الأحمر الذي يُبسَط أو يوضع في المطارات لاستقبال الملوك أو رؤساء الجمهوريات إلى التكريم والاحترام؛ وهي عادة تسود معظم البلدان في العالم.
الدكتور إياد محمد الصقر
Page 2
طبيعة اللون
• المبحث الأول: أولى النظريات.
• المبحث الثاني: الطاقة اللونية.
• المبحث الثالث: العلاج بالألوان.
• المبحث الرابع: ما هو اللون؟
المبحث الأول
أولى النظريات
للألوان والتعبير الفني تلاقح منذ رسوم الكهوف الأولى، مثلما هي العلاقة الأزلية في أسمى صورها بين الفن والعقائد الدينية، حتى انتقلت إحداها للأخرى وأصبح اللون أداة رامزة لمفاهيم عقيدية، ولا سيما عندما استُنتج عملياً أن اللون هو صفة للنور والضوء، وبدونه ينتفي ظهوره، وأن للنور السماوي الآتي من الشمس قدسية وحظوة يكتسيه في جل المعتقدات، حيث نجده في فنون الحضارات القديمة. وانعكس كل ذلك في التزويق اللوني لحيطان مبانيهم. وكذلك الحال في المعالجات اللونية للفخار المزجج الذي غطى جدران المعابد في العراق القديم، أو مصاطب الزقورات أو البسطات السبع المكونة لها لعبادة الآلهة الفلكية لدى البابليين كانعكاس لعقيدة عالم الأنوار عند السومريين والأكديين في بلاد ما بين النهرين.
وفي العقيدة الإسلامية جاءت دلالات اللون تعبيرية أو رمزية أو حسية أو جمالية، وارتبط اللون بمصدرين جوهريين أولهما النور القادم من السماء المقترن بالخالق الأعلى فهو (نور الله) سبحانه أو (نور القلوب) بما يعنيه الإيمان المنور لدواخل النفس المظلمة. وثمة تداخل لغوي ذو دلالات بين كلمتي «ظلمة» و«ظلم» المقترن بقبح الظلم والطغيان المنافي لجمال العدل. وهكذا احتسب كل انحراف واختلال قبح، لأنه ابتعاد عن الجمال الواجب اقترانه بإرادة الله سبحانه وتعالى. وبذلك المفهوم فإن اللون وجماله يقترن مع وجود الضياء ثم يتداخل في المفهوم مع العدل والقانون الإلهي. وأصبح الأسود المظلم لون الحزن والألوان المشعة دالة على السرور في الأعراف الشعبية.
وكلمة «لون» يطلقه الفنانون التشكيليون وكذلك المشتغلون بالصباغة وعمال المطابع، ويقصدون بها المواد الصباغية التي يستعملونها لإنتاج التلوين. هما العلماء الطبيعية فيقصدون بكلمة لون، تلك الأشعة الملونة الناتجة عن تحليل الضوء (الطيف الشمسي مثلاً أو غيره من أطياف مصابيح الكهرباء المختلفة).
وإن الألوان بمعنى الكلمة هو ذلك التأثير الفسيولوجي (أي الخاص بوظائف أعضاء الجسم) الناتج عن شبكة العين، سواء كان ناتجاً عن المادة الصباغية الملونة أو عن الضوء الملون. فهو إذاً إحساس وليس له أي وجود خارج الجهاز العصبي للكائنات الحية، هذا التعريف الجوهري لا يجب أن يضيع من أذهاننا.
كما أن أسطح الأشياء ليست لها ألوان، ولكن لها خاصية امتصاص بعض إشعاعات الطيف وارتداد بعضها بمختلف التأثيرات الضوء الأبيض أو الملون الذي يضيئها، فيكتسب سطح الشيء لون الإشعاع الذي يعكسه، مع استثناء الأسطح المصقولة التي يمكننا اعتبارها أسطح عاكسة لكل الإشعاعات المضيئة.
إن الفنانين يستخدمون عادة المصطلحات التالية: اللون الساخن، واللون البارد، مجموعة الألوان المتوافقة اللون، المرح واللون الحزين اللون التوافقي لكن متى يبدأ اللون في السخونة والبرودة؟ وما يمكن أن تكون تلك العلاقات الحسية والعاطفية، وكيف يمكننا اختيار اللون ليتوافق مع غيره.
هذا ما حدا بنا استخدام هذا الكتاب نتناول فيه الدراسة النظرية والعملية للألوان مدركين بأن اللون من أهم الوسائل يستطيع بها الفنان التعبير عن رسالته للناس ويؤثر فيهم.
Page 3
الألوان في حياتنا
نظراً لأهمية اللون في حياتنا أصبح لا بد لمصممي المنازل والتصاميم الداخلية مراعاة التأثير النفسي للألوان أثناء استخدامها، وذلك لأن الألوان المختلفة تثير استجابات متباينة، وفضلاً على أن بعض الأشخاص يملكون حساسية تجاه بعض الألوان أكثر من غيرهم. وفيما يلي أساليب لاستخدام الألوان في تجميل وتصميم المسكن.
اللون الأصفر
اللون الأصفر مثل لون الشمس والضوء الصناعي له تأثير يعكس الإحساس بالمرح والإشراق والشعور بالابتهاج والتفاؤل، كما أنه ظل لقرون عديدة لوناً مفضلاً للعين. وبالنسبة لاستخدام اللون الأصفر في التصميم الداخلي للمنزل فإننا نعتبره من الألوان التي لا يمكن أن نستغني عنه، حيث إنه يوحي بالضوء أكثر من غيره من الألوان كما أنه يضفي إشراقة الشمس في الأماكن التي لا يصلها أشعة الشمس. ومن درجات اللون الأصفر التي تصلح لطلاء الجدران اللون الأصفر المائل إلى البرتقالي، والأصفر الباهت والعاجي والبيج والليموني الفاتح.
وترجع صلاحية استخدام درجات اللون الأصفر في الطلاء إلى أنها تتماشى وتتوافق إلى حد كبير مع بقية الألوان المستخدمة في أقمشة الستائر والأثاث والسجاد وخامات التنجيد. ويعتبر اللون الأصفر مثالياً للأسر متوسطة الدخل وذلك لمقدرته على جعل الأقمشة الكتانية والصوفية الرخيصة أكثر قيمةً وجمالاً. كما أن استخدام اللون الأصفر في الغرف البعيدة عن أشعة الشمس يكون أكثر نفعاً لأنه يضفي على المكان إحساساً لطيفاً بلسعة ضوء الشمس. أما الأصفر الذهبي فيمنح شعوراً بالهيبة والعظمة، فضلاً عن أنه كان مميزاً لعصور النهضة في العصر الفرنسي.
اللون البرتقالي
يعتبر اللون البرتقالي من أكثر درجات الألوان زهواً ودفئاً فهو يجمع بين صفات اللون الأحمر والأصفر، كما أنه في حالته النقية يعطي إحساساً عميقاً بالدفء مما يلزم استخدامه في الزخرفة الداخلية بكميات قليلة وبحرص شديد، ويعبر اللون البرتقالي عن الطاقة الانفعالية والروح المتفائلة عند الإنسان وكذلك الأمل والشجاعة، ومن الدرجات التي يمكن تكوينها من اللون البرتقالي لاستخدامها في الزخرفة الداخلية للمنزل اللون المعتق ولون الصدأ واللون النحاسي.
اللون البني
ويستخدم اللون البني بكثرة في صورة الأثاث الخشبي الطبيعي، ويعتبر رمزاً له. وقد يستخدم مع أحد الألوان الصارخة مثل التركواز أو الأحمر ويعطي اللون البني إحساساً بهدوء الأعصاب ويمنح صفة التواضع والألفة.
اللون الأحمر
ويعرف بلون النار والدماء كما أنه يرمز إلى العاطفة البدائية والحروب والنشاط والقوة والحركة والعدوان والجرأة والحب. أما من حيث استخدامه في الرسوم والتصاميم فإنه يعطي انطباعاً يوحي بالعظمة والدفء والانتعاش، وهناك درجة من الأحمر تعتبر باردة ويمكن أن نراها في الأزهار ذات اللون الأحمر الضارب إلى الأرجواني، وهذه الدرجة من الأحمر تنسجم إلى حد كبير مع الألوان الزرقاء والأرجوانية. أما اللون القرنفلي فهو من الألوان التي تفضلها السيدات كثيراً، ويفضل اللون الرمادي إلى هذه الدرجة في حالة استخدامها بكثرة. وبالنسبة للون الأرجواني فهو يتكون من الأحمر والأزرق رغم أن لكل منهما صفات متضادة تماماً، ولكن عندما يخلطا معاً يلغي كل منهما أثر الآخر حتى يصبح اللون البنفسجي رقيقاً شاحباً، فيحمل معنى الغموض والوقار والتأمل. وجوهرة الكلام فإن الأحمر يعد من أعظم الألوان وأفخمها غير أنه يتوجب استخدام درجاته بحرص كبير وخصوصاً داخل المنزل كحرارتها.
Page 4
اللون الأزرق
الأزرق لون السماء الصافية والمياه العميقة، لذا فإنه يرتبط بالبرودة، ومن العجيب أن درجات الأزرق المختلفة ليس بينهما علاقة وطيدة، بالإضافة للألوان الأخرى، لذلك يجب الحرص التام أثناء استخدامه سواء خلال ضوء النهار و في ظروف الضوء الصناعي.
اللون الأخضر
وهو لون الحشائش وورق الشجر والخضراوات لذلك فهو يعكس إحساساً بالظل والراحة، ويعتبر اللون الأخضر من الألوان المريحة للنظر والأعصاب والمهدئة للمزاج بدليل استخدامه بكثرة في المستشفيات. ويتكون اللون الأخضر من اللونين الأزرق والأصفر ويبدو دافئاً إذا كان الأصفر غالباً، أو بارداً إذا كان يميل إلى الزرقة.
تدخل المحللون النفسيون وأصبحوا يحللون الألوان المختلفة، وما يضفي منها السعادة على الأفراد، وما يصيبهم بالقلق، والآن تدخلت الألوان والأصباغ في العديد من أوجه حياتنا، فأصبحت تستخدم كحماية للأغراض المختلفة مثل الأجهزة والمعدات والهياكل الحديدية. كذلك أصبحت تستخدم للتمويه في الحروب، حتى الطرق أصبح للألوان دوراً كبيراً فيها والآن تستخدم الألوان في إضفاء البهجة للأطفال في المناسبات وأعياد الميلاد وفي العديد من المناسبات الاجتماعية كما أن غرف الأطفال أصبح لها ألواناً ونقشات خاصة بهم تضفي على حياتهم البهجة والسرور. وعندما نتكلم عن الأصباغ فإنها لا تنفصل عن حديثنا عن الألوان لأن الأصباغ هي الترجمة الواقعية للألوان ولإبداعاتها.
وسيظل العلم يطور الأصباغ كمواد وألوان وأدوات ومعدات كي يستفيد الإنسان ويتمتع بها، بل تعدى ذلك إلى أن للألوان دوراً هاماً الآن في مكافحة الحشرات، كالأصباغ الطاردة للناموس والذباب، والأصباغ المقاومة للحشرات. كما أنه توجد أصباغ صحية صديقة البيئة لدهان خزانات المياه.
الألوان هي متعة للإنسان، تغذي حواسه وتنعش جسده وتؤثر على حالته النفسية وعلى روحه المعنوية كتأثير العطر ونفحاته التي تمتع الإنسان، وكالموسيقى التي تنعش حواسه وتفيض على نفس الإنسان السعادة والسرور.
واختيار الألوان فن بديع، فكل غرفة لها ألوانها المناسبة لاستخدامها، بدءاً من غرف المعيشة أو غرفة النوم أو غرفة الطعام، أو حتى غرفة الأطفال.
وعلى كل فنان أن يستوحي الألوان من الطبيعة الخلابة.. من الزهور.. من الشعاب المرجانية وألوان الأسماك في المحميات الطبيعية.. ومن لحظات الشروق والغروب.. والألوان البديعة في السماء والبحار.
Page 5
اللون في اللغة
اللغة العربية بتعبيرات وكتابات تستخدم اللون فيها.. فمثلاً نقول فلان ضحكته صفراء.. ونقول فلان يتطاير الشرر الأحمر من عينيه.. وهذا لأن وجهه يحتقن بالدم ويبدو أحمر، واللون الأحمر يعني الفعل القوي، فإذا خف نقص تأثيره أصبح وردياً دلالة على الحياة السعيدة النشطة اللطيفة، فيقال «حياة وردية» يعني السعادة.. أما الأسود فيعني انعدام اللون والضوء ويرمز للحزن والموت والكآبة والسأم.
الألوان عند الفنانين
بداية يرى التشكيليين أن الألوان ترتبط بمعاني راسية في عقلنا الباطن نتيجة لخبرات بعضها موروث في الجنس البشري، وأخرى مكتسبة من الحياة والألوان بصفتها خبرة مرئية تزيد ثباتاً ودواماً في عقولنا لمدد تزيد على أي خبرات اكتسبناها عن طريق الحواس الأخرى فمن الأسهل والأثبت أن نتذكر شكلاً أو لوناً رأيناه من أن نتذكر صوتاً سمعناه كما يسهل أيضاً أن نربط في عقلنا الواعي بين الأشكال أو الألوان من جانب والملابسات والظروف التي رأينا فيها الألوان والأشكال من جانب آخر، وبفرض أن مرت فترة زمنية طويلة على الظروف التي شاهدنا فيها هذه الألوان فإن هذه الخبرة المرئية وإن غابت قليلاً عن عقلنا الواعي فهي قد رسبت في عقلنا الباطن وتكون قابلة للاسترجاع حين نمرّ فيه. ومن هنا نجد أن للألوان دلالات معينة وارتباطاً بالظروف والأحداث التي مررنا بها وفي هذا تفسير للأسباب التي تجعل البعض يميلون إلى ألوان دون غيرها. ونتيجة لهذا الارتباط القوي بين الألوان والمعاني نجد أنه يجب على المصور أو الرسام أن يعطي لهذا الأمر اعتباراً كبيراً حين يخطط في مخيلته لألوان الصورة التي يفكر في تسجيلها وذلك لكي تكون الألوان السائدة بالصورة هي تلك المرتبطة سيكولوجياً بمعانيها وموضوعها فتؤثر في الرائي تأثيراً قوياً مبعثة كل المضمون والشكل تكويناً ولوناً.
وكذلك يمكننا تصنيف مدلولات الألوان على النحو التالي:
فمدلول اللون الأسود: يرتبط بالموت والخوف والحزن، فقد البصر، والوقار أحياناً أما الأبيض فيرتبط بالطهارة والنقاء والنظافة. والأحمر: يرتبط بالحريق واللهب والحرارة، أو الدماء والقتل وهو لذلك يثير الأعصاب ولا يرتاح إليه الكثيرون في منازلهم. واللون الأخضر: يرتبط بالحقول والحدائق والأشجار. أما الأصفر فيرتبط بالشمس والضوء، والأزرق يرتبط بالسماء والماء فهو لون مناسب للهدوء وبرودة الليل.
Page 6
ألوان الحزن والفرح
للفنان التشكيلي رؤية فلسفية حول الألوان حيث يقول: أُكثر من استخدام اللون الأزرق في أعمالي الفنية لإحساسي بأنه لون الوقار والهدوء والسكون، وكذلك لون التأمل والتفكير، وكأنك تمتع ناظريك بمنظر بحري من إبداع الخالق على أنغام مقاطع من موسيقى شرقية راقية وأُمزج هذه الزرقة مع خضرة ساحلية بلمسات ملوّحة من شمس الصحراء لإضافة مزيج من الموشحات الأندلسية إلى قارورة العطر الشرقي المعتق. وبالرغم من اعتبار اللون الأسود هو لون الحزن والموت والظلام (حسب ما ذُكر في كتاب الموسوعة العلمية للرسم والتلوين باب سيكولوجية الألوان) إلا أنني أجد هذا اللون هو للأناقة والذوق الرفيع، ويحب البعض استخدامه في الأعمال التصويرية ليس بخاصيته اللونية لكن بانطباعه المرئي هذا باعتقاد بأن لا حقيقي قد يكون محسوساً. ولقد فسر البعض بانتماء اللون الأحمر إلى العشاق والمشاعر الملتهبة لكننا نجده لون الدماء والفراق والتمرد.
أما رأياً آخر حول الألوان ومنظور على التشكيل حيث يقول: أحس بأن اللوحة نابضة بالفرح عندما يحترم الفنان عمله الفني ولا يبخل عليه وتكون اللوحة مشبعة بالألوان المناسبة حتى لا تكون كئيبة وفقيرة لوناً وإخراجاً كما أحس بالحزن عندما أرى اللوحة وأحس أن الفنان وضع أمام عينيه المادة في محاولته لإنجاز العمل في أسرع وقت ممكن تسويقها وبالتالي تفقد هذه اللوحة أهم خصائصها الجمالية بالألوان الباهتة والجامدة وتغيب عنها البطانة اللونية وفي هذه الحالة يكون الفنان قد أساء إلى لوحته خاصة وإلى الفن عامة.
ويضيف: ألوان الفرح بالنسبة لي هي تلك الألوان الزاهية البراقة التي تبهر الإنسان بإضاءتها المفرحة كاللون الأصفر والأحمر والبرتقالي، أما ألوان الحزن فهي الألوان القاتمة والغامقة كالبني والأزرق والأحمر القاني والبنفسجي.
ويستخدم البعض ألوان الحزن حسب الموضوع الذي يتم تناوله ويختلف من مناسبة إلى أخرى كالحروب والاضطهاد والظلم والدمار كما تستخدم ألوان الفرح عندما تكون نفسية الفنان مرتاحة ومبسوطة والفرح يملأ صدره، وكذلك تستخدمها عندما يتناول موضوعاً يتعلق بالأعياد والطفولة، وغالباً ما يجد نفسه يستخدم ألوان الفرح دون أن يشاهد عندما يملأه الشعور بالغبطة والسرور. أما ألوان الحزن فيستخدمها عندما يشاهد الكوارث الطبيعية والحروب وما يمثلانه من بؤس على الإنسانية. إذ نقول إن باللون يمكن للفنان أن يصل إلى أعماق المشاهد، ويخاطب وجدانه ومشاعره، ويؤثر عليه نفسياً وجسدياً.
تعبير تلقائي
بشكل تلقائي لا نقصد فيه الحزن أو الفرح وإنما أحاسيسي تعبر عن ما بداخلي بشكل تلقائي دون التحسب لموقف معين وفي الوقت نفسه أستفيد من الصفة الرمزية للألوان في تكوين العمل الفني التي تعبر عما أريد نقله للمشاهد ولا يتعلق العمل الفني فقط موضوعياً بالألوان في حد ذاتها، وإنما يرتبط بالانطباع الذي تتركه الألوان في نفس الإنسان. إن الروائع الفنية التي أبدعتها عبقرية كبار الفنانين كروفائيل ورامبرانت وفان جوخ هي خير دليل على عمق التأثير الذي تحدثه الألوان في نفس كل إنسان وهي التي تدفع المشاهد إلى الحكم على أي عمل فني والفنان نفسه بأنه يعبر عن الحزن أو رغم تباين الآراء إلا أن الألوان ستظل دائماً إحدى أساسيات الفن التشكيلي التي لا يستطيع أي فنان أن يستغني عنها إطلاقاً مهما تم تقسيمها.. وسيظل لكل منا لونه المفضل الذي يحبذه على جميع الألوان، وستظل الألوان عنواناً للكثير من الأسئلة والأجوبة في حياتنا اليومية.
Page 7
المبحث الثاني
الألوان والطاقة اللونية
الإنسان يحتاج إلى الألوان ليجعل من حياته شيء له طعم وإلا لأصبحت الحياة رتيبة باردة، وذلك لأن الألوان من قديم اكتشف أثرها على النفس البشرية وكان الاهتمام الأكبر يدور حول أثر الألوان النفسي إلى فترة قريبة، حتى اكتشف العلم الخاص بطاقة الألوان والذي كان الصينيين قد احتفظوا به لمدة 5000 سنة واعتبروه من العلوم المقدسة، والتي هي بالتالي محجوبة عن العامة، والأغراب.
وقد أخذ هذا الجانب من علم الطاقة اسم (الفونغ شوي Feng-Shui) والذي يعني الماء والهواء، ويعنى بالبيئة والمحيط الذي يعيش به الإنسان وطبيعة العلاقة بينه وبينهم، وذلك يعني علاقته مع الألوان المحيطة، والأشكال التي تحيطه، ومدى أثر طاقة الألوان والأشكال عليه.
وعند دراسة علم الطاقة تبين أن الإنسان لديه سبعة مراكز للطاقة الحيوية المحيطة به إلى طاقة تفيد وتغذي جسده، وقد سميت بشكرات الطاقة (عجلات الألوان) والتي تتوزع بشكل مستقيم من أسفل العامود الفقري إلى أعلى نقطة في الرأس وهي ترتيبها من أسفل إلى أعلى كما يلي مع لون كل شكرة:
وربما من الغريب أن يكون ما اكتشفه نيوتن أن طيف الضوء ينقسم لسبع أطياف أساسية، وأن الشكرات هي أيضاً سبعة، ورقم سبعة يتكرر في أشياء أخرى كثيرة! وقد ورد ذكر بعض منها.
وعلى كل حال لتقوية كل مركز من هذه المراكز للطاقة لا بد من تعريض هذا الجزء من الجسد لكمية جيدة من هذا اللون، وذلك بتناول الأغذية المناسبة (كما ذكرت في الألوان والغذاء)، أو أن يرتدي ملابس مناسبة، أو أن يغير من ألوان البيئة المحيطة به، أو يعرض نفسه للون بشكل مباشر لفترات معينة وهكذا.. (ذكر هذه الأمور بالتفصيل في داخل المبحث).
Page 8
الألوان وعلاقتها بالعناصر الخمسة
حتى أوضح طبيعة العلاقة بين الفونغ شوي والعلاج بالألوان، سأوضح ماهية الألوان في علم الفونغ شوي الذي قسم الألوان إلى خمسة ألوان أساسية ووضعها في دائرة واحدة سميت بدائرة الإبداع، ومن هذه الألوان الخمسة تنبثق ألوان أخرى تبعاً لاختلاف درجات الألوان الأساسية التي هي اللون الأحمر ثم الأصفر ثم الرمادي ثم الأزرق وأخيراً الأخضر، هذه الألوان الخمسة تعبر عن خمس عناصر طبيعية، وترتبط أيضاً بخمس أعضاء مهمة في جسم الإنسان، وترتبط كذلك بفصول السنة الأربعة ودورتها وبالوقت في اليوم الواحد.
فاللون الأحمر يرمز إلى عنصر النار.
واللون الأصفر يرمز إلى عنصر التراب.
واللون الرمادي يرمز إلى المعدن.
واللون الأزرق يرمز إلى الماء.
واللون الأخضر يرمز إلى الشجر أو الخشب.
وبالتالي فإن كل لون يرتبط بعنصر من عناصر الطبيعة الخمس والتي هي النار والتراب والمعدن والماء والخشب.
لماذا سميت الدائرة التي حملت هذه الألوان وتلك الرموز بدائرة الإبداع؟
الإجابة: على ذلك بسيطة لأنه توجد علاقة تربط بين كل رمز والآخر بحيث شكل في النهاية دورة مستمرة.
فمثلاً:
الماء يسقي الشجر فهو يحتاجه حتى ينمو ويعيش.
والنار لا تتكون بدون احتراق الشجر.
وعندما يحترق الشجر يتحول إلى رماد أو تربة.
وبدورها تعطي المعدن إلى التراب يتكون من المعادن.
المعادن بصهرها أو ذوبانها تؤدي إلى تكون المياه.
ويعود الماء ليسقي الشجر وهكذا...
وكل عنصر من عناصر الطبيعة الخمسة يحتوي على طاقة معينة، فالنار مثلاً والتي يُرمز لها باللون الأحمر هي أعلى الطاقة أو قمة الطاقة، أما التراب الذي يرمز له باللون الأصفر فهو مرحلة هبوط الطاقة وتستمر الطاقة في الهبوط خلال هذه الدورة إلى أن تصل إلى مرحلة السكون في الماء الذي يُرمز له باللون الأزرق، ثم تعود إلى الصعود عندما يسقي الماء الشجر الذي ينمو إلى أعلى وتنمو الطاقة معه، أما بالنسبة للهواء كعنصر طبيعي نجده يرتبط بكافة العناصر الخمسة الأخرى، فالماء الساكن يحركه الهواء، والشجر يزيد اشتعاله بفعل الهواء.
Page 9
الألوان وفصول السنة
إذا حاولنا أن نصف الألوان وفقاً لطاقة كل لون والذبذبات التي يحملها وارتباط ذلك بفصول السنة نجد أن اللون الأحمر الذي يُرمز له بالنار يمثل أعلى طاقة ويعبر عن فصل الصيف، ثم يأتي اللون الأصفر الذي يمثل التراب وهي مرحلة هبوط الطاقة، وهو نهاية الصيف. ثم اللون الأبيض يمثل الخريف، وهو بداية سكون الطاقة. والأزرق يمثل الشتاء الذي يعبر عن مرحلة سكون الطاقة والدليل على ذلك أن الكثير من الحيوانات في فصل الشتاء تكون في فترة بيات شتوي أو سكون وخمول، ولا تملك قدرة على ممارسة حياتها العادية حتى البشر أنفسهم يقل نشاطهم في فصل الشتاء ويميلون إلى الكسل والسكون. يأتي بعد ذلك فصل الربيع الذي يُرمز له باللون الأخضر وعنصر الخشب أو الشجر وهي مرحلة بداية صعود الطاقة تستمر الطاقة في الصعود إلى أن تصل إلى أعلى قمة لها في فصل الصيف وتعود الدورة في السير كما ذكرنا سابقاً.
تطبيقات الألوان في الحياة
للألوان تطبيقات عدة في الحياة فينبغي معرفة ما يناسب كل مكان وزمان لاستخدامه بالشكل المناسب، وهنا جملة من الأفكار التي تساعد في معرفة ماهية اللون في كل مكان من حياتنا.
الألوان والطعام
لكل لون أثره على عضو من أعضاء الجسم - راجع العلاج بالألوان آخر المبحث - فعند أكل طعام من لون معين فإنه يقوي طاقة ذلك العضو كما في الجدول التالي، والذي وضعت فيه اللون ومثال على الطعام المرتبط به، والعضو المرتبط بهذا اللون:
وكل لون يفيد الطاقة بشكل معين كما يلي:
وسنرى في العلاج بالألوان كيف يؤثر كل لون على نوع معين من المشكلات التي يتعرض لها الإنسان.
Page 10
الألوان واللباس
يمكن معالجة بعض مشكلات الشخصية عن طريق الألوان بمعرفة دور كل لون وأثره على طبيعة المشكلات، والأثر يكون كما يلي:
1- الأحمر والزهري: يساعدان على اللباقة وحُسْن التعبير.
2- الأصفر والألوان الترابية: تساعد على الإخلاص والصراحة وحب الإنسان.
3- الرمادي والأبيض: يساعد على الاستقامة والعدل.
4- الأسود: يساعد على البصيرة وحُسْن العلاقة، وهو أيضاً حزين ومنعزل.
5- الأزرق والأخضر: يساعدان على المثابرة وحب عمل الخير.
وكل واحد منا يتأثر باللون الذي يرتديه أراد أم لم يرد، فهذه الألوان تعمل على مستوى اللاوعي، فعندما نرتدي ألوان باردة كالأزرق يصعب علينا التحرك بحيوية كما لو كنا نرتدي البرتقالي أو الأحمر، ولبس هذين اللونين لا يناسب غالباً المناسبات الرسمية التي تحتاج إلى نوع من الجدية والمثابرة، واللون الأسود هو المفضل للمحاضرين لأنه يجعل هناك علاقة قوية مع وجود حاجز بين المحاضر والحضور، وهكذا كل لون له دور في أثره على شخصية من يرتديه.