eKtab
EN ع
فتنة وحشمة
Read free sample

فتنة وحشمة

by د. سامر سقا أميني

Page 1

ثلاثة في واحد

سميح المهندس الشاب العازب يعود من عمله عصراً، يتناول طعام الغذاء مع والديه، ثم بعد قيلولة قد تطول وقد تقصر حسب الجهد المبذول في اليوم، يجلس على الشرفة ليمضي وقته في تأمل المارين في الشارع، وهو يستمع إلى إحدى أغنيات الست (أم كلثوم).

إنها عادة اكتسبها منذ أن بدأ عمله الوظيفي، ووجد فيها ملهاة له بانتظار أن يعثر على توأم روحه.

لقد جاوز سميح الثلاثين من عمره، ولا تزال والدته صابرة في البحث عن الفتاة التي تحقق شروط ابنها، شروطاً تزداد صعوبة مع مرور الأيام، حتى أنها أحياناً تشعر بالملل من كثرة زيارة العائلات في البيوت لرؤية البنات فتخاطب ابنها: بني، لقد شاهدنا نصف بنات الشام، أمن المعقول أنك لم تجد من تصلح لك زوجة حتى الآن؟!

يطرق سميح برأسه إلى الأرض، ويجيب باختصار: "الله كريم".

في هذا اليوم، وبينما كان جالساً جلسته المعتادة على شرفته التي تبرز في الطابق الأول من البناء، لمح بنات جيرانه يخرجن من البناء المقابل. إنهن ثلاث أخوات يسكنَّ في الطابق الثاني في مواجهته، وهو يسمع أحياناً أصوات كلامهن ومزاحهن مع بعضهن عندما يجلسن في شرفة بيتهن، ويمضين السهرات على ضوء القمر بين كلام وضحك.

لقد سبق أن تكلمت له أمه عنهن، فالكبرى بثينة هي طالبة في السنة الخامسة في كلية الطب، والوسطى سلمى طالبة في السنة الثالثة في كلية التجارة، والصغرى هلا طالبة في السنة الأولى في كلية الفنون الجميلة.

العلاقة بين أهل سميح وأهل الفتيات كانت رسمية، والتعارف بين العائلتين كان محدوداً.

إن مصدر معلومات والدة سميح عن الجيران كان إحدى الجارات التي كانت هوايتها المفضلة التنقل بين بيوت الجيران والتقاط الأخبار، ثم نشرها مع إضافة بعض المنكهات.

وعن طريق هذه الجارة علمت والدة سميح أن البنات عازبات، لذا فقد عرضت على ابنها زيارتهن لاختيار واحدة له منهن، ولكنه طلب منها التريّث فلعله بمراقبتهن عن بُعد يهفو قلبه إلى إحداهن.

إن منظر البنات الثلاث وهن خارجات من البناء يثير استغراب سميح في كل مرّة، فبثينة تلبس (مانطو) كحلي اللون، وتضع حجاباً يميل لونه إلى الزرقة، وجواربها سميكة بلون أقرب إلى البني، وحذاؤها بكعب منخفض.

لا تصبغ بثينة وجهها بأية ألوان، إنما تكتفي بوضع نظارة شمسية عند خروجها نهاراً.

أما سلمى فكانت تضع حجاباً أبيض اللون تتفنن كل مرة في شكله وتصميمه، فمرة تحيط بأطرافه رقبتها، ومرة تضع تحته ما يجعله مرتفعاً كطربوش الرجال.

في هذا اليوم كانت ترتدي قميصاً سماوي اللون، وبنطالاً من الجينـز الضيّق.

لم تكن من عادة سلمى أن ترتدي الجوارب، لذا كانت تبرز أصابع قدميها المصبوغة أظافرها بالأحمر من الحذاء المكشوف الذي ترتديه. كان الكحل يميّز عينيها الواسعتين، وكانت لا تستغني عن حمرة الشفاه، وبعض البودرة على الخدين قبل خروجها.

كان منظر الحجاب مع القميص الذي يظهر علامات حمالة الصدر، ومع الجينـز الضيّق الذي يصف جميع انحناءات وبروزات جسدها يبدو بالنسبة لسميح في قمة التناقض.

Page 2

لقد تحوَّل الحجاب الأبيض مع بقية أدوات الزينة إلى لوحة تحمل من الفتنة أكثر مما تحمل من الحشمة.

وتذكر سميح زميلة له مهندسة في العمل، والتي ترتدي زياً قريباً من زي سلمى، ولكنها فاقتها في أنها تلبس "البنطلونات" ذات الكمر المنخفض، بحيث أنها كلما انحنت على الأرض لتلتقط شيئاً بدا جزء من مؤخرتها. وكان الزملاء يتغامزون في المكتب عن الرأس المغطى والمؤخرة المكشوفة.

وأما الصغرى هلا فكان شعرها مكشوفاً مربوطاً إلى الخلف في معظم الأحيان على شكل (ذيل الحصان)، وكانت تلبس الجينـز مع قمصان بكم قصر أو كنـزات دون أكمام. وقبل خروجها من البيت كانت هلا تضع لمسة من الماكياج على وجهها.

في هذا اليوم كانت هلا تلبس كنـزة بعنق واسع بحيث ظهر أحد كتفيها مع جزء من حمالة الصدر الشفافة.

كان سميح كلما رأى الأخوات الثلاث تعجَّب من هذه الخلطة العجيبة من الأزياء، فهو كان يدرك أن خلف كل زي يوجد قناعة محددة هي التي جعلت صاحبتها تختار ذاك اللباس دون غيره.

وهو قد سبق له أن سأل أمه عن والد البنات ووالدتهن، فعلم أن الوالد أستاذ في الجامعة في كلية الحقوق، وأنه ذو شخصية محببة عند جيرانه، يحترم الجميع، والكل يحترمونه.

أما المفاجأة فكانت في الوالدة التي تخرَّجت من كلية الصيدلة، ولم تعمل بشهادتها، إذ إنها تفرَّغت لتربية بناتها، والمفاجأة كانت في أنها سيدة منقَّبة. إنه فعلاً كوكتيل من الأزياء والأفكار والقناعات في بيت واحد، ولقد احتار سميح هل هذا الخليط هو دليل ديمقراطية في البيت بحيث يترك لكل فرد من العائلة الحرية في ارتداء مايريد، أم أن البنات أصحاب شخصيات قوية بحيث يفرضن على أهلهن مايردن؟

وبدأ عقل سليم يلعب لعبة التخيل، وهو ماهر بهذه اللعبة، حيث يتخيل عقله حديث النفس عند الآخرين. فبدأ يتخيل بثينة وهي تقف أمام مرآتها في الصباح ترتب حجابها قبل خروجها إلى جامعتها، وتخاطب نفسها: "يجب أن يكون لباسي محتشماً وأنيقاً، ويجب أن أكون مسؤولة عن أمانة الحجاب في أخلاقي وتعاملي مع الناس.

لقد حرمت نفسي من بعض وسائل الزينة وموديلات الموضة، ولكن شعوراً طاغياً مبهجاً بالتزامي بأوامر الله جعلني أعيش في لذة لو علمها الملوك لقاتلوني عليها بالسيوف، أنا سعيدة ومسرورة بحجابـي والتزامي، ويكفيني جزاءً أن أحشر مع خديجة وعائشة وفاطمة".

أما سلمى إذا وقفت أمام المرآة، فماذا تخيلها سميح تقول؟

"هأنذا أمتثل لأوامر ربـي وأحتشم. إنني أحب الموضة وفنونها، وأحب أن أباهي صديقاتي بملابسي، كما أحب أن ألفت أنظار الشباب في الجامعة والطرقات، فلعل عريساً يأتيني قريبا. قد أرتكب بعض التجاوزات ولكني أفضل من غيري، والله غفور رحيم".

وإذا وقفت هلا أمام المرآة فإن سميح يجري على لسانها: "أنا أحب أن أكون محجبة مثل أخواتي، ولكني أريد الآن أن أستمتع بعمري في صفوف الجامعة، ألبس ما أريد، أتزيّن كما أحب، وإذا كتب الله لي التخرّج والزواج سأذهب إلى الحج وأعود محجبة بإذن الله".

عاد سميح لنفسه بعد خيالاته تلك، وابتسم كيف انحرف في الخيال حتى أجرى تلك الأحاديث على لسان الفتيات، ثم مالبث أن عاد إلى خيالاته فتصور نفسه زوجاً لكل منهن.

"لو تزوجت بثينة فستكون زوجة محتشمة خارج البيت وأمام الغرباء، وستكون خالصة لي في خلواتنا. إنها لن تستعرض مفاتنها أمام الآخرين، وسيبقى ذلك مقتصراً عليَّ أنا زوجها.

إن حجاب بثينة سيكون له برنامج، فهو دلالة على التزامها بقواعد معينة، فستعتذر عن عدد من الحفلات والسهرات التي لا تلائمها أجواؤها، وسيكون لها خياراتها في مقاصد السفر وأجواء اللقاءات مع الأصدقاء.

أما لو كانت سلمى من نصيبـي فإنني أتوقعها أن تكون أكثر ليونة من بثينة. فهي ستقبل الذهاب إلى الحفلات العامة المختلطة، والتسكع على شواطئ البحر، وإن كانت ستحافظ على زيها المعتاد.

أما هلا، فهي ولا شك ستكون ملفتة للنظر في أي مكان تخرج إليه، فهي إضافة إلى جمالها فإنها ماهرة في اختيار الملابس التي تظهر مواطن الفتنة في جسدها. فهل ياترى سأرتاح إن رأيتها أمام الأصحاب في ملابس السهرة المكشوفة أو في ملابس البحر على الشطآن؟".

احتار سميح أمام تلك الخيارات، وأصبح يمارس هذا التفكير كنوع من الرياضة الذهنية، بحيث أنه أمام كل موقف من مواقف حياته اليومية كان يخاطب نفسه: ماذا ياترى تفعل بثينة أو سلمى أو هلا أمام هذا الموقف؟

تشاور سميح مع صديق له حول الأخوات الثلاث فجاءه جواب مستفز: "لو كنت أريد صديقة لاخترت هلا، أما الزوجة فأتردد بين بثينة وسلمى".

انـزعج سميح من جواب صديقه الذي يتعامل مع البنات كبضائع، فللتسلية بضاعة، وللزواج بضاعة أخرى.

قرر سميح أن يخلو بنفسه ليتعرف عليها أولاً، ثم يختار من البنات ما يراها الأقرب إلى نفسه، فمن أصعب الأمور أن نغوص في أعماق الآخرين لنسبرها، ونكون جاهلين لأعماقنا نحن.

Page 3

جريدة الصباح

كان سمير جالساً مع أمه في غرفة الجلوس في صباح أحد الأيام وهو يطالع جريدة الصباح. هذه العادة اكتسبها سمير من والده المرحوم الذي كان يبدأ صباحه بتدخين "سيجارة" مع احتساء فنجان من القهوة، وخلال ذلك يطالع جريدة الصباح.

وكان أبو سمير حريصاً في جلسته تلك أن تكون زوجته إلى جانبه حتى يسرد لها أهم الأخبار التي يطالعها في الجريدة.

رحل الأب إلى رحمة ربه، وجلس مكانه ابنه البكر سمير، وأعاد المشهد لكن دون "سيجارة" لأن رؤيته لمعاناة أبيه طوال حياته من السعال والبلغم، ثم نهايته المؤلمة بسرطان الرئة، جعلت سمير يكره التبغ بكل أشكاله.

في هذا اليوم، كتب في الجريدة مقال طويل عن المحجبات، وكان سمير كلما قرأ فقرة اختصرها لأمه حتى وصل إلى سؤال الصحفي للبنات اللواتي قابلهن: هل يمكن أن تنـزعي حجابك إذا ذهبت إلى صالون حلاقة صاحبه رجل؟

أجابت أم سمير بكل عفوية: طبعاً لا.

ابتسم سمير وقال لأمه: حبيبتي ماما السؤال ليس لك بل للبنات موضوع المقابلة.

أجابت الأم: ولكن هذا ليس بسؤال، فالجواب بدهي إذ لا يمكن لبنت محجبة أن تنـزع حجابها أمام حلاق رجل، فالبلد فيها- بحمد الله- أعداد كبيرة من الحلاقات، وهن صاحبات خبرة ويقدمن جميع الخدمات اللازمة.

ثم هل نـزع الحجاب أمام الحلاق هي ضرورة حتى يتسامح الشرع معها؟

قال سمير: ماما طولي بالك، المقابلة ليست معك، فاسمعي جواب البنات صاحبات المقابلة.

قرأ سمير بسرعة المقال الطويل، ثم نظر إلى أمه وقال: والله ياماما قد تتعجبين من أجوبة البنات، فهناك قسم منهن يوافقك في الرأي ويعتبرن الأمر غير جائز، ولاتجدن أية رخصة تبيح لهن نـزع الحجاب أمام الحلاق.

ولكن هناك قسم آخر من البنات اعتبر أن الحلاق الرجل هو صاحب نظرة جمالية مختلفة عن الأنثى، فهو بحكم ذكوريته يدرك مواقع الجمال في الأنثى، فيكون عمله مناسباً لها أكثر. وهؤلاء صاحبات الرأي الثاني يسمحن لأنفسهن في المناسبات الهامة بنـزع الحجاب أمام الحلاقين الذكور، إذ يعتبرن الأمر بمثابة الضرورة كما هو الحال عند الطبيب.

ارتعدت أم سمير من هذا الجواب، وقالت: "سبحان الله، أصبحت البنات من الجرأة بحيث يصدرن فتاوى لأنفسهن، وأصبحن يرين من نظر الرجال إليهن بشهوة معياراً لنجاح تسريحة الشعر... يابني إن الحجاب هو التزام، وهؤلاء البنات لايرين في الحجاب إلاّ قطعة قماش يزين بها رؤوسهن.

الحجاب هو التاج الذي تضعه الملكة لتعلن التزامها بمبادئ معينة، وليكون شاهداً على خيارها أنها ارتضت الله رباً والإسلام ديناً ومحمداً رسولاً.

أما اللواتي دفعتهن العاطفة في مجلس ما، أو بعد حادثة معينة إلى وضع الحجاب دون امتلاك ذاك الأساس من العقيدة المتينة في أعماق صدورهن فإنهن يسارعن إلى نـزعه عند أول فرصة، ولأقل عذر.

استسهلت بعض السيدات نـزع الحجاب بعد فترة من وضعه بسبب ضعف إيمانهن الذي خسر المعركة أمام شهوات الدنيا وإغراءاتها.

ومما زاد الطين بلة هو ذاك الدور الذي لعبته الفنانات (المسميات بالتائبات) في تسهيلهن للتلاعب بالحجاب، فقد ظهرن في أشكال من الحجاب لا تتناسب مع وقار الالتزام، وهاهي إحداهن تقدم مسلسلاً بشعر مستعار حتى لا تظهر بحجابها في المسلسل.

يا بني إن البنت المحجبة عن عقيدة يرتبط حجابها بوجودها، فمن أراد أن ينـزع لها حجابها فليعلم أنه بمثابة نـزعه لروحها، وهي مستعدة للتنازل عن حياتها مقابل المحافظة على حجابها.

وأنت لا تزال تذكر خالتك التي كان زوجها الجبار ينـزع لها حجابها أمام أصدقاء العائلة في سهراتهم، وهو يضحك تلك الضحكة المستهزئة الرنانة، فكانت دموعها تنهمر أمام الناس، وكانت عند عودتها إلى بيتها تقضي ليلها باكية مستغفرة لله رب العزة".

أغلق سمير الجريدة، واستعد للذهاب إلى عمله.

لقد كانت جلسة اليوم دسمة، حتى أنها أخرته عن موعد انطلاقه إلى العمل.

Page 4

موعدنا في البولفار

"موعدنا مساءً كالعادة في مطعم "البولفار".

"إن شاء الله، في التاسعة".

لقد اعتاد طاقم الخدمة في مطعم "البولفار" على هذه الشلة من الأًصدقاء وزوجاتهن. إنها أربع عائلات تصادق رجالها بداية بسبب علاقات العمل، ثم تعارفت الزوجات على بعضهن، وغدت العائلات الأربع تتشارك في معظم نشاطاتها الاجتماعية.

ومنذ فترة، وبسبب الأزمة العاصفة التي تمر بالبلاد، قرروا أن يجتمعوا يومياً مساءً في مطعم "البولفار" القريب من بيوتهم.

كان اجتماعهم في كل يوم عند التاسعة مساءً، يجلسون على طاولة اعتادوا حجزها يومياً. يبدأون سهرتهم بتداول بعض الأحاديث اليومية، ثم يطلبون مقبلات خفيفة، ثم لا يلبث أن يبدأ توزيع ورق اللعب لتمضية السهرة حتى الثانية عشرة ليلاً.

الرجال الأربعة كانوا مهندسين في شركة مقاولات كبرى، ونساؤهن كنَّ ربات بيوت على الرغم من حصولهن جميعاً على شهادات جامعية.

وعلى مرور الأيام وتتالي السهرات، بدأ يظهر بعض التناغم والانسجام بين بعض أفراد المجموعة، وأكثر ما تجلى هذا التناغم بين حسام وريم زوجة بشار.

لقد كان الاثنان من النوع الذي يجيد المزاح الذكي الذي تكثر فيه الرموز ويحمل الكثير من المعاني.

كان حسام وريم يسيطران على السهرة بنكاتهماوضحكاتهما العالية، مما كان يلفت نظر بقية الزبائن في المطعم الذين ينظرون بفضول إلى هذه المجموعة التي تعيش في الضحك والفرفشة خارج الزمان والظرف الراهن.

كان حسام يفتقد لغياب ريم، وكذلك كانت ريم.

وعندما مرت ريم بوعكة صحية ألزمتها الفراش، تغيّر مزاج حسام، وأصبح متوتراً، لا يمزح، ولا يعلّق، بل وينسحب من السهرة في منتصفها بذريعة التعب.

مرت أشهر، وازداد تعلق حسام بريم، وريم بحسام، لكن دون أن يتكلما أية كلمة في هذا الشأن، ولكن العيون كانت تحمل الكثير من الرسائل والمشاعر.

تجرأ حسام في أحد الأيام وطلب ريم على الهاتف مطمئناً على أحوالها الصحية، وردت له ريم المكالمة في عيد ميلاده مهنئة.

استمرت السهرات، واستمرت الحواجز بين القلبين بالتهاوي، حتى استيقظ أصدقاء العائلتين على خبر:

حسام طلق زوجته..

ريم طلبت الطلاق من زوجها..

وبعد خمسة أشهر تماماً حسام يتزوج ريم.

Page 5

أخرجوهن من مدارسكم إنهن فتيات محجبات

ميساء في السادسة عشرة من عمرها، وهي في الصف العاشر من مدرستها، متفوقة، وجميلة الطلعة.

تتميز هذه الشابة بتفكيرها المنطقي وذهنها الصافي، فهي تجيد تحليل الأمور ومناقشتها، الأمر الذي قرب منها صديقات، وأبعد عنها أخريات. قرب منها الصديقات اللواتي يحببن تفنيد الأمور، ومناقشتها على مبدأ "اعرف الحق تعرف أهله". وأبعد عنها أولئك اللواتي لا يحببن مناقشة الخطأ والصواب، فالمبدأ عندهن أن الصواب ما تتبعه معظم الصديقات، والخطأ ما يتجنبنه.

ميساء تحجبت منذ سنتين بقرار منها دون أي تدخل أو إكراه أو إغراء من أحد. لقد تعلمت وفكرت وحاكمت فقررت فنفذت.

كانت هذه الفتاة اللامعة تشاهد في إحدى الأمسيات على التلفاز برنامجاً وثائقياً عن الحجاب في فرنسا، ومشروع القانون الذي سيمنع دخول الطالبات المحجبات إلى المدارس بحجابهن.

وقد قابلت المذيعة عدداً من التلميذات اللواتي أبدين سخطهن من هذا القرار، فلقد وضعهن على مفترق طرق مؤلم بالنسبة لهن.

قالت إحداهن والدموع تترقرق في عينيها: "أنا فتاة مغربية، ولدت في فرنسا، وأردت وضع الحجاب منذ أن وصلت إلى الرابعة عشرة من عمري. لم يجبرني والداي على ذلك، فلدي شقيقتان أكبر مني لا تضعان الحجاب. يقولون في مشروع القانون إن الحاجب رمز ديني لذا يجب منعه في دولة علمانية، ولكني لا أراه كذلك، فهو واجب ديني، لذا فهو لا يقارن بالرموز الدينية الأخرى كالصليب مثلاً، بالله عليكم بماذا يزعجهم حجابـي؟".

تذكرت ميساء مأساة أختها التي كانت مضطرة إلى نـزع حجابها عند باب المدرسة، ثم تعيد ارتداءه عند خروجها.

لقد كثرت في الفترة الأخيرة أخبار اضطهاد المحجبات في العالم، ففي تركيا وتونس كان لا يسمح لهن بدخول المدارس والجامعات والدوائر الحكومية إلاّ إذا خلعن حجابهن، حتى جاء الفرج في السنوات الأخيرة، وبدأت هذه القوانين الجائرة بالتلاشي، في الوقت الذي ظهرت فيه نـزعة نـزع الحجاب واشتدت في أوروبا وبعض بلدان أفريقيا.

سألت ميساء والدها الذي كان يتابع البرنامج معها: "بابا، لماذا يكرهون الحجاب؟" "يابنيتي إنهم يكرهونه لأسباب عديدة، وهم في الحقيقة لاتزعجهم قطعة القماش تلك، بقدر ماتزعجهم المعاني التي تحملها تلك القماشة. الحجاب بالنسبة لهن هو لسان يفصح عن هويته الإسلامية، أي هو إعلان أن صاحبته ملتزمة بمبدأ لا تحيد عنه، وهي قد ضحَّت ببعض ملذاتها الشخصية في سبيل اعتقادها ذاك.

هناك فريق يكره أن يرى هوية إسلامية تلفت النظر إلى كبريائها وشموخها، وفريق يكره رؤية أصحاب عقيدة مخالفة يظهرن انتماءهن إليها. هناك فريق من السيدات ضعفن أمام هذا الواجب فقررن مهاجمة الملتزمات لأنهن يرين فيهن ضعفهن الشخصي، وهناك فريق من الرجال يسوؤه احتشام الإناث في الطرقات وأماكن العمل مما يقلل من مصادر المتعة لديهم.

وأخيراً هناك من يرى أننا إذا عودنا الفتاة على خلع حجابها أمام الرجال في أماكن معينة تحت ضغط الإكراه فلعلها تنبذه أو تعتاد خلعه فيما بعد".

"بابا، أنا أفهم أن الأب قد ينصح ابنته بنصائح معينة فيما يخص الزي المناسب لها، وذلك حسب المعتقد والتربية السائدة في البيت، ولكن لا أفهم لماذا يتدخل سياسيو العالم ومفكروه (وخاصة من الرجال) في إصدار قوانين تلزم أو تمنع هذا الزي من غيره؟ فلماذا يتدخل رجال العالم في شؤوننا نحن الإناث؟

هناك بلاد تلزم الحجاب، وهناك بلاد تمنع الحجاب؟

المرأة إذا احتشمت في بعض البلاد هوجمت، وإذا تعرَّت في بلاد أخرى هوجمت؟ ينادون بحرية المرأة في جميع المحافل ولكنهم يفرضون عليها لباسها، فأين حريتها؟ لقد احترنا مع رجال السياسة والتعليم، يريدون أن يتدخلوا في تفاصيل لباسنا، ويسنوا القوانين لذلك!".

"والله إنك فهيمة ياميساء، ولكن كُتِبَ لمعركة الخير والشر أن تبقى قائمة حتى قيام الساعة".

Page 6

حديقة العشاق

صفاء طالبة في الثانوية، نشأت في أسرة محافظة تهتم بأداء الفروض، وتحرص في هندام بناتها على الحشمة، دون وجود جذور من عقيدة أو علم لهذا الالتزام. ويغلب على هذه العائلات أن تكون ممارساتها خليطاً من العادات والتقاليد إضافة إلى بعض التعاليم الدينية.

صفاء تحجبت كأخواتها منذ أن وصلت إلى سن البلوغ، فقد كانت مهيأة نفسياً لهذا الحجاب، لأنها العادة في العائلة، فكل البنات التزمن الحجاب منذ سن البلوغ. صحيح أن صفاء تحجبت، ولكن قلبها لم يعرف حب الله ورسوله الذي يتغلغل في الأعماق، فيمنح صاحبه شعوراً بالغبطة والسكينة لالتزامه بأوامر الله، وعقلها لم يتفتح على أساسيات العلم التي تفسر لنا مالنا وما علينا.

لقد تعاملت مع الأمر كعادة يجب عليها الالتزام بها، إرضاءً لله وللعائلة، دون تفكير أعمق من ذلك.

لم يشرح أحد لصفاء أن الحجاب هو رمز لالتزام بخطة عمل تتطلب من الفتاة الالتزام بأشياء، والامتناع عن أشياء، وهذه المأمورات والمنهيات ليست مطلوبة فقط من البنت المحجبة بل هي مطلوبة من جميع عباد الله ذكوراً وإناثاً؛ لأنها المنهج الذي وضعه الله عز وجل للعباد، ولكن البنت المحجبة بكونها تظهر التزامها يجب أن تكون من باب أولى متبنية للمنهج بكامله.

كانت صفاء ترتدي ما تشاء من الثياب، وتضع ماكياجاً خفيفاً على وجهها قبل الخروج. وفي أحد الأيام، وعند خروجها من المدرسة كان شقيق صديقتها بانتظار أخته، فتعرف عليها، وساروا جميعاً في طريق العودة إلى البيت يتبادلون أحاديث متفرقة.

أُعجب ذاك الشقيق بصفاء فطلب من أخته أن تسألها إن كان يستطيع أن يراها في الحديقة العامة جانب المدرسة قبل الدوام. وافقت صفاء، وكان الموعد الأول مقدمة لمواعيد يومية يلتقي فيها الشاب مع صفاء في الحديقة قبل موعد رن جرس بدء الدوام بنصف ساعة. كانا خلال هذا الوقت يتمشيان معاً، ثم يجلسان على كرسي في زاوية من زوايا الحديقة.

في المواعيد الأولى كان يجلسان متباعدين قليلاً، ثم تقاربت المسافة بينهما مع الأيام، حتى وصل بهما الحال إلى أن يضع يده على كتفها أو يمسك بيدها، وكانت هي بين الفينة والأخرى تقوم بحركة اعتادت عليها، وهي الاطمئنان على أن حجابها لم يتزحزح عن مكانه.

كان التناقض سيد الجلسة، فصفاء تجلس بجانب رجل غريب، الجسمان متلاصقان، اليدان متشابكتان، الشهوات ثائرة، وهي تطمئن بين الفترة والأخرى على سلامة حجابها.

تنتهي الدقائق الثلاثون، يتفرقان بصعوبة، وتمضي صفاء إلى دوامها ويبقى ذهنها مشغولاً طوال يومها بذاك اللقاء الصباحي.

في فترة المساء تتصل مرة أو مرتين من جوالها بصديقها، ثم تجلس على حاسوبها لتتبادل مع صديقاتها الرسائل على "الفيس بوك"، وفي معظمها أخبار الفنانين والفنانات، من هو الأكثر وسامة بين مرشحي "الأراب أيدول"، ومن هي صاحبة الروب الأجمل في (اكس فاكتور).

مسكينة صفاء فهي تعيش مذبذبة لا من هؤلاء ولا من هؤلاء.

تمر جانبها المحجبات الملتزمات فيشفقن عليها من هذا الحجاب الفارغ من المعنى.

وتمر بها السافرات فيقلن في أنفسهن: اللهم إن كان هذا هو الحجاب فعافنا، فنحن أفضل منها بكثير في أخلاقنا.

Page 7

المعطف الأبيض

- ألو مرحبا دكتور، أنا دكتورة سلمى.

- أهلاً د. سلمى، كيف الحال؟

- الحمد لله، أتصل بك لأخبرك أن السيدة الفقيرة التي أرسلتها إلى مختبري من أجل بعض الفحوص الدموية قد وصلت، وسحبت لها الدم، وأجريت لها الفحوص، وسلمتها النتيجة، وسامحتها بالأجر.

- تقبل الله منك ياد. سلمى، ما شاء الله عليك فإنك موفقة ديناً ودنيا، ولا ينقصك إلاّ شيء واحد كي تكوني "كاملة مكملة" كما يقولون.

- خيراً إن شاء الله، وماذا ينقصني يادكتور؟

- اعذري صراحتي، فأنت مع عباداتك وأخلاقك ومهاراتك لا ينقصك إلاّ حجاب تضعينه على رأسك، فتكوني إن شاء الله من المحسنين.

- ولكن يادكتور ما يمنعني من وضعه أنني غير راضية عن سلوكيات بعض المحجبات في الشوارع والمولات، وبالتالي فإن الحجاب لا يقوّم صاحبه.

- حسنا دكتورتي، أرجو أن لا تقعي في الغلطة نفسها التي يقع بها الغربيون حيث يحكمون على الإسلام كدين من تصرفات المسلمين هذه الأيام.

سأضرب لك مثالاً من مهنتك، فأنت تلبسين في مختبرك معطفاً أبيض اللون، ولكن هل كل من لبس معطفاً أبيض هو طبيب مخبر؟ إذا أتى رجل من الشارع ولبس معطفاً أبيض فهل أعتبره مخبرياً وأعامله على هذا الأساس؟ نحن لا نعتبر مخبرياً إلاّ صاحب الشهادة، فإذا لبس معطفاً أبيض احترمناه لالتزامه بعلمه والتزامه بهذا الزي الطبـي.

إن المهم في موضوع الحجاب هو العقيدة القوية والفكر الواعي، ثم يأتي اللباس كي يصهر جميع المكونات في بوتقة واحدة من الامتثال وطاعة الله عز وجل.

أما حجاب بلا عقيدة أو بلا فكر صاف فهو كالمعطف الأبيض لبائع الفجل.

- حسناً دكتور، لقد أعجبني مثالك، وإن شاء الله تكون الأمور لخير.

انتهت المكالمة.

وبعد شهر من تاريخ هذا الاتصال الهاتفي، غيَّرت الدكتورة صورتها على "الفيس بوك" لتصبح بحجاب.

Page 8

الأوائل

خرجت هبة كي تستريح قليلاً من دراستها بالجلوس مع أهلها الذين كانوا يشاهدون مقابلة في التلفاز عن موضوع الحجاب.

كان البرنامج يستضيف أحد العلمانيين الذي يعدد مساوئ الحجاب، وقد سقطت في أذني هبة في بداية جلستها عبارة تفوَّه بها ذاك الضيف حيث قال إن الحجاب هو حجاب على العقل يمنع الفتيات من اكتساب العلوم والتفوق فيها.

صرخت هبة بأعلى صوتها: "من هذا المجنون؟".

أجاب أخوها: لقد أفزعتنا بصراخك، ها هو اسمه على أسفل الشاشة.

هبة الطالبة في السنة الخامسة في كلية الطب البشري كانت دوماً في أحد المراكز الثلاثة الأولى على صفها في السنوات السابقة دون أن يعيقها حجابها عن ذلك.

لقد أتقنت لغتين، وبدأت تحضر لفحوص القبول بالاختصاص في أمريكا، وطموحها لا يقف عند حد.

لقد عددت هبة لأهلها أسماء معظم صديقاتها من المحجبات، وكلهن من المتفوقات في كلياتهن، ليس على الإناث فقط، بل وعلى الذكور أيضاً.

سخرت هبة من هذا الضيف الجاهل، وعجبت كيف يسكت المذيع عن كلام فارغ كهذا، ثم عادت إلى غرفتها وقد تخلت عن حقها في الراحة، وكأنها تريد أن تثبت لذاك المدعي أن طموحها يصل إلى السماء.

Page 9

حسنة المظهر

دخل حسام إلى مكتب مديره في الشركة التي يعمل بها بعدما طلبه هذا الأخير.

- حسام، هل وضعت إعلان طلب سكرتيرة في الجريدة؟

- نعم أستاذ خليل، لقد وضعته منذ يومين، وقد بدأت باستقبال الطلبات على الهاتف.

- وماذا لديك حتى الآن؟

- اتصلت بـي خمس فتيات، اعتذرت من أربعة منهن لأنهن محجبات، أما الخامسة فكانت أكبر من العمر المطلوب.

- حسناً، لننتظر ونرى.

- أستاذ خليل، اسمح لي بسؤال، لماذا نرفض المحجبات إذا كن مؤهلات حسب الشروط التي وضعناها؟

- حسام، لقد ذكرنا في الإعلان أن السكرتيرة يجب أن تكون حسنة المظهر، وأنا أقصد بذلك أن تكون جميلة، وأن لا تكون محجبة، فهي يجب "أن تبل قلوبنا وتبل قلوب زبائن الشركة".

السكرتيرة ياحسام تبقى معنا طوال اليوم، ولا بأس أن نتمتع بالوجه الحسن والصحبة المسلية خلال أوقات العمل للتخفيف من ضغوطه.

ابتسم حسان، وخرج ليتابع تلقي اتصالاته.

Page 10

شلة الأصدقاء

كانوا أصدقاء ثلاثة منذ المرحلة الثانوية، حافظوا على صداقتهم خلال المرحلة الجامعية على الرغم من دراستهم في كليات مختلفة، وهاهم بعد أن تزوجوا يحافظون على جلستهم الأسبوعية في أحد المقاهي كي يتذكروا أيامهم الجميلة، ويطمئنوا على أحوال بعضهم.

هاني وعمر تزوجا من فتاتين محجبتين، أما جمال فإنه في زواجه لم يحذ حذو صديقيه.

واليوم هو تاريخ اجتماعهم الأسبوعي في مقهى "السيران"، وقد جلسوا حول طاولتهم وكل واحد منهم أمسك بنربيش نرجيلته، وبدأوا المسامرة التي تستمر عادة نحو الساعتين.

- جمال: انظرا إلى تلك الفتيات على الطاولة المجاورة، إنهن جميلات، رائعات في زينتهن، كأنهن خرجن من أحد"الكتالوجات".

- هاني: ابق معنا جمال، واترك الفتيات لحالهن.

- عمر: هل تعلمون أنني أتمنى أن أرى زوجتي مزينة كهؤلاء الفتيات، وللأسف فإننا نرى أعداداً كبيرة من النساء المتزينات في الشارع وفي أماكن العمل، ولكن المرأة الأقرب إلينا جسماً وروحاً يندر أن نراها كذلك، مع أنها تمثل الملجأ الوحيد لاحتكاكنا المباشر مع عالم المرأة.

- هاني: وهل تظن أن زوجتك لا تتزين لأنها محجبة؟

- جمال: اسمحوا لي أن أقاطعكم لأنني عرفت ما يدور في بال عمر، هو يعتقد أن زوجته لا تتزين له لأنها محجبة، وبما أنها لا تتزين عندما تخرج فهي تبقى كما هي في البيت. ولكن دعوني أخبركم عن تجربتي مع زوجتي غير المحجبة، فهي وشقيقاتهاالمتزوجات يجلسن في بيوتهن طوال النهار بقميص النوم، وترى رأس إحداهن إما ممتلئاً بلفافات الشعر، أو ملفوفاً بالمنشفة بعد دش من أجل تصفيف الشعر استعداداً للخروج.

ثم عندما يحين موعد الخروج تبدأ جلسة اختيار الملابس المناسبة، ثم جلسة تصفيف الشعر، ثم جلسة الماكياج، ثم أسمع عبارة: أنا رايحة حبيبـي، خاطرك.

وعندما تعود بعد زيارتها لصديقاتها، تخلع ملابسها، تمسح الماكياج عن وجهها من أجل المحافظة على البشرة، وتعود إلى قميص نومها.

- هاني: تماماً هذا ما أريد الوصول إليه، فالمرأة الذكية هي التي تفهم متطلبات زوجها، وتدرك حاجاته، وهذا الأمر لا يتعلق بكونها محجبة أو غير محجبة، بل يتعلق بحكمتها وفهمها. وهذا الفهم هو من أصول الدين الذي اعتبر اعتناء أحد الزوجين بالآخر هو عبادة بالمعنى الحق للعبادة، وأخشى أن يُحاسب الزوج المقصر أو الزوجة المقصرة عن تفريطهما بهذا الأمر.

- عمر: وما قصدك بالزوج المقصر؟

- هاني: كما أن الرجل يتطلب من زوجته وجهاً حسناً وهنداماً مرتباً، فالمرأة تتطلب من الرجل الشيء نفسه، لذا لابد من أن يكون الزوج أيضاً طيب الرائحة، حسن الترتيب في هندامه.

- عمر: أنار الله بصائرنا، وفهمنا حقائق الدين والدنيا كما ينبغي.