مقدمة ضرورية
مع نشر هذا الاصدار يكون يكون قد مرّ على بدء المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية اكثر من عشرين عاماً، حافلاً بالوقائع والتطورات التي لا يتسع لها المقام، بما في ذلك انعقاد مؤتمرات مخصصة للمضي قدما في هذه العملية، وحدوث سلسلة طويلة من الجلسات التفاوضية المباشرة، واجراء عدد هائل من اللقاءات والمساعي والوساطات متعددة الاطراف، ناهيك عن الاحداث والحروب والعمليات العسكرية، التي وقعت على هامش العملية التفاوضية، وخاطبت اطرافها بصورة مباشرة او غير مباشرة، على أمل الوصول إلى التعايش والسلام بين الشعبين، على قاعدة قرارات الأمم المتحدة، بإعتبارها مرجعية هذه المفاوضات، ويجب أن تكون·
ونظراً لطول المسار الذي قطعته المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، وتتابع المراحل التي عبرتها خلال السنوات الطويلة الماضية المضنية، فإنني اسمح لنفسي بتركيز مادة هذا الاصدار على الفترات الاخيرة من عمر هذه العملية، لا سيما خلال فترة تولي بنيامين نتنياهو مقاليد الحكم والسلطة لدى المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي، لمرة ثانية، مع التوقف ملياً عند محطة ما عرف باسم المفاوضات التقريبية اواسط العام 2010، ثم ما تلاها مفاوضات مباشرة جرت تحت الرعاية الاميركية، وبعد ذلك المفاوضات الاستكشافية في عمان تحت الرعاية الأردنية وبحضور أطراف اللجنة الرباعية في شتاء العام 2012·
وزاد من شعوري باهمية تغطية هذه المرحلة المتأخرة من زمن المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، انها فترة لم تحظ بالاهتمام والمتابعة، بالقدر الذي كانت عليه التغطية المكثفة لهذه العملية في المراحل السابقة، اي في فترة انطلاقها اوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي، وتواصلها على هذا النحو او ذاك طوال سنوات عديدة لاحقة، الامر الذي يوفر المسوّغ الكافي من وجهة نظري، ككاتب مختص بشجون هذه المسألة وشؤونها، لاصدار هذا الكتاب المقدر له ان يغطي بعض الجوانب المهمة من مسار عملية التفاوض في طورها الاخير، الذي بدأ قبل أكثر من ثلاث سنوات ولم تنته فصوله بعد·
لقد حظيت المفاوضات بتغطية شبه شاملة خلال مراحلها المتعددة الاولى، اذ بادر الجانب الاسرائيلي، وعلى نحو عاجل، بتدوين تفاصيل مرحلة اوسلو، حيث اصدر المفاوض الرئيسي في تلك المرحلة، السفير اوري سافير، كتاباً جامعاً عن اتفاق اوسلو، ثم تلا ذلك صدور كتاب آخر باسم الرئيس محمود عباس، وكان يشغل في ذلك الوقت امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إضافة إلى كونه المرجع القيادي مع الرئيس الراحل أبو عمار للمفاوض الفلسطيني في اوسلو، حيث عرض فيه ابو مازن بعض الجوانب المهمة من وجهة النظر الفلسطينية·
كما قام احمد قريع ابو علاء وبعد مرور نحو عشر سنوات على توقيع اتفاق اعلان المبادئ عام 1993، باصدار كتاب مرجعي شامل، غطى فيه تلك المفاوضات باسهاب شديد، ونشر فيه الوثائق ومحاضر الاجتماعات وغير ذلك من التفاصيل، فكان ذلك الاصدار واحداً من بين اهم المراجع الوثائقية عن اوسلو، كما واصل ابو علاء ذات المهمة، لا سيما وانه كان الرجل الذي قاد سائر الوفود الفلسطينية المفاوضة في حينه، باصدار كتاب مرجعي آخر عن مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، واتبعه باصدار شامل عن المرحلة التي عرفت باسم خريطة الطريق، ليأتي الاصدار الرابع والاخير (تحت الطبع) عن مفاوضات انابوليس التي استغرقت اثني عشر شهرا بين عامي 2007 و2008·
وعليه، فإنني اعتقد ان هذا الكتاب يشكّل حلقة اخرى متممة من سلسلة إلاصدارات الخاصة بالمفاوضات، معتمداً فيها ومن خلالها على تقارير ودراسات موثقة، أطلعني عليها، وقدمها لي صائب عريقات عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مسؤول دائرة المفاوضات فيها، وهذا كتابي الثاني الخاص بالمفاوضات، ولذلك، إن اختلفت الازمان وتغيرت القراءات واسماء الكتّاب، الذين بادروا كل باسلوبه وعلى طريقته، بتغطية المسار التفاوضي المديد، فلا شك أنني وغيري، سنسعى من أجل إكمال هذه العملية التوثيقية السردية التحليلية، بما يشمل المراحل الجارية، وربما اللاحقة، من هذه العملية، واعني بذلك المفاوضات التي تتم فصولها الآن، تحت الرعاية الاميركية الحثيثة، من قبل الوزير جون كيري والسفير مارتن أنديك، ويقودها من الجانب الفلسطيني صائب عريقات ومعه محمد إشتيه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وعن جانب العدو الإسرائيلي تسيبي ليفني وزيرة العدل في حكومة نتنياهو ومعها المحامي إسحق مولخو، مستشار نتنياهو الخاص والمباشر، ولمدة من المقرر لها ان تنتهي في نهاية أذار من العام 2014·
اما فيما يخص المحتوى، فقد نحى هذا الاصدار المنحى التحليلي، الذي يقوم على قدر من السرد التاريخي، لعل كاتب هذه السطور يستطيع تقديم وجهة نظر اوسع، وعرض رؤية تستطلع المستقبل، على قاعدة متماسكة من المقاربات الموضوعية الشفافة، المستمدة من خبرة شخصية، وتجارب سياسية متراكمة على مدى عقود زمنية، مكنت صاحبها من فهم الوقائع على نحو اعمق، وادراك الحقائق السياسية بصورة اشمل، ومن ثم البناء على المقدمات الصحيحة وصولاً الى الاستنتاجات الصلبة·
لقد مرّت مادة هذا الكتاب على اتفاق اوسلو بعجالة، مع عرض بعض الوقائع غير المتداولة، وقدر من المناقشات الداخلية اللاحقة على توقيع هذا الاتفاق، كما تم الحديث لماماً عن مفاوضات انابوليس، الا ان الكتاب كان اكثر اهتماماً بما جرى في السنوات الاخيرة، واعني بذلك المفاوضات التقريبية، التي حصدت فشلاً محققاً، ثم بعد ذلك المفاوضات الاستكشافية التي كان حصادها اشد مرارة من سابقتها·
كما عرّج هذا الاصدار على الجهود الدبلوماسية الفلسطينية المتعلقة بنيل عضوية فلسطين في منظمة اليونسكو، ثم تطرق الى الجهود الفلسطينية المبذولة بعناية خاصة، الامر الذي ادى الى النجاح في ترقية وضع فلسطين في الامم المتحدة الى مرتبة دولة مراقبة، وذلك رغم كل تلك المعارك الضارية، التي شنتها كل من اسرائيل والولايات المتحدة، للحيلولة دون تحقيق هذا الانجاز الفلسطيني التاريخي الهام، فكانت هذه الترقية بمثابة هزيمة دبلوماسية كاملة لكل من اسرائيل والولايت المتحدة اللتين وقفتا وحدهما تقريبا في الجمعية العامة ضد هذه الترقية، ولتدلل أيضاً أن المفاوضات كشكل من أشكال العمل الكفاحي لإستعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني، الكاملة غير المنقوصة، لا يعني أنها تشكل بديلاً عن الوسائل السياسية والدبلوماسية الأخرى، لإقرار الحقوق الفلسطينية، سواء من قبل الأمم المتحدة التي أصدرت شهادة ولادة إسرائيل من خلال قرار التقسيم أو غيره من القرارات، أو من قبل الدول المختلفة في العالم، على طريق إستعادة حقوق الشعب الفلسطيني الثلاثة:
1- حقه في المساواة في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948·
2- حقه في الإستقلال في مناطق الإحتلال الثانية عام 1967، وفق قرار الأمم المتحدة 181·
3- حق اللاجئين في العودة إلى اللد وحيفا وعكا وصفد وبئر السبع، وإستعادة ممتلكاتهم فيها وعلى أرضها، وفق قرار الأمم المتحدة 194·
وهكذا، فإن جل ما يتطلع واضع هذا الكتاب الى تحقيقه، هو ان يتمكن من ابداء وجهة نظر اخرى في سياقات السجال الداخلي الفلسطيني المحتدم حول مآلات عملية التفاوض المتنقلة من تعثر شديد الى تعثر اشد، وان يسهم ايضاً في تغطية الوقائع والتطورات التي جرت في غضون السنوات القليلة الماضية، على نحو يسد هذه الثغرة، او قل هذا الفراغ في المكتبة السياسية الفلسطينية، التي تترقب قيام المنخرطين في المفاوضات الجارية بسرد وتوثيق وتحليل ما جرى في اطارها من مواجهات واشتباكات دبلوماسية ضارية، في وقت لاحق·
الفصل الأول
إتفاق أوسلو 1993
عشرون عاماً مرت على التوقيع على إتفاق أوسلو التدريجي المتعدد المراحل، منذ ذلك الإحتفال المهيب، في ساحة الورود، في حديقة البيت الأبيض يوم 13/9/1993، عشرون عاماً مضت مرت خلالها مفاوضات المرحلة النهائية بمحطات هامة متعددة، لم يتم التوصل فيها ومن خلالها إلى تسوية نهائية بين طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تُلبي تطلعات الشعب العربي الفلسطيني لإستعادة جزءاً من حقوقه، أقلها الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وقيام دولة فلسطينية مستقلة، فقد فشلت كافة الجهود الدولية، والأميركية منها خاصة في إنهاء الصراع، والتوصل إلى حل·
وطوال عشرون عاماً، من التفاوض أطلقت أوساط المعارضة الفلسطينية، وصفها، على أنها مفاوضات عبثية كون خيار التفاوض بقي معروضاً على الطاولة، ولم يتم سحبه من قبل منظمة التحرير الفلسطينية بإعتباره خياراً متداولاً، تسعى من خلاله لإستعادة حقوق شعبها، طوال العشرين سنة الماضية، ولأنه كخيار وكأداة وكوسيلة، فشل في إنهاء الإحتلال ونيل الإستقلال، يجب سحبه وعدم الإعتماد عليه، ولكن إذا كان التفاوض منذ عشرين عاماً لم يحقق الهدف المرجو منه، فيمكننا السؤال أيضاً ولماذا الإستمرار الفلسطيني في خيار الثورة والكفاح المسلح والتضحيات والشهداء والأسرى، طالما أن هذا الخيار لم ينجح بعد في تحرير فلسطين؟؟ فقد إنطلقت شرارة الثورة وأول الرصاص يوم 1/1/1965، وحتى يومنا هذا ما يقارب نصف قرن، وقد فشلت الثورة والنضال في تحقيق أهدافها، للأن، فهل يتوقف الشعب الفلسطيني عن هذا الخيار الكفاحي ويلغيه؟؟ أم يبقى خياره النضالي متواصلاً، وإن كان متعرجاً، يصعد ويهبط حسب الظروف السياسية، المحلية والعربية والدولية، وسيبقى وسيلتنا المجربة في جعل الإحتلال مكلفاً، ولكنه لن يكون، ويجب أن لا يكون على حساب المفاوضات، مثلما يجب أن لا تكون المفاوضات بديلاً لخيار وسائل وأدوات الكفاح المختلفة بل مكملة له، حتى يستعيد الشعب العربي الفلسطيني كامل أهداف الثورة المتمثلة بإستعادة كامل حقوقه الثلاثة: 1 - حق المساواة في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948، و2- حق الإستقلال في مناطق الإحتلال الثانية عام 1967، و3- حق العودة للاجئين لمناطق الإحتلال عام 48، والنازحين لمناطق الإحتلال عام 67·
مساوئ أوسلو
الذين ينتقدون اوسلو معهم حق، والذين يدافعون عن اوسلو معهم ولهم كل الوجاهة، فبعد التوصل إلى مسودة الأتفاق يوم 18/8، وبدء العمل على وضع الترتيبات لإعلان الإعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير في 9/9، والتوقيع على وثيقة إعلان المبادئ في واشنطن يوم 13/9/1993، إجتمعت القيادة الفلسطينية، قبل ذلك، في تونس للإطلاع على فحوى الأتفاق ومناقشته وإقراره، وفي العاشرة مساء إلتقى الجمع في مكتب الرئيس أبو عمار، الذي إفتتح الإجتماع بحضور الأمناء العامين للفصائل، وأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، وبدأوا خطاباتهم بفصفصة اوسلو وتحليل مساوئه، وحده محمود عباس أبو مازن إنبرى للتوضيح قائلاً: لقد أنجزنا الإتفاق، ونحن أمام منعطف: إما تكريس الإحتلال، أو أن يكون الإتفاق الخطوة الأولى الضرورية النوعية كمقدمة للإستقلال، وهذا يعتمد على حسن إدارتنا للصراع، وأن تكون خطواتنا منظمة وتدريجية ومحسوبة، وتراكمية، لبناء السلطة الوطنية على أنقاض الإحتلال وصولاً نحو الدولة، وقبل الفجر أنهى الخطباء المعارضون نقدهم وشرشحتهم لأوسلو، لاعنين سنسفيل من أوجده، ووحينما أنهوا، نبهوا أبو عمار أن الجمع أنهو حديثهم، وهو ما زال غارق في قراءة التقارير وتسجيل الملاحظات، فرد عليهم بقوله:
هذه هي مساوئ اوسلو، بس؟؟، اوسلو أسوأ من كده بكتير، وسأل أحدهم عن المسافة ما بين تونس والقدس، فأنبرى أكثر من واحد ليرد على أبو عمار بالجواب، وإختلفوا عن تقدير المسافة ما بين القدس وتونس، فقال: مش مهم، المهم من الأقرب إلى القدس؟ تونس أو القاهرة أو بغداد أو دمشق أو عمان؟، وهل هذه العواصم أقرب إلى القدس من غزة وأريحا؟؟ وأختصر رده بحزم وقال: أنا ذاهب إلى غزة وأريحا، من منكم يرغب بمرافقتي فأهلاً وسهلاً، ومن منكم يرغب في البقاء في تونس والقاهرة والجزائر وبغداد ودمشق، له الحرية وحسن البقاء، وجمع أوراقه وعاد إلى غزة واريحا، وبدأت معركة بناء السلطة الوطنية على الأرض وعاد معه خلال الخمس سنوات حتى عام 1999، أكثر من الثلاثمائة وعشرين ألف فلسطيني، عادوا إلى الوطن·
إذن إطالة عمر المفاوضات، وفشلها في تحقيق أهدافها، للأن، لا يعني ضرورة إلغائها كوسيلة، لأن فشلها مرهون بأداء وموقف الطرفين أولهما العدو الإسرائيلي الذي لم يتجاوب مع الإستحقاقات المطلوبة لتلبية حقوق الشعب الفلسطيني، ومع تطلعات قيادته للتوصل إلى تسوية واقعية، قد لا تكون عادلة بما يكفي، ولكنها واقعية تُرسي علاقات جديدة بين الشعبين على أساس الندية والمساواة والتعايش على الأرض الواحدة، خريطة فلسطين، بعد أن فشل كل منهما في إلغاء الأخر وتصفيته، ولأن الموقف الإسرائيلي لم يرتق لمستوى الأذعان لقرارات الأمم المتحدة، وهي التي ساهمت في إعطاء الشرعية للمشروع الإستعماري الإسرائيلي، وخاصة قراري التقسيم 181، والإنسحاب وعدم الضم 242·
أما العامل الثاني لفشل المفاوضات، فيعود إلى تمسك الجانب الفلسطيني بحقوق شعبه الأساسية، ولو وافق الوفد الفلسطيني في إحدى محطات التفاوض على التنازل عن حقوق اللاجئين في العودة، أو عن القدس، أو أي من القضايا الجوهرية، لنجحت المفاوضات في أول محطاتها، بعد أوسلو، في كامب ديفيد في تموز 2000 برعاية الرئيس الأميركي كلينتون، بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ويهود براك، وكان يمكن أن تنجح في المحطة الثانية في أنابوليس في تشرين الثاني نوفمير 2007، برعاية الرئيس بوش بين الرئيس محمود عباس ويهود أولمرت، وكان يمكن أن تنجح بمحطتها الثالثة، برعاية الرئيس أوباما ومبعوثه جورج ميتشيل، في ولايته الأولى، أو في محطة عمان الأخيرة التي تمت بمبادرة أردنية في شهر كانون ثاني يناير 2012، وعنوانها المفاوضات الإستكشافية، ويمكن أن تحقق النجاح في محطتها الخامسة اليوم تحت رعاية وزير الخارجية الأميركي جون كيري وسفيره مارتن أنديك والتي بدأت في 30 تموز 2013، إذا تجاوب الجانب الفلسطيني مع المطالب الإسرائيلية·
نجاح أوسلو
مفاوضات أوسلو نجحت، لأنها عكست مصالح ورؤية الطرفين وتوصلهما إلى الإعتراف المتبادل وإلى الإتفاق التدريجي المتعدد المراحل، ونتائجها لم تكن نموذجية، لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني، ولكنها من محطات النضال الوطني السياسي الدبلوماسي، على طريق إستعادة الشعب الفلسطيني لكامل حقوقه الوطنية، فقد أنجزت مجموعة من الخطوات الهامة، تتمثل بالإعتراف الإسرائيلي الأميركي بالعناوين الثلاثة:
- الإعتراف بالشعب الفلسطيني·
- الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية·
- الإعتراف بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني·
وعلى خلفية هذا الإعتراف تحققت مجموعة من الخطوات العملية على الأرض وهي:
- الإنسحاب الإسرائيلي التدريجي من المدن الفلسطينية - غزة وأريحا أولاً·
- عودة أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني مع الرئيس الراحل ياسر عرفات·
- ولادة السلطة الوطنية كمقدمة لبناء وقيام الدولة الفلسطينية·
وفوق هذا وذاك، كان أهم إنجاز سياسي حققه الشعب الفلسطيني بفعل إتفاق أوسلو، ونتيجته، يتمثل بنقل الموضوع الفلسطيني، برمته وعنوانه وقيادته، من المنفى للوطن، بإستثناء قضية اللاجئين والنازحين وعودتهم للوطن، حيث بات الصراع بائناً واضحاً تصادمياً على أرض فلسطين، بأدوات فلسطينية في مواجهة عدو الشعب الفلسطيني، الذي ليس له عدواً أخر، سوى عدو واحد، وهو الذي يحتل أرضه، ويُصادر حقوقه، وينتهك كرامته·
سلسلة من المفاوضات المتعثرة
فشل مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، دفعت الرئيس الراحل ياسر عرفات للمزاوجة بين إسلوبي النضال، الكفاح المسلح من طرف، والمفاوضات من طرف أخر، وقد دفع حياته ثمناً لهذا الخيار، بينما سلك الرئيس أبو مازن، خياراً واحداً يتمثل بالمفاوضات، مع دعواته الدائمة للإنحياز نحو الإحتجاجات الشعبية المدنية المتقطعة، والمتعثرة، مع رفضه الحازم لخيار العمل المسلح، وقد جرت ثلاث جولات فاشلة من المفاوضات في ظل إدارة الرئيس محمود عباس في أنابوليس، وفي عمان، وفي عهد ولاية أوباما الأولى، وجولة واحدة في ظل إدارة الرئيس الراحل ياسر عرفات في كامب ديفيد 2000، وها هي التجربة التفاوضية الخامسة والأخيرة التي لا يتوقع منها أحد في تحقيق ما عجزت عنه الجولات السابقة وفشلها في تحقيقه !!·
عوامل القوة الفلسطينية
الصراع في فلسطين، بين طرفين، وشعبين، وخيارين، وروايتين، أحدهما الإسرائيلي متفوقاً عسكرياً وبشرياً وإقتصادياً وسياسياً وتكنولوجياً وإستخبارياً، والطرف الفلسطيني الذي يملك عوامل قوة تمنحه القدرة على الصمود والإستمرارية وتحقيق الإنتصار تتمثل بما يلي:
أولاً: وجود شعب فلسطيني على أرض فلسطين، في منطقتي الإحتلال الأولى عام 1948، أي في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة، يقترب عددهم من مليون وأربعمائة الف نسمة، يمثلون خمس السكان الإسرائيليين، وفي مناطق الإحتلال الثانية عام 1967، أي في الضفة والقدس والقطاع، يتجاوز عددهم، في الضفة 2.700 الف نسمة بما فيها القدس، وفي القطاع 1.700 الف نسمة·
ثانياً: عدالة القضية الفلسطينية ومطالبها المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة المنصفة، بدءاً من قرار التقسيم 181، مروراً بقرار حق عودة اللاجئين 194، وقرار الإنسحاب وعدم الضم 242، وقرار حل الدولتين 1397، وخارطة الطريق 1515، وهي بمثابة السلاح السياسي بيد الشعب الفلسطيني ضد الإحتلال ومشروعه الإستعماري التوسعي الإسرائيلي·
ثالثاً: عداء الشعب الفلسطيني، بكل شرائحه وطبقاته للمشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي، بسبب التناقض الحاد والصارخ بين مصالح الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية والدينية والإنسانية وبين مصالح ومشروع الإحتلال وممارساته وإجراءاته، في التهويد والأسرلة للقدس، عاصمة فلسطين، العربية الإسلامية المسيحية، ولكل فلسطين، وفي قلبها ومشاريع تمزيقها إلى تجمعات جغرافية وبشرية متقطعة·
رابعاً: وجود التعددية بين الفلسطينيين وهو سلاح إيجابي يحد من تسلط الشخص أو الحزب أو الفئة أو اللون الواحد، ويوفر مناخاً وأدوات لرفض أي مشروع يتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني وتطلعاته، إضافة إلى تنوعاته الجغرافية، حيث تمنحه مدى للتعرف على ثقافات الشعوب وقواها الحية، والعمل على كسبها وإنحيازها لقضيته العادلة·
عوامل الضعف الفلسطيني
ومع ذلك، ورغم وجود هذه العوامل الإيجابية بيد الشعب الفلسطيني وقيادته، وبين صفوفه، فثمة عوامل سلبية تؤثر على نضاله وتحد من نشاطه الكفاحي، وتعطل مساره وتؤخر نضاله في إستعادة حقوقه الكاملة في المساواة والإستقلال والعودة، وتتمثل العوامل السلبية، إضافة إلى وجود الإحتلال نفسه وتفوقه، وجود الإنقسام بين صفوف الشعب وجغرافيته إلى حد القطيعة بين الضفة والقطاع، وفي داخل المؤسسة الفلسطينية، وداخل السلطة الوطنية، وغياب البرنامج الوطني الموحد، وغياب الأدوات الكفاحية المناسبة المتفق عليها، وذلك على أثر الإنقلاب الذي قامت به حماس في حزيران 2007، ولا زالت، مع إستمرار محاولاتها بـ أخونة مؤسسات المجتمع والسلطة وتفردها في إدارة قطاع غزة وتسلطها عليه·
الإحتلال والإنقلاب، إضافة إلى المديونية التي باتت عبئاً ثقيلاً على أداء السلطة وحرية قرارها، تشكل هذه العوامل الثلاثة الأعاقة المتراكمة التي تحول دون تحقيق الإنتصار الفلسطيني، وهزيمة المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي·
في 30 تموز 2013، بدأت جلسات التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي في واشنطن، تحت الرعاية الأميركية، في ظل مواقف إسرائيلية متطرفة، وفي ظل رفض فلسطيني واسع من قبل فصائل التيارين اليساري والقومي، إضافة إلى موقف حماس والجهاد الإسلامي، ومع ذلك أصر الرئيس أبو مازن التجاوب مع الرغبة الأميركية، والضغوط العربية، لإستئناف المفاوضات، رغم عدم التجاوب مع الشروط الفلسطينية المعلنة المتمثلة ببدء التفاوض من حيث إنتهت في جولة أنابوليس عام 2007، والمطالبة بوقف الإستيطان سواء في القدس أو الضفة، والمطالبة بالإقرار الإسرائيلي أن هدف التفاوض هو إستعادة الأرض المحتلة في حزيران 1967، وإطلاق سراح أسرى الحرية المعتقلين منذ ما قبل إتفاق أوسلو 1993·
الإختيار المر
ومع ذلك إختارت القيادة الفلسطينية إستئناف المفاوضات، رغم عدم التجاوب مع شروطها المعلنة، وقبولها بإستمرار التفاوض للفترة الممتدة تسعة أشهر، مع عدم ذهابها للمؤسسات الدولية، كي تستكمل عمليات الإعتراف بفلسطين، وجلب إسرائيل للمحكمة الجنائية الدولية ولغيرها·
فماذا حققت فلسطين من خيار إستئناف التفاوض؟؟ لقد كان الإنجاز الأول للمفاوضات توظيف التفاوض كسلاح ضاغط لإطلاق سراح أسرى على أربع دفعات، حيث تم إطلاق سراح 25 أسيراً من أصل 104 سيتم إطلاق سراحهم قبل نهاية التسعة أشهر، وستتواصل التدفقات المالية لتلبية إحتياجات السلطة الفلسطينية سواء للمصاريف الجارية أو لمشاريع التنمية وهي تدفقات هامة ستساعد الشعب الفلسطيني وسلطتها الوطنية على مواصلة الصمود والتنمية على الأرض، إضافة إلى إمتلاك منظمة التحرير حجة قوية للذهاب إلى المؤسسات الدولية، بعد فترة التسعة أشهر، على أثر فشل المفاوضات المتوقع، وحجة منظمة التحرير القوية ستسمح بدعم أوروبي مهم لبرنامج منظمة التحرير وخطواتها، إضافة إلى عدم التصادم مع الأميركيين، فالتصادم الفلسطيني مع واشنطن يصب لمصلحة العدو الإسرائيلي ومشاريعه العدوانية الإستعمارية التوسعية·
وماذا بعد؟؟·
أولاً: تحتاج منظمة التحرير وفصائلها وأحزابها وشخصياتها وفعالياتها المختلفة، لسياسة داخلية هجومية شجاعة، تنهي حالة الإنقلاب والإنقسام وإستعادة الوحدة الوطنية، لأنها ستوفر الإمكانية والقدرة لمنظمة التحرير لتوحيد صفوفها وتوحيد سلطتها الوطنية على الأرض في الضفة والقطاع، وبلورة برنامج وطني مشترك وإختيار أدوات نضال مناسبة ومتفق عليها بين الكل الفلسطيني·
ثانياً: تكثيف العمل على إختراق المجتمع الإسرائيلي، وكسب إنحيازات إسرائيلية لعدالة القضية الفلسطينية·
ثالثاً: إستكمال خطوات الإشتراك في المؤسسات الدولية، بعد الإعتراف وقبول فلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة·
رابعاً: تنشيط العمل الجماهيري على إمتداد الضفة والقدس، والبحث عن عناوين ووسائل جماهيرية نشطة، أسوة بما يجري في بلعين وغيرها من القرى الفلسطينية لتشكل نشاطاً مدنياً متواصلاً ضد الإحتلال، أسوة بما جرى أيام الإنتفاضة الجماهيرية عام 1987·
خامساً: العمل على إستكمال حرية قطاع غزة، بإنهاء الحصار البري والبحري والجوي، كي تكون غزة نموذجاً للإدارة وللسلطة وللحياة الكريمة التي يستحقها أهل القطاع ومنهم وخلالهم كما يستحقها شعب فلسطين بعد الحياة المريرة التي عاشوها لعشرات السنين تحت الإحتلال، وفي منافي التشرد واللجوء·
الفصل الثاني
مفاوضات أنابوليس 2008
بدات مفاوضات أنابوليس في لقاء، ثلاثي أميركي فلسطيني إسرائيلي تم في وزارة الخارجية في واشنطن برئاسة كونداليزارايس يوم 30/ تموز/ 2008 وتم الإتفاق فيه على ما يلي:
1- قاعدة المفاوضات هي خارطة الرابع من حزيران عام 1967 وبما يشمل القدس الشرقية، والبحر الميت وغور الأردن، والمناطق الحرام (No man's Land ) وقطاع غزة·
2- مبدأ تبادل الأرض بشكل متفق عليه وبما يشمل ربط جغرافي بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة·
3- مساحة المناطق الحرام عشية الرابع من حزيران عام 1967، 46 كم2، تم الإتفاق على إقتسامها 50% - 50 % بين الدولتين·
4- هدف عملية السلام تحقيق مبدأ الدولتين إستناداً لهذا التفاهم·
وجاءت الوزيرة رايس إلى رام الله وإلتقت مع الرئيس محمود عباس يوم 15/8/2008، وأكدت له ما تم الإتفاق عليه في اللقاء الثلاثي في واشنطن·
وعلى ضوء هذا الاتفاق كُثفت اللقاءات الفلسطينية - الإسرائيلية على كافة المستويات وفي إطار 12 لجنة تشكلت لمعالجة كافة قضايا التفاوض وعقدت 288 لقاءاً، إلا أن المفاوضات الجدية جرت بين الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت ووصلت نتيجتها إلى ما يلي:-
أ - الحدود: الرابع من حزيران 1967، طرح الجانب الفلسطيني تبادل ما نسبته 1.9% بالقيمة والمثل، وذلك بعد تثبيت حدود دولة فلسطين على خطوط الرابع من حزيران 1967. وطرح الجانب الإسرائيلي ضم 6.5% من مساحة الضفة الفلسطينية، وإعطاء ما نسبة 5.8% من أراضي عام 1948، وتكون النسبة الباقية 0.07% بدل الممر الجغرافي الرابط بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة·
ب - القـــدس: طرح الجانب الإسرائيلي أن الأحياء العربية في القدس الشرقية تكون جزءاً من فلسطين (بيت حنينا، شعفاط، العيسوية، الطور، سلوان، رأس العامود، الصوانة والثوري وباقي الأحياء العربية)، في حين تكون جميع المستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت في القدس الشرقية جزءاً من إسرائيل·
أما فيما يتعلق بالبلدة القديمة، طرح الطرف الإسرائيلي مفهوماً لما يسمى الحوض المقدس، مع ترتيبات خاصة، ترفع فيها السيادة عن الطرفين·
أما الجانب الفلسطيني فتمسك أن القدس الشرقية، مثلها مثل باقي الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة، تُعتبر منطقة محتلة وينطبق عليها مبدأ عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وسوف تكون عاصمة لدولة فلسطين، التي سوف تحترم الديانات وتؤسس على ركائز حرية العبادة للجميع·
ت - اللاجئون وطرح الجانب الإسرائيلي عودة 1000 لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل سنوياً ولمدة خمس سنوات، وتكون عودتهم لأسباب إنسانية· والعودة لدولة فلسطين شأن داخلي فلسطيني· وينشأ صندوق دولي للتعويضات وتكون إسرائيل عضواً فيه· ورفضت إسرائيل تحمل أي مسؤولية عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين· وتتحمل إسرائيل مسؤولية خاصة في تعويض اللاجئين· ويتم بحث إيجاد حلول لممتلكات اللاجئين· بينما طرح الجانب الفلسطيني أن حق العودة كفله القانون الدولي وقرار الجمعية العامة رقم 194 واللاجئ له الحق في الاختيار في العودة إلى إسرائيل· أوالعودة إلى الدولة الفلسطينية· أوالبقاء مكانه أو الذهاب إلى مكان أخر· والعودة إلى دولة فلسطين يخضع فقط للقانون الفلسطيني· وينشأ صندوق دولي للتعويضات، بحيث يتم تعويض كافة اللاجئين مهما كان خيارهم، فالحق هو العودة والتعويض وليس العودة أو التعويض· مع حق تعويض الدول المضيفة·
ج- بالنسبة للميــاه طرح الجانب الإسرائيلي تأسيس تعاون إقليمي لحل مشكلة المياه· وإقامة محطات تحليه للمياه في إسرائيل وتزويد دولة فلسطين بما تحتاجه من مياه· واحتفاظ إسرائيل بسيطرتها على أحواض المياه· أما الجانب الفلسطيني فقد طرح حل قضية المياه وفقاً للقانون الدولي· وأحواض المياه الفلسطينية تكون ضمن سيادة دولة فلسطينية· وحقوق فلسطين المائية في نهر الأردن· والبحر الميت، فلسطين دولة مشاطئة لها 37 كم طول و220 كم2 المساحة الإجمالية· و12 ميل إقليمي لقطاع غزة على البحر المتوسط· والتعويض عن سرقة إسرائيل لمياهنا منذ عام 1967· والتعاون لحل مشكلة المياه إقليمياً·
ح- أما الأمن فقد قدم الجانب الإسرائيلي تصوراً لدولة فلسطينية منزوعة السلاح· ووجود إسرائيلي في عدة مواقع في دولة فلسطين· ويكون لإسرائيل السيطرة على المجال الجوي لفلسطين· وطرح الجانب الفلسطيني تحريم أي وجود إسرائيلي على أراضي الدولة الفلسطينية· وتكون حدود فلسطين ومعابرها وأجوائها ومياها الإقليمية تحت سيادتها الكاملة· والموافقة على وجود طرف ثالث لفترة زمنية محددة· ويكون لدى فلسطين وبالتعاون مع الطرف الثالث الحق في امتلاك الأسلحة المطلوبة للنهوض بمسؤولياتها كاملة·
د - وبشأن الأسرى: طرح الجانب الفلسطيني أن تقوم إسرائيل بالإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين عند توقيع الاتفاق النهائي·
وديعة الرئيس بوش
في تاريخ 18/12/2008، وقبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس بوش توجه الرئيس محمود عباس إلى واشنطن والتقى الرئيس الأمريكي جورج بوش، حيث قدم له منظومة احتوت على ملخص لأين وصلت المفاوضات بين الجانبين حول كافة القضايا· وعندما أطلع الرئيس بوش عليها قال أريد وفداً إسرائيلياً وفلسطينياً في الثالث من شهر يناير 2009 لمراجعة هذه المنظومة والخرائط ووضع الأحرف الأولى عليها، وذلك لنقلها إلى الإدارة الأمريكية الجديدة مع توصية ببدء المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في ديسمبر 2008 وأضاف قائلاً للرئيس أبو مازن: لقد قمت بكل ما عليك، لا يستطيع أحد أن يوجه لكم اللوم، أنا قمت بما علي وأنت قمت بما عليك، لكن الجانب الإسرائيلي سقط في دوامة مشاكله الداخلية، وتهرب من الاتفاق·
رد الرئيس أبو مازن: سأرسل د· صائب عريقات ومعه فريق فني لمراجعة منظومة المواقف والخرائط يوم الثالث من يناير 2009، وسيكون ذلك بمثابة الوديعة عندكم ولكن بدلاً من الذهاب إلى واشنطن قرر أولمرت شن الحرب الإجرامية على قطاع غزة، في نهاية عام 2008·
وبادر الرئيس بوش وترك رسالة مكونة من (11) صفحة لإدارة الرئيس أوباما تتضمن تفاهم رايس في 30/7/2008، وملخص لأين وصلت المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي·
الفصل الثالث
تراجعات أميركية في عهد أوباما 2009
منذ توليه ولايته الدستورية، بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما حيوياً ومتحمساً في القضايا الساخنة التي تشغل بال الرأي العام الأميركي، وتلك التي تُؤثر على المصالح الأميركية في العالم، وقد ظهر ذلك جلياً في اهتمامه وحماسه لإطفاء عناوين التوتر والصراع في منطقتنا العربية، ومن ضمنها بل وفي طليعتها الصراع العربي الإسرائيلي وفي مقدمته الصراع الفلسطيني الإسرائيلي·
ففي اليوم التالي لتسلمه رئاسته في البيت الأبيض، اتصل أوباما بالرئيس الفلسطيني يوم 21/1/ 2009، وفي اليوم الثالث عيّن جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً له في الشرق الأوسط، يتابع قضايا الصراع العربي الإسرائيلي والصراع الفلسطيني الإسرائيلي منه بشكل خاص، ورفع الرئيس الأميركي شعاراً ردده في كافة المناسبات يقوم على تحقيق الأمن للإسرائيليين والعدالة للفلسطينيين من خلال تحقيق مبدأ الدولتين، دولة إسرائيل تعيش بأمن وسلام إلى جانب دولة فلسطين·
في 28 أيار 2009، التقى الرئيس أبو مازن مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض وعرض عليه مطالبه ورؤيته بالنقاط الست الآتية:
1- ضرورة طرح مبادئ للحل النهائي، من قبل الرئيس الأميركي وحل كافة القضايا: الحدود، القدس، الاستيطان، اللاجئين، المياه، الأمن، والإفراج عن المعتقلين·
2- أن تبدأ المفاوضات من النقطة التي وصلت إليها مع حكومة أولمرت·
3- ضرورة تحديد سقف زمني لإتمام المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي·
4- تحديد مدة زمنية لإتمام انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط الرابع من حزيران عام 1967·
5- يكون إعلان الدولة الفلسطينية بعد استكمال الانسحاب، مع التأكيد على رفض الدولة ذات الحدود المؤقتة·
6- بالتوازي مع استئناف المفاوضات على أساس تنفيذ مبادئ الرئيس أوباما، يقوم كل طرف بتنفيذ ما عليه من التزامات من المرحلة الأولى من خارطة الطريق، وتحديداً وقف النشاطات الاستيطانية بما في ذلك ما يسمى النمو الطبيعي وبما يشمل القدس، وإعادة الأوضاع على الأرض إلى ما كانت عليه في 28 أيلول 2000، وفتح المكاتب والمؤسسات الفلسطينية المغلقة في القدس الشرقية ورفع الحصار والإغلاق عن الضفة الفلسطينية وقطاع غزة على حد سواء·
ومن جانبه، أكد الرئيس محمود عباس، استمرار تنفيذ الالتزامات المترتبة على الجانب الفلسطيني وفق خارطة الطريق·
وقد جاء رد الرئيس الأميركي أوباما على الرئيس أبو مازن بالنقاط الآتية:
1- علينا استعادة المصداقية لعملية السلام، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بتنفيذ التزامات المرحلة الأولى من خارطة الطريق·
2- على إسرائيل أن تنفذ التزاماتها وتحديداً وقف الاستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي·
3- على الجانب الفلسطيني الاستمرار في تنفيذ كافة التزاماته والعمل على وقف التحريض·
4- على الدول العربية أن تقوم بخطوات تجاه إسرائيل لتعزيز الثقة.
5- وعلينا استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008·
6- لن نقوم بطرح أي مواقف في المرحلة الحالية، وعلينا أن نرى كيف تتطور المفاوضات، وأنه من السابق لأوانه الحديث عن الحل النهائي، وأن فريق الرئيس أوباما، والوزيرة كلينتون والسيناتور ميتشيل، يدرسون المسائل من كافة جوانبها لتحديد أفضل الطرق للتوصل إلى تحقيق مبدأ حل الدولتين على الأرض·
7- طلب من الرئيس أبو مازن وجوب استمرار بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وتعزيز مبادئ المساءلة والشفافية والديمقراطية وسيادة القانون·
8- اعتبر أن إنشاء دولة فلسطينية، مصلحة أميركية عليا·
وعلى أرضية هذا اللقاء، بين الرئيسين الأميركي والفلسطيني، أجرى ميتشل (31) اجتماعا ً مع فريق التفاوض الفلسطيني، خلال العام 2009، في فلسطين وخارجها، وكان السفير ميتشل حينما يلتقي مع صائب عريقات وفريقه يقول له استمروا في تنفيذ التزاماتكم، فليس لدي ما أطلبه منكم، عملي الرئيسي يتركز على الإسرائيليين، فعليهم أن يدركوا أن عليهم 1- وقف الاستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي· 2- استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008، وعلى الدول العربية إيداع خطوات تطبيع مع إسرائيل عندنا، وذلك لتحفيز إسرائيل على القيام بالخطوات المطلوبة منها وبقي ميتشل يقول هذا الكلام حتى شهر آب 2009، حين غير طريقة ومضمون كلامه وكشف عن أن الأميركيين لم يعودوا يريدون أية خطوات من الدول العربية، وأنهم لم ينجحوا في التوصل إلى أي اتفاق مع الإسرائيليين، ويبدو أنهم لن يحصلوا على كل ما يريدون من حكومة نتنياهو، وبذلك ترك انطباعاً على عدم استجابة الأميركيين لاستحقاقات التسوية وفق المبادئ المتفق عليها، وبالتالي احتمال تغيير مواقفهم المعلنة·
في 14 حزيران 2009، ألقى نتنياهو خطاباً، حدد فيه سياسات حكومته كما يلي:
- اعتبار القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل لن يتم التفاوض حولها·
- عدم السماح بعودة حتى ولو لاجئ فلسطيني واحد إلى إسرائيل·
- الاستمرار في البناء في المستوطنات تلبية لحاجات النمو الطبيعي· أما القدس فهي تعتبر أعمال بناء عادية ولا يمكن اعتبار ما يجري في الأحياء اليهودية (المستعمرات) بناءً استيطانياً، ورفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967·
- اعتراف الجانب الفلسطيني بدولة إسرائيل كدولة يهودية·
- سيطرة إسرائيل على المعابر والأجواء الفلسطينية·
- يحق للفلسطينيين عند موافقتهم على ما ورد أعلاه إعلان دولة (القصد مناطق أ+ب) أي دولة ذات حدود مؤقتة·
- تكون هذه الدولة منزوعة السلاح·
- دعوة الجانب الفلسطيني لاستئناف المفاوضات دون شروط مسبقة·
وبناءً عليه توصل ميتشل إلى صفقة اتفاق مع نتنياهو في شهر أب 2009، تدلل على تراجع الأميركيين عن سياساتهم المعلنة وبما تم الاتفاق عليه مع الفلسطينيين وهي تقوم على ما يلي:
1- العودة إلى المفاوضات دون شروط مسبقة (!)·
2- ستشمل مواضيع المفاوضات: القدس، الحدود، المستوطنات، اللاجئين، المياه والأمن·
3- لن تبدأ المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في كانون الأول 2008 (!)·
4- لا تتم الإشارة إلى تفاهم رايس 30/7/2008 (!)·
5- يستطيع كل طرف أن يطرح ما يريد·
ولمحاولة تغطية تراجع إدارة الرئيس أوباما عن مواقفها المعلنة، عرضت الإدارة الأميركية على فريق التفاوض الفلسطيني خلال شهري أيلول وتشرين الأول 2009، إرسال رسائل ضمانات أميركية تتضمن ما يلي:
1- إقرار الإدارة الأميركية أن الاستيطان الإسرائيلي غير شرعي.
2- إقرار الإدارة الأميركية أن ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل غير شرعي.
3- تتعهد الإدارة الأميركية ببذل كل جهد ممكن لإنهاء المفاوضات في مدة 24 شهراً تقوم عندها دولة فلسطين المستقلة·
ولكن الرئيس الفلسطيني رفض هذا العرض، رفضاً قاطعاً، وأعلم السيناتور ميتشل أنه لن يحضر اللقاء الثلاثي الفلسطيني الإسرائيلي الأميركي في نيويورك على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 أيلول 2009، والذي تقترح فيه واشنطن الإعلان عن استئناف المفاوضات النهائية·
وأمام هذا الموقف الفلسطيني، تراجعت إدارة الرئيس أوباما عن نيتها إعلان استئناف المفاوضات في اللقاء الثلاثي المقترح، وأصرت على عقد اللقاء بهدف تأكيد التزام الرئيس أوباما بمبدأ حل الدولتين وهذا ما تم، حيث أعلن كل طرف مواقفه السياسية بمعزل عن أية قواسم مشتركة·