eKtab
EN ع
فراسخ لآهات تنتظر
Read free sample

فراسخ لآهات تنتظر

by زيد الشهيد

Page 1
المقدمة
 
سلاماً كلُّهُ قـُبلُ
 
كأنَّ صمـيمَهُ شُعَلُ
 
وشـوقاً من غريبِ الدارِ
 
أعـيَتْ دونَهُ السُّـبلُ
 
مُقيمٌ حيثُ يضطربُ المُنى
 
والسعيُ والفشلُ
 
وحيثُ يُعاركُ البلوى
 
فتـلـويهِ ويعـتدلُ
 
سلاماً أيها الندمان
 
إنّي شاربٌ ثمِـلُ
 
سلاماً أيها الثـاوون
 
إنّي مُزمِعٌ عَجِـلُ
 
الجواهري
 
 
 
الأبُ كما رأيتـه·· البيتُ كما أراه
 
اللحظات المتهاطلة بثقلٍ وئيد تتحنّط إزاء عتبة باب الغرفة الموصدة لتنضم إلى تكلّسات غبار يحجب سِفراً حكائياً تبوح به عينٌ تأخذ لها حيّزاً من التتبّع يبدأ بالتحديق وينتهي بالذهول؛ وهو شهاب الذي كلَّت ذاكرته من الإرهاق فأصيبت بالوهن وبقي لها الاستعانة بالشَدَهِ· يقولون عنه المسكين المقذوف بالفراغ، المكبّل بالوحدة بعدما دفن رفيقة السنين مُجبراً على البقاء حيث شاء المشيء أن تتقدّمه في رحلة الأبدية فبات كلُّ ما يفعله هو الدنو من خزانة حاجياتها الدنيوية تلمُّساً· يشم رائحتها أو يستعيد مشهداً خشيَ أن يبهت مستحيلاً شتاتا من العسير لمِّهِ وإعادة جدولته·
 
يضع أصابعه فتطبع أثراً يشكّل لوناً رملياً يعطي إيحاءاً بالإهمال·· يعنّف النفسَ لأنّه يوماً ما مارس صفة إيذائها بدمع تهطله أو كلمات تفشي سرَّ ألمٍ دفين· (لم تكن النهاية لتحصل لولا غمامات الكدر المستبيحة سماء الحياة، والأعوام الخمسون لا تُعَد بعمر الدنو الطبيعي من جادّة الرحيل··· بدأ الوضع بوخزةٍ إبريّة تستدعي ضغط الخصر الأيمن، ثم ضيق نفَس قصير آلَ إلى ارتياح يسير مُصرِّح بالطمأنينة الكاذبة·)··
Page 2
يحتمي بالنهوض صوبَ الخروج· تأخذه القدمان باتجاه مقهى أو توقفانه عند مفترق طريق مكبوحاً بسؤال، أين يذهب·· يقول: .أين أذهب؟ وهو لا يدري أنها هي·· هي·· تشابهٌ يوقظ في الروح غبارَ الضجر·
 
يومياً يلتقي الصغار الناسين فحوى اللعب وألوان الحلوى مضرّجين بوحل الشحوب··· يومياً - في الطريق - يزاحمهُ بائعو عربات الخضار؛ تصدم مسامعَه شتائمُهم المتضاربة ولعنات تشيِّع كُثراً الملفّعات بالعباءات الموحلة يحملن وراء طيّاتها سرقةً ما يقلل جوع المرابطات بين الجدران بغية تأجيل بثق اللوكيميا، وانتعاش السل في الأجساد المدججّة بالإنهاك·
 
سألوه يوماً عن جدوى التتبّع فلم يرد·· كل ما قاله: كفى··كفى!! مستعيناً بانحناءة الرأس قبل التحسّر·· أنفاس الليل تسقيه كأس الذهاب محمولاً على رموش لمس الغائبة· تومىء له كأنها تناديه·· يلتفت لشتى الاتجاهات ضماناً لحصاد اليقين· يقين وجودها امتثالاً لا تمثِّلها طيفاً·
 
ألقى نظرةً خاطفة على المرآة فأنبأته بقوام عفَتْ عنه الأناقة· وبدلاً من أنْ يعود ليتفحّص عاديات الأيام على الوجه الذي استبدلت التجاعيد والصفرة ومسوح الشحوب صفاء البشرة ونعومتها استدار ليلتقط نظّارتيه·· هكذا؛ ترك السرير مبعثراً··· الوسادة مائلة كورقة مطويّة / الغطاء ركام بلا أبعاد / الخفّان يبصمان قدميه على تراب الأرض··الخف الأيسر يلتقي الأيمن فيما الحائط تثقّبُه مسامير تحمل ثياباً لرجل متعب آثر الملل···
 
قال لها: بعدكِ لن يكون لها طعمٌ، ورائحتُها تثير خمولي·
 
يلاحقه الزمن القديم فيتمنّى ساعياً لنسيانه·· يتشبّث بأيامها؛ بأحاديثها، بحميميّتها هروباً من الوطء الثقيل الذي يلاحقه·· وطء الصفحات الرمادية للعمر الساري / الليالي المليئة بالمكائد / النهارات الضاجّة بالملاحقات··· عندما يستعيدُ زمناً كان على أعتاب مواجهة حياة تفتح ذراعيها لتأخذه صوب محطّات الألفة يشتعل ندماً·· يستعين بالدمع وحيداً، وصولاً لتعذيب النفس··· يقول: كيف ارتضيت ذلك الانحراف؟ ولماذا لم أتّعظ من تاريخ قراءة صفحات الآخرين، أنّا ابنُ ذلك الأب رضي الحال؛ شكور النعمة·
 
 تحاصره الأسئلة، وتعاوده الوجوه المتوسلة؛ ويتذكّر؛ يتذكّر·· يتذكّر فيلوذ بوجهها هروباً·
 
كان الرحيلُ بمثابة تعميق الفراغ / تشتّت أواصر / هجران يفضي لبعثرة الزمن باستثناء مكان الذكرى؟·· الأزمنةُ تذوب وتترك الأمكنة·· ساعات من غرف·· دقائق من فناءات·· لحظات من هواءِ مجازاتٍ تخثّرهُ العتمة··· والأعوام تشققّات ترسم لها خارطةً تعرضها الجدران فيما أعمدة السقوف تحتفظ بأبخرة وسخام نيران المواقد الليلية··· أحاديث يعطّرها الهمس تنتهي بملاحقات أنفاس أشباح مفترضة···
 
نظرات متبادلة بمثابة نميمة أو خدش حياء؛ دعوة لتنصّت مريب: أنيسة الأم وياسر الولد؛ والابنة حليمة، بين تواضع أثاث وبساطة بيت تقرأ لهم سوراً لتبعد دبيب الوساوس، وتطمئنُهم بقلبِ الأبِ الشجاع·
Page 3
·· ويتراجع!!
 
حين خلّفَ غرفته طالعه الحوش· ينثر أنظاره تفحّصاً كأنّه مدعو للملاحظة، راسماً بُعداً ماثلاً مستهِلاً بالمطبخ ومنتهياً بالغرفة المواجهة لوقوفه·· يؤمها عبر بابها المواربة أبداً / أبداً، سعياً لمعرفة ما إذا كان .ياسر ينحت خطوطه السود على ظهر الجدران أو يذرعُ محدودية الأرض يقيسها بأشبار بصره المتصالب صحبة عباراته المبتورة تحت هيمنة التمتمة···لا يثق وهو الأب بالصمت المالىء تخوم الغرفة دلالة عدم الوجود لأنَّ .ياسر كثيراً ما صاحب الصمت إعلاناً لفضاء يشغله، محلِّقاً مع نأمةِ نملةٍ تمارس فعل الصيرورة خروجا ًمن ثقب ترابي أو شقٍّ جداري تعششُ فيه، أو مستأنساً لطنين ذبابة هتكت شيوعَ السكون؛ أو تنصتاً لخربشة فأر تحرك بين زحمة الأنقاض لفعل القضم 
 
يسأل: .أنتَ هنا، يا ولدي؟
 
.نعم، أنا هنا! يأتيه صوت الفراغ·
 
·· ويتراجـع!!
 
بقيَ أن ْ يستجلي وجود .حليمة قبل الخروج· عندما نادى جاءته الهمهمة من الغرفة لصيقة المطبخ فأدرك بعهدة التكرار استلقاءها على السرير وعدم الرغبة في النهوض·· يصيح .سأخرج يا ابنتي! ولم ينتظر لأنه اعتاد على عدم تلقّي نبرة توحي باعتقاد السمع المؤوّل، فأطلق كلاماً آخر فيه رجاء يقطر توسلاً: .أرجو أن أجدكِ عند عودتي· مع يقين أنّه يخاطب هواءً لأنَّ حليمة الابنة هي واحدة من الدبابيس التي تنخز خاصرة ذاكرته وتتركه سليل الألم·
 
يخرجُ·· وهو كل يوم يخرج··
 
تتحسّس أنامله الباحثةُ جيبَ سترته تلمّساً للساعة المكبّلة بسلسلة معدنية _ أهداها له الأب في واحدة من ساعات الاحتفاظ بالتذكّر _ تختزن برودة الأعوام الميتة· الساعة تتكُّ فلا يسمع تلاحق عقاربها· تنده به أنيسة من خلال فسحةٍ سمح بها الباب الخارجي: .إلى أين؟ وهي تعني: .إلى أين تخرج يا شهاب؟ يرد .ألا ترين؟! تقول: .أرى؛ ولكن سيداهمك الظلام بغتةَ انقطاع الكهرباء· (والكهرباء مثل الأيام صارت هاربة راحلة لا أمان لها)؛ ستُخطىء المسير - ولنفسها - يا إلهي سيصبح نهب العثرات· سيُدمي له الارتطام جبهةً فتضحك منه الأعمدة والجدران وإشارات المرور المنسيّة· سيتأسى عليه المارّة فيعود مزدحماً بالشتائم· تلاحقهُ بالنظرات الحنون· ترأف لبطء سيره· يلتفت ليطمئِنها فلا يجد غير باب موصد ودربٍ يئن·
 
يخرج···
 
يلتقيه الجيران· ُيلقي، ويلقون سلاماً عابراً حيث السماء تجمع الرصاص لترتديه والجدران تتخلّى عمّا تبقّى من البرونز عنوةً بينما غربان تطلق سراحَ حناجرها: .قار·· قار·· قار حناجرُ تُبعثر نداءات السكون إعلاناً لمقدم المساء: مساء الباذنجان والضجر المعتاد·· مساء المجاهيل المتلاطمة وأهرامات الكمد الجثيم·· مساء عطن المزابل شواخص الزمن الآتي·· مساء الترقب لفجرٍ قادم يحمل بين إبطيه بالونات المفاجآت·· مساء القار·· قار·· قار؛؛؛ كأنَّ المدينةَ ريفٌ منسي، مفازةٌ فقدت خطوطَها على مجسّات الخارطة··· خارطة!! وعن أيّةِ خارطة تتكلم الكلمات؟!·· عن تبعثر الأجزاء داخل ردائها البالي؟! عن الساحات خاسرة الأسماء؟! الوجوه فاقدة الملامح؟! الأفواه مكمّمة النطق؟! الصدور الضامرة؟! الأرحام خزينة القديد؟! السواقي المُستباحة بالسبايروجيرا؟! النقيق الصادر من الترع الصفراء بضجّة هتافية ساخرة: قار·· قار·· قار؟!···
 
عندما يرد السلام يردّه ُ بشعور مَن سيهاجمه تعنيف داخلي، وتمنّي باختزال حياتي خاطف يؤول إلى خاتمةٍ سريعة كالتهالك المنتَظَر·
 
كثيراً تمنّى اللحاق بأنيسة·· كانت عوناً في ضيق، وأجوبةً لأسئلة···
 
ثمّةَ الأقدام يقيس تتابعاتها فلا يرى انسجاماً مع آثار قدميه· يعرف ويدرك سَفَهَ الأمر الذي قاد لفم النفق·· يدرك قابلات الأيام لن تفيه ِ فسحةً من راحةِ بالٍ يسيرة هو التائب على يديها بعد فوات الأوان· يعرف أنْ لا ندم يجدي·
 
فالأوراقُ مُلِئت···
 
والكتابُ يوشكُ على الانتهاء··
Page 4
(1)
 
 
 
ها أنا أخرجُ من جديد· أبرحُ مواطنَ الدفء، مخلِّفاً ورائي جبالاً متزاحمةً من التهالكات، حاملاً على كاهل الروح رغاوي متناسلة من الكوارث المتهافتة والحروب الخاسرة والأسى المهول··· أخرج ولا أدري كيف خرجت!!·· رأسي على جسدي والجواز بيدي· جوازٌ صار هويةً أبدية للرحيل والاغتراب والتنقّل عبر دروب المنافي، مقذوفاً بين تتابع محطات القلق ومنعطفات التهجّس ومتاهات البراري وحشود الوجوه وتهافتات الاستفهامات الآيلة إلى اللاجواب·· أتساءل كما لو كنت مُنسلخاً من رحمِ الذهول: أحقّاً هذا الذي أنا فيه هو أنا؟!·· أصدقاً هاتان اللتان تطآن شاطئ الأمان هما قدماي؟!···
 
أعدُّ اللحظات التي أخالها تمطّت فبلغت دهراً، مثلما أحثُّ الحافلة التي تقلّنا - برجاءاتي المتوسلة - للإسراع والخروج من شِراك الفخ الملغَّم الذي اسمه .طريبيل (هذا المنفذ الحدودي الوحيد المتاح لنا للانزلاق من عنق الزجاجة / من دائرة الاختناق·) لا لشيء إلاّ لإدراك محيط جوازات .الرويشد الأردني والنزول بحثاً عن مرآة أحدّق فيها كيما تعطيني صدق يقين كوني أنا .مبدر داغر بحق؛ وكون الذي مرَّ ليس حلماً سينتهي في دوّامة خنق الأنفاس، ولا موقفاً عابراً سيُعيدني انتهاؤه إلى نقطة الصفر الناريّة·
 
ها أنا أخرج··
 
وأتذكّر عيون العتاب في الوجوه الشاحبة المتعبة التي التقيتها في الأسواق والمقاهي والطرقات واللقاءات العابرة وزحامات البحث الساحق عن بضاعة مفقودة·· جلّ الأصدقاء وأغلب من لهم صلة معرفة جلبَتها سني العمل أو جلسات الود يوم كان التعارفُ الحميم سمةً شاخصة لأبناء مدننا العائمة على سحابات البراءة عابوا عليَّ عودتي بعد ما يزيد على العشرين عاماً من مبارحتي البلاد؛ مستنكرين بقائي بين ظهراني الألم المُجبرين هم عليه·
 
ستة أشهر صرفتها أتجوّل بعين الذهول ولوامس الاستغراب، تلاحقني ترادفات أسئلة حائرة: ما هذا الذي حدث؛ ولماذا؟·· كيف تسبب الجُناة في تشويه وجه الوطن السمح الجميل؟·· ماذا جنَت مدنُنا الحييّة حتى ترتفع على جدران حواريها لافتات الكدر؟ ولماذا غدت الشوارع صحفاً يومية يقرؤها الآتون إمّا بحزنٍ مرير أو بساديّة موغلة بالتشفّي؟·· ثم ما هذه الشخوص الغريبة التي تتخفّى بأقنعة إظهار المواساة ما تلبث أن تتركنا وقد حملت على ظهورها أكياسَ جهدنا وعرقنا وإرثنا، وممتلكاتنا المنهوبة هِبةً من اللصوص والقتلة والشُّذّاذ المتربعين على عنق جغرافيتنا الموشّاة بالطُّهر والوداعة؟···· عندما رأى المقرّبون جواز سفري جاهزاً أيقنوا أنَّ نصائَحهم أدّت جنيَها؛ وأنَّ رحيلي الثاني سيكونُ بلا عودة·· لم يكونوا يدركون أنَّ خروجي هذه المرّةَ ليس هرباً كما حدث في المرّةِ الأولى قبل عشرين عاماً؛ بل للبحث عمّن جمعتُ لها ما قُدِّر من مال ورغبة وهدفٍ نبيل لأقترنَ بها، ولأصرف ما بقي لي من أعوام في كنفِ لهفتها؛ هي التي عاهدتني على ترسيخ حبِّها رصيداً لرغبتي في الحياة··· آ نجاة! لقد منحْتِني أنفاسَ الدروب البهيّة في آخر لقاءٍ، وتمسَّكتُ برجاءات نبراتك الحنون: .خذْ نصيحةَ أبي وارحل؛ لعلَّ في رحيلكَ بارقةً نيّرة للقائنا الدائم·
Page 5
أتطلَّعُ في شعابِ وجوه الراكبين فتتمثّل مرايا استبدلت غيوم البَهَت وضبابيّة الفراغ بتباشير ألقٍ يتجمّع كما سحابة بيضاء·· وجوه تعرض بتفاصيل براءة مزَّقت قميصَ جذلها مخالبُ التجنّي؛ وطمست مسوح شفّافيّتها ركلاتُ المتخلّفين··· يكبر حجمُ المرأة الجالسة جوار زوجها العجوز في المقعدين المحاذيين لي بعد أنْ كانت منكمشة شأنها شأنُ جميع الركاب طيلة الطريق الصحراوي الذي قطعناه من بغداد حتى طريبيل، ومضغوطة بعباءتها كما لو كانت ستتلاشى ذوباناً عند حين·
 
تستخرج كيساً قماشيّاً، ثم تنهض لتوزّع فحواه:
 
- خذوا من أُختكم أم محمد، حلوى عملْتها لسلامة الوصول·
 
تتهللُّ القسمات تُكبر فيها شجاعتها بصمتٍ يحاول امتلاك صولجان الحرية المغتالة· تمتد الأكف لا لتتسلّم حلوى بل لتتقبّل تمائم أمٍّ سكبت خضائل روحها آيات صادقة على ورق أُمنيةِ جعل الحياة آمنة سارّة، وخلق أبناء يحيون على رَفَل الاستقرار بعيداً عن أنفاس شقاء تأتي به صدور المسخ وتنفثها فيروساتهِ لاغتيال هناءات القلوب·
 
تلتهم الأفواهُ أصابعَ الحلوى بشهيةٍ لا يمكن وصفها (لعلّها الشهية السارية بإحساس مشترك أساسه المكايدة الدفينة لسارق الحلم، والتعبير الرمزي لأبجديّة الاستهانة بظنون الموهوم بالاستحواذ، المغرور بالهيمنة·· ولم تكن أم محمد إلاّ امرأة جنوبية لمّا تزل بعضُ ملامح بساطة الجنوبيين باقية بهيئة أوشام خضر أحدها نقطة مستديرة كأنها قطرة خِصب تربط وتري الحاجبين؛ وأخرى في الحافّة المدبّبة للأنف الصغير بينما تتعامد تحت الشفّة السفلى الجافلة بفعل تهالك الأعوام تيجانٌ دقيقة تستقر في قعر الحنك ثم ينحدر بعضها هابطاً مع انزلاق الرقبة ليضيع خلف سواد الثوب··· تطلق ضحكةً بمنتهى الانشراح· تطلقها وسيعةً جذلى كأنها تُعلن نصراً على عدوٍّ مكايد وأبالسة موتورين· لا تأبه للزوج الذي راح يتمتم في أُذنها بمفردات تحجيم تصرفها؛ بل انطلقت:
 
- دعني يا رجل· كلّهم أولادي·
 
وبشيءٍ من السخرية تفوه ناشرة نظراتِها حييّةً على العيون المبتهجة لشجاعتها:
 
- حتّى وأنتَ خارجَ القفص ترتعش خائفاً، وتتلوّى متشكّكاً؟!·· آه· أرعبونا أولاد الحرام·
 
يبتسم الشاب الذي يشاركني الجلوس بعدما عدّلَ نظّارتيه الداكنتين وشرع يرمقها· ألمح تألقَ عينيه من وراء الزجاج· أُشاركه الابتسام، فيهمس:
 
- يا للمسكينة· الآن سمعنا صوتَها··
Page 6
(2)
 
 
 
علا صوت أذان الفجر من المسجد المجاور لبيتنا فكان إيذاناً بمبارحتي بعدما ودّعتُ أمّي التي نهضت من نومها لتراني أكملت ارتداء ملابسي، فلم أكن راغباً في إيقاظها لتعدَّ لي شاياً وما يتوفر من فطور· كانت الحقيبة جاهزة عند باب الصالة· ما إن أبصَرتها عيناها الحسيرتان حتى انكمشتا، لكنهما حبستا دمعاً أوشك على الانفلات· تتهالك في خطوها (آ، يا أُمّي· ذهب الألق البعيد وتبارى الزمن متآمراً مع فعل الجناة في إرهاق كيانك فصارت السنين المتعدّية على الستين كلكلاً يعكّرُ سماءَ حياتك!!)· أراها تسحب قدميها سحباً وئيداً؛ تتكلّف في تجسيد مقدرةٍ ظاهرة··· انحنيتُ اقبّلها في الجبين·· رفعتْ رأسها تقبلّني على خدّي؛ ثم تبعتني·· أسمع همساً خجولاً: .وجعلنا من بينهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يُبصرون خجولةٌ أمّي حتى وهي تردُّد كلامَ الله·· تلكُم هُنَّ أمّهاتنا، يرتدين العاطفةَ نهراً، ويقرأن الالتزام طقساً، وفي قلوبهن ضوءُ العلي الرحيم·
 
- هل ستمر على كمال في بيته؟
 
- لا؛ سألتقيه عند محطة انطلاق الحافلة·· هكذا اتفقنا·
 
عند الشدائد ليس من ملاذٍ إلاّ قوى الغيب نتوجه إليها لاستلهام تماسكات روحية ترافق القوى الوضعية كي تمنحها ثقةً، وتسقيها قدرةً وتحمّلاً· لهذا انطلقَ صوتي مع خاتمةِ ترديد المؤذِّن الذي طفق يلاحقني وأنا أحثُّ الخطى مخلّفاً البيت والمسجد المجاور، منعطفاً إلى .شارع المحافظة العريض، متّخذاً الرصيف بمحاذاة الجدران العالية أو الوطيئة .لا إله إلاّ الله لا رحيق يفعمني بهمسه في هذه الهدأة الزمنية من أوان الفجر إلاّ رحيقه ودعاءات أمي بالسلامة المَطَرية التي لا بدَّ ستُضِّئل من لفح الأقدار الخبيئة··· أتحسس جهة صدري اليسرى كي أتأكّد من وجود الجواز في جيب قميصي وأطمئن لعدم نسياني له ولأشياء قد تُفسد عليَّ خطَّتي في المغادرة·
 
أصواتُ الديكة متناثرة·· خطاي تفضحها ضربات حذائي على الرصيف· الشارع مزدحم بالفراغ والسكون· الحركةُ ميّتة إلاّ من كلبٍ قفز من مكانٍ معتم، فجّر دفعات من نباح ثم سكت مجتازاً الشارع، عابراً إلى الرصيف الثاني· جاورَ جدارَ دائرة البلديّة و تمددَّ هناك، مولياً لعينيه متابعة ابتعادي·
 
الشارعُ يسلك امتداداً طويلاً يحفّز على التأمل؛ يحثُّ على الاستذكار· (شاهد أيامَه الغارقة في النأي وسنيّه الأربعين تنتصب لتأخذ هذا الحيّز الطويل·· رأى الصبي الموبوء بالأحلام؛ المُغرم بالرؤى، النزِق الذي لا يروم للّيل أن يدنو ليغتال حيوية النهار وغواياته· الصبي كثيرُ اللَعب قليلُ الكلام، حتى إنّ عمّته المتزوجة في مدينةٍ نائية أطلقت عليه لقب .الأخرس عندما كانت تعجز عن الحصول على ردود أسئلتها التي تبدأ بـ.كيف حالك يا مبدر؟؛ ولا تختتم إلاّ بـ.لماذا لا ترد؟! هي المتشوّقة لاحتضانه وتقبيله بعد فراق ٍطويل يأكل أشهراً أو أعواماً؛ فصار الجميع: الأب والأم والأخت والأخ الذي يكبره ينادونه .الأخرس كانت العمّة تتأسّى عليه؛ وكثيراً ما ردّدت كلاماً يكاد يكون حصيلةَ حكمةٍ وتجاربٍ مرَّ بها الآخرون·: .هذا الصبي كثير اللعب قليل الكلام، وحال كهذا يجعل منه حين يكبر انعزالياً متقوقعاً، هي التي لا تفقه السبب علمياً وليست قادرة بحكم بساطة تعليمها على إعطاء تفسير مقنع لذلك، ودون أن تعلم أنّ المحللين النفسيين يعزون الأمر لصدمات سيواجهها الأولاد المليؤون بالنشاط والمكدّسون بالطاقة من مجتمعٍ لا يغفر للكبار أعمالاً تستمر صبيانية، فيما هؤلاء الصغار لا يبغون لحبال الرجولة أن تسحبهم من جذل الطفولة، ولا لسلاسلها أن تكبّلهم عن الحركة الدائبة في سهوب البراءة···· تنظر إليه العمّة فتحزن،؛ وتقف جامدةً للحظات، ثم تندّفع منتحبةً:
Page 7
- إنّه يشبه عبّاس· آ· أخشى أن تسري دماء عباس في عروقه·)
 
وعباس أخوها / عمّي· التقطته هالةُ الشيوعية بعمرِ ثمان عشرة سنة، وعَدته بتطلّعاتٍ ستمنح الإنسانية المُعذّبة حريةً وسلاماً؛ وهناءة عيش رغيد فاعتُقِل في العام 1963، ومات آنذاك تحت طائلة التعذيب عندما مارس البعثيون معه ومع الكثير ممّن سحرتهم الشعاراتُ الأممّيّة تواليات من انتهاك أخرق ينأى عن الفعل العقلاني، ابتداءً من إجلاسهم على قناني المشروبات الغازية ثم إدخالها في مؤخراتهم؛ وانتهاءً بتعليقهم من أقدامهم بخطّافات حديدية معدّة لتعليق الخراف المذبوحة، وحرمان طويل من ماءٍ وطعام، حتى انتهى مع اثنين مشنوقين بحبال عمَلت حزوزاً غائرة في رقابهم·
 
تبكي عمّتي؛ وتروح تواصل النحيب· ثم تؤول بعد رجاء أمّي للاستعانة بالله إلى سؤال:
 
- هل ما زالت كتب الشيوعية موجودة في البيت؟ ألم يحرقها داغر (وتقصد أبي)· إنْ لم يكن أحرقها لحد الآن فسأصعد لأتولّى الفعل بنفسي·
 
وتهمُّ بالصعود إلى السطح·· إلى غرفة عمّي عباس التي أغلقها أبي ولم يمس ما في داخلها·· أمرَ أن يبقى سرير أخيه ومنضدة الكتابة، وخزانة الملابس كما هي بمحتوياتها من بدلاتٍ وقمصان وبيجامات كانت تعود له· (حتى عندما أُعلن ما يسمى بالجبهة الوطنية والقومية عام 1975، وأصبح نشاط الأحزاب وعملها مشروعاً رفض أبي طلبات كوادر الحزب الشيوعي العليا للتعرّف على مخلّفات عمّي من كتابات وأفكار· كانوا يرون فيه رغم صغره آنذاك كاتباً واعداً وذكيّاً جسَّ مواطن كثيرة من مفاصل الحزب الفكرية والتنظيمية؛ وظلّت شهادة المرحلة الثانوية المزجّجة والمعلّقة بمواجهة الباب تحكي سِفراً تعليمياً أدركه ولم تسنح له أكف القهر والعذاب والوحشية بتجاوزها·)
 
هل أنا حقّاً كعمّي عباس؟·· هل انتقلت دماؤه الفائرة في عروقه لعروقي _ كما خشيَت عمّتي يوماً ما _ فجعلتني بعد اجتياز السنين أحمل صفاته؟ هل؟···
 
انتهى شارعُ المحافظة فوجدتني أعبر الساحة المستديرة الوسطى، مركز التقاء أربعة شوارع· حثثت القدمين سالكاً درباً يقودني إلى زقاق .العراية، فانتهى بي أمام محطة الحافلة· هناك رأيتُ الركّابَ وقد احتشدوا عند باب الحافلة··· ارتقيت؛ واندفعت إلى مقعدي· وقبل أن أدسُّ جسدي إلى جانب رجل ستّيني ريفي الملامح لمحتُ كمال على مبعدة ثلاثة كراسي·· ابتهج عندما أبصرني؛ ويبدو أنّه هجسَ الكثير لتأخري·ّ لم أكلّمهُ؛ ولم يُبدِ حركةً···
 
هكذا كان الاتّفاق·
Page 8
(3)
 
 
 
كان الطريقُ من بغداد إلى عمّان شاقّاً ومرهقاً وثقيلاً· والشابُ الذي يجالسني المقعد بشعره الأكرد القصير صرف الساعات نائماً أو متظاهراً بالنوم؛ حتى وهو يفتح عينيه قليلاً كان يمارس الصمت، ولم تبدُ عنده رغبة للحديث· غير أنّه، وحين بانت أنوار طريبيل الصفر اللاهثة، سمعته يسألني:
 
- هل ما زالت الحدود بعيدة؟
 
- نحن على مبعدةِ خمسة كيلومترات·· ألاّ ترى الأنوار؟
 
الساعةُ تتعدّى الواحدة ليلاً· وسؤالُ الشاب فاتحة مؤمّلة لهدف سيجعلني أشعر باستقرار بعد ساعات قلقٍ مُمِضٍّ صرفتها محاطاً بأسوار العزلة· لا بدَّ من أن أفتح معه حديثاً وصولاً لإنجاز غايتي التي تشغلني وحاصرتني بجيوش الهواجس·· عرفتُ أنّه تونسي وأنَّ اسمه .الهادي طرحتُ أسئلةً مقتضبة ممزوجة بترحاب خاص، معلناً أنَّ شعوب المغرب العربي جميعاً إخواننا، لكنَّ شساعة المسافة هي من مسببّات البعد تقف إلى جانبها تراكمات الحدود؛ هذه العوائق المثيرة للحنق· قال إنّه جاء قبل عام ليدخل إحدى الكليات العراقية اعتماداً على يسر الأجور في الدراسات الجامعية، لكنه وجد الحياة صعبة ومعقّدة؛ والدراسة مرتبكة ليست كما فهم من خاله الذي درس الطب قبل أربعين عاماً في جامعة بغداد ويعمل الآن طبيباً له سمعةٌ طيّبة في تونس العاصمة·
 
اكتشفته راغباً في الحديث؛ لم يُظهر تهيباً كأي شخصٍ يحسُّ بوطأة الغربة عند لقائه الآخرين· ذلك ما مررَّ أنسامَ الارتياح فوق حقل روحي المفتقد لها·
 
- قال لي اذهب إلى بغداد إذا أردت مستقبلاً رصيناً؛ فالاختصاص الذي تبحث عنه والمعرفة التي ترمي اغترافها تجدها هنالك· لي أصدقاء في بغداد صاروا أطباءً مثلي وما زالت لي معهم بقايا مراسلات وذكريات يمكنهم إعانتك فالعراقيون أوفياء، والسنـين لا تراكم غبــارها على ذاكرتهـم·
 
.الطريقُ يخلقُ الصديق· فلا تقلق يا مبدر· كانت هذه آخر كلمات كمال عندما مدَّ كفّه للوداع، ورسمَ ابتسامةً متكلفة تخفي خشية أنْ يحدث شيء ٌلغير صالحي··· ولحظة تحركت الحافلة وتطلّعتُ إليه أدركتُ عُظمَ خوفه من الصفرة ٍ العميمة التي احتلّت وجههُ· ولم يكن كمال الوحيد في إظهار هذا الانفعال بل عموم المودِّعين لركاب الحافلة وهم يلوحون· فالمغادرون ليسوا كالأعوام الخوالي، ينطلقون قصدَ السياحة والارتياح إنّما لأغراضٍ دفينة في طوايا النفوس؛ لا قدرة للبوح بها· كلٌّ ينشد هدفاً؛ وللجميع مآرب·
Page 9
(4)
 
 
 
أربع ساعات قطعتها الحافلة تحركّاً باتجاه بغداد·· نام أغلبُ الركاب ولم ينتبهوا للتوقّعات العديدة المفترض على السائق أداؤها· فنقاطُ التفتيش تناسلت على الطريق· لم تعد السلطةُ تثق بقريةٍ أو قصبة أو مدينة فصارت تُكثر من النقاط وتزيد من مفارز الأمن والجيش والحراسات الخاصة· وكان وصولنا لبغداد حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً·
 
تهاطلنا من الحافلة؛ وتبعثر الركاب· رفعتُ حقيبتي واتجهتُ لأستقلَّ سيارة أُجرة·
 
- إلى فندق الوفاء، ساحة الوثبة·
 
تركنا .العلاوي وعبرنا جسر الأحرار· دقائق، و كنت أقف في صالة الفندق، أقدّم هويتي للرجل المسجّل وأتفرس في قائمة الأسماء· أفرحني أنَّ .كمال سبقني، و أُعطي الغرفة رقم .115 بينما سلّمني المسجّل مفتاح الرقم .116 هذا يعني أنّنا في طابق واحدٍ بل ومتجاوران· اتخذّتُ السلّم راجلاً إذْ المصعد متوقف يساير انقطاع الكهرباء·(لقد نسي النزلاء مثلما نسي أغلب سكّان العاصمة والمدن العراقية جميعاً لون الكهرباء وطعمها· والساعتان في اليوم اللتان يصل خلالهما التيار يصرفه الناس بدقائق الخشية والقلق من الانقطاع في أية لحظة·)· نقرتُ على الباب نقرات خفيفة فانفرج عن وجه كمال يطلُّ ببسمة ابتهاج كأنها الانتصار· سألني عن رقم غرفتي ووعدني غب دقائق سيكون عندي·
 
الماء البارد، الهاطل رذاذاً من فم .الدوش، الوسيلة المثلى التي افعمت أعضائي المزدحمة بالحرارة انتعاشاً؛ وزارتني رغبة الخروج على الشوارع ألفّها مشياً· وهذا ما طرحته على كمال ونحن نلتقي في الصالة لأول مرّة·
 
- سفرُكَ يجب أن يكون اليوم·· كم الساعة الآن؟
 
- العاشرة والربع·
 
- هو الوقت المناسب للحجز· المكاتب لا تبعد كثيراً من هنا·· هيّا· 
 
عبرنا الشارع واتجهنا سيراً إلى مكاتب .حافظ القاضي أدخلني مكتباً اعتاد أصدقاؤه السفر برحلات حافلاته، ولم يوافقني على مكتب ذكرته كنت قد سافرتُ بحافلاته قبل عقدين؛ بل لم يعرف مكتباً بهذا الاسم··· قطعنا التذكرة، وحُددَّ لنا وقت الوجود الضروري· كانت الخامسة عصراً لأنَّ التحرك سيبدأ في الخامسة والنصف·
 
في النهارات الصيفية منذ سنين طويلة، أيام كنّا نعوم في بحر الشباب الصخّاب اعتدنا التوجّه إلى المعارض الفنيّة والملحقيات الثقافية: معارض الرواق والفن الحديث تقدِّم إنجازات المبدعين، نلاحق الخلق الحثيث ونتابع المواهب الجيّاشة· نبحث عن كل ما هو جديد وخارج عن المألوف، فأعمارُنا المفعمة بالشباب تناوشت العشرين حديثاً تطرح أمام تطلعاتنا رغبات لا تُحدّ·· ندخل المركز الثقافي البريطاني، نطالع المجلات ونقتني مواعيد عرض الأفلام في صالة المركز· نسأل عن الجديد وننتهي·· نصعد الحافلة باتجاه .الباب الشرقي؛ ثم من هناك نلج شارع أبي نؤاس حيث المركز الثقافي السوفيتي· 
Page 10
 يواجهنا الرجل الأصلع ذو اللحية المدببّة، وينظر إلينا الملتحي المؤطَّر بإطارات مزخرفة، مثلما تلتقينا العيون الزرق تقدِّم تحيةَ الاستقبال·· نخرج بعد جولة وحوار فرحين بما حصلنا من أشعار في كتبٍ لبوشكين وروايات لشولوخوف وجنكيز اتماتوف، وإجابات عن كيفية الحصول على تدوينات دستوفسكي وتولستوي وغوغول·
 
نهارات صيفية تدفعنا أماسيها إلى زيارات للأندية الثقافية للكلدان والتركمان والمهندسين· ولا ننسى أن نعرِّج على ساحة الأندلس حيث اتحاد الأدباء· هناك نرى وجوهاً كثيرة بعضها احتوته صفحات الجرائد، وكثيرين لا نعرفهم قدموا لاحتساء كؤوس الخمرة وسط أجواء تمنحهم الاحتفاء والانتماء للوسط الأدبي وإنْ لم ينتموا إليه حقّاً·
 
رفض كمال اقتراحي في إعادة السيناريو، مستنداً إلى سببين: أولهما أن لا وجود للمركز الثقافي السوفيتي أو البريطاني· فالأول أُغلقَ منذ أعوام بعيدة، بعدما نُظرَ إليه على أنّه بؤرة هدّامة تطيح بصرح القومية؛ أمّا الثاني فقد أُغلِقت أبوابُه يوم غُزيت الكويت؛ إذْ استحالت بريطانيا الحميمة بالأمس عدوّة لدوداً ذلك اليوم· ثمَّ إنَّ الحضور إلى بغداد ليس بدافع النزهة والتفرّج، فالأمر ليس بهذه السهولة والاستهانة·
 
- هيّا نأخذ جولةً في شارع المتنبّي ثم ندخل مقهى الشابندر فندخِّن رأس أرجيلة تبديداً للتعب واستعادةً للذكرى·
 
- نعم؛ هيّا·· دعني أستنشق من خثرةِ ظلال شارع الرشيد وأعبُّ من هوائِه الوفير· قد لا أعود إليه مرّة أخرى فيغدو حلماً أمسكتُ به ولم يدم بيدي·· من يدري؟···
 
 تذكّرتُ كمال·· تذكرته وهو يؤكد:
 
- سأتبضّع من الشورجة وأعود هذا اليوم· لا يجب قضاء الليلة في بغداد· مبيتي سيكون في بيتي بالسماوة حتّى يغدو سفري لغرض التسوّق وليس لشيءٍ آخر· هاتفني حالما تصل عمّان ولا تُطل المكالمة·· كن حذراً·