eKtab
EN ع
فلسطين ميراث الأنبياء
Read free sample

فلسطين ميراث الأنبياء

by د. مأمون فريز جرار

Page 1
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
مقدمة
 
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين ورضي الله عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد أطلعت على كتاب «بنو إسرائيل لم يدخلوا فلسطين/ قراءة جديدة في القرآن الكريم والتوراة» للحاج زكي الغول، وهو كتاب يحاول مؤلفه تقديم تصور جديد لعلاقة بني إسرائيل بفلسطين، ولا أشك في أن باعث المؤلف هو مقاومة الاحتلال اليهودي لفلسطين مقاومة فكرية بنفي حجتهم التاريخية ودعوى العودة إلى أرض الميعاد. ولكن المؤلف في سعيه هذا قد وقع في مخالفات واضحة للقرآن الكريم والحديث الشريف ولما تواتر لدى علماء هذه الأمة عبر العصور، مما دفعني إلى محاورته في هذا الكتاب الذي سعيت فيه إلى أن أكون موضوعياً، جلاء الحق بغيتي، والوصول إلى الحق رائدي. وقد قدمت ملخصاً لآراء المؤلف لتكون لدى قارئ كتابي صورة مجملة عنها، وليدخل على الحوار المفصل على بينة.
وقد اعتمدت على ما ورد في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى أقوال عدد من أهل العلم من قدماء ومعاصرين. وأرجو أن يكون في هذا الكتاب جلاء لقضية مهمة تمسّ العقيدة، وتكشف طبيعة العلاقة الحقيقية بين بني إسرائيل وفلسطين ، ولا ينبغي للشعور الوطني أو القومي أن يتجاوز الثوابت أو يتخطى المسلّمات ، بل أن يقع في المحذور من التطاول على أنبياء الله الذين لهم في قلب المسلم مكانة لا تطاولها الشبهات، بل ينزهون عن كل نقيصة أو شائبة تحوم حولهم مما افتراه عليهم أعداء الله من أقوال وروايات لا تصح نسبتها إليهم والله الهادي إلى سواء السبيل.
Page 2
تمهيد
 
ظهر منذ سنتين (حين شرعت في كتابة هذا الكتاب) في شهر شوال 1421هـ الموافق لشهر شباط/2001 كتاب بعنوان «بنو إسرائيل لم يدخلوا فلسطين- قراءة جديدة في القرآن الكريم والتوراة» من تأليف الحاج زكي علي الغول (أمين القدس/عضو اتحاد المؤرخين العرب)؛ صدر عن دار الكرمل في عمان.(وصدرت من الكتاب طبعة ثانية في تموز 2001 لم يضف فيها المؤلف جديدا سوى ملحق عما كان للكتاب من صدى في الجرائد الأردنية ، ولم يضع المؤلف على الغلاف خريطة كما كان في الطبعة الأولى).
والكتاب فيما يبدو من عنوانه يمضي على الفكرة التي روّج لها الدكتور كمال الصليبي، بدراساته التي يرى فيها أن التوراة جاءت من جزيرة العرب، وأن بني إسرائيل لم تكن لهم صلة بفلسطين. ولكن الحاج زكي الغول لم يذكر الدكتور كمال الصليبي ولم يشر إلى أي من دراساته.
يقع كتاب الحاج زكي الغول مع ملاحقه في ست وخمسين صفحة من القطع المتوسط، وهو يتضمن أقوالاً وآراء تستحق الوقوف عندها ومحاورتها لأنّ فيها مجازفة في الاستنتاج، واعتماداً ناقصاً على ما ورد في التوراة (العهد القديم)، واجتزاءً لما ورد في القرآن الكريم من آيات تتعلق ببني إسرائيل وأنبيائهم، وتجاهلاً لما ورد في الحديث النبوي، وإعراضاً عن تراث طويل عريض من كتب التفسير والتاريخ وغيرها.
وليكون الحوار موضوعياً، ولنصل من خلاله إلى الحق الذي لا يناقض الكتاب والسنة الصحيحة : المصدرين الموثوقين، وليكون القارئ على بينة من أمره؛ سأورد ملخصاً لما ورد في الكتاب ثم أقف بعد ذلك على ما ينبغي الوقوف عنده من تلك الآراء.
يتحدث المؤلف في بداية الكتاب تحت عنوان: لما هذا الكتاب؟ مبيناً أن سبب تأليفه هو ما يشاع من أن لليهود في فلسطين آثاراً ومقدسات. وأن بني إسرائيل كانوا يحكمون فيها، وأنهم كانت لهم ممالك إحداها في القدس والثانية في نابلس، وأن داود وسليمان عليهما السلام عاشا في فلسطين، ويرى أن بعض المؤرخين العرب الذي يوردون مثل هذه الإشاعات ربما أخذوها عن مؤلفين أجانب. وقد لفت نظر المؤلف عدم وجود آثار لليهود في فلسطين كلها.
وبدأ المؤلف ببحث سيرة بني إسرائيل في القرآن الكريم فوجد أنهم خرجوا من أرض فرعون عن طريق البحر نحو أرض الحجاز (برية فاران) شأنهم في هذه الوجهة شأن موسى عليه السلام عندما قتل القبطي فتوجه إلى أرض مدين في الحجاز. ورجع الحاج زكي الغول إلى العهد القديم فوجده يذكر أن بني إسرائيل لما خرجوا من أرض فرعون لم يهدهم الله طريق أرض الفلسطينيين مع كونها قريبة بل أدارهم في طريق برية سوف (البحر الأحمر) ثم قطعوا البحر إلى الحجاز وانتشروا في الجزيرة العربية.
ويرى المؤلف أن القراءة غير المنحازة وغير الجاهلة لتاريخ القدس والعهد القديم وكتب التاريخ العربية القديمة، وفهم ما جاء في القرآن الكريم، وبعض ما جاء في كتب حديثة لمؤلفين غربيين ويهود يوصل إلى نتيجة هي:
Page 3
لا علاقة لبني إسرائيل بتاريخ فلسطين عامة، والقدس خاصة. وأن اليهود لم يكونوا في فلسطين في السبي البابلي بل كانوا في جزيرة العرب.
ويتحدث الحاج زكي الغول عن المسجد الأقصى فيرى أنه ما دام المسجد الحرام قد بني منذ عهد آدم فالمسجد الأقصى موجود منذ ذلك العهد. ويربط تاريخ المسجد الأقصى بقبيلة يبوس الكنعانية التي جاءت إلى أرض القدس قبل خمسة آلاف عام. وكان اليبوسيون موحدين، وبنوا دور عبادتهم في مكان المسجد الأقصى تحت البناء القائم، ودليل أنهم موحدون أن إبراهيم عليه السلام عندما جاء إلى فلسطين تلقّاه كاهن يبوس، الملك صادق، وقدم له القرى، ومنه الخبز، وبارك إبراهيم، وقبل إبراهيم ذلك منه. ولو كان الكاهن غير موحد لما قبل منه شيئاً.
ويشير إلى توجه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإسماعيل وأمه إلى برية فاران التي توجه إليها بنو إسرائيل من بعد حين خرجوا من مصر وقطعوا البحر، ويرى أن صلة بني إسرائيل قد انقطعت بفلسطين عندما توجه يعقوب ونسله إلى مصر وأخذوا مقتنياتها ولم يبق فيها لهم أثر.
وعندما هرب موسى من مصر بعد أن قتل القبطي وصل إلى أرض مدين في الحجاز، وفي طريق عودته إلى مصر آنس وهو في أرض الحجاز من جانب الطور ناراً. فالطور في الحجاز لا في سيناء. وعندما قبل فرعون أن يطلق بني إسرائيل وسمح لهم بمغادرة مصر مع موسى خرجوا متجهين إلى الشرق ثم إلى الجنوب على ساحل البحر الأحمر، ولم يكن الخروج فوق رمال سيناء كما يحلو للبعض أن يتخيلوه أو كما يقع البعض في الجهل العلمي ويأتي بهم إلى فلسطين.
ويقف الحاج زكي الغول على بعض الأسماء التي وردت في العهد القديم ويبحث عن مقابل لها في الحجاز، ومنها: نبع مارة- وهو بطن مر، نبع قرب مكة. ومسّه في الحجاز ويورد من العهد القديم ما يشير إلى نزول بني إسرائيل في برية فاران.
ويشير إلى أن التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام محدودة الصفحات، والعهد القديم المتداول الآن يقع في ألف وثلاثمئة صفحة، ويستنتج من ذلك أن اليهود وضعوا لهم تاريخاً من خيالهم، صوروا فيه ماضيهم بأنه كان مميزاً بالقوة والجبروت واحتلال أرض الغير (...) ويرى أن التوراة أنزلت على موسى عليه السلام في الحجاز في جبل اللوز كما ذكر بعض الباحثين المعاصرين. وقد أقام موسى وهارون وبنو إسرائيل في برية فاران، وأرسلوا جواسيس إلى أرض العمالقة، ورجعوا بعد أربعين يوماً، وحدثوه أن بني عناق والعمالقة ساكنون في الجنوب، ويستنتج من ذلك أن الجنوب هو اليمن الواقع جنوب فاران (الحجاز). وتوفي موسى عليه السلام في صحراء الحجاز، ودفن هناك، ولم يخرج من الجزيرة العربية.
Page 4
وحين جاء المسيح عليه السلام بدين النصرانية كان اليهود في اليمن، وهم الذين أوغروا صدر ملك تبع على أن يحارب الذين تنصروا في اليمن.
ويتساءل: أين كان بنو إسرائيل ما بين موسى وداود؟ وما هو تاريخهم؟ ويجيب: قطعاً لم يكونوا في فلسطين، لأنه لا تاريخ لهم فيها ولا آثار، وسبب هذا أنهم لم يكونوا في فلسطين، ولم يحكموا فيها، لأن انتشار اليهود كان في الجزيرة العربية فقط، والسبي البابلي تمّ من الجزيرة العربية وسليمان وبلقيس كانا يحكمان في الفترة نفسها. ومما يدل على أن سليمان كان في اليمن أنه عندما تفقد الطير وسأل عن الهدهد، أن الهدهد (مكث غير بعيد) وهذا يعني أن مكان إقامة سليمان لم يكن يبعد آلاف الكيلو مترات عن سبأ بل عشرات الكيلو مترات.
ويستند الحاج زكي الغول إلى ذكر بعض المعالم أو الأماكن أو الكلمات التي يرى أنها ذات صلة باليمن ومنها: وادي النمل، وعين القطر، وكلمة منسأة التي تعني العصا، وهي حبشية شاعت في اليمن. والريح العاصفة كانت تجري بأمر سليمان إلى الأرض المباركة، أي يجريها نحو أرض لم يكن مقيماً فيها. وهذا يعني أنه لم يكن في الأرض المباركة، لا عند البيت الحرام ولا عند المسجد الأقصى.
وأورد الحاج زكي الغول في نهاية كتابه ملاحق فيها صور لأماكن وخرائط: لجبل اللوز، شمال غرب الجزيرة العربية الذي اهتدى إليه الباحثان وليمز وكرونك مسترشدين بما ورد في الكتاب المقدس إلى أنه الجبل الحقيقي الذي تسلم النبي موسى ألواح الرب من عليه. وصورة لعين مارة على ساحل الجزيرة العربية المقابل لمضائق تيران، وخريطة للشرق الأوسط كما وردت على غلاف الكتاب المقدس من منشورات دار الكتاب المقدس 1997م ولعل مما يلفت النظر في هذه الخارطة التي وردت على غلاف كتابه كذلك أن فاران ليست في منطقة الحجاز بل في صحراء سيناء حيث ورد على الجزء الجنوبي من سيناء ثلاث كلمات متتابعة طولياً: فاران – سيناء – حوريب. كما ورد اسم مدين- ميديان مكتوباً على الجزء الشرقي من خليج العقبة والجزء الغربي منه الواقع في سيناء. ويبدو أن المؤلف لم ينتبه إلى أن هذه الخارطة كما هي عليه لا تخدم الهدف الذي رمى إلى تحقيقه من كتابه.(أزال المؤلف الخريطة عن الغلاف في الطبعة الثانية تموز 2001)
ومما ورد في الملاحق رأيٌ لعالم الآثار الإسرائيلي فنكلشتاين الذي يرى أن شخصية داود (عليه السلام) كزعيم يحظى بتكريم كبير لأنه وحد مملكتي يهودا وإسرائيل هي مجرد خيال ووهم، ولم يكن لها وجود حقيقي!!، ووجود باني الهيكل وهو سليمان بن داود مشكوك فيها أيضاً !!، ولا دليل على ما ورد في التوراة أنه حكم إمبراطورية كبيرة تمتد من مصر حتى نهر الفرات. ويختتم فنكلشتاين رأيه بقوله: «مهما كان الأمر، فربما كان هناك داود وسليمان. لكنهما لم يكونا قائدين عظيمين وإنما شيخا(!!) قبيلة متوسطة الحجم في القرن العاشر قبل الميلاد.
هذا ملخص أرجو أن يكون وافياً لما ورد في كتاب الحاج زكي الغول سعيت إلى تقديم أكثره بلغة الكاتب ليكون القارئ على بينة مما سأقوله في محاورته.
Page 5
بين يدي الحوار
 
منذ بدأ الصراع في العصر الحديث بين المسلمين واليهود على فلسطين اتخذت بعض الدراسات حول فلسطين وتاريخها منحى قومياً جرد فلسطين من البعد الديني، وتجاهل التصور الإسلامي للتاريخ والإنسان ولتاريخ الأرض المقدسة في فلسطين، ذلك التصور الذي يقوم على سلسلة من النبوّات والرسالات الربانية.
لقد انطلق هذا الاتجاه في الدراسات من التصور القومي أو الوطني، الذي هو جزء من التصور العلماني الذي شاع في حياتنا، وتراجع الدين ليقتصر على جوانب محدودة من حياتنا في العبادات والأحوال الشخصية!! ولذلك اختلطت الرؤية، واضطراب الفهم، حتى وجدنا في عصرنا من يعتزّ بـ «القوم الجبارين» الذين كانوا في فلسطين مذكراً الغزاة المحتلين من يهود عصرنا بالقول: (إن فيها قوماً جبارين)، وكأن في هذا التذكير ربطاً لفلسطيني اليوم بجباري الأمس!! ولو حكّمنا التصور الإسلامي لعلمنا أن القوم الجبارين الذين كانوا في فلسطين، أيّاً كان جنسهم، وأيّاً كانت صلتنا العرقية بهم،كانوا كافرين بالله مشركين به وكانوا ضالين عن طريق الهدى ، وأن بني إسرائيل في ذلك الزمان، بقيادة موسى عليه السلام، كانوا مؤمنين أو أتباع بنيّ يسدد خطاهم، على ما كان في مسيرتهم من عوج، فهم بالمنطق الإيماني أقرب إلينا من الجبارين.
إن علينا في غمرة الصراع القائم مع اليهود المحتلين لفلسطين في زماننا أن نميز بين أمرين:
الصلة التاريخية لبني إسرائيل بفلسطين، والزعم بحق اليهود في العودة إلى فلسطين وإقامة دولتهم فيها.
إن الذي نؤمن به وفقا للتصور الإيماني ألا حق لليهود في فلسطين في زماننا، فليس لهم حق تاريخي، ولا حق ديني.
أما الحق التاريخي فدعوى باطلة زائفة، لأننا لو أردنا أن نعيد رسم خريطة الأرض وفق هذا الحق، بدعوى إقامة قوم في أرض ما مدّة من الزمن، لاختلطت الأوراق، واضطرب ميزان الأرض، وقامت بين الناس حروب لا نهاية لها، علماً بأن مدة إقامة العرب في فلسطين قبل الميلاد، ومرحلة الفتح الإسلامي لها وما تلاها، أعظم بكثير من مدة إقامة بني إسرائيل فيها.
Page 6
وأما الحق الديني لبني إسرائيل فقد كان لهم في فترة زمنية سابقة يوم كانت النبوة فيهم وانتهى هذا الحق بزوال النبوة عنهم. كان لهم حق فيها يوم خرجوا مع نبي الله موسى عليه السلام من مصر، وقال لهم (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ) [المائدة: 21].
لكنهم نكلوا عن الدخول، وعصوا أمر ربهم، ولم يطيعوا نبيهم، فضُرب عليهم التيه أربعين سنة. ثم دخلوها مع نبي الله يوشع بن نون عليه السلام، وبقي لهم هذا الحق الديني عندما كانت النبوة فيهم. وكان الأنبياء منهم يرثون الأرض المقدسة نبيا بعد نبي، ويقومون على عبادة الله في أرض النبوات فلسطين. فلما نُزعت منهم النبوة بعد أن أُرسل نبينا محمد  آلت فلسطين إلى الإسلام والمسلمين بميراث النبوة لا بالحق الوطني ولا القومي.
وكان ذلك التوريث في رحلة الإسراء والمعراج من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، بإمامة النبي محمد  للأنبياء عليهم السلام في رحابه، إعلاناً لوراثة هذا المسجد منهم، ووراثة المسلمين أتباع محمد  للمسجد الأقصى وما حوله من الأرض المباركة وعلينا أن نتذكر قوله تعالى: (ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ) [الأعراف: 128].
وتم بعد ذلك الفتح الإسلامي للأرض المباركة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتولى المسلمون العناية بالقدس والمسجد الأقصى منذ ذلك العهد، باستثناء مرحلة الغزو الفرنجي في القرنين الخامس والسادس للهجرة. وفي عصرنا هذا منذ سقوط المسجد الأقصى في أيدي اليهود عام 1967م. وهي مرحلة عارضة ستزول بإذن الله، وسيعود المسجد الأقصى إلى حمى المسلمين ورثته الحقيقيين.
إن صراعنا مع اليهود ينبغي ألا يفقدنا توازننا في النظر إلى تاريخ بني إسرائيل فننكر حقائق التاريخ، وحقائق القرآن الكريم والسنة الشريفة. لأنّ هذا الإنكار سيوقعنا في محظورات شرعية تمس العقيدة، وسيوقعنا في محذورات سياسية تمسّ الأمن!
ومن هذا الباب الفكرة التي أقام عليها الحاج زكي الغول كتابه. فهو ينفي الصلة التاريخية لنبي إسرائيل بفلسطين لينفي حقهم في إقامة دولة لهم فيها.
والنتيجة التي أراد الوصول إليها حق، ولكنها قامت على مقدمة تناقض الدين والعقيدة، كما سأبين من بعد، وتناقض مصلحة الأمة، لأن ما قاله، وما سبقه إليه غيره من أهل هذا الاتجاه، لن يقنع اليهود بألا صلة لهم بفلسطين، وإما سيمد أطماعهم إلى قلب الجزيرة العربية وأعماقها من الحجاز إلى اليمن، وسيكون ما نمدّهم به من أقوال حجة جديدة منا، إضافة إلى ما يرونه حجة قديمة لديهم.
يضاف إلى هذا أن هذا الفهم الجديد لعلاقة بني إسرائيل بفلسطين يناقض ما ثبت في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وما تلقاه جيل الصحابة وأجيال العلماء من بعدهم بالقبول والإيمان.   
بل إننا نجد أن بعض الباحثين الذين تجاهلوا الميزان الإسلامي في النظر إلى الأحداث والأشخاص يتطاولون على شخصيات أنبياء الله، ويصفونهم بما لا يليق بحقهم، ولا يوافق عصمتهم. وأضرب لذلك مثلاً ما قاله المؤرخ عارف العارف عن سليمان عليه السلام بصيغة الجزم:
Page 7
«وقد تزوج سليمان في أواخر سني حكمه نساءً غير ابنة فرعون من الأمم القريبة التي نهى الله بني إسرائيل عن مخالطتها، ومال إلى آلهتهن، وعبد أصنامهن، وبنى بيتاً للأوثان بالجبل الذي أمام أورشليم، طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً، وعلوّه ثلاثون ذراعاً، ويعزو بنو إسرائيل خراب ملكه بعد موته إلى عمله هذا» !!!(المفصل في تاريخ القدس، ص: 14 – 15).
فهل نقبل هذا الكلام وأمثاله عن نبي الله سليمان وغيره من الأنبياء المعصومين؟
وهل يصدق مسلم أن نبياً من أنبياء الله يعبد الأوثان مراعاة لزوجته الوثنية، ويبني لأوثانها معبداً؟!!
إننا نستذكر أمام هذا القول تنزيه الله تعالى لعبده ونبيه سليمان عليه السلام مما قذفه به الكافرون من بني إسرائيل الذين حرّفوا كلام الله، وافتروا على أنبيائه في عهدهم القديم حين جعلوه ساحراً فقال: (ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ) [البقرة: 102].
إن المسلم لا يقبل أن يتم التهوين من صورة أنبياء الله الذين أنعم عليهم، ووصف القرآن الكريم ما آتاهم من الملك؛ إرضاء لهوى قومي، أو نزعة وطنية.
وإنني لست معنياً بما نسجه اليهود من خيال وما افتروا من أحوال وأقوال، بل يعنيني أن أومن بما ورد في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه عن أنبيائه المكرمين. وأن أستلهم صورة بني إسرائيل من هذين المصدرين الموثوقين. وهي في مجملها صورة شديدة السواد في كثير من جوانبها، لا يشرق فيها إلا الأنبياء وبعض من تبعهم من الصالحين، والصورة التي يقدمها القرآن الكريم لبني إسرائيل هي الحق المبين الذي لا شبهة فيه. فقد قدمهم القرآن الكريم على حقيقتهم، بالذل الذي أصابهم في مصر، بتقتيل الأبناء، واستحياء النساء، ثم في إنقاذ موسى عليه السلام لهم، ثم في قسوة قلوبهم، وفي نزعتهم الحسية في طلب معبود مشهود: (ﯗ ﯘ ﯙ) [النساء: 153]، (ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) [الأعراف: 138].
وباتخاذهم العجل، وجبنهم ورفضهم دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وتكذيبهم أنبياء الله، وقتلهم كثيراً منهم، إلى غير ذلك من جوانب الصورة.
وفي القرآن الكريم حضور لبني إسرائيل لا يشبهه حضور أمة أخرى، وفيه حوار طويل معهم، ينبغي أن يستوقفنا. لقد كانوا هم المؤمنين في زمن ساد فيه الشرك، وفضلهم الله تعالى بالنبوة والإيمان على غيرهم من أهل زمانهم، ولكن تلك الأفضلية زالت عنهم عندما جاءت خير أمة أخرجت للناس من أتباع محمد .
وأختم قبل أن أبدأ الحوار المفصل مع الحاج زكي الغول، بما قاله ابن كثير:
«وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت عظيمة، وأمته كانت أمة كثيرة، ووُجد فيها أنبياء وعلماء، وعُبّاد وزهّاد وألبّاء، وملوك وأمراء، وسادات وكبراء لكنهم كانوا فبادوا، وتبدلوا كما بُدّلت شريعتهم، ومُسخوا قردة وخنازير...» (البداية والنهاية 1/294).
وكلمة لا بد منها هنا هي: أن البحث في هذا الكتاب بحث في قضية عامة لا في شأن شخصي، ولذلك لا يجوز أن يكون للحوار رد فعل شخصي ، أو خصام بسبب اختلاف الآراء، وليس الهدف المغالبة بل الوصول إلى الحق، والقضية قضية وطن مغتصب نتنازع فيه مع اليهود على ملكيته، نعم! ولكنها قبل ذلك قضية إيمان ودين نلقى به الله تعالى .
Page 8
فلنبدأ الحوار
(1)
عنوان الكتاب ومصادره
 
جعل الحاج زكي الغول عنوان كتابه: (بنو إسرائيل لم يدخلوا فلسطين/قراءة جديدة في القرآن الكريم والتوراة).
والعنوان يوحي بأننا أمام دراسة تعتمد على القرآن الكريم والتوراة لتقديم رأي جديد شامل وعميق في قضية تثير إشكالات كثيرة في عصرنا، وهي: الصلة التاريخية لبني إسرائيل بفلسطين. والمنهج العلمي يقتضي جمع أجزاء الصورة الخاصة بالموضوع من القرآن الكريم ومن التوراة أو العهد القديم الذي يشمل أسفار التوراة وسواها.
وقد كنت أتوقع أن أجد الآيات الخاصة ببني إسرائيل التي تشغل حيزاً كبيراً من القرآن الكريم، موضع دراسة واستنتاج، ولو رجعنا إلى الكتاب وبحثنا عن الآيات التي رجع إليها المؤلف لوجدناها محدودة معدودة وسأوردها ليكون القارئ على بينة من الأمر ولا يخدع بعنوان الكتاب (قراءة جديدة في القرآن...)
وهذه الآيات هي:
1- الآية 96 من سورة آل عمران: (ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ).
2- الآية 93 من سورة يوسف: (ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ) .
3- الآية 54 من سورة الشعراء قول فرعون عن بني إسرائيل: (ﯵ ﯶ ﯷ).
4- الآيتان 29 – 30 من سورة القصص: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ).
5- الآيات 60 – 66 من سورة الشعراء:(ﰎ ﰏ ﰐ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ).
6- الآية50 من سورة البقرة: (ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ) .
7- الآيات الخاصة بأصحاب الأخدود من سورة البروج: (ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ) .
8- الآيات 20 – 23 من سورة النمل:(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ).  
9- الآيات 17 -18 من سورة النمل:(ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ).
Page 9
10- الآية 12 من سورة سبأ: (ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ).
11- الآية 14 من سورة سبأ: (ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ) .
12- الآية 81 من سورة الأنبياء: (ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ) .
وقد حرصت على نقل الآيات كما وردت في تسلسل الكتاب ليرى القارئ أن الكتاب ليس قراءة جديدة حقيقية في القرآن الكريم، كما ورد في العنوان، بل هو قراءة انتقائية؛ وإلا لوجدنا فيه الآيات التي تبلغ المئات.
لقد تبنى المؤلف فكرة ثم اختار من آيات القرآن الكريم ما وظفه لخدمة تلك الفكرة، ولم يجعل القرآن الكريم والسنة النبوية مورداً لتكوين التصور، أو استقاء المعلومات، مما جعل تعامله مع القرآن الكريم أقرب إلى تحريف الآيات عن مواضعها، بتقديم صورة غير مكتملة، وتجاهل آيات تُناقض ما قدمه من تصور وسيجد القارئ بيان ذلك من بعد بإذن الله .
ولا أدري كيف اعتمد المؤلف على بعض نصوص التوراة محتجاً بها لتأييد فكرته، وهل التوراة أو العهد القديم مصدر موثوق عنده؟ لاسيما وهو يقول :
«وإذا كانت التوراة التي أعطيت لموسى كانت مكتوبة على لوحي حجارة فلنا أن نتصور كم يكون عدد صفحاتها على الورق من أصل صفحات العهد القديم التي تزيد على 1300 صفحة، فمن أين جاءت كل تلك الصفحات؟ قطعاً من عند غير الله، بل كتبوها في فترات لاحقات لقرون وقرون بعد وفاة موسى عليه السلام» (ص: 24).
إن الميزان الكاشف لما هو حق وما هو باطل فيما بين أيدينا من أسفار العهد القديم هو القرآن الكريم والسنة النبوية، ولكن المؤلف لم يعتمد عليهما في كشف الحق من الباطل بل اتخذ موقفاً شخصياً اعتمد فيه على بعض الآيات وبعض النصوص من التوراة أو العهد القديم الذي قال فيه:
«وهكذا إن ما كتبه اليهود وأضافوه إلى التوراة، وأسموه العهد القديم هو عبارة عن تاريخ تداخل فيه السهو والخطأ، وتداخل فيه عدم صدق الرواية بعد مرور الزمن، وتداخلت فيه العواطف والأماني والآمال، بأنهم كانوا مثل الأمم الأخرى كالآشوريين والبابليين والفرس وغيرهم من الأمم التي كان لها قوة وبأس وسيطرة على غيرهم، لذلك وضعوا لهم تاريخاً من خيالهم صوروا فيه ماضيهم بأنه كان مميّزاً بالقوة والجبروت. واحتلال أرض الغير وبلادهم وإفناء أهل البلاد وقتلهم وتعذيبهم، بل قتل حيواناتهم، وإحراق مزروعاتهم وقراهم ومدنهم، وذلك من أجل أن يغطوا على الذل الذي كانوا فيه في مصر، وبعد الخروج حتى من الله عز وجل الذي انتقم منهم بعد عصيانهم على موسى، ورفضهم التوجه إلى أراضي العمالقة في وسط الجزيرة العربية وجنوبها، لأنهم جبنوا عن ملاقاة أهل البلاد الموجودين هناك فكانت ردة الفعل أن الذين كتبوا وأرخوا تخيلوا أشياء مما عند الأمم القوية، ونسجوا لسلفهم تاريخاً مثله (ص24).
إنني أقول قول الواثق: لقد كان عنوان الكتاب أكبر من حقيقته شكلاً ومضموناً، وكان التعامل مع القرآن الكريم تعاملاً غير علمي، لأنه كان تعاملاً انتقائياً كما قلت من قبل، وكان تعامل بحث عن شواهد لفكرة لا تتفق كل نصوصه معها. وسأورد من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف وأقوال المفسرين والمؤرخين ما يكمل الجوانب الناقصة من الصورة، وما ينقض الفكرة التي تبناها المؤلف.
Page 10
(2)
يعقوب عليه السلام وفلسطين
 
لا أدري كيف جزم المؤلف في حديثه عن خروج يعقوب عليه السلام ونسله من فلسطين بالخلاصة التالية:
«والخلاصة أن يعقوب ونسله ومقتنياتهم جميعاً غادروا فلسطين ولم يبق لهم فيها أثر...» (ص:15).
ولا أدري ماذا يقول المؤلف عن مغارة الأنبياء في الخليل، ألم يكن فيها والد يعقوب وجده: إسحاق وإبراهيم عليهما السلام.
إن المتواتر لدى الناس، وما ورد في كتب التاريخ الإسلامي لا يتفق مع ما ذهب إليه المؤلف، وليراجع إن شاء كتاب «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» لمجير الدين الحنبلي العليمي، و«المفصل في تاريخ القدس» لعارف العارف. وإليه ما قاله عبد الوهاب النجار في شأن يعقوب عليه السلام:
«وقد عاش يعقوب سبعاً وأربعين ومائة سنة، ومات على رأس سبع عشرة سنة من قدومه إلى مصر، وبارك ابني يوسف: أفرايم ومنسي، ودعا لهما، وجعلهما صاحبي نَصيبيْنِ كأولاد يعقوب الصُلْبيين في الأرض المقدسة التي يملكها بنو إسرائيل، وهي فلسطين، ودعا أولاده وباركهم، وتنبأ لهم بما سيلاقي كل منهم ونسله إجمالاً، وأوصاهم بالاستمساك بالدين:
(ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ) [البقرة: 133] . وقد مات يعقوب بعدما أوصى أن يُدفن عند أبيه وجده، فأمر يوسف الأطباء بتحنيطه، فحنطوه، وحُمل إلى فلسطين، ودُفن هناك كما أوصى «قصص الأنبياء ص: 15».