eKtab
EN ع
فلسطين في العصور القديمة - الأراضي المقدسة
Read free sample

فلسطين في العصور القديمة - الأراضي المقدسة

by ميشيل راسل

Page 1

ملاحظات تمهيدية

اهتمام مترافق بتاريخ فلسطين. ميزة شعب فلسطين القديم البارزة. بدايتهم الصغيرة وبروزهم المذهل. اختلاف ثرواتهم. موضوع لمشكلة مثيرة للدهشة للمؤرخين والسياسيين. ارتباط ذلك بالمسيحية. تأثير الدين على تقدم المجمع. الأماكن المقدسة. أسس الاعتقاد بالتقاليد القديمة. الإمبراطور قسطنطين والإمبراطورة هيلينا. آثار مقدسة باقية، مشاهد طبيعية. امتداد الكنعانيين. خصوبة الأرض. التوزيع الجغرافي للبلاد. المناطق الواقعة إلى شرق نهر الأردن. منطقة الجليل. غرب فلسطين. بيت لحم. أريحا. البحر الميت.
يطلق اسم فلسطين على ذلك الجزء من الإمبراطورية العثمانية الواقع في قارة آسيا ضمن خط طول 31 و34 شمالاً ويمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى الصحراء السورية باتجاه شرق نهر الأردن والبحر الميت.
وسواء اعتبرنا هذه المنطقة مصدراً أو منبعاً لعقيدتنا الدينية، أو منبعاً قديماً لمعرفتنا التاريخية، فإن هذه البقعة الفريدة على الأرض اعتُبرت على مرّ العصور بأنها تمثل أعظم المشاعر للاهتمام وحب الاستطلاع. وكونها سُكنت لعدة عصور من قِبَل شعوب تميزت بشكل فريد عن الشعوب الأخرى، فهي تقدم سجلاً لأحداث فريدة لم تمر على أية أرض أخرى، لا زالت آثارها باقية تميزها عن باقي الأمم، وهي مرتبطة بقدر الجنس البشري كافة، وتمتد قدماً لاكتمال الأمور الدنيوية كافة.
من الناحية الفلسفية المجردة فلا شيء يمكن أن يبدو لافتاً أكثر من التأثيرات الواقعة على العالم بشكل واسع من الأحداث والمشكلات التي وقعت على هذا الشعب، فقد تعرض وخضع لتغيرات وأقدار عديدة، وأخيراً استطاع أن يطبع مبادئه الكبيرة على معظم الأمم المتحضرة لآسيا وأوروبا. في الحقبة السحيقة في القِدَم عبرَ النبيُّ إبراهيم () نهر الفرات، كمرتحل وحيد، لا يعرف أين يذهب، سوى أنه يطيع ويتبع أمراً إلهياً، الذي دعاه لأن يترك القوم الكافرين ويذهب ليصبح أباً لشعب جديد ونبياً لعقيدة إيمانية صافية بعيداً عن موطنه الأصلي. في حين ذهب حفيده يعقوب إلى مصر مع بضعة أشخاص، حيث أصبح المنحدرون من أصله أمة بحد ذاتها.
ونجد هذا الشعب في عصر من العصور واقعاً تحت العبودية، وضحية من ضحايا الاستبداد الذي لا يرحم، وتعرض لاقتلاع كامل. وفي عهد لاحق نراه وقع أسيراً تحت أيدي الوثنيين، الذين استخدموا كافة التحفيزات والضغوطات ضده. إلا أنه برفضه لجميع الإغراءات، فقد واصل هذا الشعب مقاومته باضطراد لعملية صهره وإخضاعه. وبدا على المدى الطويل أنه أصبح أدوات لتوزيع وانتشار شمل كافة أبناء آدم، والذي في ظروف أسعد من التي وقع فيها ومن قبل قد عدَّل وقوى من شخصيته بشكل كبير، كما قوى وثبت من أسسه وأعرافه وتقاليده، وساهم في ازدهار وإمكانات معظم الجزء المتقدم للجنس البشري في قطبي الكرة الأرضية.
كانت علاقته بالدين المسيحي علاقة تاريخية عكست وجهة نظر فريدة، إذ إنه بالرغم من اختلاف الرغبات والأهداف الدينية، إلا أنهم وضعوا أسس دين لم يُبدد طقوسهم الدنيويةَ فحسبُ، وإنما أيضاً دفعوها قدماً باتجاه القَبول العالمي الشامل والتي كانوا ميّالين لأن يعزوها لمصلحة قانونهم القديم. وبالرغم من أنهم كانوا يتصرفون كخميرة صغيرة قُدِّر لها لأن تمزج كافة الشعوب، إلا أنه غاب عنهم تقريباً النيّة والوعي على أنهما مبدأ مستتر للتخمر الذي تحمله استعارة التلميح. فهم كانوا يهدفون لهدف واحد، فينجزون هدفاً آخراً؛ إلا أنه بينما نقارن الوسائل بالأهداف، سواء في فحواها أو علاقاتها المادية والأخلاقية، فلا بد من أن نعترف أننا ندقق ونتفحص هنا واحدة من الأحداث البارزة جداً في السجلات التاريخية للجنس البشري.
بتجرد أفكاره من كافة اعتبارات قوة طبيعية خارقة تكون موحية بسرد أو حكاية ملهمة، فإنسان نزيه غير متميز سيشعر بنفسه مع ذلك أنه مجبر لمعرفة أن نهج الأحداث التي تشكل تاريخ فلسطين القديم لا يمكن أن توازي أيّ جزء آخر من العالم. وبتثبيت عينيه على منطقة القدس، مثلاً، فإنه يمكن أن يتذكر أنه قبل ألف وثمانمائة عام مضت، كان يسكن هناك في ذلك الجزء من فلسطين شعب فريد اختلف عن بقية شعوب العالم أو عن باقي الجنس البشري في أنه لم يكن وثنياً. ومن ثم ينظر حوله إلى كل بلد آخر على الأرض بالحقبة الزمنية نفسها، حيث يكتشف معتقدات خرافية من نوع بغيض ومخزٍ جداً، مما يُظلم جميع توقعات وإمكانيات الجنس البشري، ويُفسد طبيعته الأخلاقية في مصدرها الحقيقي. ويلاحظ أن بعض هذه الأمم تعتبر متقدمة جداً في العديد من الإنجازات الفكرية، ومع ذلك تكون غير قادرة على حمل عبء هائل من الأخطاء التي ارتكبتها، فتكون فوضوية ونزوية متقلبة إلى حدٍّ كبير في استخدام عقلها وتفكيرها وفي تطبيق مشاعرها وعواطفها. ويعلم، علاوة على ذلك، بأن هذه البقعة الصغيرة التي تدعى فلسطين بالرغم من أنها محتقرة من قِبَل ممالك مغرورة بنفسها، والتي لم يسمح حكماؤها للحظة أن يتصوروا من أن أي عقيدة ناشئة من أمة مجهولة يمكن أن يكون لها أدنى تأثير على معتقدهم، أو يمكن أن تؤثر ولو بدرجة ما على الشخصية العامة لأسسهم الاجتماعية.
إلا أنه بالملاحظة والمشاهدة، فبينما يتأمل ويستغرق في التفكير حول هذا المشهد المثير للاهتمام، فإن المرء في هذه البلاد لا يمكنه أن يقلل من شأن أنباء بلده مقارنة مع الرومان محبي الحروب وفلاسفة الإغريق، الذين مع ذلك واصلوا مكاسبهم وانتصاراتهم في كل صوب لغاية ما أصبحت صروحهم وخرافاتهم الوثنية مقدسة لديهم وعبدوها لألف عام، ودعمت بسلطة ممالك قوية جداً في العالم، ما لبثت أن سقطت الواحدة تلو الأخرى بظهور الدين المسيحي الجديد آنذاك وتعاليم المسيح التي نقلها تلامذته. فحجر صغير أصبح جبلاً وملأ الأرض وتفاخرت القدس بأبعادها حتى غطت نصف العالم لتلغي العبودية، ليس بقوة السلاح، وإنما بتقدم الرأي وقوة الحقيقة. فكافة أمم أوروبا، في العصور المتعاقبة، الإغريق، الرومان، البربر، نالوا شهرتهم باسم ذلك الجليلي المتواضع (المسيح) وتعاليمه الإلهية قاتلت جيوشاً كانت أقوى وأكبر من تلك الجيوش الفارسية المغرورة والمتغطرسة بطموحها، التي تغلغلت في آسيا للقضاء على ذلك الدين الجديد، بينما الشرق والغرب يجتمعون ليزينوا بثرواتهم المكان الذي وُلد فيه (المسيح) والجبل المقدس الذي سلم فيه حياته النفيسة.
على هذه الأسس، قدمت هناك مشكلة أو مسألة بالنسبة للمؤرخ أو السياسي على حدٍّ سواء لطبيعة مثيرة للدهشة جداً، والتي لا يمكن أن تحل بواسطة أي مرجع أو مصدر بالنسبة للمبادئ العادية في حين أن الجنس البشري يكون مولعاً بالعمل أو المعاناة. فالتأثيرات المنتجة على المجتمع تفوق أيضاً كافة الحسابات. فيكون عبثاً من أننا نحاول مقارنتها بتلك الثورات العادية جداً والتي غيرت لمرة واحدة وجه الأمم أو الدول، أو أنها منحت سلالة حاكمة جديدة لإمبراطوريات قديمة. فالانطباع الممنوح لمثل هذه الأحداث سرعان ما يزول ويتلاشى، وسرعان ما يتواصل توازنها على السطح المضطرب، ويظهر هدوؤها المعتاد؛ ولذلك يمكننا أن نؤكد من أن الوضع الحالي للعالم لا يختلف كثيراً عما كان قديماً، وإلا لما كان وُلد الإسكندر المقدوني أبداً، ولمات يوليوس قيصر في مهده. بيد أن الأحداث التي دخلت في تاريخ فلسطين تملك تأثيراً على المسائل الإنسانية والتي ليس لها حدود أخرى سوى وجود الجنس البشري، والتي ستكون في أي مكان يشعر بها بعمق في المجتمع، وستتقدم في المعرفة والصفاء. فالأمم الأعظم على وجه الأرض تتبع سعادتها وحضارتها حسب المبادئ الكريمة والقوانين الرفيعة للعقيدة التي تصدرها. فالعلم، والحرية، والأمن تفرض تقدمها بين كافة أوضاع البشر، بتعزيز قوة القانون وبمساعدة الأقل حظاً، ومنح القوة لسلطة القانون وبكسر عصا الاضطهاد.
ولا يعتبر الموضوع أقل أهمية للمسيحي التقي الورع، الذي يحصر أفكاره بحقائق هامة وخطيرة جداً تمثل الأحداث التاريخية المبكرة لدينه. فعواطفه متجهة نحو فلسطين بالارتباطات القوية جداً بها، وبكل جزء من أراضيها المختلفة، وبجبالها، وبحيراتها - وحتى بصحاريها - التي تعتبر مقدسة في نظره كمشهد لحدوث قوة خارقة ما. فخياله وتفكيره متجه دائماً نحو الأراضي المقدسة.
Page 2
في العصر السابق، عندما كانت المشاعر الدينية تثير في النفس شكلاً شعرياً أكثر مما يلائم الذوق والإحساس في الأوقات الحالية، لذلك فقد وضعت أهمية غير مناسبة أو ضرورية على مواقع وأماكن القدس الدينية فحسب، والتي اعتُبرت على أنها كانت مسرحاً لأحداث عظيمة فيما يتعلق بالمسيحية وتحققها، خصوصاً تلك الآثار الباقية التي اعتُبرت على أنها بقع وأماكن معينة ومحددة، شُرفت بمعاناة وانتصار مؤسسها المقدس. فالحاج المسيحي المتحمس، الذي كان يقطع عدة آلاف من الأميال وسط أخطار مرعبة جداً طلباً للسلوان لعقيدته في تأمل الصليب، أو أن يسمح له ليقبل عتبة القبر الذي «دُفن فيه جسد» المخلص يسوع المسيح. فبالنسبة لهذا الشخص فلا يمكن أن يكون ذلك تافهاً جداً، ولا يمكن أن تكون أيضاً تفاصيل معينة. فالتخريبات والإهمال التي ابتُليت بها القدس على أيدي الرومان، وعلى يد أبنائها الغاضبين المسعورين فيها، منجزاً بشكل غير مقصود ذلك القدر المشؤوم المروع الذي أُعلن من على جبل الزيتون. فالعابد البسيط كان يتوقع ليدخل قاعة المحكمة، وبيت بيلاطس (الحاكم الروماني الذي حاكم المسيح وأمر بقتله بضغط من اليهود)، وقصر الكاهن الأكبر أيضاً، ولأن يكون قادراً لتتبع آثار ذلك من خلال شوارع وأزقة المدينة المقدسة والممر الذي كان يؤدي إلى المكان الذي «صلب فيه» المنقذ (المسيح). فهذه الرغبة الطبيعية لإيقاظ التقوى من خلال المشاعر، وللتخلص من كافة عدم الإيمان، باللمس باليد والرؤية بالعين (ذكريات عملية الصلب)، كان سيكون لها أعظم الأثر، بدلاً من إفسادها أحياناً بالخيال أو بالتجاهل أيضاً.
إلا أنه من الجدير بالملاحظة مع ذلك، أنه بالنسبة لوضع القدس الحقيقي، والذي يكون محدداً جداً بحدودها الطبيعية التي لا يمكن أن تجتاز، فإنه توجد هناك صعوبة أقل في تحديد الأماكن التاريخية بدرجة معينة من الدقة لا يمكن أن يكون مجرباً في أية مدينة قديمة أخرى. ولا يمكن أن يكون مشكوكاً فيه بشكل معقول من أن المسيحيين الأوائل قد لاحظوا بعناية مميزة المواقع الرئيسة التي تميزت بمآثر ومعجزات أو بآمال سيدهم المسيح. حتى أنه من الطبيعي الافتراض، كما يلاحظ ذلك أيضاً السيد شاتوبرياند، من أن الحواريين (تلاميذ المسيح) وأقاربه، الذين شكلوا أول كنيسة على الأرض، كانوا على علم ومعرفة بجميع الظروف التي شهدها في حياته، وبدعوته ورسالته، وبنهايته، وبما أن جبل الزيتون لا يقع ضمن أسوار المدينة، فإنه كان أقل تقييداً في ممارسة وأداء عباداتهم في الأماكن التي كانت مكرسة بحضور المسيح المتكرر والقيام بمعجزاته. إضافة إلى أن المعرفة بهذه المشاهد سرعان ما امتدت على حلقة أو مدى واسع جداً. وزاد انتصار عيد العنصرة أو الخمسين من عدد المؤمنين بشكل واسع؛ وظهر بذلك حشد منتظم للمصلين كان يتجمع في القدس قبل نهاية السنة الثالثة من ذلك العهد البارز للدين المسيحي. وإذا ما اعتُرف من أن المسيحيين الأوائل لو سُمح وأُتيح لهم إقامة صروح ومعابد مرتبطة بعبادتهم الدينية، أو حتى لاختيار بيوت لتجمعاتهم الدورية، فإن الاحتمالية لن يكون مشكوكاً فيها من أنهم قد اختاروا تلك البقع المثيرة للاهتمام التي تكون متميزة بمعجزات دينهم وعقيدتهم.
عند بداية نشوء القلاقل في منطقة القدس، خلال حكم الإمبراطور الروماني فسبازيان (9-79م)، فقد انسحب المؤمنون من القدس إلى بيلا، ومن هناك، وبعد أن دمرت مدينتهم (القدس) عادوا إليها ثانية ليسكنوا بين الأنقاض. ولم يمكنهم أن ينسوا في غضون بضعة أشهر مقدساتِهم، التي كانت تقع عموماً خارج أسوار المدينة، لذلك لم تعانِ من عنف وشدة الحصار كالتي عانتها المباني والصروح الكبيرة داخل المدينة. ذلك أن الأماكن المقدسة كانت معروفة لجميع الرجال إبان عهد الإمبراطور أدريان آنذاك كحقيقة قائمة. فهذا الإمبراطور الروماني، عندما أعاد بناء المدينة ثانية، أقام تمثال لفينوس (إلهة الحب والجمال عند الرومان) على الجبل الذي (صُلب عليه المسيح)، وتمثال آخر لجوبيتر على الضريح أو القبر المقدس. ومنح كهف بيت لحم (المغارة التي وُلد فيها المسيح) لطقوس الآلهة أدونيس؛ وبذلك فقد سادت غيرة وحقد الوثنيين بتدنيسهم للمقدسات، والعقيدة الأسمى للصليب، والتي كانت هدفاً لهم ليخفوا تشويههم وافتراءَهم.
بيد أن أدريان، ومع أنه كان متحمساً جداً لآلهته، إلا أنه لم يضطهد المسيحيين على نطاق واسع. ويبدو أن استياءه كان منصباً على الناصريين (أبناء الناصر) في القدس، الذين لم يكن يعتبرهم كجزء من اليهود - وإنما أعداء لدودين لروما. ونفهم وفقاً لذلك أنه لم يقم بتشتيت أو منع كنيسة التطهير الروحي التي أنشئت في المدينة المقدسة، بل إنه سمح بتشكل مجتمع مسيحي داخل أسوار المدينة، المؤلف من يهود تحولوا إلى الدين المسيحي، والذين كانت مبادئهم السياسية أقل ضرراً بسيادة الإمبراطورية الرومانية، كما تصور. وكتب بالوقت نفسه إلى حكامه في الأقاليم الآسيوية يأمرهم بأن لا يضايقوا المؤمنين بالمسيح وتركهم حسب عقيدتهم فحسب، وإنما بأن يركزوا كافة العقوبات التي ترتكب ضد القوانين والأنظمة وتعكير الهدوء العام. لذلك فإنه من المعروف بشكل عام تماماً أنه خلال ذلك العصر من الهدوء والاستقرار، وحتى لغاية حكم الإمبراطور ديوقليتانوس (284-305م)، فإن المؤمنين في القدس، التي أصبح اسمها آنذاك العاصمة إيليا، كانوا يمارسون طقوسهم الدينية علناً، وبالتالي فقد كانت لهم مذابحهم (معابدهم) المقدسة لممارسة عبادتهم. وحتى مع أنه لم يتحْ لهم امتلاك الموضع الذي «صُلب عليه المسيح» ومكان قبره، وبيت لحم، حيث يمكنهم إقامة طقوسهم الدينية، إلا أنه لا يتصور من أن تذكر هذه الأماكن المقدسة كان يمكن أن تُمحى من ذاكرتهم. بل وضعت في هذه الأماكن تماثيل زائفة لتشير إليها حينما يبدأ ويتم إصلاح العالم. ولا حتى الوثنيون أنفسهم كانوا يتوقعون من أن معبد فينوس، الذي أُقيم على قمة الجبل الذي «صُلب عليه المسيح» يمكن أن يمنع المسيحيين من زيارة ذلك الجبل المقدس، مبتهجين من فكرةٍ، كما يعبر عن ذلك المؤرخ سوزومن عن ذلك، من أن الناصريين (أبناء الناصرة) عندما يتجمعون أو يحتشدون للعبادة هناك، فإنهم سيبدون بنظر العامة على أنهم يقدمون إعجابهم أو عبادتهم لابنة جوبيتر. فهذا برهان لافت وواضح من أن معرفة كاملة للأماكن المقدسة قد أبقي وحوفظ عليها من قِبَل كنيسة القدس في منتصف القرن الثاني للميلاد. وفي عصر لاحق، عندما تعرضوا للاضطهاد، ولم يسمح لهم ببناء أو إقامة مذابحهم عند «قبر المسيح»، أو الوصول إلى المكان الذي وُلد فيه المسيح، فإنه تمتعوا على الأقل بعزاء الحافظ على تذكر وإحياء الأحداث العظيمة المرتبطة بهذه الصروح المهمة في عقيدتهم، متوقعين بالوقت نفسه الاقتراب من تخريب أو محو تلك الخرافة التي اضطُهدوا طويلاً من أجلها.
منح تحول الإمبراطور الروماني قسطنطين للدين المسيحي قوة جديدة لهذه الأحداث الماضية المحلية للتاريخ الإنجيلي. فذلك الحاكم الشهير كتب إلى مكاريوس، أُسقف القدس حينذاك، لأن يقيم على قبر يسوع المسيح كنيسة عظيمة، في حين أن أمه، الإمبراطورة هيلينا، توجهت شخصياً إلى فلسطين لكي تقدم تأثيراً حقيقياً للحماس الذي قوى ونشط العرش، وللمساعدة في البحث عن بقايا وآثار مقدسة وجليلة للعصر الأول للإنجيل أو العهد الجديد. ويعزى إلى هذه الإمبراطورة الشهيرة إعادة المجد الديني لبعض الأماكن الدينية القيمة جداً. وهي لم تكتف بإقامة كنيسة رائعة على مكان قبر المسيح (كنيسة القيامة)، بل إنها أمرت أيضاً بأن يبنى صرحان مشابهان، واحد في المكان الذي وُلد فيه المسيح في بيت لحم (كنيسة المهد)، وكنيسة أخرى على جبل الزيتون، لتكون ذكرى أو تحيي ذكرى صعوده إلى السماء. وتدريجياً انتشرت الكنائس الصغيرة، والمذابح، ودور العبادة في كل الأمكنة المقدسة، وكتبت التعاليم والنواميس الدينية، وبذلك أُمنت للأبد من اعتمادها على الذاكرة الشخصية.
Page 3
منحت هذه الاعتبارات إمكانية كبيرة لحدس أولئك الأشخاص الأتقياء الذين ساعدوا في القرن الرابع الميلادي والدة الإمبراطور قسطنطين في تحديد مواقع الأماكن المقدسة. ومنذ ذلك العصر ولغاية الوقت الحاضر فإن تكريس المسيحيين، وبمساعدة المسلمين، قد أمنوا بشكل وافٍ التذكر والحفاظ على الأماكن والأحداث المرتبطين بها. إلا أنه لا يوجد وقت محدد لانطباع التبجيل العميق للتفحص الفعلي لهذه الأماكن المهمة التي شهدت أحداثاً مذهلة سجلت في الكتاب المقدس. أو إذا ما كان هناك وجود لأي سبب يمكن أن يحتوي بفعالية مثل هذه المشاعر الطبيعية الجديرة بالثناء، فإنه يكون تدويناً مطولاً لوصف مفصل وخيالي غالباً ما يوجد لمرافقة إظهار بقايا الآثار المقدسة. فالرحالة المسيحي يكون سعيداً بالفعل عندما يحصل على النظرة الأولى لجبل ومنطقة الكرمل، وجبل «تابور»، ولجبل الزيتون، وينشرح قلبه للذكريات التاريخية في اللحظة التي يرى فيها أمام ناظريه نهر الأردن، وبحيرة طبرية، وحتى مياه البحر الميت؛ إلا أنه لا تقواه ولا إيمانه يكون ثابتاً عندما يقدم له جزء من الصليب الذي «علق عليه يسوع، والمسامير التي دقت فيها يداه وقدماه، والرداء الكتاني الذي لف فيه جسده، والحجر أو شاهدة القبر الذي دفنت فيه جثته»، وأيضاً المكان الذي تواجد فيه الملاك الخادم في صباح يوم البعث. ويتحول الشك لهذه الآثار الباقية المشكوك فيها بعد أن تُدقق إلى غثيان فعلي، عندما يعرض حراس المغارة في بيت لحم الماء الذي غُسل فيه المسيح عندما كان طفلاً، والحليب الذي رضعه من أمه العذراء المباركة، والثياب التي كان يُلف بها عندما كان طفلاً صغيراً، والمهد الذي وُضع فيه، وغيرها من الأشياء المعينة التي ليست أقل شأناً وليست بعيدة الاحتمال.
بيد أن مثل هذه الأشياء، التي هي نتاج عدة عصور من السذاجة والإهمال والتي لم تنقرض وتتلاشَ مادياً هي نتيجة لقوة انطباع نجمت بواسطة مشاهد لا يمكن أن نغيرها بالأيدي، ومن الصعب أن يمكن لأي وصف إخفاؤها.
فالجبال المحيطة بالقدس لا زالت قائمة كما كانت قائمة منذ أيام داود وسليمان. والندى لا يزال يتساقط على جبل الشيخ؛ وأشجار الأرز تنمو على جبال لبنان، و«كيشون» ذلك النهر القديم لا زال جدوله ينساب من جبل «تابور» كما كان في القِدَم. وبحر الجليل (بحيرة طبرية) لا تزال تمثل انسياباتها الطبيعية؛ وأشجار التين لا زالت تنمو على جوانب الطرق، وأشجار القميز تنشر أغصانها، ولا زالت شجيرات الكرمة وأشجار الزيتون تتسلق جوانب الجبال. والخراب الذي كان يغطي المدن السهلية ليس لافتاً في الوقت الحالي أكثر مما كان في الزمن الغابر أو في أيام النبي موسى، مع سجل تاريخي وهو أنه وقع عليها حساب إلهي، ومياه نهر الأردن الغامرة ليست أقل حجماً في كمياتها مما كانت عليه في القدم؛ والشخص الذي ينزل من القدس إلى أريحا لا زال يتعرض لخطر كبير جداً من الوقوع بين أيدي اللصوص. ويوجد هناك، في الحقيقة، في مشهد فلسطين وعاداتها وتقاليدها أبدية أو ديمومة تتلائم جيداً ما يفيد لسجلاتها التاريخية دوماً، مما يمكننا من تحديد جاهزية قصوى لتصور محلي لكل تحول كبير.
وقد اختلفت مساحة هذه البلاد البارزة في أوقات أو أزمنة مختلفة، وفقاً لطبيعة الحكومة التي إما رغبت بها أو أُجبرت على الاعتراف بها. فعندما احتلت قديماً من قِبَل الإسرائيليين القدماء، عندما كانت تدعى بأرض كنعان، فقد كانت تقع أو تنحصر ما بين سواحل البحر الأبيض المتوسط والضفة الغربية لنهر الأردن؛ ولم يزد عرضها عن خمسين ميلاً، في حين أن طولها كان يشكل ثلاثة أضعاف ذلك. وفي عصر لاحق، امتدت حدود المملكة (فلسطين) آنذاك إلى نهر الفرات وجبال أورانتوس، من جهة، ومن جهة أخرى امتدت إلى أقصى إيدوم وموآب، في عهد الملك (النبي) داود وخلفه سليمان. وكان سكانها مختلفي الأعراق، كما يمكن أن يتوقع. وصحيح أنه لا يوجد شيء معين في التاريخ القديم يكون عرضة لشك موجود أو مؤسس بشكل أفضل من البيانات الرقمية التي تحترم وتقدر الأمم والجيوش؛ فبالنسبة للفخر والخوف يكون لهما دورٌ لا يساهم في مبالغة قليلة فحسب في البلدان المتنافسة، وإنما أيضاً في عدد الأشخاص القادرين على المشاركة في ميدان المعركة. واعتماداً على الأسس العادية للإحصاء فلا بد أن نستنتج عدد المحاربين الذين قادهم النبي موسى عبر الصحراء، وعندما عبروا نهر الأردن لم يقلوا عن مليوني محارب، بينما نستنتج من حقائق مسجلة في كتاب صموئيل من أن العدد الذي كان تحت إمرة القائد يوآب كان خمسة ملايين ونصف شخص.
إن الوضع الحالي لفلسطين، تحت حكم إدارته حيث إن كل شيء يتسم بالركود ولا يوجد شيء مُجدد، فلا يمكن أن يعطي معياراً كاملاً لدقة مثل هذه البيانات. وقد أشار مراقبون مستعجلون في الحقيقة من أن المناطق الجبلية الحالية من الأنهار الكبيرة لا يمكنها حتى لو كانت تحت إدارة ماهرة جداً من أن تؤمن أو تزود السكان بأغذية كثيرة. بيد أن هذا الاستنتاج المتعجل كان متعارضاً بقوة مع تقييمات وأحكام كفوءة جداً، التي بذلت جهداً عظيماً لتقدير إنتاج الأرض بفعل تأثير الشمس على خصوبتها والتي يمكن أن تعتبر استوائية تقريباً، وعملية الري منتظمة بشكل جيد، وعرف السوريون كيفية ممارستها بنجاح كبير جداً. ولا بد أن يُعترف من أن أرض كنعان لا يمكن أن تقارن بمصر فيما يتعلق بإنتاج المحاصيل. فلا يوجد هنا النيل الذي يمكن أن يروي وتوزع مياهه على الوديان والسهول إلا أنه لا زال هناك سبب مقنع من أن النبي موسى وصف أرض فلسطين على أنها «أرض جيدة، وأرض الجداول المائية والينابيع، وأعماقها تتفجر بالينابيع في الوديان والتلال؛ وأرض القمح والشعير، والكرمة، وأشجار التين والرمان، وأرض زيت الزيتون والعسل؛ والأرض التي يمكن أن يتواجد فيها الخبز من دون شح، فهي لا ينقصها أي شيء؛ وأرض حجارتها مثل الحديد، ويتواجد النحاس بكثرة في جبالها أينما حفر فيها».
لقد أكدت آخر تقارير الرحالة والمسافرين إلى هناك مدى دقة هذه الصورة التي ذكرت من قبل النبي موسى. فلا زالت هناك بالقرب من أريحا أشجار الزيتون البرية تحمل ثماراً من حجم كبير والتي تعطي زيتاً نقياً وصافياً جداً. وفي الأراضي الخاضعة للري، فإن هذه الحقول نفسها، وبعد أن تنتج محصول القمح في شهر أيار، فإنها تنتج محاصيل حبوب أخرى في الخريف. وتحمل العديد من الأشجار الأزهار والثمار باستمرار الوقت نفسه وفي جميع مراحلها. وتتدلى وتتحلق أغصان الكرمة على نباتات التوت الأسود التي زرعت في صفوف مستقيمة في حقول مفتوحة. وإذا ما بدت هذه الخضرة ذابلة خلال مواسم الحر الشديد، وخصوصاً في الجبال، فهي تكون متقطعة ومؤقتة في جميع الفصول، إلا أنه لا يعزى مثل هذا الوضع على السمة العامة للمناخ الحار تماماً وإنما أيضاً إلى حالة الفوضى التي يعيش في ظلها غالبية السكان الحاليين للبلاد.
وحتى في هذه الأيام، فإنه لا زالت هناك بعض البقايا الموجودة من الأسوار التي أقامها الفلاحون القدماء لدعم التربة على منحدرات الجبال؛ وأشكال الخزانات والأحواض التي كانوا يجمعون فيها مياه الأمطار؛ وآثار قنوات المياه التي كانت توزع فيها هذه المياه على الحقول. فهذه الأعمال خلقت خصوبة مذهلة تحت أشعة الشمس المتوهجة، حيث كان يتطلب رطوبة قليلة فقط لإحياء عالم خضرة. والتقديرات التي قدمت من قِبَل كُتّاب محليين فيما يتعلق بالجودة الإنتاجية الزراعية لمنطقة القدس لا تتعارض بأية درجة حتى بالمظهر الحالي للبلاد. فالحالة هي بالضبط نفسها الموجودة في بعض جزر الأرخبيل؛ فقطعة أرض تزرع هذه الأيام بالكاد يكفي محصولها مائة شخص بينما كانت في السابق توفر غذاءً لآلاف الأشخاص. فموسى  قد قال «إن أرض كنعان تزخر بالحليب والعسل». ولا زالت قطعان المواشي تجد لها المراعي الغنية، في حين أن النحل يعشعش في فجوات الصخور ويجعلها مخازن لعسله الشهي، والذي يُرى ويشاهد أحياناً متدفقاً أسفل على سطح الأرض.
إن وجهة النظر التي أُشير إليها سابقاً فيما يتعلق بخصوبة أرض فلسطين القديمة وجدت تأكيداً مسهباً من المؤرخين الرومان، والتي كانت بالنسبة لهم جزءاً من إمبراطوريتهم الممتدة الواسعة، ومعروفة لديهم بشكل حميم. خصوصاً المؤرخ تاسيتوس، الذي وصف خاصياتها الطبيعية بدقة قصوى، وبما أن أسلوبه وطريقته في الكتابة تبين - بدلاً من أن تخصص - قائمة إنتاجات، والدقة المؤكدة بآخر المشاهدات. ويقول: «إن أرضها خصبة وغنية، وجوها جاف، وتنتج البلاد جميع أنواع الفاكهة المعروفة في إيطاليا، إضافة إلى الأشجار العطرية والتمور».
Page 4
بيد أنه لا ينكر أبداً من أنه يوجد هناك اختلاف بارز ما بين جانب سلسلة الجبال التي تشكل سلسلة الجبال الوسطى لمنطقة القدس. وفي المنطقة الغربية المرتفعة، ترتفع التربة من البحر باتجاه أرض مرتفعة في أربع مصطبات بارزة وهي مغطاة بخضرة غير متناهية. ويمتد شجر المصطكاء الصمغي، وأشجار النخيل، وأشجار الكمثرى الشائكة على طول الساحل. وبالاتجاه إلى أعلى تظهر بوفرة أشجار الكرمة والزيتون وأشجار الجميز التي تدر دخلاً وافراً على المزارعين، وتنمو أيضاً بساتين طبيعية تتألف من أشجار البلوط والسنديان دائمة الخضرة، وأشجار السرو والصنوبر. ويكون سطح الأرض مزيناً بالنباتات والأزهار العطرية والزنبقية.
وباختصار، فإن خضرة هذه الجبال تقارن بخضرة جبال كريت (جزيرة كريت). وروي أن زائرين أوروبيين لفلسطين كانوا يتناولون غداءَهم تحت ظل شجرة ليمون كبيرة الحجم توازي واحدة من أقوى أشجار السرو عندنا، كما شاهدوا أشجار جميز، تكفي أوراقها لتغطية ثلاثين شخصاً مع جيادهم وجمالهم.
وعلى الجانب الشرقي، لا توجد سوى زراعة محاصيل ضئيلة، مع ذلك. وتُرى الصحراء من قمم الجبال ممتدة على طول بحيرة الإسفلتيت (البحر الميت)، لا تقدم سوى الحجارة والتراب، وبضعة شجيرات شوكية. وتتوسع جوانب الجبال لتظهر مظهراً كبيراً تارة وأرضاً جرداء أكثر تارة أخرى. وتتلاشى الخضرة الضئيلة شيئاً فشيئاً وتختفي؛ حتى المستنقعات والطحالب تختفي، ويظهر المظهر ذو اللون الأحمر المحترق على بياض الصخور. ويوجد في وسط هذه الأرض المنبسطة حوض جاف قاحل يشمل كافة الجوانب مع قمم متناثرة هنا وهناك عليها مكونة من حصى صفراء اللون، مانحة منفذاً وحيداً إلى الشرق، يظهر من خلالها سطح البحر الميت والجبال البعيدة للجزيرة العربية أمام النظر. ويقع في الوسط منها منطقة من الحجارة كما لاحظنا، مطوقة بسور، وأطلال وخرائب ممتدة، وأشجار سرو معوقة النمو، وأكمات من نباتات أو شجيرات الصبر والكمثرى الشائكة، بينما توجد بعض الأكواخ والسقائف الوضيعة جداً تشبه قبوراً بيضاء اللون وتنتشر على مساحة مهجورة فسيحة. فهذه البقعة كانت هي القدس.
فهذا الوصف الكئيب لمدينة القدس، لا يوحي بأنها كانت عاصمة أو حاضرة قديمة في القرن الثالث الميلادي ولا ينطبق عليها ذلك في الوقت الحاضر. إلا أن مشهد الطبيعة الخارجية لا زال نفسه، والمظهر العام لهذه المدينة الجليلة لم يتغير سوى قليل. إلا أنه بما أن الجمال يعتبر تعبيراً نسبياً بشكل صارم، وهو يكون متأثراً بشكل كبير في أي مكان بواسطة الترافق، فلا يجب أن نكون مندهشين عندما نقرأ في أعمال الكتاب الشرقيين المديح الوافر للمنطقة المجاورة للعاصمة المقدسة. فالمؤرخ العربي أبو الفداء لا يؤكد، على سبيل المثال، على أن فلسطين ليست جزءاً خصباً جداً من بلاد الشام فحسب، وإنما أيضاً المنطقة المجاورة للقدس تعتبر واحدة من أخصب مناطق فلسطين. وفي نظره، فإن كروم العنب، وأشجار التين، وبساتين الزيتون، والتي كانت تغطي مرة منحدرات جبال منطقة القدس الكلسية، وتبدو أكثر قيمة ومن أغنى عائدات المهارة الزراعية، وأكثر تعويضاً بالنسبة لغياب تلك الحقول المنتشرة الملوحة والمليئة بالمحاصيل، والتي تكون ضرورية لإمتاع الفكر الأوروبي بأفكار الخصب، والراحة، والوفرة.
في أعقاب السرد المتنور للكاتب مالت - برون، سيجد القارئ بأن منطقة جنوب شرق دمشق، وهي النقطة التي يمكن أن يقال بأن فلسطين الحديثة تبدأ منها، وهي المناطق التي كانت تدعى أيام الرومان أورانيتس وغولونيتس، تتألف من سهل واسع ممتد، ومحاطة في الشمال بجبل الشيخ، ومن جهة الجنوب - غرب بجبل عجلان، وفي الشرق بحوران. ولا يوجد في جميع هذه المناطق نهر واحد يمكن أن تتدفق مياهه في الصيف؛ فمعظم القرى تكون لها خزانات مياه تملؤها خلال موسم الأمطار. ومن أخصب هذه المناطق هي منطقة حوران، المشهورة بزراعة القمح، حيث لا تماثل حقولها الواسعة الممتدة كالمحيط في مهب الريح أية منطقة أخرى. ولا تحتوي منطقة «بطينة»، من جهة أخرى، سوى على جبال كلسية، حيث توجد هناك كهوف واسعة، وحيث كان يعيش فيها الرعاة العرب كمثل حياة ساكني الكهوف القديمة. وهنا، في هذه المنطقة، اكتشف رحالة حديث، الدكتور سيتزن في عام 1816، آثار جراسا البارزة، والتي تدعى الآن جرش، حيث يوجد هناك ثلاثة معابد، ومدرجان رائعان من الرخام، وآلاف العمدان، لا زالت قائمة وباقية بين صروح وأبنية رومانية أخرى. إلا أن الشيء الأروع من كل ذلك أنه رأى شارعاً طويلاً محاطاً من كلا الجانبين بعمدان رائعة من فن البناء الكورنثي الإغريقي القديم، وينتهي بمساحة مفتوحة نصف دائرية الشكل محاطة بستين عموداً آيوني الطراز (طراز يوناني إغريقي قديم). وفي الجوار نفسه تتميز جلعاد القديمة بغابة من أشجار البلوط والسنديان الضخمة، التي تمنح وتزود السكان بالوفرة والاستخدام. وتقدم منطقة «بيريا» في مصطباتها الزراعية العديدة خليطاً من أشجار الكرمة والزيتون والرمان. ولا تزال موآب الكرك، العاصمة المتطابقة لعاصمة الموآبيين الأصليين القدماء، تسر النظر، بيد أنها ليست متطابقة مع بلدة أخرى ذات اسم مشابه في الصحراء العربية الحجرية.
تقع المناطق التي وصفت للتو على الجانب الشرقي من نهر الأردن. بيد أن هذا النهر نفسه يشكل في الجزء الأعلى من مجراه الحدود ما بين «غولونيتس» ومنطقة الجليل الخصبة، التي تعتبر متماثلة مع منطقة صفد الحديثة. ويُعتقد بأن هذه البلدة، التي تتميز بموقعها الجميل بين بساتين الآس (نباتات عطرية)، على أنها هي بلدة بيثوليا القديمة، التي حوصرت من قبل الهولوفرنس. وتحتل طبرية، وهي منطقة مهملة، موقع «تيبيرياس» القديمة، والتي منحت اسمها للبحيرة الموجودة فيها والمعروفة عموماً ببحيرة جينساريت، أو بحر الجليل، بيد أن مهنة صيد السمك قد تبددت تقريباً، ولم يعد صيادو السمك يرمون شباكهم من قواربهم على سطح مياهها. ولا زالت الناصرة تحتفظ بجزء ما من وضعها السابق. ويتواجد على بُعد ستة أميال منها إلى الجنوب جبل «تابور»، الذي كان يدعى أحياناً «إيتابيريوس»، وهو يمثل هرماً متوجاً بخضرة أشجار الزيتون والجميز. ويظهر من على قمة هذا الجبل كل من «طور» الحديثة، ومناظر من شرق الأردن، وإلى الأسفل مشهد لنهر الأردن، وبحيرة جينساريت (طبرية)، والبحر الأبيض المتوسط.
يقول كاتب مطلع عن منطقة الجليل، من أنها يمكن أن تكون جنة، إذا ما سكنت بشعب حرَفي في ظل حكومة متنورة. ويمكن أن ترى من هنا كروم العنب بأغصانها الملتوية وعناقيد العنب كبيرة الحجم التي يبلغ قطر الواحد منها قدماً ونصفاً، والقناطر الضخمة ومروج الخضرة الممتدة. ويمكن لعنقود العنب، الذي يبلغ طوله ثلاثة أقدام، أن يوفر عشاءً لعائلة بكاملها. وتُشغل سهول «إيسدرالون» بخيام القبائل العربية، بنية اللون، والتي تحوم قطعان الماشية حولها وترعى، وعند حلول المساء تحضر لزرائبها.
كانت هذه البلاد الجميلة تئن وتنزف لسنوات عديدة تحت حكم الاستبداد العثماني. فقد تُركت الحقول من دون استصلاح، وأصبحت المدن والقرى تعيش بفقر شديد؛ بيد أن آخر التقديرات من فلسطين تشجعنا على التمسك بالأمل من نشوء إدارة (حكومة) أكثر اعتدالاً التي سرعان ما ستغير هذه المظاهر، ويمكن أن تمنح الأقاليم السورية على نطاق واسع بعض الفوائد، جراء السياسة الليبرالية لمحمد علي باشا (حاكم مصر آنذاك).
Page 5
بالانتقال من الجليل باتجاه الحاضرة (القدس)، ندخل أرض فلسطين الغربية، وتشمل المناطق الحديثة لنابلس وعريتا. ونجد في المنطقة السابقة بقايا مدينة قيسارية، وعلى خليج «القديس جان» تقع مدينة حيفا، حيث يوجد هناك مرسى جيد للسفن. وتمتد على الجهة الجنوبية - الغربية لهذا الخليج سلسلة جبال تنتهي بنتوء الكرمل (جبال الكرمل)، وهو اسم مشهور في المصادر التاريخية للدين المسيحي. فهناك أثبت النبي إيليا بالمعجزات ألوهية مهمته؛ وهناك التجأ وسكن آلاف المسيحيين الملتزمين، في القرون الوسطى للمسيحية، فراراً بدينهم ليقيموا في الكهف بين الصخور. وكان جبل الكرمل حينئذ مليئاً بالكنائس الصغيرة والحدائق، بينما الآن لا يوجد شيء سوى الخرائب الموجودة بين غابات الصنوبر والبلوط والسنديان وأشجار الزيتون، والخضرة النضرة تنتشر فقط بين بياض الصخور الكلسية. وتتمتع جبال الكرمل، التي غالباً ما كانت معروفة، بنقاء وصفاء الجو المفعم بالنشاط والحيوية، في حين أن أراضي غرب فلسطين المنخفضة والجليل تكون مظللة بالغيوم الكثيفة جداً من فترة لأخرى.
ولا زالت «شيشيم» في الكتاب المقدس، والمعروفة على التوالي باسمي نيوبوليس ونابلس، تحتوي على عدد كبير من السكان، مع أن مساكنها تعتبر متواضعة وسكانها فقراء. وأطلال وخرائب غرب فلسطين نفسها مغطاة الآن بالبساتين، وقد نسي سكان هذه المنطقة لهجتهم الأصلية، وربما أيضاً خلافاتهم الغاضبة مع اليهود السومرة، الذين يمارسون طقوسهم الدينية على سفوح جبال جرزيم الخضراء.
وتشمل فلسطين أيضاً المناطق التي سكنها الفلسطينيون القدماء، الأعداء اللدودونَ للقبائل العبرية القديمة قبل عهد الملك (النبي) داود. ويقع بالقرب من غزة، وهي مدينة رئيسة، ميناء يافا الشهير التي تتطابق مع مدينة «يوبا أو جوبا» قديماً والمذكورة في المصادر الدينية القديمة. وقد حصنت هذه المدينة بشكل متكرر ثم فُككت، فهذا الميناء الشهير قد شهد عدة مظاهر وتحولات بحيث أن الوصف الذي أطلق عليه في عصر ما من الصعب أن ينطبق على وصف آخر لوضع آخر تالٍ له.
تعتبر بيت لحم، وهي المكان الذي وُلد فيه المسيح، قرية كبيرة مسكونة بالمسلمين والمسيحيين بشكل مختلط، الذين يتفقون على مقت الاستبداد الذي يتعرضون له بشكل لا يُرحم. ويوجد موقع المغارة التي وُلد فيها السيد المسيح (والمذود أو المعلف المقدس) داخل كنيسة أنيقة وكبيرة، مزينة ومزدانة بالمنح والهدايا المقدمة من كافة الدول الأوروبية. إلا أنه ليس قصدنا من هذه الملاحظات التمهيدية الدخول في بحث تفصيلي للتقاليد والعادات القديمة. ويفي بالغرض ملاحظة أنها تقدم غموضاً كثيراً، ممزوجاً بجزء ليس صغير لحقيقة لا شك فيها. وفي كافة الأحوال، فلا يجب أن نشكك بالحقيقة نفسها التي تقول بأن الخليل تحتوي على قبر النبي إبراهيم وتجذب على هذا التقدير توقير وتبجيل كل من المسلمين والمسيحيين على حدٍّ سواء.
وإلى الجهة الشمالية - الشرقية من القدس، يقع الغور في وادٍ خصب وفسيح، ويروى بنهر الأردن، فنجد هناك أيضاً قرية «راح» أو «رحاح»، وهي أريحا القديمة، التي أُشير إليها من قبل النبي موسى على أنها مدينة النخيل. ولا تزال تلقب بهذا الاسم، بيد أن أشجار بلسم مكة (وهي نباتات عطرية)، اختفت منذ وقت طويل، ولم تعد موجودة أيضاً بالجوار تلك الأزهار الفريدة التي كانت تنبت حول هذه الأشجار والتي كانت معروفة أيام الصليبيين باسمها المألوف أزهار أريحا. وعلى مسافة صغيرة إلى الجنوب توجد هناك سلسلتان جرداوتان قاسيتان من الجبال تشمل على منحدراتها الشاهقة المظلمة حوضاً طويلاً مشكلاً من أرض طينية صلصالية مختلطة مع قار بيتومين وملح الصخور. والمياه المحتوية في هذه الحفرة مختلطة بمحلول من مواد ملحية مختلفة، تحتوي على الحامض، والمغنيسيوم والصودا في القاعدة أو القاع، وهي محيدة جزئياً بحامض المورياتيك والحامض الكبريتي. ويكون الملح الذي يحدث أو ينتج بالتبخر حوالي ربع وزنه. وترتفع مادة قار البيوتومين للأعلى من وقتٍ لآخر من قاع البحيرة، وتعوم على السطح، وتُقذف على جوانب البحيرة، حيث يجري جمعها لأغراض اقتصادية مختلفة. ومن المؤسف له أن هذه البحيرة الداخلية لم تُفحص بعد وتولَ الاهتمام الذي تستحقه. وقد أُعلمنا، في الحقيقة، من قبل عدد كبير من أولئك الذين زاروا هذه البحيرة، أنه لا يوجد سمك أو صدف في مياهها، وأن البخار ينبعث باستمرار من قاعها، وأن ضفافها، السيئة والمجدبة والمقفرة بشكل شديد، لا تشهد أي نوع من أنواع الطيور. إلا أنه أُقر من قبل نفس هؤلاء الرحالة بأن السكان هناك ليسوا منزعجين أو متحسسين من أية مظاهر ضارة أو مؤذية نتيجة لبخارها، بينما التقديرات السابقة التي اعتقدت من أن الطيور المهاجرة التي كانت تحاول التحليق فوقها كانت تسقط وتموت، تعتبر عموماً خرافية الآن. وتدعم النواميس أو المصادر القديمة رواية الكتاب المقدس إلى حد بعيد، من أن قناة البحر الميت كان تعتبر في يوم من الأيام وادياً خصباً، تعتمد جزئياً على كتلة مائية تحت أرضه، وتتألف جزئياً من طبقة من قار بيتومين، وبأن ناراً متوهجة أتت من السماء على هذه المواد القابلة للاحتراق، ففاضت هذه الأرض الخصبة في أعماق هاوية، حيث تسببت في دفن «سادوم وعمورة» جراء حريق هائل.
إن هذا الاعتقاد الذي يلخص الحدود والميزات الجغرافية والمادية لفلسطين القديمة، يمكنه أن يبرهن ويثبت ذلك بشكل وافٍ كتمهيد لتاريخها القديم. وتوجد هناك تفاصيل كثيرة جداً وافرة موجودة في كتب وأعمال عديدة، التي اهتم وشغف مؤلفوها بالأحداث الماضية المثيرة للاهتمام والتي يكون كل موضوع يتعلق بفلسطين ملائماً لأن يُبين. وقد حاولوا الطبع على عقول قرائهم الانطباعات العميقة التي جربوها بأنفسهم من استعراضاتهم ومراجعاتهم الشخصية للمشاهد والصروح الأثرية القديمة، إلا أنني أحجم حالياً قصداً عن وصف دقيق لهذا الموضوع المغري جداً بشكل طبيعي، لأنه في جزء لاحق من كتابنا، فإنني سأكون منقاداً بشكل لا يمكن تجنبه إلى سلسة من التفاصيل الخصوصية المحلية، بينما نمضي قدماً في تقديم الوضع الفعلي للبلاد ولآثارها الباقية الموقرة. في غضون ذلك، نورد في الجدول التالي، وسائل مقارنة تقسيم أو توزيع الكنعانيين والقبائل العبرانية القديمة والتي اعتُمدت من قبل الرومان خلال القرن الأول للميلاد.
ففي بلاد رعوية كمثل التي تقع خلف نهر الأردن، خصوصاً حيث تكون الصحراء في معظم الأجزاء بمحاذاة الأراضي الزراعية، فإن حدود العديد من الأراضي لا يمكن أن تكون مميزة في معظم الأوقات. ومن المعروف أنه إضافة إلى أن السكان الأصليين للبلاد لم يطردوا تماماً من قبل القبائل العبرية الغازية، بل إنهم ظلوا في أراضيهم، وبالقوة أحياناً، أو بعقد معاهدات في أحيان أخرى، وفي قسم كبير من الأراضي تقع ضمن حدود جميع القبائل، وهي حقيقة مرتبطة بالعديد من الارتدادات والقلاقل التي حطت في مناطقها القبائل العبرانية القديمة فيما بعد.
Page 6

أحداث تاريخية غابرة

مدى الأرض المقدسة. آراء كل من فلوري، سبانهيم، ريلاند، ولومان. مبدأ توزع القبائل القديمة في فلسطين. كل قبيلة اقتصرت على موقع منفصل. أعداد هذه القبائل. عدد الأسر الرئيسة. مجلس وطني. القضاة، طبيعة سلطتهم، ليسوا قضاة عاديين. ملوك، مجالس، مستبدون مختلفون. مؤسسات قضائية، قضاة وضباط، وصفوا من قبل المؤرخ جوسيفوس. وضع العدل بين القبائل العبرانية القديمة. تعلقهم بالحياة الرعوية، وقطاع طرق وقراصنة. هدف انفصالهم. مهنهم الموروثة. المدن القبلية، عددها واستخداماتها. وجهة نظر ملخصة لأزمنة وشخصيات القضاة العبرانيين القدماء.
لقد مارس الرجال المطلعون براعتهم طويلاً مع وجهة نظر تقرير دقة شكل الوضع الاجتماعي. فأول الأحداث التي وقعت بعد موت يشوع بدت لتنشئ حقيقة من أن كل قبيلة عبرانية كان عليها أن تدير شؤونها بنفسها، وحتى إلى المدى التي تكون فيه مخولة لشن حرب أو عقد سلم من دون مشورة أو موافقة مجلس الشيوخ العام. والحكومة الوحيدة التي كان أبناء يعقوب حتى الآن معتادين عليها هي أن معظم النظام القديم للحكم يمنح لكل رئيس قبيلة إصدار الأوامر والإشراف وتوجيه كافة أعضائها. فنجد آثار هذا الخضوع الطبيعي بينهم، حتى تحت ضغط الاستعباد المصري لهم. وخلال المفاوضات التي سبقت إطلاق حريتهم تحت قيادة النبي موسى، فقد كانت كافة الأوامر والرسائل التي خوطب فيها حكامهم أو آباؤهم الأوائل هي «امضوا لجمع كبار إسرائيل معاً»، فقد كان هذا أمر (يهوه) الرب لابن أمرام، عندما تلقى هذا الأخير تفويضاً لإنقاذ المنحدرين من نسل إسحاق من استبداد وطغيان فرعون. إلا أنه خلال التيه في البرية، وخصوصاً عندما اقتربت هذه القبائل من تخوم بلاد كنعان المخلصين، فقد أصبحت السلطة الأصلية لرؤساء القبائل تابعة للسلطة العسكرية لقائدهم الملهم، الذي أصبح كونه قائداً لجيوش هذه القبائل العبرانية موقراً ومطاعاً من قِبَل أتباعه كمساعد لسيد إسرائيل. وفي الحقيقة، فإن الأعمال العسكرية التي دعته إليها مهمته العسكرية، وضعت خليفة النبي موسى على رأس قومه بصفة أو رتبة جنرال، يرشدهم في مسيرهم أو ينظم جيشهم ويقوده في ميدان المعركة، فضلاً عن أنه معلم للحكمة أو حارس عقيدة وعبادة (دين) معين. ولغاية ما جرى تقسيم الأراضي التي احتلت بين القبائل المنتصرة فقد كان يشوع مجرد جندي قائد ليس أكثر، في حين، من جهة أخرى، فإن حشود العبرانيين، الذين ناصروا وأيدوا خططه العسكرية بشكل جيد، ظهرت على صفحات التاريخ بصفة ليس أكثر من كونها قوات مخضرمة، تقوم بعملها بصعوبة وبجهد بالخدمة الطويلة في مناخ قاس، وتؤدي مهمة جبارة بواسطة فنون الانضباط تحت إمرة قائد ماهر مولع بالحرب.
ومنذ الرحيل، باختصار، ولغاية نهاية قيادة يشوع، فقد فقدنا رؤية تلك الخطة البسيطة للإشراف المحلي التي أنشأَها وأسسها يعقوب بين أبنائه. وحول أمراء القبائل، ورؤساء الأسر إلى قواد الآلاف، مئات، خمسينات من الجند، ينظمون تحركاتهم على قرع الطبول، ويقضون أيامهم بالاستراحة ما بين الحذر واليقظة وتشكيل وإعداد معسكر منظم. إلا أنهم بعد تحولهم بوقت قصير تحولت سيوفهم إلى محاريث للأرض وحرابهم وسهامهم إلى مناجل، إذ إنهم رجعوا إلى شكل مجتمعهم القديم بشكل جماعي. وما أن بدا هنالك مساحة كافية من الأرض اغتُصبت من الكنعانيين وتعود لتلك القبائل المتواجدة على الجانب الغربي لنهر الأردن وهي إرث قانوني لهم، «أرسل يشوع الناس إليها، فتوجهوا إليها»؛ ومنذ تلك اللحظة فإن المظهر العسكري لمجتمعهم تحول إلى نموذج أبوي، وحملت مؤسساتهم كلها في الحقيقة مرجعاً مباشراً، وتم إحياء آمالهم ورغباتهم الأقوى الموجهة باستمرار.
ومدفوعين بمثل وجهات النظر هذه ربما أظهر العبرانيون نفاذ صبر غير ملائم للتمتع بثمار ونتائج غزوهم الناجح. فقد حاربوا، كما يجب أن يُرى، للحصول على إرث في بلاد غنية وسارة، بدلاً من أن يثأروا لقضية دينهم النقي أو لمعاقبة الممارسات الوثنية لأبناء عمون وموآب. لذلك ما أن انتشر الخوف من اسمهم وقوة سلاحهم بين سكان تلك البلاد المفتوحة، حتى بدأ العبرانيونَ بحرث وزرع الأرض، وأصبحوا راغبين أكثر لعقد اتفاق مع من تبقى من عدوهم، بدلاً من عقد سلام شامل ودائم يتحمل تعباً أقل ووقفاً للحرب، فتشوقهم لامتلاك الأرض التي تتدفق لبناً وعسلاً، تبدو أنها أجبرت يشوع (قائدهم وزعميهم) إلى تبني واعتماد إجراء أدى في فترة غير طويلة إلى ارتكاب ذنب أكبر، وعانى من جانب شعبه جراء ذلك. ووافق على أنهم يجب أن يحتلوا الحقول الشاغرة قبل أن تُقهر الشعوب التي احتُلت أراضيها نهائياً، فلا بد أن يكلف هذا كثيراً من أجل الاستيلاء على الأقاليم التي لا زالت في أيدي السكان الأصليين، وأنهم يجب أن يتوزعوا بين الجبال الممتدة والوديان الواسعة التي لم تُخضع بعد لسيطرة سيوفهم.
وسرعان ما أصبحت تأثيرات هذه السياسة الطائشة غير الحكيمة واضحة بأنفسهم، فقد تحققت كافة الشرور المتنبأ بها من قِبَل (خادم الله) المسن (يشوع)، عندما خاطب قومه في «شيشيم»، في وقت قصير وإلى مدى واسع جداً. فالعبرانيون لم يجدوا في الحقيقة بقايا من شعوب وأمم، الذين وافقوا على أن يسكنوا بينهم، راضين بهذا البلاء بينهم والأشواك في عيونهم، والذين كانوا لا يزالون قادرين على النزاع معهم للحصول على الأرض الجيدة التي تعلموا على اعتبارها كإرث مقدس، متباحثين معهم في منقبة وعد إلهي أُعطي لآبائهم. فعلى سبيل المثال، فإن مؤلف كتاب «الأحكام» يشير إلى أن «العموريين أجبروا أبناء دان على اللجوء للجبال، ولم يسمحوا لهم لأن ينزلوا إلى الوديان». وبذلك نفهم السبب لماذا لم ينجز الإسرائيليون لعدة مئات من السنين غزوهم لفلسطين. فقد تحرر الكنعانيون من الإرهاب الذي وقع عليهم في بدء الغزو العبراني، ولم يحاولوا استرجاع أراضيهم القديمة فحسب، وإنما أزالوا كافة الأضرار التي حلت بهم. فما هي التحركات التي قام بها الأسياد الصغار للبلاد، ولكي ينجز هذا الهدف، فإننا لم نبلغ من أية جهة بوضوح، مع أننا نجد، أنه من خلال التشاور التي عقد بواسطة قبائل عبرانية جنوبية، بعد وقت قصير من موت يشوع، ضرورة تجديد العمليات العسكرية ضد السكان المحليين، وإن ذلك لا يمكن أن يؤجل طويلاً. فتم التوصل إلى اتفاق وفقاً لذلك من أنه يجب أن يوحد يوداح وسيميون قواتهما وينزلا للميدان لمنع الغارات التي تشن على «حدودهم» في المقام الأول، وبالتالي لتقليص حالة الإخضاع التام للمدن والقرى التي تقع ضمن حدود مناطقهم.
ولكن بترك هذه الأمور التمهيدية، فإننا سنعالج ونستطلع مجموعة الرابطة العبرية قديماً، كما بدت عند إقامة أول استيطان لها تحت إمرة خلفاء يشوع؛ محاولين التحقق من الأسس التي أنشئ بموجبها الاتحاد الفيدرالي للقبائل العبرانية؛ وعلاقاتهم ببعضهم البعض تجاه الحرب والسلم؛ والمواد التي امتلكوها من أجل الغزو والحرب أو الدفاع الذاتي؛ وحقوقهم المدنية وامتيازاتهم «كدول مستقلة»؛ وقوانينهم وأنظمتهم القضائية؛ وفوق كل ذلك، طبيعة ومدى ملكيتهم، وأيضاً امتلاك الأراضي من قِبَل الأسر والأفراد. ويكون مرتبطاً بذلك بشكل وثيق بهذا الموضوع هو أخذ الاعتبار لذلك القانون الخاص بالأراضي الذي سُنّ من قِبِل النبي موسى وطبقه يشوع، والذي أوجد لا ليقرر فحسب، وإنما أيضاً ليضمن إرث كل عبراني يدخل (أرض الميعاد).
Page 7
إن هذا الجزء من بلاد الشام الذي مُنح للأمة العبرانية تم تقديره بشكل مختلف. فمن وجهة نظر هيكاتيوس، وكان من أهالي أبديرا قديماً، الذي نقل عن المؤرخ اليهودي يوسيفوس، أن حدود الأراضي التي احتلها العبرانيون تقدر بثلاثة ملايين إكر (الإكر يساوي حوالي أربعة آلاف متر مربع). واعتماداً على هذا الأساس، فقد استهل الأب فلوري وكُتّاب آخرون لإثبات أن مساحة الأرض التي ذكرت من قِبَل هيكاتيوس يمكن أن تكفي فقط لثلاثة ملايين وثلاثمائة وخمسٍ وسبعين نسمة، لأن يسكنوا ويعيشوا فيها، وهو حساب أو عدد عرضة لاعتراضات عديدة، ولذلك فإنه لا يقبل عموماً. فمن الواضح على سبيل المثال بأن هذا الكاتب وغيره، الذي عاش أيام حكم الإسكندر الكبير، والذي يقال إنه ارتبط فيما بعد بشخص أول ملك إغريقي لمصر، قد وصف المنطقة التي عاش فيها اليهود كما رآها تحت حكم أمير سوري آنذاك لخط حكم مقدوني. لذلك، ووفقاً لذلك، فقد شاهد فقط الأراضي التي سكنت فيها القبيلتان اللتان عادتا من الأسر البابلي، فاقتصر تقديره بذلك على الأقاليم التي سمح له بزيارتها، ولم يأخذ بالحسبان تلك المناطق الممتدة التي تم الاستيلاء عليها من قِبَل القبائل العبرانية العشر، والتي كانت في أيامه تقع في أيدي عرق مختلط من الناس المنحدرين من مستعمرين آشوريين الذين وضعهم هناك الملك الآشوري شلمانصر (858-824 ق.م).
حسب تقديرات الكاتب سبانهيم، فإن أبعد نقاط فلسطين القديمة، التي احتُلت من قِبَل الملك (النبي) داود، كانت تقع على مساحة ثلاث درجات خط عرض، وعدة درجات خط طول، بحيث تتضمن جميعها حوالي ست وعشرين ألف ميل مربع. فإذا ما كانت هذه الحسبة صحيحة، فقد كان في حوزة القادة العبرانيين أرض كافية تتيح لكل عبراني، قادر على حمل السلاح وقتذاك، قطعة من الأرض تساوي عشرين إكراً؛ ويبقي من أجل الاستخدامات العامة، وأيضاً بالنسبة للمدن أو مدن قبائل اللاويين العبرية القديمة، حوالي عُشر هذه المساحة بكاملها. ومن المحتمل، مع ذلك، فإذا ما عملنا تعويضاً مناسباً بالنسبة للبحيرات، الجبال، والأرض البور غير المنتجة، فإن تلك الحصة لكل أسرة لن تكون كبيرة جداً حسب التقدير الذي بُيِّن الآن. ولكن حتى إذا ما قلصت هذه الحصة إلى النصف، فإنها كانت لا تزال توفر وسائل وافرة لوفرة ومتعة اقتصادية رخيصة، فالشعب الروماني تحت حكم الإمبراطور رومولس، وبعده بوقت طويل، لم يكن كل جندي فيلقي يمتلك حينذاك سوى إكرين، وحتى في الأيام الأكثر ازدهاراً للإمبراطورية الرومانية، فإن الحصة لم تزد عن أربعة إكرات. وبذلك، فإن أربعة إكرات تعتبر تعبيراً يشير إلى وفرة وغنى ورضا للشخص الروماني العامي آنذاك، وهو تعويض للكد والبذل في ساحة الحرب للجندي الروماني قديماً، وإغراء وافٍ في كافة الأوقات لأن يحمل السلاح دفاعاً عن الجمهورية (الرومانية).
وزعت الأراضي بشكل متساوٍ على القبائل والأسر العبرانية القديمة وفقاً لأعدادهم، كما اختير أشخاص ليشرفوا على هذا العمل، وكانوا كلاً من اليعازر، الكاهن الأكبر، ويشوع، الذي مثّل شخصية القاضي آنذاك، والأمراء الاثني عشر أو أسباط إسرائيل كما يدعون. وبذلك فقد وضع تحت ملكية كل قبيلة مقاطعة منفصلة، لا يكون شاغلوها من الإسرائيليين فحسب، وإنما أيضاً من العرق نفسه، أو المنحدرين من الجنس البشري نفسه. وضعت عدة أسر مرة ثانية في الجوار نفسه، وتلقوا أرضهم في نفس شبه تقسيم للقبيلة؛ أو بمعنى آخر، فيمكن أن يقال بأن كل قبيلة كان عليها أن تعيش معاً في أرض المقاطعة نفسها؛ وأن تعيش كل أسرة في الأرض نفسها؛ وبذلك يكون لكل جوار علاقات مع بعضهم البعض، ومع الأسر نفسها وسكان المكان نفسه أيضاً. وسُنَّ قانون لتأمين الديمومة والاستقلالية المشتركة لكل قبيلة يُشترط بموجبه على أن كل أرض منحت لكل عبراني يجب أن لا تحول لشخص آخر. ومهما كانت العوائق كالديون والرهون التي يمكن أن تقع على مالك حقل ما، ومهما كانت الالتزامات التي ألزم نفسه بها لدائنيه، فإنها تطلق وتعفى من كافة المطالبات في سنة الغفران.
يمكن أن يلاحظ القارئ المهتم بالقانون الموسوي، بأنه مع أن الشخص العبراني كان لا يمكنه أن يجرد نفسه من أرضه للأبد، إلا أنه كان يمكنه أن يضعها في ملكية شخص آخر خلال عدد معين من السنين، ويبقي لنفسه ولأقربائه الحق في استعادتها، ويكون متأكداً في جميع الأحوال من استعادتها في فترة أو عام الغفران. فهذا في رأي مشرع القانون، فإن تحويل الأرض لشخص آخر لم يكن يعتبر على أنه عملية بيع لها، وإنما فقط من أجل المحاصيل لعدد معين من المواسم. فيمكن أن يعتبر هذا ببساطة عملية إيجار واستئجار، لا تُلزم صاحب الأرض أو أهله المقربين، لأن يتمتعوا بميزة مواصلة إشغال الأرض كلما استطاعوا أن يعيدوا دفع المبلغ الذي استخدموه لقاء تخليهم عن الأرض مؤقتاً.
وكانت البيوت المبنية في الحقول أو القرى ينطبق عليها نفس مبدأ تحويل الملكية لأشخاص آخرين، وتوضع على وتيرة الأراضي نفسها؛ فتكون قابلة للاسترداد في كافة الأوقات، وتعاد إلى أصحابها (الأصليين، والمغتصبين لها أصلاً) في سنة الغفران. إلا أنه من الجدير بالملاحظة، أن البيوت في المدن والبلدات الكبيرة، عندما كانت تباع، فإنها تكون خاضعة للاسترجاع خلال سنة واحدة فقط، وبعد ذلك فإن الاتفاق المعقود بين الطرفين يصبح للأبد. وكان هنالك في الحقيقة استثناء حتى في مثل هذه الحالة لصالح اللافيين، الذين يمكنهم في أي وقت «استرجاع بيوتهم في المدن إلى ملكيتهم»، والذين علاوة على ذلك كانوا يتمتعون بفائدة وفيرة كاملة لمدة خمس عشرة سنة.
إن العبرانيين، مثلهم مثل معظم الأمم الأخرى في وضع مجتمع مشابه، قد أبقوا على الأراضي التي اغتصبوها على أساس الخدمة العسكرية. وقد أثبتت الأسس التي وُضعت من قِبَل النبي موسى، من أنه كان كل رجل كُفْءٍ ملزماً بأن يحمل السلاح دفاعاً عن بلاده، جدواها - وهي نتيجة كانت واضحة بشكل لافت بإرجاء مجلس الشيوخ أو رؤساء القبائل في الحرب الكئيبة التي بوشرت من قِبَلهم ضد أبناء بنيامين. فعند حشد الجيش عندما تجمع في «مزبح»، فقد اكتشف بأنه لم يرسل أي رجل من «جابيش - جلعاد» للانضمام لمعسكر الجيش؛ عندئذ تقرر أن يُرسل فوراً 12 ألف جندي لقتل كافة سكان تلك البلدة. وأُمرت هذه القوة من الجند من قِبَل هؤلاء الرؤساء بقولهم «اذهبوا واقتلوا وأبيدوا «جابيش - جلعاد» بحد السيف، مع نسائها وأطفالها»؛ فالسبب لهذا الأمر العنيف، هو أنه عندما استُدعي الرجال، لم يكن هناك رجال من «جابيش - جلعاد».
Page 8
وسيكون القارئ الآن مستعداً لمرافقتي بينما أقدم بعض الملاحظات على الدستور المدني للعبرانيين القدماء، سواء فيما يتعلق بحكومة القبائل باعتبارها هيئة منفصلة، أو لما ينطبق على كافة أمة العبرانيين كجمهورية كونفدرالية.
يمكن القول بشكل قاطع بأن القبائل العبرانية القديمة بلغت فقط اثنتي عشرة قبيلة، منحدرة من أبناء يعقوب الاثني عشر. إلا أنه بما أن نسل يوسف قُسِّم إلى جزئين، فتميزت إلى منحدرين من نسل أفرايم ومناسا على التوالي، فتبع ذلك أن الذين دخلوا أرض كنعان تحت قيادة يشوع (خادم النبي موسى وخليفته) شملت ثلاث عشرة سلالة من العبرانيين. وبمراجعة المصادر الدينية القديمة فيما يتعلق بالواجبات والحقوق المدنية، مع ذلك، فإن أبناء ليفي الذين لم يكن لهم دور مع أشقائهم لم يُحسبوا غالباً في العدد؛ في حين وعلى أساس أسس أخرى، وبشكل رئيس بسبب ميل قبيلة دان لممارسة طقوس وثنية، فإن هذه القبيلة كانت تستثنى أحياناً من قائمة القبائل العبرانية. ويوجد لدينا في الفصل السادس والعشرين من سفر العدد قائمة بالقبائل العبرانية التي حلت على سهول موآب، يمكن أن يُعرض ويدرج منها إحدى عشرة قبيلة عادية كالآتي:
قبيلة يوسف (بما فيه قبيلة أفرايم ومناسة)، وعددهم: 85٫200.
قبيلة يهودا، وعددهم: 75٫500
قبيلة إيساشار، وعددهم: 64٫300
قبيلة زيبولون، وعددهم: 50٫500
قبيلة آشر، وعددهم: 53٫400
قبيلة دان، وعددهم: 46٫400
قبيلة بنيامين، وعددهم: 45٫600
قبيلة نفتالي، وعددهم: 45٫400
قبيلة ريوبين، وعددهم: 43٫730.
قبيلة جاد، وعددهم: 40٫500
قبيلة سيمون، وعددهم: 22٫200
شملت هذه القائمة كافة الرجال الذين بلغت أعمارهم فوق العشرين عاماً، يضاف إليها 23 ألفاً لقبيلة ليفي، «ولم يُحص الذكور الذين كانت أعمارهم شهراً واحداً وما فوق؛ لأنهم لم يكونوا معدودين بين أبناء إسرائيل، ولأنهم لم يُمنح إرث لهم بين أبناء إسرائيل».
وكان يوجد هناك في كل قبيلة رئيس يدعى أمير القبيلة، أو رئيس الآلاف، ويأتي بعده أمير الأُسر، أو قائد المئات. على سبيل المثال، نجد في حشد العبرانيين في تيه سيناء بأن نهشون، ابن أمنياداح كان أميراً لقبيلة يهودا. فهذه القبيلة قسمت ثانية، مثلها مثل جميع القبائل الأخرى، إلى عدة عائلات، فالتعبير المستخدم هنا ليس بمعناه العادي، ليدل على أنها أسرة فحسب، وإنما بدلاً من ذلك في معنى مجازي، ليدل على نسل متحدر من سلالة عادية، وتشكل واحدة من فروع رئيسة من عرق أصلي. وفي هذا السياق، فإن العبرانيين وجهوا بالمبدأ نفسه الذي يتصدر الأولوية عند العرب، وبين أبناء بلادنا أيضاً في جبال وهضاب اسكتلندا.
ويبدو، علاوة على ذلك، بأن كل واحدة من هذه الأسر كان لها سجل، وحتى الأفراد الذين كانوا ينتمون لكل أسرة، وضعوا تحت تصرف رئيس حاكم، ذلك أن هذا تعلق بسلب ونهب أريحا والضرر الذي حلّ بمنطقة «عي» آنذاك. ويمكننا أن نحصي، من خلال الفصل السادس والعشرين لسفر العدد، بأن رؤساء الأسر في الوقت الذي حطّ فيه أبناء إسرائيل على أرض فلسطين كان عددهم سبعة وخمسين وإذا ما أضفنا لهم ثلاثة عشر أميراً، أو رؤساء قبائل، فإن مجموعهم سيكون سبعين؛ لذلك يوجد هناك أساس ما لتخمين أولئك الذين يزعمون من أن المجلس الذي شكله موسى (النبي موسى) في تيه البرية تألف من رؤساء هرميين (حسب التسلسل)، الذي وفقاً لحق الولادة كان يعترف بهم على أنهم يحملون مبدأ الوراثة على عدة أجزاء من الشعب.
فمن المحتمل بأن الولادة الأولى لرئيس الأسرة لكل قبيلة كان غالباً على أنه أمير تلك القبيلة، وأن الابن الأكبر لكل أسرة تابع لوالده في الواجبات والامتيازات التي تخص رتبة الهرم. بيد أن التفاصيل المقدمة من قِبَل راوٍ ديني تكون هزيلة جداً لتتيح لنا تشكيل أية استنتاجات عامة جديرة بالثقة فيما يتعلق بهذه النقطة. إضافة إلى أن حالة نهشون، اعتُبرت مثالاً متناقضاً تماماً بمثل هذا الرأي، ويبدو ليبرهن بالتأكيد، أنه إذا لم يكن أمير القبيلة منتخباً، فإنه لن يكون دوماً، على الأقل، منحدراً مباشراً من نسل الرئيس الأصلي للقبيلة. فنهشون، كما بُيِّن للتو، كان ابناً لإميناداح، ابن رام، الذي كان الابن الأصغر لحيزرون، ابن فاريز، الذي كان الابن الأصغر ليهودا.
نجد من خلال هذه الوقائع الني بينت الآن بأن كل قبيلة عبرانية كان لها رئيس يتولى أمورها، ويطبق العدل في جميع القضايا العادية، ويقود القوات في وقت الحرب. وكان يساعده في هذه المهام المهمة ضباط مساعدون، من رؤساء الأسر، والذين كانوا يشكلون مجلسه في مثل هذه الأمور التي تخص سياسة مقاطعتهم المعنية؛ ويدعمون قراراته في المسائل المدنية والجرمية، وأخيراً يكونون تحت قيادته في ميدان المعركة.
Page 9
بيد أن السياسة المرسخة من قِبَل المشرع العبراني لم تكن مقتصرة على دستور وحكومة القبائل المنفصلة. فقد امتدت أيضاً إلى أنظمة الرفاه العام للجميع، كمملكة واحدة تحت توجيه واحد من يهوه (الرب)، شريطة أنه يجب أن تكون كافة المناسبات الكبيرة لها وسائل موحدة بسهولة في مجالسهم، وتوحيد قوتهم. حتى خلال الفترة التي كانت أقل تنظيماً ونظاماً التي تبعت مباشرة استيطان العبرانيين في الأرض التي حلوا بها، فإننا نجد آثاراً لمثل هذه الحكومة العامة؛ ومجلس شيوخ، الذي كان مرشداً لإدارة الشؤون في كافة الأحول الصعبة والخطرة؛ وقاضياً، استثمر بدرجة عالية سلطة تنفيذية كأول قاضٍ للرابطة اليهودية، وأخيراً، الصوت المرشد لرجال الدين والحكام الذي بدا اتفاقهم ضرورياً في جميع الأوقات لمنح نشاط وتأثير لقرارات قادتهم. ويمكن أن نضيف إلى مقومات حكومتهم القديمة هذه وحي (الرب)، الذي بدونه، كما كشف النقاب عنه كل من يوريم وثوميم، لا يمكن أن يُتخذ أي قرار مهم من قِبَل المجلس أو القاضي.
وقد لوحظ تماماً، بالوقت نفسه، أنه مع امتداد السلطة التي يمكن أن تمارس من قِبَل المحكمة العليا، كم كانت سلطة القاضي أو الحاكم العسكري بين العبرانيين بحيث ماثلت تلك التي للديكتاتور الروماني، إلا أن امتياز صنع القوانين لم يكن في أي فترة يعهد لأي نظام في الدولة اليهودية. فما داموا كانوا يحكمون بواسطة حكومة دينية كهنوتية، فقد أُبقي على هذا الامتياز للرئيس الإلهي للقبائل.
كان من رأي الرجال المطلعين، أن مجلس السبعين، الذي أُنشئ من قِبَل موسى خلال تيه البرية، كان مجلساً مؤقتاً، ولم يستمر بعد أن استوطن الإسرائيليون في أرض كنعان. والتقليد القومي الوحيد الذي يمكن أن نكتشفه من أي أثر بالتالي لذلك الحدث هو المناسب لأمراء القبائل ورؤساء الأسر للتعامل مع الشؤون العامة ذات الأهمية الكبيرة. وهكذا، في قضية الحرب ضد قبيلة بنيامين، التي ذكرت سابقاً، فقد أُبلغنا بأن رؤساء كافة القبائل العبرانية قد حضروا الاجتماع التي عُقد لهذا الغرض. في تلك المناسبة البارزة، فقد كانت مصالح وشخصية الكمنولث اليهودي برمته على المحك؛ لذلك السبب فقد جمع زعماء القبائل أنفسهم سوية على رأس أقربائهم وأتباعهم - حتى أنه تجمع حوالي أربعمائة ألف رجل يحملون السلاح - لكي يستشيروا بعضهم البعض، وليتخذوا إجراءات مصيرية تكون ملائمة لإنزال العقاب بالأعمال الشنيعة التي ارتُكبت في حينه (منطقة قبيلة بنيامين).
خلال الفترة التي يشير إليها هذا الجزء من سردنا، فإن السلطة العليا كانت تمارس من فترة لأخرى من قِبَل القضاة - وهو نظام قضائي لا يماثله شيء موجود في أي بلد آخر. فالقرطاجيون، في الحقيقة، كان لديهم طبقة من الحكام اشتقت من المصدر الشرقي نفسه، مما يبدو لإنشاء التشابه نفسه في إدارتهم كالذي كان لخلفاء يشوع العبرانيين. إلا أنه وُجد من مقارنة سلطتهم، سواء في الجوهر أو في الأغراض التي تكون ثانوية، أنَّ كلاًّ من القضاة العبرانيين والقرطاجيين لم يكن لديهم سوى شيء ضئيل مشترك.
ولم نجد أيضاً أي تشابه جزئي قريب جداً في مهام وواجبات حاكم إغريقي أو حاكم روماني، فهؤلاء كانوا قضاة عاديين، ينتخبون بشكل دوري؛ بينما لم يكن القاضي يتولى السلطة أبداً ما عدا ما يتعلق بمقتضيات الأمور العامة التي تتطلب مساعدة مواهب غير عادية، أو وزناً أكبر لتعيين خارق. وعلى هذا الأساس، فقد كان القائد العبراني يشبه الديكتاتور الروماني، الذي يصبح، عندما تكون الجمهورية في خطر، مؤتمناً ومعهوداً إليه بسلطة غير محدودة تقريباً، وسلطة قضائية تمتد لتشمل حياة وجميع مقدرات أبناء بلده تقريباً. إلا أنه يوجد هناك شيء معين يختلف في هذا التشابه. فالديكتاتور يتخلى عن مركزه حالما تمر الأزمة التي دعي من أجلها؛ ولا تعاد له هذه السلطة المطلقة ثانية مهما كانت الظروف ولو لوقت محدود. في حين أن القاضي ، من جهة أخرى، يبقى يمارس مهامه وسلطته العليا خلال حياته كلها؛ ولذلك فغالباً ما يوصف من قِبَل مؤرخ ديني على أنه يترأس لنهاية أيامه قبائل إسرائيل، ما بين السلام والأمن التي تساعد فيها مهارته العسكرية بمباركة من السماء.
يقول الكاتب دوبين، بأن القضاة العبرانيين لم يكونوا قضاة عاديين، بل لديهم سلطة مقدسة مطلقة، منحت إليهم من قبل الإسرائيليين، سواء بسبب الاضطهادات التي تعرضوا لها، أو بسبب حكمتهم وعدلهم.
فقد كانوا يحكمون وفقاً لقانون يهوه (الرب)، ويقودون جيوشهم، ويبرمون المعاهدات مع الأمراء المجاورين، ويعلنون الحرب والسلم، ويديرون العدل. فهم كانوا يختلفون عن الملوك: 1- في أنهم لم ينشؤوا نتيجة لانتخاب أو خلافة، وإنما وصلوا للسلطة بطريقة غير عادية 2- أنهم رفضوا أن يمنحوا لقب وخاصية الملوك 3- أنهم لم يفرضوا أية ضرائب على الناس من أجل بقاء الحكومة 4- أن طريقتهم في الحياة كانت بعيدة عن الفخامة والأبهة والتفاخر 5- في أنهم لم يضعوا قوانين جديدة، وإنما حكموا وفقاً للأحكام الموجودة في كتب وقوانين النبي موسى 6- في أن الطاعة لهم من قِبَل الناس كانت طوعية ولم تكن مُجبرة، كونهم لم يكونوا على الأغلب سوى حكام وقضاة لمدن «حرة».
إلا أن الأقلَّ صعوبةً تقرير ما كان القضاة يقومون به لتحقيق دقة الأجزاء المختلفة لوظيفتهم المعقدة. ففي الحرب، كانوا يقودون الجيوش العبرانية لمواجهة أعدائهم. وفي السلم، فمن المحتمل أنهم كانوا يترأسون جلسات محاكم قضائية التي يمكن أن تكون ضرورية لتقرير نقاط معقدة للقوانين، أو لسماع حجج الاستئنافات من قرارات محاكم أدنى درجة. وأولئك الذين كانوا يذهبون إلى «ديبوراه» من أجل التقاضي، يفترض، أنهم كانوا يقدمون قضاياهم أمام محكمة البداية هناك؛ فربما كانت قضاياهم تتطلب معرفة أكبر لتمنح رضا للمتقاضين، ذلك أن قاضي الجمهورية، الذي كان يساعد بواسطة عضوين معينين من الكهنوت، كان يدعى للنطق بالحكم النهائي.
ويخص هذا الجزء من الموضوع ذكر الشرط القانوني الذي وضع من قِبَل النبي موسى ورسخ بواسطة يشوع بالنسبة للإدارة القانونية للعدل في جميع أنحاء الأرض. وللغرض نفسه يربط المؤرخ يوسيفوس، في تقديره لآخر خطبة ألقاها النبي موسى بالشعب اليهودي، بأن يقوم المشرع الأكبر بإعطاء أوامر لتعيين سبعة قضاة في كل مدينة؛ لرجال يتميزون بحسن السيرة والسلوك ونزاهة المشاعر. ويضيف يوسيفوس «بأن يُتاح لهؤلاء الذين يحكمون بين الناس تقرير الأمور حسبما يعتقدون بأنه صحيح، ما لم يظهر أي واحد منهم بأنه يتلقى رشاوى تؤدي لفساد وانحراف بالعدل، أو يمكن أن يُتَّهم بأي تهمة ضده».
Page 10
لم يكن هناك شك بملاحظة التمييز ما بين «القضاة» و«الموظفين» المعينين من قبل المشرع اليهودي؛ ذلك أنه من الأثر البعيد للتعيين والتعليقات الغامضة للكُتّاب الأحبار، أصبح من الصعب جداً إلى حدٍّ كبير تحديد وتعريف حدود أداءاتهم الخاصة. ويؤكد الكاتب ميموندس أنه كان يوجد في كل مدينة، حيث يصل عدد الأسر مائة وعشرين أسرة، محكمة تتألف من ثلاثة وعشرين قاضياً، كانوا مخولين للفصل والحكم في كافة القضايا المدنية والجرمية. فهذه بدون شك الهيئة نفسها التي ذكرت من قِبَل يوسيفوس في الكتاب الرابع لآثاراته ووصفت من قِبَله على أنها كانت مؤلفة من سبعة قضاة وأربعة عشر مساعداً لهم، يختارون من بين القبائل اللاوية اليهودية، وبالنسبة لهؤلاء، ومعهم الرئيس ومساعده أو نائبه؛ يشكلون العدد المعين بالضبط وهو ثلاثة وعشرون يعينون بواسطة أو من قِبَل الكُتّاب الأهليين. وفي البلدات الأصغر حجماً فإن إدارة القانون خولت لثلاثة قضاة كانت سلطتهم تمتد لتشمل الفصل والحكم في كافة القضايا والمسائل التي تتعلق بالدين، السرقة، حقوق الوراثة إعادة الملكية إلى المالك الشرعي، والتعويض. ومع أن هؤلاء القضاة لم يكن بإمكانهم الحكم بإنزال عقوبة قصوى، إلا أنه كانت لديهم سلطة للحكم في الاعتداءات والأضرار الثانوية وإنزال العقوبة والغرامات وفقاً لطبيعة الجنحة ومدى أو مقدار الأذى الحاصل.
بالنسبة للقسم الأول من هذه المؤسسات القضائية، كانت توجد هناك اثنتان في القدس، حتى خلال الفترة التي تولت فيها «السانهدريم» السلطة العليا على أرواح ومقدرات أبناء جلدتهم، واحدة كانت توجد عند بوابة «شوسان»، والأخرى عند بوابة «نيكانور». فالمكان الذي كان يعقد فيه هؤلاء القضاة جلساتهم، كما يشير الكاردينال فلوري، هو عند بوابة المدينة، ذلك أن جميع الإسرائيليين، آنذاك كانوا من المزارعين، الذين يذهبون إلى أعمالهم في الصباح ولا يعودون حتى المساء، لذلك فقد كانت بوابة المدينة المكان الذي غالباً ما يلتقون فيه؛ ولا يجب أن نستغرب إذا وجدنا هناك الناس العاملين في الحقول والذين كانوا يسكنون في البلدات. فهذه لم تكن مدناً مثل عواصمنا أو مدننا الريفية، والتي كان من الصعب أن توجد أو تحيا من دون أن تموَّن وتزوَّد بروابط من عشرين أو ثلاثين من القرى المحيطة بأرضها. فكانت توجد هناك مساكن ومستوطنات للعديد من العُمّال والتي كانت ضرورية لاستصلاح وزراعة الحقول القريبة جداً منها، لذلك فالريف كان مزدحماً جداً بالسكان، كما أن البلدات كانت موزعة بكثافة.
ولسبب مشابه، ما بين الإغريق والرومان، فإن مكان اللقاء أو الاجتماع بالنسبة لكافة أمور العمل كان في السوق أو المنتدى، لأنهم جميعهم كانوا تجاراً. وكان من بين العبرانيين، قضاتهم الذين يأخذون مقاعدهم مباشرة بعد صلاة الصبح ويواصلون عملهم لغاية نهاية ست ساعات، أو عند الساعة الثانية عشر ظهراً. ومع أن فصلهم أو أحكامهم لم تكن في قضايا كبيرة أو رئيسة، إلا أنهم استمروا ليقدروا من قِبَل أبناء جنسهم لوقت طويل، حتى بعد أن سويت القدس بالأرض.
بمساعدة ظروف استثنائية كما بُيِّن للتو، فقد يكون القارئ قادراً على تشكيل فكرة للظروف المدنية والسياسية للعبرانيين القدماء. فقد تمتعوا بأقصى درجة من الحرية والتي كانت مترابطة مع أهداف مجتمع منظم، لا يعترف سوى بسلطة القوانين المدارة بوساطة شيوخ قبائلهم ورؤساء أسرهم. وأيضاً فإن المساواة في ملكياتهم وتشابه مهنهم قد منع نشوء تلك التمييزات في حياتهم الاجتماعية، والتي مهما تكن في استخداماتهم في الأمم الأقدم، تعتبر متعارضة بواسطة كافة عادات شعب كان همه الوحيد مكرساً لرعاية حقولهم وسلامة قطعانهم ومواشيهم. فشكل الحكومة التي يمكن أن تلائم مثل هذا التوزيع للثروة والعمل هي بلا شك تلك التي أنشئت من قِبَل النبي موسى على أساس الحكم الهرمي القديم. بيد أن هذا النموذج، الذي كان ملائماً جداً في المرحلة القديمة جداً للوجود الاجتماعي، قد تغير إلى حدٍّ بعيد بزيادة سلطة وذكاء الشعب، لغاية، كما حدث تجاه نهاية إدارة أو حكم صموئيل، ما جعل الرأي العام يفرض نفسه ويُسمع، موصياً بنبذ الأفكار والمفاهيم القديمة. وهكذا نجد، من خلال تقدم العرق البشري بأن السلطة البسيطة لرئيس الأسرة تمر من خلال أنواع من حكومات القلة إلى الديمقراطية العملية، وتنتهي في فترة ليست بطويلة جداً في تسمية أو ترشيح وراثة مطلقة، أو حكم مطلق.
إن الفترة التي نتأمل الآن فيها المجتمع العبراني تعتبر مثيرة جداً للاهتمام عندما يستقر الرعاة المتجولون في أرض زراعية ثابتة ويصبحون فلاحين. فذرية كل من إبراهيم، إسحاق، ويعقوب الذين كانوا هم أنفسهم زعماء رعويين، بَدَوْا على أنهم قد أبقوا وحافظوا بميل مصمم على ذلك النموذج القديم للحياة، حتى أن موسى، وبعد أن أحضر القبائل الاثنتي عشرة ضمن رؤية أرض الميعاد، وجد من الضروري لأن يغرس أُسر كل من روبين، جاد، ومناسة إلى حد بعيد ليتيح لهم الخيار بالاستيطان على ذلك الجزء من نهر الأردن، حيث يمكنهم تكريس أنفسهم للإبقاء على رعي القطعان. والاستفادة من سلوك وتصرف القبائل الأخرى أيضاً، الذين لم يظهروا أدنى معارضة لتقسيم الأرض والدخول في تقسيمات عديدة، فيستنتج من هذا، مع احتمال بارز، من أنهم قد فضلوا أيضاً العادات الغريبة الشاذة التي تختلف عن عادات أسلافهم وأجدادهم على مهن وحِرَف مفيدة أعدها وهيأها لهم مشرعهم الأكبر بين حقول الذرة وبساتين الكرمة والزيتون.
من بين العرب، حتى في الوقت الحاضر، من يعتقد بأن الحياة الرعوية تعتبر مهنة نبيلة أكثر من التي تؤدي إلى الإقامة والسكن في المدن أو حتى في القرى. فهم يعتقدون بأنها حياة ملائمة أكثر للحرية، لأن الرجل، الذي يجول بقطعانه في الصحراء كلها سيكون أقل احتمالاً لأن يخضع للاضطهاد من الناس الذين يتقيدون ببيوتهم وأراضيهم. فهذا النمط من التفكير موغلٌ في القِدَم في الأجزاء الشرقية من العالم. فالمؤرخ اليوناني القديم ديودوروس الصقلي، عندما تحدث عن الأنباط، أفاد بأنهم بقوانينهم كانوا يحرمون الزراعة، وشرب الخمر، وبناء البيوت، وكل انتهاك لهذه القوانين يكون مرتكبه عرضة للمعاقبة بالموت. فهم اعتقدوا بقاعدة منفردة تماماً من أن أولئك الذين يمتلكون مثل هذه الأشياء سيكونون عرضة للحكم المستبد بسهولة؛ وعلى هذا الأساس فإنهم واصلوا، كما يقول المؤرخ ديودوروس، بقطع واجتياز الصحراء، لرعي قطعانهم، التي كانت تتألف غالباً من الإبل ومن الخِراف جزئياً.
فالحقيقة المبينة الآن تتلقى تأكيداً كبيراً من ملاحظة وردت في كتاب النبي إرميا يحترم فيه «الركابيين» القدماء، الذين يعتقد بأنهم قد أُزيلوا وأُبعدوا عن الجزيرة العربية إلى فلسطين لعدة عصور، لأنهم أبقوا على طاعة مقدسة لأوامر أسلافهم؛ رافضين بناء البيوت، وزراعة الأرض، أو زراعة الكرمة، أو شرب الخمر، بل إنهم فضلوا السكن في الخيام طوال جميع أجيالهم. فيما يتعلق بهذه النقاط، فإن العبرانيين في العصر القديم الذي نبحث فيه الآن، يبدو أنهم قد تمتعوا بأفكار عاطفية لا تختلف كثيراً عن تلك التي كانت للعرب، من السهول الرملية التي نشؤوا منها. فحياة الرعي المتنقل كان له صلة وثيقة بعادات قطاع الطرق، والقارئ المتنبه للتاريخ القديم للإسرائيليين سيتذكر أمثلة عديدة التي قدم من خلالها المنحدرون من نسل إسحاق برهاناً وافياً لعلاقتهم بذرية إسماعيل. فشخصية «أبيميلخ»، ابن جدعون، على سبيل المثال، لا يمكن أن تعتبر في أية حقيقة أخرى أكثر من شخصية قبطان سلاّب ونهّاب. ورفض رجال شيشيم، الذين استأجرهم ليتبعوه، إطاعة أوامره، حتى عندما أضاف القتل للسرقة. وبالطريقة نفسها، أصبح «يفتاح»، عندما طرد من قِبَل أشقائه، رئيساً لعصابة مشابهة في أرض «طوب». بيد أن شيوخ «جلعاد» لم يعتبروا ابن بلدهم الشجاع أقل جدارة واستحقاقاً من أن يتولى شؤونهم، وأن يكون رئيساً لجميع سكان أرضهم - وهو شرف أو مقام رفيع تردد حتى في قبوله، عند مقارنته بمرتبة وتعويضات الوضع الذي طلبوا منه التخلي عنه.