eKtab
EN ع
فلسفة البياض
Read free sample

فلسفة البياض

by ناريمان أبو إسماعيل

Page 1
وسط الزحام
 
لم أكن أعي ما يقول، كلامه يكبر عقلي الطفولي بكثير، كان لعباراته أثرٌ كبيرٌ في نفسي على أنني لم أكن أفهم منها شيئًا، إلاّ أن صوته كان دافئًا، يُداعب في ارتفاعه وانخفاضه حاجات روحي التائهة فآتيه وسط الدخان المنبعث من سجائره، وتعانق عيناي بريقَ عينيه اللامعتين، متخطيةً عدسات نظارته التي تنمّ عن عمق تجربة وبحث طويل، و أبقى أطرب على نغمات صوته الفطرية التي تغنيني عن الفهم فأغمض عيني وأحلم. . . وتغدو الأرض بلا جاذبية.
 
لم أكنْ بحاجةٍ إلى أنْ أفهم لأنني كنتُ أحس، كنتُ أحس بقوة تجذب كل ما في صدري من آهٍ وألم عندما يضمني بين ذراعيه، وأتمنى في كل مرة أن يضمني بقوةٍ أكبر ليحتمي كلّ جزءٍ في جسمي بجسمه الظليل.
 
كان يتحدث والجميع يُصغي إليه، كان صوته يتردد قويّاً واضحاً في مُكبّرات الصوت، وفي كلِّ مرةٍ كانت تعلق نظراتي بنظرات عينيه الواثقة كنتُ أشعر أنّه يوّجه عباراته إليّ. إلى أن انتهى وحيّى جمهوره وراح يشقّ الأرض بخطواته الواسعة. . . . . . . هممتُ للحاق به. . . . . إلاّ أنّه اختفى وسط الزّحام.
Page 2
على يدك اليسرى
 
بعد وقوفٍ دام أكثر مِن عشر دقائق أمام المرآة، تمكّن من إغلاق أزرار معطفه. حالت منه التفاتةٌ إلى اليمين، تناول قفاز يده اليمنى، بينما ترك الأخرى ملقاةً على السرير.
 
" تأخرت " علق بارتباك بعد أن نظر إلى ساعته.
 
في ذلك الحشد الكبير من الناس فرصةٌ ليمارسَ هوايته في تأمّل الوجوه، والغوص في محيط غموضها، إلاّ أنه لم يكن يملك الوقت لذلك.
 
ـ " أريد مقهى السلام " استوقف أحد المارّة متسائلاً.
 
ـ " الشارع الثاني على يدك اليسرى " أجابه أحدهم مستعجلاً.
 
ـ " أشكرك " قالها بعد شرود في بحر حزن عميق رسا في عينيه، سار حيث الوصف، وصل الشارع الآخر، التفت إلى يساره، تحسس كُمّ معطفه الأيسر الذي ما زالت أدراج الرياح تعبث بهيكله الفارغ، فتحركه للأمام مرة، وللخلف مرات، تحسّسه بقوة، تحسّسه بقوة أكبر، ليكتشفَ أنه يقبض براحته على قماش، أفلت كمّه، غالب دموعه، وعاد من حيث أتى.
Page 3
حاكم جلاد
 
اهتدوا أخيرًا إلى تلك اللعبة المسلية، بعد أنْ أُجبروا على اللّعب خارجًا؛ لتتمكنَ أمهاتهم من ترتيب المنزل وإعداد الغداء.
 
ـ " حاكم جلاد ". . . اقترح أكبرهم
 
ـ " موافقون ". . . أجابوا بصوت واحد
 
ـ " بشرط، تعطونني دور الجلاد دائمًا "
 
تعالى صوت ضحكاتهم البيضاء، وغلفت رائحة فرحهم ثرى الحديقة، وراحوا يتراكضون حتى وصلوا المكان الذي اعتادوا اللّعب فيه، جلسوا على شكل حلقــــة مستعدين للعبــــة، تاركيـــن الجلاد أمامهم، يقبض بإحدى راحتيه على عصا، تاركــًا الأخرى تستقبل ضرباتها بثقة طفولية.
 
ـ " أعطني دور الجلاد مرةً واحدة " قال أحدهم راجيًا.
 
ـ "بس ولا بتطلع من اللعبة ". . . . أسكته الجلاد بنبرةٍ قاسيةٍ.
 
صمت الطفل، وضحك ضحكة دافئة أودعها عـُبَّه، وغاصت عيناه تُفلـِّي أعشابَ أرضِ الحديقة.
Page 4
صخور متحركة
 
تتهاوى نغمات الموسيقا إلى أذنيه بعيدة رمادية، فبالرغمِ من تواجده في قاعة الحفـــــل إلا أنه كـــان غائبًا عمّا يدور حوله، وأضحى بين صخب الموسيقا وحركات أجساد الراقصين حبيس ذاته الشاردة، وباتت صور الراقصين والمغنين والمتفرجين في عينيه كائنات دقيقة تسبح في سماء اللامبــــــالاة البشرية.
 
سرح في تلفاز ذاكرته. . . فرأى صورة لطفل يرضع من ثدي أمه التي غَـرّقـَتْ بدمها يدي أخيه الأكبر وهو يهزُّ جسدها مُناجيًا إياها أنْ تستفيقَ، فيُجيبه بكاءُ الرضيع يريد الحليب.
 
أمسك أحدهم بكم معطفه داعيًا إياه للرقص، اقترب من المنصة وراح يرقص، فرأى كلّ من حوله صخورًا متحركةً يذوب لشدة تصلّبها خشب المنصة !
Page 5
الطــوفـان
 
ما زلتُ أذكر صورته، لحظة أسند إحدى ركبتيه إلى صدره، وسترَ الأخرى الظاهرة من ثقب بنطاله بالرصيف، وراح يجمع حبّات العلك المتناثرة أمامه.
 
خطوات المارة متلاحقة، تشق الأرض بخطى مفترسة، وأيديهم ثقيلة، تصفع بلا رحمة، والمكان مُشبع برائحة قلوب تحترق تحت نار خفية، والطفولة أوراق بعثرت تحت أقدام المارة وعجلات المركبات، والجوعُ قاسمٌ مُشترك.
 
لم يرتكب ذنبـًا أو يجهر بمعصية، فلم تحمله الدنيا على أكتافها سوى ثماني سنوات حتى اللحظة.
 
صعد إلى الحافلة وراح يتجول بين ركابها وبعض المقاعد الفارغة، حاملاً طبق العلك وقد أمسكه بقوة كـدُميةٍ يخاف عليها من السقوط.
 
ـ "خلصنا الركاب بدهم يطلعوا ". . . قالها السائق بصوت غليظ.
 
ـ " ثواني " أجابه الطفل وهو يدسّ قطعة معدنية في جيبه.
 
ازداد عدد المنتظرين أمام باب الحافلة، وبدا بعضهم بالذهاب إلى الحافلة التالية. .
 
ـ" أعجبك؟" قالها السائق وعيناه كحجرتين من جهنّم.
 
ـ "بعت سبع حبات" ولم يكدْ يبتسم، حتى تناوله من قبة قمصيه، ولطّخ وجهه النوراني ببصقـةٍ سوداء أودع فيها مكنون صدره، ثم نثر حبّات العلك في الهــــــواء و أسقطـــــه أرضًا.
 
أصوات المحتشدين من الناس تنهدات أسى وشفقة مخنوفة، ومواء القطط حوله لحنُ رثاء للطفولة، إلا أنه لم يسمعْ سوى نداء حبّات العلك المتناثرة أمامه، جمعها واتحد وإياها في غيمة رمادية، مُنتظرا طوفانًا أسود يُغرِق سائق الحافلة !!