eKtab
EN ع
فلسطين والفلسطينيون
Read free sample

فلسطين والفلسطينيون

by د. عصام سخنيني

Page 1
مقدمة

ليس هذا الكتاب تاريخا لفلسطين وإن كان في التاريخ الفلسطيني: في جانب منه واحد· فما يسعى إليه الكتاب هو الإجابة عن سؤال محدد هو كيف تكونت فلسطين اسما ووطنا وشعبا وهوية؟ وربما بأسلوب آخر، إنه بحث في عملية انبثاق هذا الوجود الجغرافي/ السكاني/ السياسي الذي يحمل اسم فلسطين، وتحققه كائنا ماديا ماثلا في الزمان والمكان، واكتسابه الماهية التي هو عليها· وهذه العملية هي ما اصطلحنا عليها بالتكوين، بمعنى محدد هنا هو صيرورة التخليق، بعواملها وعناصرها كافة، التي نتج عنها في النهاية الوجود الفلسطيني·

والتكوين ـ بهذا المعنى ـ نراه مستكملا في خمس موضوعات ذات قربى ولا انفصال فيما بينها، أو هي أوجه خمسة لجوهر واحد كما يلي:

الموضوعة الأولى اسم فلسطين نفسه ـ بدءا من جذوره التاريخية ومرورا بالتنويعات اللفظية المختلفة التي طرأت على الأصل ـ ليس فقط من حيث وظيفته التعريفية أو العَلَمية (بفتح متوال للعين واللام)، بل ـ أكثر من ذلك وأعمق ـ من حيث ما تفرضه حقيقة ديمومة الاسم في التاريخ، وعلى مدى قرون ودون انقطاع، من دلالات سياسية·

والثانية عملية تكون الحيز المكاني الذي جُعلت فلسطين في إطاره والتحولات التي طرأت عليه والعوامل التي صنعته إلى أن كان في حدوده الجغرافية/السياسية المعروفة·

والثالثة تَشَكُّل هوية هذا الحيز الدالة عليه والمميزة له بكل مضامينها الوطنية والقومية·

والرابعة نشوء مفهوم الشعب الفلسطيني وتطور هذا المفهوم ومعنى المواطنة·

والخامسة ـ وهي مشتقة من السابقة ـ مسألة تمثيل الشعب، والمؤسسات والهياكل التي تجسدت فيها هذه المسألة، لما لها من دلالة على وحدته وكيانه المستقل·

والموضوعات الخمس هذه هي فصول الكتاب الخمسة في هذا الكتاب·

وقد حتم البحث عن الجذور العودة إلى تاريخ مغرق في القدم: إلى الزمن الكنعاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد للكشف عن مكونات الهوية الأولى، وإلى القرون القليلة التي تلته مباشرة لكي تتبدى بدايات نشوء الاسم، بما يحمله من دلالات، ولمتابعة تطوره إلى أن استقر في صيغة فلسطين· وأيضا كانت العودة إلى التاريخ القديم ضرورية لتتبع مراحل التأصيل العربي للهوية الفلسطينية·

كذلك فإن التاريخ الحديث يقع ضمن الإطار الزمني لهذا الكتاب· فالحرب العالمية الأولى والسنوات القليلة التي أعقبتها بما تمخضت عنه من نتائج سياسية كانت حاسمة في رسم الخريطة الجغرافية/ السياسية لفلسطين· ومثلها كذلك كان الانتداب البريطاني حتى العام 8 4 9 1 الذي قاومه الفلسطينيون وواجهوا سياستَه الصهيونية ـ إلى جانب أساليب المواجهة الأخرى ـ بفعل الالتزام بمفهوم الشعب وبتعميق هويته الوطنية والقومية· ونرى أن هذه المرحلة من تاريخ فلسطين الممتدة من الحرب العالمية الأولى إلى نهاية عهد الانتداب البريطاني هي التي شهدت صيرورة التكوين الفلسطيني وهي تصل إلى غايتها بتكامل موضوعات التكوين الأساسية الأربع: الاسم، والإقليم الجغرافي، والشعب (ومسألة التمثيل المنبثقة من مفهومه)، والهوية· وهذا ما جعلنا نتوقف في البحث عند نهاية هذه المرحلة إذ كل ما جاء من بعدها إنما هو امتداد لمعطياتها·

ونشير هنا في هذه المقدمة إلى أننا في إطلالتنا على تاريخ فلسطين القديم لتتبع نشوء بدايات التكوين الفلسطيني جهدنا أن نحرر هذا التاريخ من أسر التفسير التوراتي ذاهبين في ذلك مذهب مدرسة ظهرت حديثا (منذ ثمانينات القرن الماضي ونشير إلى بعض أعلامها في ثنايا الفصل الأول) أخذت تؤصل البحث في التاريخ الفلسطيني القديم على الحقائق التي تكشفها الوثائق المشرقية القديمة ومعطيات علمي الآثار وتطور المناخ، متخلصة بذلك من سطوة التوراة التي عدت إلى ما قبل سنوات قليلة مصدرا أساسيا لدراسة هذا التاريخ، بعد أن تأكد لهذه المدرسة أن الحكايات التوراتية عن تاريخ فلسطين ليست إلا تلفيقات، لم يحسن واضعوها صنعها، من الأساطير الخرافية والتمنيات الكهنوتية عن ماض مخترع ومشتهى ليس من الصعب اكتشاف زيفها إن وضعت على محك النقد التاريخي الجاد· وبذلك نرانا نسهم (بهذا الفصل تحديدا) في جهود هذه المدرسة الرامية إلى كتابة تاريخ مستقل لفلسطين بعد أن زور هذا التاريخ طويلا·

وفي غير هذا الفصل، في الفصول المتصلة بالتاريخ الحديث، أكثرنا من الاعتماد على ما يعرف بالمصادر الأولية (الوثائق الأصلية والمجموعات الوثائقية واليوميات والمذكرات) فهي أساس البحث التاريخي، دون أن تقعدنا تلك عن طلب المعلومات في المراجع الأخرى العربية منها والأجنبية·

وقد أدخلنا في ثنايا الكتاب ثماني خرائط وجدناها ضرورية لتوضيح المتون وقد أشير إلى مواضعها في قائمة المحتويات· كذلك ختمنا الكتاب بفهرسين الأول للأعلام والثاني للهيئات· وقد اتبعنا في الأول أسلوبا استحدثناه بأن نعرف الأسماء باختصار كما كانت في التاريخ المعين في المتن، لتكون فائدة هذا الفهرس أعم وأشمل·

وأخيرا يود المؤلف أن يتقدم بعظيم الامتنان إلى جامعة البترا في عمان لدعمها السخي الذي قدمته لنشر هذا الكتاب، وذلك في إطار خططها لدعم البحث العلمي بعامة وجهود أعضاء هيئتها التدريسية في هذا المجال بخاصة·
Page 2
الفصل الأول

التكوين العَلَمي

تطور التسمية ومدلولاتها التاريخية والسياسية

(1) التزوير التاريخي

لم يتعرض اسم بلد في التاريخ لعمليات الطمس والتزوير كما تعرض له اسم فلسطين الذي واجه عمليات مصادرة حثيثة لمصلحة رأى أصحابها أن نفي الاسم هو المقدمة الضرورية لنفي التاريخ الفلسطيني (تاريخ الأرض وتاريخ الشعب معا) والاستفراد بالأرض بعد أن تعطى الاسم الذي يسوغ امتلاكها· وقد أخذت عمليات الطمس والتزوير هذه أبعادها المتكاملة بدءا من نشوب الصراع على فلسطين منذ نهايات القرن التاسع عشر إذ لم تعد التسمية هنا ذات وظيفة تعريفية فحسب، بل هي تدخل ضمن معطيات الصراع فيها وعليها، بما يحمله الاسم نفسه من إيحاء تاريخي ومدلولات قومية ومقدمات للاستنتاج السياسي· وأكثر من ذلك، وبشكل معكوس تماما، فإن التسمية هنا وفي كثير من حالاتها، هي نتيجة الموقف السياسي المتخذ مسبقا، وبناء على فرضيات معينة تخدم في النهاية الجهة التي تطلق الاسم، حيث يجيء الاسم، بحق أو بغير حق، منسجما مع الموقف السياسي، بل خلاصته وعنوانا له·

فالصهيونية لم تعترف لفلسطين باسمها هذا بل رفضته واستبدلت به اسم أريتس يسرائيل أو أرض إسرائيل(1)، وكان ذلك من منطلق يجعل التسمية ذات وظيفة سياسية غايتها إظهار صلة مزعومة ممتدة عبر التاريخ تربط اليهود بهذه الأرض· وإذا كانت الصهيونية قد استخلصت الاسم الذي يناسبها من الموروثات التوراتية التي أطلقت على هذه الأرض، من جملة ما أطلقت، اسم أرض ـ إسرائيل(2)، فقد استثمر الاسم لترتيب حقائق سياسية عليه، هي مقدمات لنتيجة تتوصل إلى توارث اليهود الموصول لهذه الأرض منذ تاريخ موغل في القدم وعلى امتداد العصور·

وتعزيزا لذلك، فإن تأكيد أبا إيبان، أحد وزراء خارجية إسرائيل السابقين، القول بأن فلسطين عرفت عالميا بـأرض اليهود حتى عام 70 ميلادي(3)، ليس إلا عنوانا لموقف سياسي مضمونه الأساسي حق اليهود بهذه الأرض، بحيث ذهبت به محاولات إثبات هذا الحق المزعوم إلى اختلاق تسمية لم تثبت تاريخيا، وإنما كانت غايتها جعل هذه التسمية منسجمة مع الموقف السياسي بمضمون ديني فاقع·

وفي المقابل كان لا بد من نفي اسم فلسطين من الوجود، وفي أحسن الأحوال محاصرته في إطار زمني محدود بحيث لا يشكل وهو في هذا النوع من الحصار واقعا تاريخيا يكون أساسا لامتداد الماضي الفلسطيني في الحاضر الفلسطيني· وفي هذا الاتجاه ذهب الآثاري الإسرائيلي موشيه دوثان الذي رفض استخدام مصطلح فلسطين بادعاء أن هذا المصطلح كان هو الاسم الرسمي للبلاد مدة ثلاثين سنة فقط عندما كانت تحت الانتداب البريطاني، وهو يعزو هذا المصطلح إلى الأصول اليونانية عندما أطلقه المؤرخ اليوناني هيرودوت (في القرن الخامس قبل الميلاد) واستعيد في المرحلة الرومانية كما استخدم بعد الفتح العربي، وقد نُسي هذا المصطلح تماما إلى العصور الحديثة، ويضيف: إن اسم Palaestina الاسم الذي عرف به الرومان فلسطين لم يكن مستخدما طوال مدة تزيد عن سبع مئة سنة، وإنه في القرن التاسع عشر فقط ومعنشوء المصالح الأوروبية، الدينية والتاريخية السياسية، عاد الاسم اللاتيني إلى الظهور(4)

فالتسمية، في الحالة الفلسطينية التي نحن بصددها هنا، تتجاوز إذن دلالتها على الامتداد الجغرافي، وتخرج على وظيفتها العَلَمية (بفتح متوال للعين واللام) وتدخل ضمن حقائق السياسة، وما يترتب عليها من لواحق الصراع· ولا نزعم هنا أن التسمية كانت أحد مضامين الصراع بل كانت واحدة من مظاهره، كما كانت، في الوقت نفسه، حجة من حججه، وقد أقيم في ضوئها التاريخي كثير من الوقائع المادية في تاريخنا المعاصر، ومنها الشكل الإقليمي، ورسم الحدود، وإذكاء المطامع، وإرساء جوانب الفكر السياسي في جانبي الصراع، بحيث وصلت التسمية بكل هذا إلى الغاية القصوى التي تمنحها لها وظيفتها السياسية·

ومن خلال هذا الفهم خصصنا هذا الفصل لهدف أساسي هو صيرورة الاسم وتتبع جذوره ومسايرة تطوره، وصولا إلى المدلولات السياسية الحقيقية التي يكشف عنها هذا التطور·
Page 3
(2) كنعان: التسمية الأقدم

شاع استخدام اسم كنعان بين المؤرخين المحدثين للدلالة على المنطقة الواقعة ما بين نهر الفرات والبحر الأبيض المتوسط وامتدادا من جبال طوروس في الشمال إلى تخوم الصحراء العربية في الجنوب· وتحصر الحكايات التوراتية التسمية في أرض فلسطين وهي تشتق اسم الأرض من اسم القوم (الكنعانيين) الذين كانوا يسكنونها عندما دخلها بنو إسرائيل أول مرة بقيادة يشوع بن نون خليفة موسى الذي قادهم في خروجهم من مصر· ووفق الخرافة التوراتية فإن اسم الكنعانيين مشتق من كنعان بن حام (أحد أبناء نوح الثلاثة إلى جانب سام ويافث) الذي تصب عليه التوارة اللعنة على لسان نوح الذي كرسه هو ونسله ليكونوا عبيدا لسام ويافث ونسلهما من بعدهما(5)·

وبعيدا عن الحكايات الخرافية التوراتية، والتي لا نبرئ بعض الكتابات التاريخية المحدثة من شبهة التأثر بها عندما جعلت كنعان اسما توراتيا، فإن المشرق القديم(6) قد عرف اسم كنعان واستخدمه للدلالة على مناطق تقع إلى الشرق من البحر المتوسط وامتدادا إلى الفرات· وربما يعود أقدم هذه الاستخدامات (إلى أن يتبين ما هـــو أقدم منها) إلى أواسط الألف الثالثة قبل الميلاد، أذ تدل اللقى الأثرية المكتشفـــة حديثــا على أن سكان هذه المنطقة كانوا يشيرون إليها آنذاك باسم كنعانم(Ca-na-na-um(7

كذلك نجد اسم كنعان يتكرر في بعض الوثائق السورية القديمة مثل نص إدريمي ملك ألالاخ (وهي المملكة التي ازدهرت خلال النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد في الشمال الغربي من سورية قرب أنطاكية)، إذ يتحدث إدريمي (الذي عاش بين 0 7 5 1 و0 0 5 1 ق·م) في هذا النص عن هروبه من ألالاخ عقب انقلابسياسي عليه ولجوئه إلى مدينة أميّا في أرض كنعان، وهذه المدينة تقع على الساحل قرب طرابلس الحالية(8)·

كما نجد الاسم يتكرر في الوثائق المصرية القديمة وأقدمها رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد(9)، ومنها رسالة كتبها رِب عدي ملك جبيل (على الساحل اللبناني حاليا) إلى الفرعون يشكو فيها تعديات عازيرو ملك آمورو، ويقول في نهايتها إن في مدينتنا جبيل ثروات كبيرة لمولاي الملك جاءت من أسلافنا، فإن لم يتدخل الملك من أجل المدينة فإنه سيفقد كل مدن كنعان(10)· وورد ذكر كنعان ـ في الوثائق المصرية ـ في النصب الحـجري الذي نقش عليه الملك مرنفـتاح (2 1 2 1-3 0 2 1 ق·م) أخبار انتصاراته على الليبيين في السنة الخامسة لحكمه وقد فاخر فيه بالإضافة إلى ذلك بانتصاراته على بعض الشعوب الآسيوية(11)· وقد جاء في النص إن كنعان قد نهبت بكل شرورها(12)·

ولنص مرنفتاح قيمة خاصة في التعرف على مصطلح كنعان وارتباطه بالأرض الفلسطينية ارتباطا عَلَميا· فالنص يدرج إلى جانب كنعان اسماء مدن تقع في الأرض الفسطينية ومنها تحديدا عسقلان (أشكلون Ashkelon ) وجازر Gezer وهو أمر لا يدع لنا مجالا للشك في أنه أشار بكنعان إلى هذه الأرض، لكن دون أن نعلم يقينا محدداتها الجغرافية· وهذا يفضي بنا إلى القول باطمئنان بأن الأقسام الجنوبية الغربية من سوريا كانت تعرف بأرض كنعان وأن الاسم كان متداولا بين شعوب المشرق فكان أن فرض نفسه على هذا النص المصري قيد البحث هنا·

أنشأت الأقوام التي تعرف بالكنعانيين (نسبة إلى ارض كنعان بعموميتها التي تشمل سوريا الكبرى وخصوصيتها التي تقتصر على الأجزاء الجنوبية الغربية منها) حضارة مزدهرة استمرت طوال عصر البرونز (من سنة 0 0 0 3 ق·م· إلى سنة 0 0 2 1 ق·م) ووصلت إلى ذروة عطائها في عصر البرونز الأخــير (0 0 6 10 0 21 ق·م·)(13)· غير أن هذا العصر انتهى بكارثة مناخية واقتصادية عندما كان المناخ يميل نحو الحرارة والجفاف والتصحر الذي وصل ذروته حوالي العام 0 0 2 1 ق·م· في اليونان وجزر المتوسط والأناضول وسوريا (ومنها أرض كنعان)· ومع تزايد تأثير الجفاف تعرضت المناطق السورية عامة، وهي الأكثر تأثرا به، لخسارة كبيرة في سكانها الذين أخذوا بالجلاء عنها تدريجيا نحو المناطق الأبطأ تأثرا بالجفاف أو نحو البراري متحولين إلى رعاة متنقلين·
Page 4
(3) بلستيا: التأسيس التاريخي

إن هذا الفراغ النسبي في السكان الذي أشرنا إليه سرعان ما امتلأ بقدوم موجة هجرة سكانية جديدة إلى أرض كنعان هي التي عرفت بالأدبيات التاريخية باسم الفلستيين أو البلستيين Philistines والتي أعطت المنطقة اسما جديدا نسب لها واستمر منذ ذاك في التفاعل على مدى قرون عدة مقبلة· وهناك اختلاف بين المؤرخين حول الموطن الأصلي لهذه المجموعة السكانية، وقد تعددت الآراء بين أن يكون هذا الموطن القوقاز، أو الأناضول، أو قبرص، أو كريت، أو اليونان، أو إليريا القديمة على الشواطئ الشرقية لبحر الأدرياتيك، أو شمال أفريقيا، أو الجزر الغربية في البحر المتوسط، أو حتى شمال أوروبا·(14)

غير أن النظرية الأكثر شيوعا والأرجح تاريخيا هي التي تذهب إلى أن الموطن الأصلي لهذه المجموعة البشرية هو جزر بحر إيجة وقد خرجت من ذلك الموطن في أثناء، أو بعيد أحداث دفعتهــــا دفــعا إلى البحث عن موطن جديد لتعرف فورا بصفة أقوام البحر· فقد كانت هذه الجزر تنتمي إلى ما يعرف بالحضارة المسينيــــة Mycenaean التي نسبت إلى مسينا في شبه جزيرة البلوبونيز في جنوب اليونان، وازدهرت ما بين 0 0 4 1 و0 0 2 1 ق·م· وقد انهارت هذه الحضارة في نهاية هذه الفترة بفعل عوامل عديدة منها موجة الجفاف التي سادت عصر البرونز الأخير، وقد سبقت الإشارة إليها، وغزو أفواج من البرابرة للمناطق اليونانية ومنها مسينا، بالإضافة إلى موجة من الزلازل العنيفة التي ضربت المنطقة· وقد نتج عن ذلك كله خراب ودمار كبيران أصابا مدن هذه الحضارة بما فيها تلك التي كانت في جزر بحر إيجة، ما دفع سكانها إلى الهجرة خارجها على شكل جماعات مسلحة، مصحوبة بأسرها، تجوب البحار بحثا عن مأوى جديد· ومن هذه الجماعات واحدة اتجهت نحو سواحل أفريقيا الشمالية وتعاونت هناك مع الليبيين الذين كانوا يتربصون منذ زمن طويل للانقضاض على مصر، وتشكل من الفريقيين تحالف اتجه نحو الدلتا في محاولة للاستقرار فيها· إلا أن الفرعون مرنفتاح تصدى لهم بقوة وردهم عن حدود مصر البرية والبحرية في معركة فاصلة جرت حوالي العام 0 2 2 1 قبل الميلاد(15)· وما يهمنا من أقوام البحر هذه أن مجموعة منها قصدت آسيا الصغرى، ومن هناك اتجهت جنوبا على امتداد الساحل السوري باتجاه أرض كنعان وقد دمرت في طريقها عددا من المراكز الكنعانية (التي كانت في واقع الأمر تعاني من تقلص عدد سكانها بسبب موجة الجفاف) مثل راس شمرا وجبيل(16) واضعة نصب عينيها الوصول إلى مصر· غير أن الفرعون رعمسيس الثالث، خليفة مرنفتاح، والذي حكم في الفترة ما بين حوالي سنة 5 9 1 1 وحوالي سنة 4 6 1 1 ق·م· تصدى لهم في البر والبحر (حوالي العام 0 9 1 1 ق·م·) وأوقف تقدمهم باتجاه مصر ما جعلهم يستقرون في المنطقة التي استولوا عليها في جنوب أرض كنعان·

عرف المصريون هذه المجموعة من أقوام البحر باسم بلشت أو بلست Pelest أو بلاستو، وقد ظهر هذا الاسم لأول مرة عندما سجل رعمسيس الثالث أخبار انتصاراته على أقوام البحر على جدران معبده الجنازي في مدينة هابو بمصر العليا والتي أورد فيها أسماء هذه الأقوام التي غزت مصر وتمكن من التغلب عليها، وكان منها البلاستو الذين تصفهم هذه الوثيقة بأنهم لم يكن هناك بلد قادر على الصمود أمام أسلحتهم ومع هذا فقد تغلب هو عليهم(17)·

وليـــس يعرف علــى وجــه اليقــين الأصــل الــذي اشتــق منه اسم البلشت أو البلاستــو· ففي إحدى النظريات أن الاسم قد يكون مرتبطا باسم إلهة وجد اسمها على نقش حجري في منطقة الأناضول الغربية كانت تدعى ميتر بلاستيني (meter plastene·(18) بينما تذهب نظرية أخرى إلى أن الاسم قد يكون مشتقا من كلمة Pelasgians التي تدل على شعب كان يسكن في الأرياف المحيطة بأثينا اليونانية قبل أن تتعرض اليونان للغزوات التي أشرنا إليها(19)·

ومهما يكن الأمر، فقد قدر لهؤلاء البلاستو أن يعطوا أرض كنعان الجنوبية اسما جديدا لها مشتقا من اسمهم فأصبحت تعرف منذ أن حلوا بها ببلستيا أو فلستيا· وقد كانت المراكز المدينية الأساسية لبلستيا (انظر الخارطة رقم 1) خمسا هي غزة وعسقلان وأسدود وعقرون وجات وهي التي كانت تؤلف ما يعرف بالاتحاد الفلسطيني· وتكشف التنقيبات الأثرية عن هذه المدن أنها كانت من قبل مدنا كنعانية وقد استوطنها البلاستو عندما حلوا بأرض كنعان· وتقع غزة وعسقلان وأسدود على الساحل، أما عقرون فقد كشفت التنقيبات الحديثة أنها كانت تقوم على موقع خربة المقنة الحالي على بعد نحو من خمسة وثلاثين كيلومترا من لقدس باتجاه الجنوب الغربي(20)· أما جات فلم يكتشف موقعها الحالي إلا حديثا فقد كان يظن أنها هي عراق المنشية الحالية التي تقع على بعد 94 كم إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة· غير أن التنقيبات التي أجراها معهد الآثار في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، خاصة في موسم العام 0 0 0 2، في تل الصافي إلى الشمال الغربي من مدينة الخليل رجحت بقوة أن يكون هذا التلهو الموقع القديم لمدينة جات البلستية(21)· غيرأنه إلى جانب هذه المدن الخمس الكنعانية الأصل بنى الفلستيون مدنا أخرى منها جمنة أو جمنايل Jamneh, Jamniel التي تقوم مكانها الآن قرية يبنا على بعد 51 كم إلى الشمال من أسدود، كما بنوا اللد وصقلاع التي يرجح أنها تقوم على البقعة التي تعرف اليوم باسم تلالخويلفة على بعد 25كم إلى الشمال من بئر السبع(22)· كذلـــك أنشــأوا مدينــة علــى الضفــة الشمالية لنهر العوجا (الذي يصب في البحــر الأبيض المتوسط شمال مدينة يافا) عند الموقع المعروف باسم تل القصيلــة Tell Qasile·(23) ومن هذه المواقع أخذ الفلستيون في التوسع الجغرافي في اتجاه الشمال والشرق وفي نحو العام 0 0 0 1 ق·م· كانوا قد استوطنوا الساحل إلى ما وراء جبل الكرمل، كذلك سهل مرج ابن عامر والمرتفعات الشرقية، ووصلوا إلى بيسان في غور الأردن الشمالي،وإلى قرب أريحا واقتربوا من أورشليم (القدس)(24)·

استقر إذن اسم بلستيا، أو أي من مشتقاته، منذ ذاك ليطلق شموليا على المنطقة الممتدة من شمال حيفا الحالية إلى نقطة ما جنوب غزة بامتدادات داخلية نحو الشرق تفاوتت في العمق لكنها اقتربت إجمالا من حوض نهر الأردن الغربي·

وتدل الوثائق المشرقية القديمة على أن هذا الاسم استمر علما على المنطقة على مدى زاد عن سبعة قرون مضت منذ أن اتخذها البلاستو وطنا· ففي نص تاريخي مرقوم خلفه الملك الآشوري حدد نيراري الثالث بن شلمنصر (حكم بين 0 1 8 و 3 8 7 ق·م·) عن حملة عسكرية قام بها حوالي العام 6 9 7 ق·م· وعبر فيها الفرات ووصلفيها إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، نجد هذا الاسم، ضمن أسماء المناطق التي غزاها هذا الملك الآشوري، في صيغة بلاستو Pa-la-as-tu·(25) ونجد هذا الاسم، مع بعض تحريف، يتكرر أيضا في عهد الملك الأشوري سرجون الثاني (حكم من 1 2 7 إلى 5 0 7 ق·م)· فإثر حملته العسكرية الواسعة التي مد فيها حدودالإمبراطورية الآشوريـــة حتى حدود مصر جعل بلستيا مقاطعة تابعة لسلطته تحمل اسم بلاشتو Palashtu·(26)
Page 5
وبعد هذا وعلى امتداد قرنين آخرين ظلت المنطقة معروفة باسمها هذا· ففي عهد الملك الفارسي (الأخميني) داريوس، أو دارا (حكم بين 1 2 5 و5 8 4 ق·م·) أعيدتنظيم المملكة الفارسية فقسمت إلى 20 مقاطعة تسمى مرزبانة، كانت إحداها مقاطعة (أو ولاية) بلستيا أو بلاشتو(27)·

مرة أخرى نعيد تأكيد أن هذه المنطقة حملت على مدى سبعة قرون متصلة اسم بلستيا أو أحد تنويعاته اللفظية· وقبل أن نذهب بالبحث خطوة أخرى إلى الأمام بشأن تطور التسمية، ينبغي إظهار النتيجيتين التاليتين اللتين تشتقان من هذا العرض التاريخي: الأولى أن المنطقة التي شملها اسم بلستيا، أو أي من تنويعاته، كانت تمتد تقريبا على جميع مساحة فلسطين الحالية، وذلك خلافا للتراث التوراتي الذي حصر المنطقة التي سماها فلسطيا أو فلسطئيم في السهل الساحلي فقط الممتد من يافا إلى غزة(28)·

أما النتيجة الثانية فإن المصادر غير التوراتية، والتي كانت هي مرجعنا في هذا العرض، تدل بتأكيد على أن أصحابها من مصريين وآشوريين وفرس، لم يعرفوا قط التسميات التي ادعتها التوراة للمنطقة مثل أرض إسرائيل(29)، وأرض الموعد(30)، والأرض المقدسة(31)، وأرض العبرانيين(32)، بل كانوا جميعا وعلى تعاقب العصور يتعاطون مع المنطقة باسمها الحقيقي الذي حملته منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد الذي شهد قدوم موجة الهجرة البشرية البلستية إليها·

(4) المكونات الحضارية للتسمية

إن السؤال الذي ينبغي تقديم إجابة عنه قاطعة عند هذا المفصل هو كيف تأتى للبلاستو أن يطلقوا اسمهم على المنطقة ليستقر بذلك على امتداد عصور التاريخ القديم جميعا بمختلف تقلباتها السياسية؟ ومبرر هذا السؤال يكمن في أن الفلستيين كان ينظر إليهم قديما وحتى وقت متأخر من القرن الميلادي العشرين، نظرة ازدراء تحط من شأنهم الأمر الذي يجعل من قدرتهم على تسمية منطقة ما باسمهم مسألة تثير الدهشة والاستغراب· وقد انطلقت هذه النظرة من فعل التزوير الذي مارسه كتبة التوراة بحق التاريخ القديم لفلسطين الذي شمل ـ من جملة أمور أخرى ـ رسم صورة للفلستيين مليئة بكل أنواع الشرور التي يمكن أن تلصق بأي قوم من الأقوام· فالفلستيون وفق هذه الصورة لم يزيدوا عن كونهم مجموعات من الأشرار الأثمة ومثيري الحروب العدوانية على بني إسرائيل، والذين استخدمهم رب إسرائيل، وهذا كان مبرر وجودهم الوحيد، أداة يعاقب بها شعبه إذا انحرف عن الطريق القويم(33)· وبتأثير من التوراة امتدت ملامح هذه الصورة إلى الثقافة الأوروبية المعاصرة إذ دخلت كلمة فلستيين في لغاتها لتحمل معاني تدل على قلة الشأن والوحشية والجهل· فبعض المعاني القاموسية في اللغة الإنجليزية لكلمة Philistine هي كما يلي: شخص بليد مبتذل وغالبا ما يكون متزمتا وتحركه القيم المادية بدل القيم العقلية، عدو طبيعي أو تقليدي ينتمي إلى طبقة محتقرة، شخص يفتقد الأصالة والحساسية الأخلاقية، شخص جاهل تماما(34)·

ولسنا هنا في صدد دراسة تاريخ الفلستيين بتفصيل فذلك يخرج عن نطاق مخطط هذا الكتاب وأهدافه، لكن سوف نأخذ منه ما يساعد على تطوير الغرض من هذا الفصل الماثل في البحث في صيرورة التسمية ومدلولاتها السياسية· وعلى هذا نقول إنه إذا كانت صورة الفلستيين هي هذه التي رسمتها التوراة لهم ثم جاءت الثقافة الأوروبية لتعيد إنتاجها معمقة من ملامحها السلبية فلا يمكن أن يفهم كيف أن مثل هذا الشعب البليد الجاهل المتوحش قد منح اسما لمنطقة ظل يتكرر على مدى قرون عديدة· لكن الحقيقة تختلف اختلافا بينا عن تلك الصورة· فالمصادر غير التوراتية المعتمدة على التنقيب عن ما خلفه الفلستيون من آثار أخذت في الآونة الأخيرة تمسح عن وجه الفلستيين التلطيخات التي ألصقتها به العدواة اليهودية لهم وتميل إلى إبراز هذا الوجه على حقيقته المخالفة للمزاعم التوراتية عنه· فكما تقول ورقة بحثية أعدها دائرة الجغرافيا في جامعة ليثبريدج بكندا فإن هناك بالتأكيد أشياء أخرى عن الشعب الفلستيني أكثر مما تخبرنا عنه التوراة ··· وإن الحط من وضع الفلستيين إلى وضع شعب يفتقر إلى الحضارة إنما هو أمر ينبغي اعتباره جريمة لقد أعطتنا التوراة مجرد لمحة عن حياة الفلستيين، وهكذا فمن الغباء أن نؤسس معرفتنا عن ثقافة بكاملها على هذا المصدر الواحد(35)·

وهكذا فإن ما تكشف عنه الحقيقة التاريخية (وهي غير توارتية بالتأكيد) هو أن الفلستيين كانوا هم أول ممثلي عصر الحديد في المنطقة بكل ما يعنيه هذا من تشكل حضارة جديدة متفوقة على حضارة عصر البرونز السابق من حيث تكنولوجيا المواد واستخدام الأدوات· وقد كانت بداية عصر الحديد في القرن الثاني عشر ق·ب· عندما توصل الإنسان إلى معرفة طرق إذابة الحديد وتلحيمه وصبه في قوالب· ومع دخول الإنسان عصر الحديد بدأت ملامح حضارة جديدة في التشكل في غير مجال من مجالات الحياة الإنسانية· في الزراعة مثلا صارت الأدوات المستخدمة في حراثة الأرض أكثر كفاءة، بسبب زيادة صلابتها، من تلك التي كانت مصنوعة من البرونز· وهذا يعني أن الانتاج الزراعي كان قابلا للزيادة إذ أتاحت هذه الأدوات الصلبة إمكانات التوسع في حراثة الأرض أفقيا، وأيضا عموديا، بسبب صلاحيتها للدخول عميقا في التربة لتأمين زراعة النباتات عميقة الجذور·
Page 6
ومع دخول الإنسان عصر الحديد أخذت صناعاته في الاتساع بسبب استخدامه الدولاب المصنوع من الحديد وأدوات القطع والتشذيب المصنوعة منه أيضا فتطورت صناعات النسيج والصناعات الخشبية والجلدية، كما أن صناعة البناء المعتمدة على الحجر قد تطورت أيضا· وإلى جانب هذه النواحي المدنية في الحضارة الجديدة حدثت ثورة في صناعة الأسلحة لما وفره الحديد من إمكانات جديدة كان يفتقر إليها البرونز من حيث صلابة الأسلحة المصنعة منه والقدرة على تشكيلها· كذلك دخلت العربة المعتمدة على العجلات في الحروب بكل ما تحمله هذه الآلة من إمكانات عسكرية متميزة·

وكانت آسيا الصغرى ـ في بعض النظريات التاريخية ـ هي الأولى التي شهدت بزوغ فجر عصر الحديد، بينما تذهب آراء أخرى إلى أن البداية كانت في اليونان· ومهما كان الأمر فإن الفلستيين، قبل هجرتهم إلى أرض كنعان الجنوبية، كانوا على تماس جغرافي وحضاري مع كلا المنطقتين فكان من الطبيعي أن يكونوا قد انخرطوا في حضارة عصر الحديد وهم في موطنهم الأصلي، ثم حملوا معهم إلى موطنهم الجديد كل معطيات هذه الحضارة بما فيها الوسائل التكنولوجية الجديدة التي وفرها استخدام الحديد في مجال الانتاج الزراعي والصناعي·

ويمكن أن يستنتج من هذا أن أرض كنعان الجنوبية قد دخلت في طور انتعاش اقتصادي منذ أن قدم الفلستيون إليها· وقد ساعد على ذلك أن موجة الجفاف المناخي التي عرفتها المنطقة في عصر البرونز المتأخر قد أخذت تنحسر بالتدريج في زمن مترافق تقريبا مع قدوم موجة الهجرة الفلستية إلى أرض كنعان الجنوبية· وقد أدى كل ذلك إلى تطور المدن الفلستية إلى مراكز اقتصادية متقدمة وعلى درجة عالية من الازدهار، كما تدل على ذلك نتائج التنقيبات الأثرية التي أجريت حديثا· ومن الأمثلة التي تدل على هذا الوضع، وهي قليلة على كل حال، مثل مدينة عقرون التي كشفت الحفريات فيها عن معاصر لزيت الزيتون كانت تجعلها أكبر مركز عالمي لهذه الصناعة في القرن السابع قبل الميلاد(36)· ومثل ثان على هذا الوضع المدينة التي أقامها الفلستييون عند تل القصيلة على الضفة الشمالية من نهر المقطع التي عثر في أنقاضها على بقايا مصهرين للمعادن كبيرين جدا(37)· والمثل الثالث هو مدينة عسقلان التي اكتشف في بقاياها ميناء بحري يعود إلى العام 0 5 1 1 ق·م· كان له الأثر في جعل هذهالمدينة ذات أهمية اقتصادية متفوقة(38)·

بجانب ذلك خلق الحديد الذي عرفه الفلستيون قبل غيرهم من شعوب المنطقة ثورة في صناعة الأسلحة أتقنها هؤلاء اتقانا تاما مما منحهم تفوقا عسكريا ملحوظا حتى أنهم خلال القرون الأولى من امتلاكهم فلستيا أصبحوا هم القوة المحلية المهيمنة التي تمثل تهديدا رئيسيا لجميع المجموعات الإثنية في المنطقة(39)· ولم تفت هذه الحقيقة كتبة التوراة وهم في طور نسج حكاياتهم عن الحروب بين الفلستيين والإسرائيليين· فبغض النظر عن حجم اليقين في تلك الحكايات فهي تكشف أخبارا كانت قد وصلت إلى هؤلاء الكتبة عن تفوق الفلستيين العسكري نتيجة تنوع أسلحة الحديد التي كانت بحوزتهم والتي احتكروا صناعتها في تلك الحقبة التاريخية(40)·

وما ينبغي أن يضاف إلى ذلك أن الفلستيين بعد مقدمهم إلى ارض كنعان الجنوبية سرعان ما تحولوا من مجموعات بشرية غازية إلى كيانات سياسية مستقرة ذات تنظيمات مدنية قامت في المدن ـ الدول التي أقاموها سواء منها تلك التي كانت كنعانية واستولوا عليها أم تلك التي أنشأوها بمبادرة منهم·

نحن هنا، إذن، أمام حقيقة تاريخية تؤكد ارتقاء شأن الفلستيين حضاريا على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية· وهذه الحقيقة فرضت نفسها الآن على البيئة العلمية المتعاملة مع الشأن الفلستي، ويقر بها أمثال أرن مائير، من معهد الآثار بجامعة بار إيلان الإسرائيلية الذي ترأس مجموعة للتنقيب عن آثار مدينة جات الفلستية في موقع تل الصافي الحالي (انظر الخارطة رقم 1)، فهو يؤكد أن آثار تل الصافي وغيرها من المواقع الفلستية تكشف عن حضارة ثرية وراقية(41)·

وكان أبرز ما يميز هذه الحضارة أنها كانت منفتحة قابلة للأخذ والعطاء· ودون إدراك هذا الانفتاح الحضاري لا نستطيع أن نفهم كيف أن الفلستيين بعد فترة وجيزة من استقرارهم في أرض كنعان الجنوبية قد اندمجوا في السكان الأصليين، وهم كنعانيون، وتشربوا ثقافتهم وصبغوا بصبغتهم· ويدل على ذلك دراسة المخلفات المادية التي عثر عليها في هذه المنطقة التي تؤكد أن الفلستيين تكنعنوا، إن جاز التعبير، تدريجيا إلى أن اندثرت بالفعل ملامح هويتهم الإثنية القديمة، التي جاؤوا بها من بحر إيجة، وحملوا هوية جديدة هي الكنعانية بكل تأكيد· مثل هذه المخلفات المادية نجدها في الخزفيات التي كانت تحمل في البداية طابعا ينتمي إلى النمط المسيني ثم لتختفي هذه الخزفيات بالتدريج لتحل محلها خزفيات تنتمي إلى أنماط محلية واضحة(42)·

كذلك الأمر في المدافن، وقد وجد منها القليل جدا إلا أنا تدل على أن طقوس دفن الموتى لدى الفلستيين كانت خليطا من أصول إيجية وقد طغت عليها عناصر كنعانية ومصرية(43)· وقد جاءتهم هذه العادات المصرية من الكنعانيين أنفسهم الذين أخذوا عن المصريين بعض طقوسهم في دفن الموتى(44)· كذلك يتضح تأثر الفلستيين بالكنعانيين من ملاحظة أسمائهم فقد حمل عدد من حكامهم الذين وصلت إلينا أسماؤهم أسماء كنعانية أمثال أخيميليك وصدقا ومتينتي وحنون(45)· وإلى ذلك فقد تركزت الممارسات الدينية، في فلستيا، حول آلهة كنعانية قديمة مثل داجون وعشتاروت(46)·

وكان تأثرهم الأكبر بالكنعانيين قد تم على صعيد اللغة فقد تخلى الفلستيون عن لغتهم القديمة المينوية Minoan (منسوبة هكذا إلى الحضارة المينوية التي سادت في كريت ووصلت ذروتها حوالي 0 0 6 1 ق·م·) وأخذوا باللغة الكنعانية حتى عرفوا بها· ويدل النص الوحيد المتكامل الذي عثر عليه حتى الآن وينسب بغير شك إلى الفلستيين أن الكنعانية كانت لغتهم الوحيدة التي كتبوا بها· ففي العام 6 9 9 1 عثر في بقايا معبد عند موقع عقرون القديمة على نقش على الحجر يعود مبدئيا إلى القرن السادس ق·م· كتبه ملك عقرون الفلستي في خمسة أسطر يذكر فيه أنه قد بنى هذا المعبد للإلهة بتجايا وهو يدعوها أن تطيل أيامه وتبارك أرضه وقد كتب النص باللغة الكنعانية(47)·

إن صيرورة التحول هذه إلى الكنعانية جعلت بعض الباحثين يسيرون على خط معاكس للفرضيات السابقة عن أصل الفلستيين باعتبارهم من منطقة بحر إيجة، ليطرحوا نظرية مخالفة تقول بالأصل السامي للفلستيين· وتذهب هذه النظرية إلى القول بأن الساميين استوطنوا كريت في إحدى الحقب التاريخية، وأن الفلستيين هم من أولئك الساميين الذين عادوا إلى أرض كنعان بعد احتكاكهم بالقبائل اليونانية، وتدعم هذه النظرية بشواهد من اللغة والديانة وأسماء الأشخاص، فالفلستيون إذا أخذوا جملة فهم يبدون شعبا ساميا، أو على الأقل صبغ بالسامية semitized مع بعض العادات والمؤسسات والكلمات غير السامية(48)· غير أن هذه النظرية لا يمكن إثباتها فهي قد استنطقت النتائج التي آلت إليها حال الفلستيين بعد توطنهم في ارض كنعان دون أن تقدم براهين كافية لإثبات الأصل السامي لهم· أما ما هو ثابت تاريخيا فهو أن الأدلة الأثرية على طول السهل الساحلي لفلسطين العائدة إلى النصف الثاني من القرن الثاني عشر قبل الميلاد تظهر بوضوح أن المهاجرين من بحر إيجة، حيث استوطنوا، أصبحوا مندمجين تماما بالسكان فقد تبنوا اللغة السامية والآلهة السامية لمضيفيهم وأثروا تأثيرا عميقا في ثقافة المنطقة(49)·
Page 7
إن ما أردنا التوصل إليه من هذا العرض هو وجود مبررات كافية لأن تعرف أرض كنعان الجنوبية منذ أن استقر بها الفلستيون باسمهم· وهذه نراها في ثلاثة عوامل موضوعية تكاملت معا: الأول هو العامل الحضاري المتقدم، خاصة في جانبيه الاقتصادي والسياسي، الذي جعل الفلستيين في وضع التسيد الحضاري في المنطقة التي اتخذوها موطنا لهم، والثاني هو العامل العسكري الذي وفر لهم مكانة الغلبة على أرض كنعان الجنوبية، والعامل الأخير متصل بعملية التثاقف مع الكنعانيين التي دخلوا فيها وهي التي أدت في النهاية إلى ذوبان الطرفين في بوتقة واحدة إن كانت حملت اسم الفلستيين باعتبارهم الطرف الأقوى سياسيا وعسكريا فقد كانت مضامينها وتجلياتها الثقافية من أصول كنعانية واضحة· وهذا يقود إلى القول باطمئنان بأن أرض كنعان استمرت تحمل هويتها الكنعانية في المضمون وإن اتخذت الآن اسما جديدا استعارته من الفلستيين·

إن ما جعل هذا الأمر ممكنا أكثر أن السيادة الحضارية لهذه الهوية الجديدة (والتي يمكن أن نستبدل بها هنا تعبير الشعب) لم تتعرض خلال القرون القليلة الأولى التي تلت مقدم الفلستيين إلى أرض كنعان حوالي العام 0 9 1 1 ق· م· لأي منافسة جدية يمكن أن تنتهكها أو تنتقص منها· فمن جهة كانت مصر قد دخلت في مرحلة أفول سياسي بعد وفاة رعمسيس الثالث (2 8 2 1-0 5 1 1 ق·م·) الأمر الذي جنب بلستيا أي هجمات جديدة تأتيها من جهة الجنوب· كذلك لم تشهد المنطقة خلال قرون ثلاثة أعقبت قدوم الفلستيين إلى كنعان الجنوبية غزوا يأتيها من الشرق، خاصة من جانب الأشوريين· فخلال هذه الحقبة كانت آخر حملة عسكرية جاءت من وادي الرافدين باتجاه بلاد الشام عامة قد حدثت في زمن الملك الآشوري تغلات فلاصر الأول (4 1 1 1-6 7 0 1 ق·م·)، وهي على كل حال لم تصل إلى أرض كنعان الجنوبية (بلستيا)، وقد أعقب هذه الحملة حقبة كمون انتهت في عهد آشور ناصر بال الثاني (3 8 8 -9 5 8 ق·م) الذي ابتدأ مرحلة جديدة من مراحل التوسع الآشوري الذي شمل أجزاء من بلاد الشام، ثم أخذ في التطور في عهود خلفائه·

إن هذه القرون الثلاثة التي خلت من تدخلات أجنبية على نطاق واسع أتاحت الفرصة الذهبية للفلستيين لأن يثبتوا وجودهم في موطنهم الجديد، وأيضا ليحدث هذا التثاقف الحضاري بينهم وبين الكنعانيين سكان الأرض الأصليين ولتتأكد هذه الهوية الجديدة التي أشرنا إليها التي حملت اسم الفلستيين وكانت بمضامين كنعانية·

(5) البحث عن إسرائيل مزعومة

لكن ماذا عن الإسرائيليين الذين يُزعم أن مقدمهم الأول إلى أرض كنعان كان قد تزامن تقريبا مع مقدم الفلستيين إليها وأنهم شكلوا مملكة موحدة هي مملكة كل إسرائيل على أرض فلسطين جميعا (بالإضافة إلى توسعاتها الإمبراطورية في الخارج) وبذلك فرضوا سيادتهم على الأرض، وفرضوا اسمهم بالتالي عليها فعرفت بأرض إسرائيل؟ والتطورات التي يفترض ـ وفق المسرد التوراتي ـ أنها قد أدت إلى هذه النتيجة هي كما يلي مع ملاحظة أن التواريخ تقريبية وفيها أقوال أخرى: (1) خروج بني إسرائيل من مصر، بقيادة النبي موسى، في تاريخ يقع في زمن ما بين 0 6 2 1و0 4 2 1 ق·م· (2) اقتحام بني إسرائيل العسكري لأرض كنعان بقيادة يشوع بن نون، خليفة موسى، في تاريخ يقع بين 0 2 2 1 و 0 0 2 1 ق·م، واستيلاؤهم على مدن أرض كنعان، بعد تدميرها، وتوطنهم فيها· (3) عصر القضاة الذي ابتدأ منذ ذاك وعاش فيه بنو إسرائيل قبائل متفرقة تولى أمرهم في أثنائها قضاة منهم· (4) انتهى هذا العصر بظهور شاول الذي أسس مملكة موحدة لبني إسرائيل وقد حكم بين 0 3 0 1 و9 0 0 1 ق·م· وقد انتهت حياته انتحارا بعد هزيمته أمام الفلستيين· (5) مملكة داوود (9 0 0 1-9 6 9 ق·م) في حبرون (الخليل) أولا قبل أن يفتح أورشليم (القدس) ويتخذها عاصمة· (6) مملكة سليمان (9 6 9 -1 3 9 ) الذي أصبحت المملكة في عهده امبراطورية ضخمة امتدت من النيل إلى الفرات· (7) انقسام المملكة بعد سليمان إلى اثنتين واحدة في الشمال هي التي عرفت باسم مملكة إسرائيل (في السامرة)، وأخرى في الجنوب هي التي عرفت باسم يهوذا وعاصمتها أورشليم·

هذا هو التاريخ الذي تنسجه التوراة لبني إسرائيل في الحقبة التي تمتد من الخروج إلى نهاية حكم سليمان· والفلستيون في هذا التاريخ يقعون في عصر القضاة، فيملأون هذا العصر بحروبهم المتواصلة مع بني إسرائيل، وبعده في زمن شاول الذي يهزمه الفلستيون هزيمة منكرة تودي به إلى الانتحار، وينتهي أمرهم زمن داوود الذي تغلب عليهم وقهرهم·

وما تريد هذه الحكايات التوراتية أن تتوصل إليه هو أن بني إسرائيل نافسوا الفلستيين على السيادة على الأرض سياسيا وحضاريا وهزموهم في النهاية فاستحقت الأرض أن تعرف باسمهم، ليس فقط بسبب تغلبهم على الفلسستيين، بل أكثر من ذلك بسبب قدومهم المبكر إلى هذه الأرض الذي سبق قدوم الفلستيين إليها· بل هي تريد الذهاب إلى أبعد من هذا فتزعم أن صلة بني إسرائيل بالأرض تعود إلى أقدم من مرحلة الصراع هذه فهم قد ارتبطوا بها منذ عصر الآباء (إبراهيم ومن بعده) وكان قدومهم هذه المرة بمثابة عودة إليها بعد إقامتهم المؤقتة في مصر·
Page 8
غير أن هذه الروايات التوراتية لم تعد لها أي قيمة في المدارس الحديثة التي تتعامل مع أصل إسرائيل اعتمادا على مصادر الوثائق المشرقية القديمة، فهي تسقط جميع الادعاءات التوراتية عن عصر الآباء والخروج والفتح العبراني لأرض كنعان ومملكة شاؤول والمملكة الموحدة لإسرائيل في عهدي داوود فسليمان(50)· ويستند هذا التأكيد إلى ثلاث دعائم: الأولى هي المسح الأركيولوجي لفلسطين الذي لم يترك حجرا فوق حجر بحثا عما يمكن أن يعزز الادعاءات التوراتية إلا أنه لم يجد أثرا ماديا واحدا يمكن أن يسندها ويؤكد تاريخيتها، كذلك فإن المعطيات الآثارية التي تغطي فترة الانتقال بين أواخر عصر البرونز وعصر الحديد ومطالع عصر الحديد (وهي الحقبة التاريخية التي يفترض أن تكون شهدت هذه التطورات) تقدم معلومات قيمة حول الوضع السكاني والتوطن والاقتصاد والتنظيم الاجتماعي في المجتمع الفلسطيني، ولكنها لا تقول أي شيء مباشر عن كيان كان اسمه إسرائيل(51)· والدعامة الثانية هي الوثائق (النقوش والكتابات التي توفرت خلال النصف الأخير من القرن الماضي بكثرة مدهشة) للأمم والدول القديمة التي تعود إلى القرون التي يفترض أن تكون قد شهدت تلك الكوائن التي تحدثت عنها التوراة، إلا أنها خلت تماما من أي إشارة إليها ولو كانت من بعيد· أما الدعامة الثالثة فلها خصوصيتها وهي المتصلة بشأن القدس، أورشليم، التي افترضتها التوراة عاصمة لمملكة كبرى في عهد داوود، ومن بعده عاصمة لإمبراطورية واسعة الأرجاء تمتد من النيل إلى الفرات في عهد سليمان، الأمر الذي يفترض أن تكون هذه المدينة على درجة من الاتساع والضخامة والعظمة تتناسب مع كونها عاصمة هذه الامبراطورية الكبرى· غير أن واقع الحال أن أورشليم في تلك الحقبة التاريخية (من حوالي 0 0 0 1 إلى حوالي 0 3 9 ق·م·)، كما ثبتمن الحفريات المكثفة التي تمت فيها، لم تزد عن كونها بلدة زراعية متواضعة لا تصلح أن تكون عاصمة لهذه الامبراطورية التوراتية(52)·

ويخرج عن إطار هذا البحث الدخول في تفصيلات وشواهد تؤكد صدقية هذه الموضوعات(53)· لذلك نكتفي بإيراد الخلاصات التي توصل إليها نيلز بيتر ليمكه NielsPeter Lemche من دائرة الدراسات التوراتية في جامعة كوبنهاجن والقائمة على بحوثه المعمقة في التاريخ الإسرائيلي (الفلسطيني) القديم(54)· وتدور هذه الخلاصات حول النقاط التالية(55):

1- إن الخروج خروج الإسرائيليين من مصر قد تحول من زمن طويل من كونه تاريخا إلى كونه قصة خيالية· فهو لم يحدث· كما لم يحدث قط الاستيلاء على الأرض بالقوة· وقد أوضح ذلك العديد من العلماء في التوراة وأنا منهم· فمن وجهة نظر تاريخية لم يكن باستطاعة الإسرائيليين فتح بلاد كنعان وتدمير قوتها لسبب بسيط هو أن المصريين كانوا ما زالوا يحكمون أرض كنعان عندما افترضت التوراة أن يكون يشوع الذي قالت التوراة عنه إنه خلف النبي موسى وقاد الإسرائيليين إلى أرض كنعان قد وصل إليها، أي قبل قليل من سنة 0 0 2 1 ق·م· ومن ناحية ثانية فليس هناك أي أثر يعود إلى تلك الفترة يدل على وجود هجرة أجنبية· كذلك من ناحية ثالثة فإن التقارير التوراتية عن هذا الفتح متناقضة

2- إن الروايات الواردة في سفر القضاة وفق التوراة حكم القضاة الإسرائيليين قبل نشوء المملكة في عهد شاوول عن مآثر القضاة الإسرائيليين البطولية إنما هي روايات لونتها التجارب اللاحقة عليها· ويسيطر على هذه الروايات الرغبة في إظهار كيف يجب على الإسرائيليين أن يحاربوا أعداءهم: الكنعانيين والمؤابيين والعمونيين والفلستيين والآراميين إلخ· ولا تسمح لنا هذه الروايات أن نكتب تاريخ الفترة الممتدة من الفتح ـ وهو لم يكن موجودا ـ إلى إمبراطورية داوود وسليمان التي لم توجد أيضا· إن القصص عن قضاة إسرائيل تنتمي إلى جنس أدب حكايات الأبطال التي تحتفظ بها معظم الحضارات في إطار ذكرياتها عن الماضي

3- إن امبراطورية داوود وسليمان التي يعتقد أنها قامت في القرن العاشر قبل الميلاد انطلقت بوضوح من تصور خيالي للماضي· وهناك أمور عديدة تعزز هذا الاستنتاج· منها ما هو متصل بوضع القدس في القرن العاشر قبل الميلادي إذ لم تكن آنذاك أكثر من قرية أو بلدة صغيرة

4- إن الصورة التوراتية لإسرائيل القديمة غير صحيحة وهي متناقضة مع أي صورة للمجتمع الفلسطيني القديم التي يمكن أن تؤسس على المصادر القديمة من فلسطين نفسها أو تلك التي تشير إلى فلسطين· وليس هناك من وسيلة للتوفيق ما بين هذه الصورة كما هي في التوراة وبين ماضي المنطقة التاريخي· ولما كان الأمر كذلك فإن علينا أن لا نأمل بأن نعيد بناء التاريخ ما قبل الهلنستي الذي ابتدأ مع فتح الإسكندر في العام 3 3 3 ق·م· على أسس موجودة في العهد القديم التوراة إنه ببساطة تاريخ مخترع مع إشارات قليلة إلى أشياء كانت قد وجدت أو حدثت فعلا· فمن وجهة نظر المؤرخ فإن إسرائيل القديمة مخلوق مشوه إلى حد فظيع، فهي شيء ابثق من الخيال الجامح للمؤرخين التوراتيين الرسميين ولأولئك الذين أعادوا الصياغة من المحدثين في المئتي سنة الأخيرة

لا يوجد شيء إذن في التاريخ يدل على قيام مملكة إسرائيلية موحدة وعظيمة الشأن عاصرت الفلستيين منذ قدومهم إلى أرض كنعان الجنوبية وتأسيسهم هناك هوية جديدة للمنطقة فلستية/كنعانية· فما توصل إليه البحث الحديث المعتمد على قرائن غير توراتية هي الحقيقة التي لخصها طمسن في قوله: لا يتوافر دليل على وجود ملكية متحدة، ولا دليل على وجود عاصمة في أورشليم، أو على وجود أية قوة سياسية موحدة متماسكة هيمنت على فلسطين الغربية، ناهيك عن إمبراطورية بالحجم الذي تصفه الحكايات الأسطورية، ولا يتوافر أي دليل على وجود ملوك يدعون شاول أو داود أو سليمان، ولا نملك دليلا على وجود هيكل في أورشليم في هذه الفترة المبكرة(56)·

وهكذا، في أحسن الأحوال وإذا افترضنا أن كتبة التوراة قد انطلقوا في خيالهم الجامح من بعض حقيقة تاريخية أعادوا صياغتها بتضخيم وبهرجة لبناء ماض يهودي مبجل كان جذرا لكل ما تبعه من تطورات مستمرة عبر الزمان، فإن هذه الحقيقة التاريخية إن وجدت ينبغي أن تكون متواضعة إلى حد بعيد فتدل على احتمال أن تكون هذه المملكة/الإمبراطورية التي تحدثت عنها التوراة مجرد مشيخة محلية قامت في أورشليم (القدس)، لكنها لم تصل قط إلى درجة الدولة الإقليمية الكبرى· فقد كشفت الدراسات الحديثة المعتمدة على البقايا الآثارية أن الإمبراطورية الداوودية- السليمانية ليست إلا سرابا(57)·

وقد استمر هذا الوضع أكثر من ثلاثة قرون إلى أن أخذت تظهر لأول مرة في الوثائق التاريخية التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد (وتتقاطع معها في بعض مفاصلها الروايات التوراتية) أخبار عن دولة قوية نسبيا نشأت في البداية حول نابلس الحالية ولتتوسع بالتدريج لتشمل منطقة الهضاب الفلسطينية الوسطى وتمد نفوذها العسكري في مرحلة من تاريخها إلى بعض المناطق الواقعة إلى الشرق من نهر الأردن· هذه الدولة هي التي عرفت في وثائق المشرق القديم باسم مملكة السامرة أو بلاد عمري أو أرض عمري(58)· وعمري الذي تنسب إليه هذه الدولة كان أسس سلالة حاكمة بدءا من عهده بين 8 7 8 و1 7 8 ق·م· وقد اتخذ في البداية ترصة (موقع تل الفرح على بعد 01 كم إلى الشمال الشرقي من نابلس ـ انظر الخارطة رقم 1) قاعدة لحكمه ليبني بعدها السامرة (على جبل السامرة عند نابلس) فيجعلها عاصمة له· وقد استمرت مملكة السامرة إلى العام 1 2 7 ق·م· عندما اجتاحها سرجون الثاني الآشوري ودمر مدينة السامرة نفسها وسبى أهلها·
Page 9
ونجد في الوثائق المشرقية القديمة ذكرا لهذه الدولة، أو لبعض ملوكها، شمل كلمات أُوّلت على أنها إسرائيل· من ذلك نص وجد منقوشا على حجر تذكاري أقامه ميشع ملك مؤاب (إلى الشرق من نهر الأردن) تخليدا لانتصاره على مملكة السامرة، والنص مكتوب بالقلم الآرامي ـ الفينيقي وباللهجة المؤابية القريبة جدا من الكنعانية الفلسطينية· وقد ورد في النص(59) أن عمري أذل مؤاب أياما كثيرة كذلك فعل ابنه (آخاب) إلى أن تمكن ميشع ملك مؤاب من الانتصار عليه وطرده من بلاده· ويصف النص عمري بأنه ملك يسرال كما يسمي قومه يسرال كذلك نجد قريبا من هذا التعبير ما ورد في نص الملك الآشوري شلمنصر الثالث (8 5 8 -4 2 8 ق·م·)، المعروف باسم نص المسلة السوداء، الذي يصف فيه حملته على سوريا وتغلبه على حلف شكله ملوكها وأمراؤها ضده في المعركة المعروفة باسم معركة قرقرة على نهر العاصي إلى الشمال من مدينة حماة سنة 4 5 8 ق·م·، وكان من جملة هؤلاء الزعماء الذين تغلب عليهم الملك الآشوري أخاب سير- إيلا A-ha-abu mit Sir-'i-la-a-a(60)، وهو ابن عمري مؤسس الدولة ووريثه في الحكم· وهذا الاقتران ما بين مملكة السامرة أو بيت عمري، وبين الكلمة المشابهة للفظة إسرائيل هو الذي سوغ القول بوجود إسرائيل تاريخية كانت موجودة على مدى نحو من قرن ونصف القرن في منطقة الهضاب المركزية في فلسطين·

ولكن ما هي هذه الـإسرائيل التاريخية؟ وهل كانت مؤهلة فعلا ليصاغ تاريخ فلسطين القديم في ضوء اسمها؟ وهل كان هذا الاسم حقيقة علما على الأرض الفلسطينية لكي يستمر في الوجود إلى الزمن الحالي؟ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة تحسن الإشارة إلى شيء من تاريخ أورشليم ويهوذا لارتباطهما ـ في التراث التوراتي ـ بإسرائيل، فنعالج بعدئذ الشأنين معا: إسرائيل ويهوذا·

خلال الحقبة الزمنية الممتدة على مدى يزيد قليلا عن قرن ونصف القرن (ما بين قيام مملكة عُمري في العام 8 7 8 ق·م· وانقراض المملكة في العام 1 2 7 ق·م·) لا يظهر أثر لأورشليم (القدس) كمدينة ذات أهمية سياسية، ويغيب ذكرها عن الوثائق التاريخية للمنطقة ما يؤكد ما ذهبنا إليه قبل من أنها كانت في افضل الأحوال كيانا أشبه بالمشيخة التي ربما امتد نفوذها إلى منطقة الجوار المحيطة بها، وقد سمت التوراة هذا الكيان مملكة يهوذا· وليس لدينا في الحقيقة أي مصدر خارجي يعيننا على التعرف على شأن هذه المملكة

غير أن الحكايات التي توردها التوراة عنها في هذه الحقبة التاريخية تفصح عن أن من صاغوها وأدخلوها في صلب التوراة استقلوا شأن هذه المملكة فصوروها وقد استضعفها الجيران الأقوى أكان ذلك من داخل فلسطين نفسها أم من خارجها· فنقرأ أنه في زمن الملك يهورام بن يهوشافاط ( المفترض أنه حكم 9 4 8 -2 4 8 ق·م·(61)) أهاج الرب روح الفلسطينيين والعرب الذين بجانب الكوشيين فصعدوا إلى يهوذا وسبوا كل الأموال الموجودة في بيت الملك مع بنيه ونسائه أيضا(62)· وفي مناسبة ثانية نقرأ خبرا عن أحد ملوك هذه الفترة وهو يوآش الذي في عهده صعد عليه جيش آرام آرام دمشق إلى يهوذا وأورشليم وأهلكوا كل رؤساء الشعب من الشعب، وجميعُ غنيمتهم أرسلوها إلى ملك دمشق(63)· كذلك نقرأ أن يهوذا، أو أورشليم، تعرضت في زمن الملك آحاز ( من المفترض أنه حكم 5 3 7 -5 1 7 ق·م·) لغزواتمتتالية ومن جهات عدة: من آرام دمشق الذين سبوا منه من آحاز سبيا عظيما وأتوا به إلى دمشق(64)، ومن مملكة إسرائيل (السامرة)، إذ سبى بنو إسرائيل من إخوتهم مئتي ألف ! من النساء والبنين والبنات ونهبوا أيضا منهم غنيمة وافرة وأتوا بالغنيمة إلى السامرة(65)، ومن الأدوميين الذين أتوا أيضا وضربوا يهوذا وسبوا سبيا(66)، ومن افلستيين الذين اقتحموا مدن السواحل وجنوبي يهوذا وأخذوا بيت شمس وأيلون وجديروت وسوكو وقراها وتمنة وقراها وحمزو وقراها وسكنوا هناك(67)·

إن هذه التقارير التوراتية عن مملكة يهوذا وهي الوحيدة التي تحكي عن هذه المملكة تصلح شاهدا ـ إن كان بها شيء من الحقيقة التاريخية ـ على قلة شأن هذه المملكة ومحدودية مساحتها الجغرافية التي لم تتعد حدود أورشليم إلا قليلا· وهذا يفسر بالتأكيد حقيقة أن المصادر غير التوراتية لتاريخ المنطقة لا يرد فيها ذكر قط ليهوذا أو أورشليم اللتين كانتا غائبتين تماما عن مسرح الأحداث في هذه الحقبة الزمنية التي حددناها ما بين قيام دولة السامرة وسقوطها· غير أن الأمر اختلف بعد ذلك· إذ هناك دلائل تاريخية تشير إلى أن عدد سكان أورشليم قد تضاعف عدة مرات في القرن السابع قبل الميلاد (أي بعد سقوط مملكة السامرة) كما أنها شهدت رخاء كبيرا لم تشهده في الحقب السابقة(68)· فقد استفادت أورشليم من الدمار الذي أصاب السامرة على يد سرجون الثاني (1 2 7 ق·م·) وبقية مناطق فلسطين دون أن يمسها هذا الدمار فكانت فرصة لأن تنمو على حساب المدن الأخرى ولتوسع حدودها إلى الجنوب لتصل إلى حبرون (الخليل) وبئر السبع، كما ضمت إليها مدن المناطق التي تقع إلى الغرب منها والتي كانت تنافسها في الماضي القريب على تسويق منتجات قرى المرتفعات، وكانت هذه المدن، مثل جرار ولخيش وبيت شمش (انظر الخارطة رقم 1)، قدتعرضت للخراب في أثناء الغزو الآشوري ولحقها دمار كبير(69)·

وقد نتج عن هذه الأوضاع أن أورشليم أصبحت عاصمة لمملكة عرفت بيهوذا خضعت منذ بداية نشأتها للتبعية الآشورية· ففي نص للملك الآشوري سنحاريب بن سرجون الثاني (5 0 7 -1 8 6 ق·م·) عن حملة له على بلاد الشام يعدد المدن والمناطق التي تغلب عليها في هذه الحملة ويذكر تفصيلات مهمة عن إخضاعه يهوذا وفرضه الجزية على ملكها دون أن يقتحم أورشليم نفسها التي أبقاها وحدها تحت حكم ملكها بعد أن جردها من كل المدن التي كانت تابعة لها· نقرأ في النص:

أما حزقيا إيا-و-دا-اي Ha-za-qi-ia Ia-u-da-ai الذي أبى الخضوع لي فقد حاصرت 46 من مدنه الحصينة وقلاعه المسورة وعدد لا يحصى من القرى حولها وأخذتها، مستعملا المدكات والمنجنيقات التي قربها المشاة إلى مقدمة الهجوم فأحدثوا أنفاقا وثغرات· وقد سقت منهم أمامي 0 5 1 0 0 2 من ناسها ذكورا وإناثا، شيبة وشبانا، وخيولا وبغالا وحميرا وجمالا وماشية كبيرة وصغيرة لا حصر لها، واعتبرتها غنيمة· أما حزقيا نفسه، فقد حبسته في أورشليم مقره الملكي كعصفور في قفص· كذلك أحطته بمتاريس ترابية لكي أسبب الضيق لأولئك الذين يغادرون بوابات مدينته· أما مدنه التي نهبتها فقد أعطيتها لـ ميتيني ملك أشدود وبادي ملك عقرون وسليبيل ملك غزة· وهكذا أنقصت بذلك مساحة أراضيه، لكني مع هذا رفعت الإتاوة التي تؤدى لي، أنا سيده، بما يفوق الإتاوة السابقة، ولتسلم سنويا· لقد غمر الخوف حزقيا من رهبة جلالتي، أما القوات التي أتى بها إلى أورشليم لتقويتها فقد تخلت عنه· وقد أرسل إلي في نينوى مدينتي الملكية ثلاثين تالنت وزنة من الذهب و0 0 8 تالنت من الفضة، وأحجارا كريمة، وكميات من الأثمد وقطع الصخر الأحمر ومقاعد وكراسي مزينة بالعاج وجلود فيلة وخشب أبانوس وصناديق خشبية وكل أنواع النفائس· كما أرسل إلي بناته ومحظياته وموسيقييه من بنات وشبان(70)·

وتتأكد تبعية يهوذا لآشور في نص آخر للملك أسرحدون بن سنحاريب (0 8 6 -9 6 6 ق·م·) عــن حملة له إلى بلاد الشام نقل خلالها ملوك المدن الذين كانوا تحت سلطته إلى نينوى عاصمة ملكه وأجبرهم هناك على أن يبنوا له قصرا جديـــدا في عمل إذلال لهم· وكان من هؤلاء الملوك منسّى Me-na-si-i ملك يهوذا (Ia-u-di 68 2 -6 4 2 ق·م·(71))· وتتقاطع الرواية التوراتية أيضا مع هذا النص لجهة إرسال منسى إلى عاصمة ملك أسرحدون فتقول: ولكن منسى أضل يهوذا وسكان أورشليم ليعملوا أشر من الأمم الذين طردهم الرب من بني إسرائيل· وكلم الرب منسى وشعبه فلم يصغوا· فجلب الرب عليهم رؤساء الجند الذي لملك آشور فأخذوا منسى بخزامة وقيدوه بسلاسل نحاس وذهبوا به إلى بابل(72)·

وقد خلف أمون أباه منسّى في حكم أورشليم الذي استمر في سياسة أبيه بعدم المغامرة في تحدي السلطة الآشورية الطاغية(73)· وقد قتل أمون بعد سنتين من جلوسه على عرش أورشليم ليخلفه يوشيا في الحكم طفلا أولا تحت رعاية عمه، ثم لينفرد في الحكم في سنة 0 3 6 ق·م إلى 8 0 6 ق·م·

وفي هذه الأثناء كانت الخريطة السياسية للمشرق القديم قد بدأت تتغير بسرعة· فقد دخلت الإمبراطورية الآشورية دور النزع الأخير بعد وفاة آخر ملوكها العظام آشور بانيبال (9 6 6 -6 2 6 ق·م·)، ففقدت مصر التي كان أسرحدون قد ضمها إلى الامبراطوية الآشورية، وظهرت قوة الميديين (في الشمال الغربي من إيران الحالية) وحلفائهم الكلدانيين في بابل، وتمكن الطرفان من القضاء على الامبراطورية الاشورية فدُمرت مدينة آشور سنة 4 1 6 ق·م· ونٌهبت نينوى عام 2 1 6 ق·م· لتقوم على أنقاض هذه الامبراطورية ما يعرف بالدولة البابلية الجديدة· وفي ظل هذا الصراع وعندما كانت الإمبراطورية الآشورية تتهاوى وتفقد سلطتها في بلاد الشام تمكن يوشيا من أن يكسب نوعا من الاستقلال لمملكته كما بسط سلطته على مناطق خارج مدينة أورشليم خاصة في شمال فلسطين مستغلا بذلك الفراغ الذي خلفه تهاوي الإمبراطورية الآشورية· وقد مكنه هذا الوضع الجديد من أن يدخل نفسه في الصراع الذي نشب في المنطقة بين الدولة البابلية وفرعون مصر (نيخو الثاني) الذي زحف من بلاده إلى الشمال في محاولة لوراثة تركة الإمبراطورية الآشورية· وقد تصدى يوشيا لنيخو عند مجدو حيث تمكن الجيش المصري من هزيمته وإصابته بجراح نقل بعدها إلى أورشليم حيث فارق الحياة· وعلى الرغم من هزيمة نيخو أمام البابليين (في كركميش على الفرات عام 5 0 6 ق·م·) فقد فرض سلطته على أورشليم قبل أن يطارده البابليون إلى حدود مصر· مرت بعد ذلك فترة مضطربة كانت سلطة البابليين في أورشليم تعتورها بعض المشكلات عندما كان ملوكها ـ الذين كان البابليون يعينونهم ـ يسعون إلى إقامة تحالف مع مصر ضد النفوذ البابلي· وقد انتهت هذه المرحلة عندما حسم نبوخذ نصر، ثاني ملوك الدولة البابلية الجديدة، الأمر فاجتاحت جيوشه أورشليم ودمرتها نهايا وكان ذلك سنة 7 8 5 ق·م· وسبى أهلها إلى بابل لتكون هي خاتمة مملكة يهوذا·

إن هذا العرض الموجز لتاريخ المملكتين: السامرة ويهوذا يقودنا إلى استخلاص عدد من الحقائق المهمة· فعلى الرغم من ورود كلمة يسرال في نص ميشع (المشار إليه أعلاه)، وكلمة سير-إيلا في نص شلمنصر الثالث (المشار إليه أعلاه) واصفا به ملك السامرة أخاب، إلا أن الغموض يحيط بهاتين الكلمتين فلا يمكن أن نتعرف من خلال النصين ما إذا كانت لهما دلالة مكانية (جغرافية) أو دينية أو إثنية· ولكن ما هو مؤكد أنه باستثناء هذين النصين لا نجد في مصادرنا التاريخية (غير التوراتية) إشارة أخرى لوصف مملكة السامرة بأنها إسرائيل

فقـــد عرفهــا الآشوريون عامة إما بأسماء السامرة أو أرض عمري أو بيت عمري· ففي نص للملك الآشوري حدد نيراري الثالث عن حملة قام بها على سوريا (حوالي سنة 6 9 7 ق·م·) نقرأ أسماء المناطق التي أخضعها لحكمه ومنها أرض عمري mat Hu-um-ri·

كذلك حوت سجلات الملك الأشوري تغلات فلاصر الثالث (5 4 7 -7 2 7 ق·م·) نصا عن حملة قادها إلى مناطق غرب الفرات ورد فيه أسماء المناطق التي أخضعها لسيطرته، ومنها أرض عمري Bit Hu-um-ri-a· وفي نص آخر نقرأ قول الملك الآشوري إن أرض عمري··· سقت جميع سكانها وممتلكاتهم إلى آشور

ونجد الاسم أرض عمري يتكرر أيضا في نصوص سرجون الثاني (حكم بين 1 2 7 و5 0 7 ق·م)، لكنه يستخدم أيضا إلى جانبه اسم السامرة بلفظ Sa-mir-i-na·ففي نص من سجلاته عن خراب السامرة نقرأ: سرغون ملك آشور فاتح السامرة وكل أرض عمري، وفي نص آخر يقول لقد حاصرت السامرة وفتحتها(74)·

وتدل هذه الوثائق التي تعود إلى زمن وجود مملكة السامرة على أن معاصريها لم يعرفوها قط باسم مملكة إسرائيل، كما أن الأرض، أو الإقليم الجغرافي الذي أقيمت عليه هذه الدولة لم يعرف قط باسم أرض إسرائيل وهكذا فقد يجوز الافتراض، ودون أن نمتلك دليلا يؤكده ولا دليلا ينفيه، أن تكون كلمتا يسرال وسير-إيلا الواردتان في نصي ميشع وشلمنصر على التوالي تشيران إلى مجموعة سكانية عرفت بهذين الاسمين (ولأسباب نجهلها) لكن دون أن تعطي الأرض هذا الاسم·

غير أن ما هو مؤكد أن هذه الدولة التي قامت في السامرة، وعرفت بهذا الأسم أو باسم أرض عمري، والتي يجيز بعض الباحثين المحدثين إطلاق اسم إسرائيل عليها وعدها هي وحدها إسرائيل التاريخية، فإنها ليست هي التي تريد الحكايات التوراتية أن تقنعنا بأنها امتداد لمملكة إسرائيل الموحدة (التي لم توجد أصلا)· فعلى الرغم من معرفتنا بأسماء بعض ملوك دولة السامرة الذين ذكروا في وثائق المشرق القديمة (منهم عمري، وابنه آخاب، ومنحيم، وبيقحا أو فقح، وأوشي أو هوشع) فليس يعرف شيء عن بدايات تلك الدولة وكيف نشأت باستثناء الحكايات التوراتية عن ذلك التي لا يمكن عدها مصدرا تاريخيا· حتى هذه الحكايات تؤكد عند تفحصها بتدقيق أن ناسجيها أخرجوا حكام هذه الدولة، أو ملوكها، من السلسلة المقدسة التي كان سليمان أوسطها وتعود بأقدمها إلى يعقوب الذي تسمى بإسرائيل (حسب الحكاية التوراتية) وامتدت بعد إلى ملوك يهوذا في أروشليم·
Page 10
فوفقا لهذه المرويات نشأت مملكة إسرائيل نتيجة لانشقاق مملكة سليمان بعد وفاته إلى مملكتين: واحدة في أورشليم ويهوذا تحت حكم رحبعام بن سليمان، وأخرى في شكيم (عند نابلس الحالية) تحت حكم يربعام بن نباط وهو ليس من نسل سليمان بل كان عبدا له وهرب في حياته إلى مصر، ثم عاد بعد موته ليستقل بحكم شكيم· وقد حكم المملكة، وفق المسرد التوراتي تسعة عشر ملكا لم يكن أي منهم من نسل داوود بدءأ من يربعام إلى هوشع ابن أيلة الذي كان في عهده دمار مملكة السامرة على يدي سرجون الثاني(75)· ولا يستثنى من ذلك عمري، الذي تتقاطع عنده الوثائق التاريخية مع الحكايات التوراتية، فأصل هذا الملك مجهول تماما لدى الراوي التوراتي، فلا يرد لديه إلا باسمه الأول(76)· وبذلك يتأكد انقطاع الصلة تماما ما بين ملوك هذه الدولة (السامرة) ومملكة إسرائيل الموحدة (في عهود شاول فداوود فسليمان) التي جاء بها الخيال التوراتي· ومن هنا تنتفي تماما نظرية تواصل اسم إسرائيل من الدولة الأولى المخترعة إلى الدولة الثانية (السامرة) التي لم تحمل قط هذا الاسم·

أما مملكة يهوذا التي استمرت في الوجود نحوا من مئة سنة من أوائل القرن السابع قبل الميلاد إلى أوائل القرن السادس فقد كانت نظاما سياسيا غلب عليه طابع التبعية لآشور وكانت سلطته تشمل أساسا مدينة أورشليم، وتتسع أحيانا لتمتد إلى مناطق خارجها، لكنها كانت على الأغلب تتقلص ضمن حدود هذه المدينة وحدها وذلك وفق موازين القوى المحلية والإقليمية في المنطقة· فإذا كان النص النقشي الذي يؤرخ لحملة سنحاريب الآشوري على بلاد الشام (وكنا أشرنا إليه قبل) قد ذكر أن حزقيا يهوذا كان تحت حكمه عند بداية الحملة 64 قلعة ومدينة وعدد كبير من القرى حولها، فقد اختتمت الحملة دون أن يبقى في ملكيته غير أورشليم نفسها التي صار فيها حبيسا كعصفور في قفص بينما وزع الملك الآشوري المدن التي أخذها منه بين ملوك الفلستيين في أسدود وعقرون وغزة· كذلك في نهاية عهد المملكة، عندما غزاها نبوخذ نصر، لم يكن حجم هذه المملكة ليزيد عن مدينة وذلك واضح في التعبير الوارد في النص الذي سجل فيه نبوخذ نصر خبر هذه الحملة: في السنة السابعة من حكمه، في شهر كيسليمو حشد ملك أكاد جيوشه وزحف نحو بلاد حاتي Hattu = سورية، وعسكر حول مدينة يهوذاUru Ja-a-hu-du وفتح المدينة في اليوم الثاني من شهرآذار وقبض على الملك وأقام عليها ملكا جديدا اختاره، وأخذ منها غنيمة كبيرة حملها إلى بابل(77)·

وفي مثل هذا الوضع لم تكن مملكة يهوذا لتزيد في حقيقتها عن كونها من نوع المدن- الدول التي تمركزت في أورشليم وبسطت سلطتها في بعض المراحل على ما جاورها من مدن وقرى بحيث شكلت ما يمكن أن يوصف بـ مدينة أمبريالية أخضعت لسيطرتها العسكرية سكان هذه المدن لكن دون أن يؤثر ذلك في تركيبتهم الإثنية الأصلية أو يغير من هويتهم· واستتباعا لذلك لم تلغِ هذه السيطرة العسكرية التعريف الجغرافي للمنطقة التي امتدت إليها والذي كان قد استقر على أنه بلاستو أو أحد مشتقات هذه الكلمة·

وفي الحقيقة لم يكن لا ليهوذا، ولا للسامرة من قبلها، يء خاص بهما، لتعطياه للسكان الذي خضعوا لسيطرتهما فيغير من هويتهم تبعا لهويتيهما (هذا إذا كانت لأي منهما هوية خاصة بها)· فالتراث الثقافي/الروحي لهذين الكيانين لم يختلف قط عما كان سائدا في المنطقة· والدين خاصة ـ من جملة هذا التراث ـ الذي كانت تتعبد به هاتان الدولتان كان هو التركيبة الدينية نفسها السائدة في المنطقة السورية عموما· وفي ذلك يؤكد طمسن ـ نتيجة أبحاثه ـ أن التعبير الديني الذي كان موجودا في دول المرتفعات وفي مناطق فلسطين الكبرى لا يختلف في الشكل والمضمون عن الممارسات المعروفة في كل أنحاء سورية، ولا يمكن الادعاء بأن ديانة إسرائيل مملكة السامرة أو يهوذا كانت مختلفة بطريقة جوهرية عن ديانات عمون أو مؤاب أو أدوم(78)·

ويتضح ذلك جليا وبشكل لا يقبل الشك عند النظر بتعمن للإله يهوه الذي أراد كتبة التوراة أن يصوروه على أنه الإله الواحد الشمولي· وهو في الحقيقة لم يصبح كذلك إلا على يد هؤلاء المحررين الذين نشأت لديهم فكرة التوحيد ابتداء من القرن السادس قبل الميلاد (بعد الفترة المعروفة في التاريخ اليهودي بفترة السبي البابلي ما بين 6 9 5 و9 3 5 ق·م·) عندما أخذت الديانة التوراتية تأخذ تدريجيا شكلها المعروف حاليا وذلك في عصر الاحتلال الفارسي لفلسطين عبورا بالعصر الهلنيستي الذي ابتدأباحتلال الأسكندر المقدوني سنة 2 3 3 ق·م(79)· قبل ذلك كان يهوه إلها من جملة الآلهة التي سادت عبادتها في المنطقة السورية عامة· وأقدم الإشارات التي تردنا عنه هي تلك المتضمنة في سجلات مدينة إيبلا في شمال سوريا والتي يعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد· كذلك عبد يهوه في أوغاريت (في شمال سوريا أيضا) باعتباره ابن الإله إيل كبير آلهة الكنعانيين، إذ ورد في نصوص أوغاريت نص يسمي يهوه على أنه ابن الإله(80)·

وقد انتشرت عبادة يهوه في الألف الأولى قبل الميلاد من شمال سورية إلى صحراء النقب بما في ذلك المناطق التي أقيمت عليها دولتا السامرة ويهوذا· وكان يهوه يعبد في هاتين الدولتين جنبا إلى جنب مع رفيقته (أو زوجه) عشيرة· وقد دلت على ذلك التنقيبات الأثرية في المناطق التي خضعت لسلطتهما· فمن بين اللقى التي عثر عليها في موقع خربة الكوم على بعد نحو من ثمانية أميال إلى الغرب من مدينة الخليل بقايا جدار قبر يعود إلى الفترة ما بين 0 5 7 و0 0 7 ق·م· وقد نقش عليه لتحل بركةيهوه وعشيرته على أورياهو، فهو أنقذه من أعدائه(81)·

ووجد هذا التعبير الطقسي أيضا في نقشين، باللغة العبرية، على جرار فخارية وجدت في معبد في عجرود (كونتيلة عجرود في سيناء الشمالية على بعد 55 ميلا إلى الشمال الغربي من العقبة الحالية) تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وقد جاء في أحدهما لتحل عليك بركة يهوه السامرة وعشيرته، كما جاء في النقش الآخر: يقول أمارياو: قل لمولاي إنني أباركك بيهوه وعشيرته(82)· وقد وجد في موقع تل حليف (إلى الجنوب الغربي من الخليل) بقايا معبد كان قد دمره الجيش الأشوري سنة 1 07 ق·م· يضم تمثالا للإلهة عشيرة والمعبد كان مخصصا لعبادة يهوه(83)·

وإلى جانب هذه اللقى الأثرية التي تدل على ما كان عليه الدين في هاتين المملكتين والذي لم يخرج عن كونه دينا من جملة الأديان الكنعانية، فإن ما اكتشف من بقايا المعابد التي تعود إلى تاريخ السامرة ويهوذا يؤكد أنها جميعا كانت مكرسة للآلهة الفلسطينية التقليدية· وأخطر هذه المكتشفات هو مركز ديني يعود إلى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد في فترة مملكة يهوذا وقد تم اكتشافه في القدس ذاتها خلال حملة تنقيبات قامت بها عالمة الآثار كاثلين كينيون (0 6 9 1-7 6 9 1)· ويقع المركز على مسافة 0 0 3 متر من الجدار المفترض لهيكل سليمان· وقد تم اكتشاف سور ضخم يحيط بالمعبد، أما في داخله فهناك قدس الأقداس الذي يتصدره عمودا الماصيبوث، رمز ألوهة الخصب الكنعانية، وهنالك المذبح· وفي كهف صغير مخصص لحفظ التقدمات النذرية، تم التعرف على عدد كبير من التماثيل الجذعية العشتارية، إضافة إلى تماثيل حيوانية صغيرة، أكثرها يمثل خيلا تحمل على رؤوسها قرص الشمس· وهذه الخيول منذورة للإله يهوه الكنعاني الذي كان أهل يهوذا يرون في قرص الشمس رمزا له، شأنه في ذلك شان الإله بعل، وكثير من ألوهات الخصب الشرقية التي ارتبطت بالشمس(84)·

لم تكن ديانة السامرة، إذن، ومن بعدها يهوذا، ديانة توحيدية وفقا لما بلورته التوراة بعد انقضاء قرون عدة على انقراض هاتين الدولتين، بل كانت تنتمي في جملتها، بجوهرها وبالطقوس المعبرة عنها، إلى أسرة الديانات السائدة في المنطقة· وقد تقاطعت عند هذه الحقيقة الوثائق الآثارية التي أشرنا إلى بعضها والمرويات التوراتية التي يبدو أن بعض أخبار الدين كما كان في هاتين الدولتين قد وصلت إلى محرريها· وهذا واضح تماما في نظرة هؤلاء المحررين إلى ملوك السامرة فهم جميعا دون استثناء كانوا أبعد ما يكون عن فكرة التوحيد الإلهي، بل كانوا منغمسين تماما في صيغ الديانات المحلية السائدة البعيدة عن معنى التوحيد· ففي كل ترجمة أفردتها التوراة لكل واحد من هؤلاء الملوك تتكرر العبارة التي تشير إلى أنهم عملوا الشر في عيني الرب، وجعلوا إسرائيل تخطئ(85) للدلالة على ما كان عليه وضع الدين في أزمانهم· وقد ابتدأ هذا الشر الملك الأول يربعام بن نباط عندما عمل عِجلَي ذهب وقال لهم لإسرائيل هوذا آلهتك يا إسرائيل··· ووضع واحدا في بيت إيل وجعل الآخر في دان··· وكان الشعب يذهبون إلى أمام أحدهما حتى إلى دان(86)· وعبادة العجل هذه التي أقرها يربعام كانت معروفة في مصر· ففي بعض التراث الديني المصري كانت البقرة هي الإلهة الأم، كما أن البقرة هي التي خلقت الإله رع، كذلك كانت هي الجذر الحيواني للإله نوت(87)· وإلى جانب عبادة العجل، عرفت السامرة عبادة البعل (وهو من آلهة الكنعانيين)· فوفقا للتوراة فإن الملك آخاب بن عمري (حكم من 1 7 8 إلى 2 5 8 ق·م·) عمل الشر في عيني الرب، سار وعبد البعل وسجد له وأقام مذبحا للبعل في بيتالبعل الذي بناه في السامرة، كما عمل آخاب سواري(88)· والسواري جمع سارية وهي الترجمة العربية كما جاءت بها التوراة لعشيرة التي كان يرمز لها أحيانا بعمود حجري يحمل نقشا تذكاريا وأحيانا بساق شجرة· ولم تكن هذه الديانة الوثنية مقتصرة على الملوك وحدهم بل كات هي ديانة الشعب كله كما تقول الرواية التوراتية· فبنو إسرائيل سلكوا فرائض الأمم، وبنوا لأنفسهم مرتفعات في جميع مدنهم· وأقاموا لأنفسهم أنصابا وسواري على كل تل عال، وعبدوا الأصنام، وعملوا لأنفسهم مسبوكات عجلين، وعملوا سواري، وسجدوا لجميع جند السماء، وعبدوا البعل(89)·