خلودُ أدبِ الحِكمة
أحببتُ الفلسفةَ ومارستُها لسنين طويلة، وأعمقُ ثلاثةِ كُتُب فلسفيَّة قرأتُها على الإطلاق هي أسفار الجامعة وأيُّوب ونشيد الأنشاد. وفي الواقع أنَّ أوَّلَ كتابٍ جعلَني فيلسوفًا، في الخامسةَ عشرةَ من عُمري تقريبًا، كان سِفر الجامعة.
يُمكنُ تصنيفُ كُتُب الفلسفة بطرُق عدَّة: بين قديمٍ وحديث، أو شرقيٍّ وغربيّ، أو تشاؤميٍّ وتفاؤليّ، أو عقلانيٍّ ولاعقلانيّ، أو أحَدِيٍّ وتعدُّديّ، وتصنيفاتٍ أُخرى سِوى ذلك. ولكنَّ أهمَّ تمييز، كما يقول غبريال مارسِل (Gabriel Marcel)، هو ما بين ‘‘الملآن’’ و‘‘الفارغ’’، المتين والضَّحل، العميق والسَّطحيّ. فعندما تكونُ قد قرأتَ جميعَ الكُتُب في جميع مكتبات العالَم؛ وعندما تكون قد رافقْتَ جميعَ حُكَماء العالَم في جميع رحلاتهم إلى أعماق الحِكمة، لن تكونَ قد وجدتَ ثلاثةَ كُتُب أعمق من الجامعة وأيُّوب ونشيد الأنشاد.
إنَّ هذه الأسفارَ الثلاثة ينبوعٌ لا ينضبُ حقًّا. فهي زاخرةٌ بقوَّةِ تجدُّدٍ خفيَّة. وأنا أجِدُ دائمًا غِذاءً جديدًا بقراءتها من جديد، ولا أكِلُّ أبدًا من تعليمها. إنَّها جوهريًّا تُشكِّل خيرَ مِثالٍ على تعريفي للعمل الكلاسيكيّ. فالأعمالُ الكلاسيكيَّة تُشبِه بَقَرةً تُعطيك حليبًا طازجًا كلَّ صباح. والعملُ الكلاسيكيُّ كتابٌ يُكافئُ القِراءة المُكرَّرة على نحوٍ لا ينقطع. بَلِ العملُ الكلاسيكيُّ كالصَّباح، كالطبيعةِ نفسها: دائمُ الشَّباب، دائمُ التَّجدُّد. لا، ليس كالطبيعة أيضًا، لأنَّها- شأنُها شأنُنا- مَحكومٌ عليها بأن تموت. إنَّ الله وحدَه دائمُ الشَّباب أبدًا، والكتاب الذي أوحى الله به وحدَه لا يَشيخ.
متى أرادَ الله أن يُوحِيَ بفلسفةٍ ما، فلِماذا يوحي بأيِّ شيءٍ سِوى الأفضل؟ غير أنَّ الأفضل ليس بالضَّرورة الأكثرَ تعقيدًا. فإنَّ أفلاطون، في الأَيون (Ion)، يقولُ إنَّ الآلِهةَ اختاروا عمدًا أضعفَ الشُّعراء كي يُلهِموهم أعظمَ القصائد، حتَّى يكونَ المجدُ لهم، لا للإنسان. وذلك تمامًا هو ما يقولُه القِدِّيس بولس في رسالة كورنثوس الأُولى. ثُمَّ إنَّنا نرى هذا المبدأ نافذًَا في الكتاب المقدَّس كلِّه: المُفارَقة المُبينة ما بين بَدائيَّة الشَّاعر وعُمق القصيدة، بين ضآلة المُغنِّي وعَظَمة الأُغنية، بين غياب التَّعقيد البَشَريِّ وحضور الحكمة الإلهيَّة. فثمَّة شيءٌ يخترق الكلماتِ دائمًا، شيءٌ لا يُمكِنُك أن تُدرِكَه تمامًا ولكنْ أيضًا لا يمكن أن تفوتَه تمامًا، إنْ أنتَ فقط وقفتَ هُناكَ بنَفسٍ مكشوفة. قِفْ تحتَ المَطَر الإلهيّ، فتَنموَ بُذورُ الحِكمة في نفسك.
فلسفاتُ الحياة الثلاث
هُنالِك جوهريًّا ثلاثُ فلسفاتٍ في الحياةِ فقط، وكلٌّ منها يُمثِّلُها واحِدٌ من الأسفار التالية في الكِتاب المُقدَّس:
1. الحياةُ باطِل: الجامعة
2. الحياة مُعاناة: أيُّوب
3. الحياة محبَّة: نشيد الأنشاد
ولم يُكتَب قطُّ في أيَّة واحدة من فلسفات الحياة الثلاث هذه كِتابٌ أكمَلُ أو أعمق. فإنَّ الجامعة هو العملُ الكلاسيكيُّ الخالدُ بشأنِ الباطل. وأيُّوب هو العملُ الكلاسيكيُّ الخالد بشأنِ المُعاناة. ونشيد الأنشاد هو العملُ الكلاسيكيُّ الخالِد بشأنِ المحبَّة.
أمَّا سببُ كَونِ هذه هي فلسفاتِ الحياةِ الثلاثَ الوحيدة المُمكِنة فهو أنَّها تُمثِّل الأمِكنة أو الأحوالَ الثلاثة الوحيدة التي يُمكنُ أن نكونَ فيها. فإنَّ ‘‘باطِل’’ الجامعة يُمثِّل جهنَّم. ومُعاناة أيُّوب تُمثِّل المَطهَر.[1] ونشيد الأنشاد يُمثِّل السَّماء. وجميعُ الأحوال الثلاثة تبدأ هُنا والآنَ على الأرض. وكما عبَّر سي. أس. لِويس، فإنَّ ‘‘كلَّ ما يبدو أرضًا هو جهنَّم أوِ السَّماء’’. يا لها من عِبارةٍ تهزُّ الكِيان، وقد أضاف إليها لِويس ما يلي: ‘‘يا ربّ، افتَحْ عينيَّ الضعيفتَين كفايةً على هذه الحقيقة!’’.
إنَّ جوهرَ جهنَّم ليس العذاب، بلِ الباطِل؛ ليس المُعاناة، بلِ اللَّامعنى؛ ليس الألَم الجسديَّ، بلِ الألَمُ الروحيّ. وقد كان دانتِه (Dante) [2]، على حقٍّ إذ جعلَ اللَّافتةَ فوق باب جهنَّم تقول: ‘‘تخلَّوا عن كلِّ رجاء، أيُّها الداخلون إلى هنا’’.
ليس الألَمُ جوهرَ جهنَّم، لأنَّ الألم قد يكونُ مُفعَمًا بالرَّجاء. وقد كان كذلك بالنِّسبة إلى أيُّوب. فإنَّ أيُّوب لم يفقد قطُّ إيمانَه ورجاءَه (الذي هو الإيمانُ مُوجَّهًا إلى المُستقبل)، وقد أثبتَت آلامُه أنَّها مُطهِّرةٌ، مُنَقِّية، مُثقِّفة: إذ أعطَته عينَين كي يرى الله. ولذلك نحن جميعًا على الأرض.
أخيرًا، السَّماءُ محبَّة، لأنَّ السَّماء جوهريًّا هي حضور الله، والله جوهريًّا محبَّة (الله محبَّة).
ثلاثةُ أمزِجةٍ ميتافيزيقيَّة (ماورائيَّة)
يبدأ هايدِغَر (Heidegger) واحدًا من أكثر كُتُبه إقلاقًا بالسؤال الأكثر إقلاقًا: ‘‘لماذا يوجَدُ أيُّ شيء بدلًا من لاشيء؟’’ وهو يتكلَّم بشأن ثلاثة أمزِجة تُثير هذا السؤال. إنَّها ثلاثة أمزِجةٍ ميتافيزيقيَّة (ماورائيَّة)، ثلاثةُ أمزِجة تُظهِرُ ليس فقط مَشاعِرَ الفرد بل أيضًا معانيَ الكَينونة. وهذه الثلاثةُ هي الأمزِجة الماورائيَّة الثلاثة التي تبعث فلسفاتِ الحياةِ الثلاثَ التي نجدها في الجامعة وأيُّوب ونشيد الأنشاد. يقول هايدِغَر:
‘‘لماذا يوجَدُ أيُّ شيء بدلًا من لاشيء؟’’...
كثيرون من الناس لا يُواجِهون هذا السؤال أبدًا، إذا كان ما نعنيه بالمُواجَهة ليس مُجرَّدَ سماعِه والقراءة عنه بصفته صيغةً استِفهاميَّة، بل أن يسألوا السؤال، أي أن يُثيروه ويطرحوه، أن يلمسوا حتميَّته.
ومع ذلك فإنَّ كُلًّا منَّا يمسُّه- مرَّةً على الأقلِّ وربَّما أكثر- ما في هذا السؤال من قوَّةٍ مخفيَّة، حتَّى لو كان لا يدري بما يجري له. فالسؤالُ يلوحُ في لحظات اليأس الشَّديد، حين تميلُ الأُمورُ إلى فقدان كلِّ وزن ويعتَري الغموضُ كلَّ معنى. ولربَّما انطلَقَ مرَّةً واحدةً فقط كجَرَس مكبوت يرنُّ داخِلَ حياتنا ثُمَّ يتلاشى بالتَّدريج. وهو حاضِرٌ في لحظات الابتهاج، حين تتجلَّى جميعُ الأُمور حوالَينا وتبدو أنَّها هناك أوَّلَ مرَّة، كما لو أن نحسبها غيرَ موجودة هو أسهلُ من أن نفهمَ أنَّها موجودةٌ وأنَّها على ما هي عليه. كذلك يُخيِّم السؤالُ علينا في حال السَّأم، حين نكونُ بعيدين على السَّواء عن اليأس والفَرَح، ويبدو كلُّ ما حوالَينا مُبتذَلًا على نحوٍ يستعصي الفهم بحيثُ لا نعودُ نُبالي بأيِّ شيءٍ أهوَ موجودٌ أم غير موجود... وبهذا يُثارُ على نحوٍ خاصٍّ السؤالُ ‘‘لماذا يوجَدُ أيُّ شيء بدلًا من لا شيء؟’’
ولكنَّ هذا السؤالَ يمكنُ أن يُسألَ بوُضوح أو قد يمرُّ في حياتِنا مِثلَ عَصفةِ ريحٍ قصيرة الأمد، دون أن نُميِّز أنَّه سؤالٌ.
إنَّ اليأسَ هو مِزاجُ أيُّوب. ومُعاناتُه ليسَتْ فقط جسديَّة، بل روحيَّةٌ أيضًا. فماذا لَدَيه يقتربُ إليه سوى الموت؟ لقد فقدَ كلَّ شيء، حتَّى اللهَ... بل خُصوصًا الله، في ما يبدو.
أمَّا الفَرَح فهو مِزاجُ الحُبّ- الحبِّ الفَتِيّ، الحُبِّ الجديد، ‘‘الوقوعِ في الحُبّ’’. ذلك هو الأمرُ العَجَبُ في نشيد الأنشاد: أنَّ المحبوبَ ينبغي أن يكون؛ أنَّ الحياةَ ينبغي أن تكون، أنَّ كلَّ شيء- وقد أشرقَ عليه الآن نورُ المحبَّة الجديدُ- ينبغي أن يكون... مجدًا غامضًا بقَدرِ ما كان عند أيُّوب ثِقلًا مُرهِقًا غامضًا.
ثُمَّ إنَّ السَّأم هو مِزاجُ الجامعة. وهذا مِزاجٌ عصريٌّ. ففي الواقع، ليست هناك كَلمةٌ دقيقةٌ للتَّعبير عنه في أيَّة لُغَة قديمة! وفي هذا المِزاج، لا يوجَدُ سببٌ للموت، كما في أيُّوب، ولا يوجَدُ سببٌ للحياة، كما في نشيد الأنشاد. فهذه أعمقُ هُوَّةٍ على الإطلاق.
ثلاثُ فضائلَ لاهوتيَّة
هذه الأسفار الثلاثة تُعلِّم أيضًا أعظمَ ثلاثةِ أُمور في العالَم، ‘‘الفضائلَ اللَّاهوتيَّة’’ الثلاث: الإيمان والرَّجاء والمحبَّة.
إنَّ الدَّرسَ الذي يُعلِّمُه الجامعة هو الإيمان، ضرورةُ الإيمان، بإظهاره البُطلانَ- أوِ الفراغَ- الكُلِّيَّ الذي تتَّصِفُ به الحياة. فالجامعة يستخدمُ فقط العقلَ والاختبارَ البشريَّ والمُلاحظة الحِسِّيَّةَ للحياة ‘‘تحت الشمس’’ كوسائلَ بها نرى ونُفكِّر؛ إنَّه لا يُضيف عينَ الإيمان؛ وهذا ليس كافيًا لإنقاذه من الحصيلة الحتميَّة ‘‘باطِل الأباطيل’’. ثُمَّ يأتي مُلحَقُ السِّفر، في الآيات القليلة الأخيرة، مُتفوِّهًا بكلمة الإيمان. وهذه لا تُبرهَن بالتَّعليل العقليِّ أو بالمُلاحظة الحِسِّيَّة، كما في باقي السِّفر. إنَّ كلمةَ الإيمان هي الكلمة الوحيدة الكبيرةُ كفايةً بحيثُ تملأُ صمتَ الباطل. فالكلمةُ التي تُجيبُ عن بحث الجامعة وتُعطي الجوابَ الصحيحَ للسؤال عن معنى الحياة لا تُعرَف إلَّا بالإيمان: ‘‘اتَّقِ الله واحفَظْ وصاياه، لأنَّ هذا هو الإنسان كلُّه: لأنَّ الله يُحضِرُ كلَّ عملٍ إلى الدَّينونة، على كلِّ خفيٍّ، إن كان خيرًا أو شرًّا’’.
لدى الجامعة إيمانٌ عقليٌّ؛ فهو يؤمنُ بأنَّ الله موجود. ولكنَّ ذلك لا يكفي. ‘‘الشياطين يؤمنون ويقشعِرُّون’’ (يعقوب 2: 19). فالجامعةُ يُبرهنُ الحاجةَ إلى الإيمان الحقيقيّ، الإيمان الصحيح، الإيمان الذي يُعاش، الإيمان المُخلِّص، بإظهار عواقبِ غيابه، ولو بوُجود الإيمان العقليّ.
أمَّا درسُ أيُّوب فهو الرَّجاء. فليس لدى أيُّوب أيُّ شيءٍ آخر سِوى الرَّجاء؛ إذ إنَّ كلَّ شيءٍ آخرَ قدِ انتُزِع منه. غير أنَّ الرَّجاءَ وحدَه يُمكِّنه من أن يحتملَ وأن ينتصر.
ثُمَّ إنَّ نشيدَ الأنشاد هو بجملته عن المحبَّة، المعنى الأسمى للحياة، الأمر الأعظم في العالَم.
كذلك أيضًا تُعطينا هذه الأسفارُ الثلاثةُ خُلاصةً جوهريَّة عن التاريخ الروحيِّ للعالَم. وقد فعل جي. كاي. تشسترتون (G. K. Chesterton) ذلك في ثلاثِ جُمَل: ‘‘كانَتِ الوثنيَّةُ أكبرَ شيء في العالَم، ثُمَّ كانت المسيحيَّة أكبر، ومُنذُئذٍ ما يزالُ كلُّ شيءٍ بالمُقارَنة صغيرًا’’. إنَّ أيُّوب يُرينا أعاليَ الرَّجاء والبطولة السَّابقَين للمسيحيَّة. لا شكَّ أنَّه ليس وثنيًّا بالمعنى الدَّقيق، ولكنَّه ليس مسيحيًّا بَعد. ويُرينا نشيدُ الأنشاد المركَز الروحيَّ للعصر المسيحيّ، ذلك العصر الذي أَطلقَتْ بشأنه أكاذيبَ هائلةً لا تُصدَّق المؤسَّسةُ الدُّنيويَّة الحديثة، أي القرونُ الوُسطى. أخيرًا، يقولُ لنا الجامعة الحقيقةَ عن العالَمِ والنِّظرة العالميَّة العصريَّين التالِيَين للمسيحيَّة: ما إن يُرفَضُ بازدِراءٍ عَرضُ الزَّواج الذي يُقدِّمه المُحِبُّ الإلهيّ، حتَّى يغدوَ مُتعذِّرًا على المُطلَّقة العصريَّة أن ترجِعَ ببساطة إلى كَونها عذراءَ وثنيَّة، كما أنَّ الفَرد الذي يرفضُ السماءَ بازدراء ويختار جهنَّم لا يستطيعُ أن يجعلَ جهنَّم مَطهَرًا، أوِ انعِدامَ الرَّجاءِ رجاءً.
‘‘الكوميديا الإلهيَّة’’ قبلَ دانتِه
عندَنا في هذه الأسفار الثلاثة من الكتاب المقدَّس تمثيلٌ لِمَلحمة دانتِه العظيمة ‘‘الكوميديا الإلهيَّة’’، من جهنَّم إلى المَطهَر إلى السَّماء. غير أنَّها مُمثَّلةٌ في قلوبنا وحياتنا، لا مُجسَّدةٌ خارِجًا في أماكِنَ ودوائرَ وأدراجٍ وأجواءٍ كَونيَّات. ثُمَّ إنَّها مُمثَّلةٌ هُنا والآن كبُذور، وإنْ كانت ستُكمَل بعد الموت كزُهور.
وبين هذه الأسفار الثلاثة حَرَكةُ انتِقالٍ لتلكَ التي تجري في ‘‘الكوميديا الإلهيَّة’’. فأوَّلًا، هُناك انتِقالٌ من الجامعة إلى أيُّوب، على غِرارِ انتِقال دانتِه من جهنَّم إلى المَطَهر. وهذا نَجِدُه في آخِر آيتَين من الجامعة. فإنَّ خُلاصةَ باقي الجامعة هي ‘‘باطِلٌ’’، أمَّا الخُلاصة المذكورة في الآيتَين الأخيرتَين فهي: ‘‘اتقِ الله واحفَظْ وصاياه، لأنَّ هذا هو الإنسان كلُّه: لأنَّ الله يُحضِر كلَّ عملٍ إلى الدينونة، على كلِّ خفيٍّ، إن كان خيرًا أو شرًّا’’. فهذه تحديدًا هي الفلسفةُ التي يعيشُها أيُّوب، والنتيجةُ أنَّ أيُّوب يُقابلُ الله وينتقلُ عبرَ المَطهر إلى السَّماء.
أمَّا حَرَكة الانتِقال الثانيةُ فهي ما يلي: من أيُّوب إلى نشيد الأنشاد. وهي تحصلُ في خاتمة أيُّوب، حين يرى أيُّوب في الأخير وجهَ الله. إنَّ الجامعةَ هو الغُروب؛ وأيُّوب هو الليل الذي يؤنِسُه رجاءُ الصَّباح؛ ونشيد الأنشاد هو الصَّباح الذي يبدأ فجرُه بالبُزوغ أصلًا في خاتمة أيُّوب. فنشيدُ الأنشاد يبدأ عندما يظهرُ الله لأيُّوب، لأنَّه حيثُ الله فهُناك المحبَّة.
إنَّ المحبَّة هي الجوابُ النهائيُّ لبَحث الجامعة، وبديلُ الباطِل، ومعنى الحياة. ولكنْ لا يمكنُنا أن نُعطيَ ذلك حقَّ تقديره قبل أن ننظرَ بعُمقٍ في السُّؤال. والسُّؤال أكثرُ من مُجرَّد سؤال؛ إذ إنَّه سَعيٌ أو بحث، إنَّه سؤالٌ يُعاش. فالكلمةُ المقدَّسةُ تدعونا إلى القيام بهذا السَّعي، بهذه الرِّحلة عبرَ اللَّيل إلى الشَّمس المُشرِقة، الابنِ القائم. تلك هي ‘‘رِحلةُ الحياة’’ العُظمى. هلَّا تصعد معي إلى مَتنِ سفينة الكتاب المُقدَّس القديمة العظيمة! سأُحاوِلُ أن أستحضِرَ لك ما أراه بينما نقوم بهذه الرِّحلة معًا. فإنَّ ذلك هو في الحقيقة كلُّ ما يستطيع مُعلِّمٌ أن يفعلَه.
عَظَمةُ الجامِعة
الكتابُ المُقدَّس هو أعظَمُ الكُتُب جميعًا، وسِفرُ الجامعة هو وحدَه كِتابُ الفلسفة، الفلسفةِ الخالصة، الفلسفة المُجرَّدة، في الكتاب المُقدَّس. فليس مُفاجئًا إذًا أن يكونَ الجامعةُ هو الأعظمَ بين كُتُب الفلسفة كُلِّها.
ماذا؟ الجامعة أعظم كُتُب الفلسفة كلِّها؟ ولكنَّ الكاتب لا يَعرِف حتَّى مُحاوَراتِ أفلاطون، أو مَنطِقَ أرِسطو، أو حتَّى أُصولَ الاختصار الجيِّد! فهو يَخبطُ عشوائيًّا، ويُغيِّر رأيَه كثيرًا، ويَدَع أمزِجتَه تجرفُه بقَدر أدلَّته تقريبًا. كيف يُعقَل أن يكونَ هذا المركبُ الصغيرُ القديمُ الخَشِن هو فُلكَ نُوحِ كُتُبِ الفلسفة؟ ثُمَّ إنَّ بيتَ القصيد في هذا السِّفر هو ‘‘باطل الأباطيل’’، لامعنى الحياةِ البشريَّة. فكيف يُعقَل أن يكون كِتابٌ عن اللَّامعنى مُفعَمًا بالمعنى؟
يمكن ردُّ الاعتراض الأوَّل بإدراكِ كَون العَظَمة لا تأتي من الشَّكل بل من المضمون. فشَكلُ الجامعة بسيط، مُباشَر، ساذَج. ولكنَّ المضمون، كما سنرى، هو أعظمُ ما يمكنُ أن تقولَه الفلسفةُ على الإطلاق.
ولكنْ ماذا عن الاعتراض الثاني؟ كيف يُعقَلُ أن يكونَ كتابٌ عن اللَّامعنى مُفعمًا بالمعنى؟ إنَّ الكتابَ العظيمَ يجب أن يكونَ صادِقًا مُخلِصًا، يجب أن يُمارِسَ ما يَعِظُ به. مثلًا، تاو تي تشِنغ (Tao Te Ching)، وهو العملُ الكلاسيكيُّ الصينيُّ (تشِنغ) العظيمُ عن القوَّة الروحيَّة (تي) التي تخصُّ الطريقَ (تاو)، يَستخدِم بذاته قوَّةً روحيَّةً (تي) غامضةً تُهَيمِن على القارئ، قوَّةً لها طبيعةُ التَّاو نفسُها، تلك الطبيعةُ الخفيَّة التي تُشبهُ الماءَ المُتدفِّق والتي لا تُقاوَم. أو كِتابًا عظيمًا عنِ العُنف والشَّغف، كروايةٍ لِدوستويڤسكي (Dostoeyvski)، يجب أن يتَّسمَ هو نفسُه بالعُنف والشَّغف. كما أنَّ كتابًا عن التَّقوى أو الوَرَع يجب أن يكونَ وَرِعًا. وهكذا، فإنَّ كتابًا عن البُطلان يجب أن يكون باطلًا أو عابثًا، أمَا يجب أن يكون كذلك؟
كلَّا! إنَّ الفيلسوف الذي كتب الجامعة هو الأقلُّ بُطلًا بين الفلاسفة. فالباطِلُ لا يمكنُ أن يكتشفَ نفسَه، تمامًا كما أنَّ الحماقةَ لا يمكنُ أن تكتشفَ نفسَها. إنَّما الحكيمُ وحدَه يعرفُ الحماقة. أمَّا الحَمْقى فلا يعرفون الحِكمةَ ولا الحماقة. فكما نحتاج إلى حكمةٍ لنَعرفَ الحماقة، وإلى نورٍ لنعرفَ الظُّلمة، كذلك نحتاج إلى عمقٍ كي نعرفَ الباطِل، إلى معنًى كي نعرف اللَّامعنى. ويقول پاسكال: ‘‘أيُّ شخص لا يرى بُطلان الحياة لا بُدَّ أن يكونَ بالحقيقة باطلًا جدًّا’’.
مُقارنةً بالعقاقير السرِّيَّة الأنيقة الصَّغيرة لعقولنا المُتاجِرة بالرَّاحة، تلك التي لا تكاد تُساوي جَرَّةَ قَلَم أو نُقطةً على حرف، سِفرُ الجامعة عظيمٌ وعميقٌ ومُرَوِّع مِثلَ المُحيط. ولو كان هذا الفيلسوفُ عائشًا اليوم وعرفَ الفلسفة السائدة في أميركا، السيكولوجيا الشعبيَّة، بما فيها من مُلاطفاتٍ إيجابيَّة، وكثرةِ تعبيرٍ عن المُوافَقة والاستِحسان، ومُصادَقاتٍ ذاتيَّة نَرجِسيَّة، وسَمسَراتٍ ورعايات، وطمأناتٍ لطيفة يُكرَّر فيها القول ‘‘سلامٌ! سلام’’ في حينَ لا سلام، لاستَشهَدَ (الفيلسوفُ)- على ما أعتقِد- بقَول جون ستيوارت مِل (John Stuart Mill) إنَّه أفضَلُ أن يكونَ واحِدُنا سُقراطًا مُستاءً من أن يكونَ مُستَهتِرًا راضيًا؛ وبقَول وِليَم باريت (William Barrett): ‘‘أن يُواجِهَ المرءُ وُجودَه الذاتيَّ بيأسٍ خيرٌ من ألَّا يواجِهَه أبدًا’’.
لقد حُسب الجامعةُ أعظمَ كتابٍ كُتِبَ على الإطلاق في نظر تشاؤميِّين مُتحمِّسين ولاأدريِّين أقلقَهمُ الله، مِثل هِرمان مَلڤيل (Herman Melville)، إذ قال في الفصل السابع والتِّسعين من رِوايته ‘‘مُوبي دِك’’ (Moby Dick) إنَّ ‘‘أصدقَ الكُتُب جميعًا هو سِفرُ الجامعة’’. ويقول ثوماس وُلف (Thomas Wolfe)، في الفصل السابع والأربعين من روايته الكلاسيكيَّة الأميركيَّة ‘‘لا يُمكِنك الرُّجوعُ إلى الدِّيار ثانيةً’’ (You Can’t Go Home Again):
بينَ كُلِّ ما رأيتهُ أو تعلَّمتُه على الإطلاق، يبدو لي ذلك السِّفرُ أقوى تعبيرٍ عن حياة الإنسان على هذه الأرض وأنبلَ تعبيرٍ وأحكمَه، وأيضًا أسمى زهرةِ شِعرٍ وبلاغةٍ وحقيقة. لستُ ميَّالًا إلى إصدار الأحكام الجازمة في شأن الإبداع الأدبيّ، ولكنْ إذا كان لا بُدَّ لي من إصدار حُكمٍ واحد، يُمكِنني فقط أن أقول إنَّ الجامعة هو أعظَمُ عَمَلٍ مكتوبٍ منفردٍ عَرَفتُه على الإطلاق، والحكمة المُعَبَّر عنها فيه هي الأكثرُ بقاءً وعُمقًا.
إنْ فاتَنا أن نجدَ شيئًا يُثبِتُ هذا الحُكم عندما نقرأ الجامعة أوَّلَ مرَّة، يحسنُ بنا أن نقرأه مرَّةً ثانية. فلا بُدَّ لنا إمَّا أن نستبعدَ بشهامةٍ حُكمَ العمالِقة، وإمَّا أن نتسلَّق أكتافهم ونُلقيَ نظرةً أُخرى. أفَما يبدو مُرجَّحًا على الأقلِّ أنَّ القَزَم، لا العِملاق، هو مَن يُخطئ استِشرافَ التَّضاريس؟
لي صديقٌ يُخيِّم في غابات ماين كُلَّ صيف. وذاتَ يومٍ التقى ناسِكًا كبيرَ السِّنِّ ظلَّ يعيش بمعزِل عن ‘‘المَدَنيَّة’’ طوالَ أربعين سنة. وقد بدا له حكيمًا فوق العادة (على الأقلِّ أحكمَ من العَلمانيِّين في الحضارة الغربيَّة، وإنْ لم يكُن أحكمَ من مسيحيٍّ حقيقيّ). ولمَّا سألَه صديقي عن المصدر الذي منه أخذ حِكمتَه، سحبَ من جيبه الكِتابَ الوحيد الذي ما يزالُ لديه على مدى أربعين سنة، فإذا به نُسخةٌ صفراء مُهَلهَلة من سفر الجامعة- فقط سِفر الجامعة. إنَّ ذلك الكتابَ الواحدَ ما يزالُ كافيًا عنده. ولرُبَّما كانت ‘‘المدنيَّة’’ عديمةَ الحكمة جدًّا؛ لأنْ ليس أيُّ شيءٍ كافِيًا عندها أبدًا. لقد بقيَ الناسِكُ الشَّيخ في مكانٍ واحد طبيعيًّا وروحيًّا، واستكشفَ أعماقه؛ أمَّا المَدَنيَّة فمضَتْ تتقدَّم دون قرار، مُنزَلِقةً فوقَ سَطحِ الأعماق العظيمة. وبينما كانت المدنيَّة تقرأ ‘‘مجلَّة التايمز’’ [وتعني اليوميَّات]، كان هو يقرأ الأبَديَّات.
الجامعةُ باعتِباره عِلمَ أخلاق
من شأن الفلاسفة السابقين للعَصر الحديث أن يُصنِّفوا الجامعة بوَصفه كِتابًا في الأخلاقيَّات؛ لأنَّه يطرحُ أهمَّ الأسئلة الأخلاقيَّة كلِّها، السؤالَ الذي تدور حوله جميعُ الأعمال الكلاسيكيَّة جَوهريًّا إلى أبعد حدّ: جمهوريَّةُ أفلاطون (Plato’s Republic)، الأخلاقيَّات النِّيقوماخيَّة (Nicomachean Ethics) لأرسطو، اعترافاتُ أُوغسطينوس (Augustine’s Confessions)، ‘‘بحثٌ في السَّعادة’’ (Treaties on Happiness) ضمنَ الخُلاصة اللَّاهوتيَّة (Summa) لتوما الأكوينيّ، خواطِرُ پاسكال (Pascal’s Pensees)، النِّظامُ الأخلاقيُّ (Ethics) لاسپينوزا (Spinoza)، ‘‘إمَّا/وإمَّا’’ لكيركغارد (Kierkegaard). إنَّه السؤالُ عن الخير الأسمى (summom bonum)، أو القيمة العُليا، أو الغاية القُصوى، أو معنى الحياة.
تناولَ عِلمُ الأخلاق القديمُ دائمًا ثلاثةَ أسئلة. أمَّا عِلمُ الأخلاق الحديثُ فلا يتناوَلُ عادةً إلَّا سؤالًا واحدًا فقط، أو على الأكثر سؤالَين. والأسئلة الثلاثة تُشبِه الأُمور الثلاثة التي يتبلَّغُها أسطولٌ من السُّفن في أوامر إبحاره (الصُّورةُ المجازيَّة مأخوذةٌ من سي. أس. لِويس). فأوَّلًا، يجب أن تعرفَ السُّفُنُ كيف تتجنَّبُ اصطدامَ بعضها ببعض. هذه هي الأخلاقيَّات الاجتماعيَّة، وعلماءُ الأخلاق القُدَماء والمُحدَثون على السَّواء يتَناوَلونَها. وثانيًا، يجبُ على السُّفن أن تعرفَ كيف تبقى مُنظَّمة وتتجنَّب الغَرَق. هذه هي الأخلاقيَّات الفرديَّة، الفضائل والرَّذائل، بناءُ الخُلُق، ونحن نسمع القليل القليل عن هذه من فلاسفة الأخلاق المُحدَثين عندَنا. وثالثًا، وأهمَّ الكُلِّ، يجب أن تعرفَ السُّفنُ لماذا الأُسطولُ مُبحِرٌ بالدَّرجة الأُولى. ما مَهمَّتُه؟ وما مَقصِده؟ هذا هو سؤال الخير الأسمى، وما مِن فلاسفةٍ مُحدَثين، عدا الوجوديِّين، يَبدون مُهتمِّين مُجرَّدَ اهتِمام بهذا السؤال، أعظمِ الأسئلة كلِّها. وربَّما لذلك السبب تبدو الفلسفة الحديثة في مُعظَمِها كثيرةَ الضَّعف والشَّكوى، وبالغةَ التخصُّصِ والنُّخبويَّة، وقبلَ كلِّ شيءٍ مُضجِرةً جدًّا، في نظر الناس العاديِّين.
أعتقدُ أنِّي أعرفُ لماذا لا يجرؤُ الفلاسفةُ المُحدَثون على إثارة أعظم الأسئلة، والسببُ هو هذا: لأنْ لا جوابَ لَدَيهم عنه. إنَّها فَجوةٌ كبيرةٌ جدًّا بحيثُ لا يمكنُ أن يسدَّها إلَّا شجاعةُ وُجوديٍّ أو إيمانُ مؤمنٍ بالله.