لكل ما مر أقول: كي نؤدي فريضة الصيام على وجهها الصحيح المحدد شرعاً لا بد لنا من فقه صحيح واع بكل ما يتعلق بأحكام الصيام وآدابه، ومن هذا الفقه "حسن الاستعداد لهذا الشهر المبارك"، قبل أن يدخل علينا، ومن ميادين الاستعداد: الإعداد الإدراكي والنفسي والإرادي، فما هذه – يا ترى - حتى نهيّئ النفس لها.
أولاً : هذه الثلاثة تتساند في النفس وتتعاون على الإنجاز الرائع لهذه الفريضة.
ثانياً : تحديد أبعاد كلمة رمضان، التي اتصلت في أذهان كثيرين بالصوم، وصار الصوم مرادفاً لها، فصار مفهوم الشهر عقلاً منحسراً حتى لا يتعدى الشهر فريضة الصيام، مع أن (رمضان) و(الصيام) ليستا كلمتين مترادفتين، وإن كان ثمة تداخل أحياناً بينهما، وفي هذا غفلة عن خير عميم كما سنبين، فما الحقيقة في هذا؟
رمضان ظرف زمان، وشهر قمري، اختاره الله_ز وعاء زمانياً أنزل فيه القرآن الكريم، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 2/185] ، واختاره الله_ز أيضاً ليكون ظرفاً زمانياً لأداء فريضة الصيام، والصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام العظيم، قال تعالى في هذا: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 2/185] ، وبهذا النص وغيره ثبت فرض الصيام، وأنت ترى بما بينت أن كلمة (رمضان) لا تعني كلمة (الصيام) مطابقة...
ثالثاً : تضمن شهر رمضان إلى جانب فرض الصيام عبادات جليلة، استحضارها يتعلق بالجانب الإدراكي لدى المسلم، ومن ذلك: تلاوة القرآن ومدارسته، والقيام بصلاة التراويح، والجود والعطاء، إذ تنقلب حالة الصيام، بمعنى الإمساك عن المفطرات، إلى يد مبسوطة بالخير. وكذلك فيه الاعتكاف؛ وهو عبادة رائعة، فيها ربوض على أعتاب الله عز وجل تستمنحه عطاياه، وتنشد التقرب إليه بهذه الربوض، والأنس بجواره، والتبتل إليه وحده، وفي الاعتكاف يتم ترقب ليلة القدر {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *} [القدر: 97/2] ؟!... هذه العبادات كلها مع الصيام يؤديها المسلم ليكون مستوعباً لما أدركه من كلمة "رمضان".
رابعاً : على صعيد العاطفة، والأشواق إلى رمضان تملأ صدر المسلم، فيقف على بوابات الخير المفتحة في هذا الشهر، مما يجعله لا يترقب قدومه فحسب، بل يتلهف إليه تلهف الحبيب إلى حبيبه! دأب السلف الصالح في ذلك، ومعلوم أن الجانب العاطفي ركن من ركنين في كل سلوك؛ هما المعرفي والعاطفي، ولا بد منهما كي يأتي السلوك ناضجاً متوهجاً... فالروح تهتز لشهر الروح، والقلب تتفتح أزهاره لربيع القلوب، والنفس ترنو إلى مراقي الملأ الأعلى، حيث سعت لتتشبه ببعض ما هم عليه...
خامساً : لا بد من إرادة جازمة عازمة، خططت لاستقبال الشهر، ووضعت برنامج عمل محدداً، لتملأ هذا الشهر بألوان القربات، إرادة تحدد مرتبة الصيام المنشود، أهو صيام العوام، حيث الإمساك عن المفطرات، وليس غير، أم هو صيام العارفين الصالحين، الذين عرفوا الصيام إلى جانب الإمساك عن المفطرات، صيانة جوارح من المخالفات، وكأنها قد صامت هي الأخرى عنها، وقلوبهم يؤخذ بنواصيها إلى رحاب الله_ز، حيث لا تأنس إلا بذكره، ولا ترجو إلا إياه، ولا تخشى مما سواه كائناً من كان، كيف؟ وهو الحي القيوم، بيده مقاليد السموات والأرض؟ سبحانه سبحانه ما أعظم شأنه!!!.
لعلي أطلت في هذا التقديم - مع أنها رسالة صغيرة - ولست نادماً على ذلك، لأن قضية الصيام لا تنحصر - كما هو فهم كثيرين - في ما الذي يفسد الصيام؟ وما الذي يكره فيه؟ وهذه الأحكام ضرورية، لكنها - وحدها - لا تحقق روح هذه العبادة الرائعة، التي هي دورة سنوية، ووجبة روحية فكرية سلوكية يتلقاها المسلم ليتغذى بها فيمده نسغها سنة كاملة...
أحكام الصيام
قال الله تعالى:
{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (*) أَيّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (*) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 2/183-185] .
وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
- «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»[1].
وفي الحديث القدسي، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه: «قال الله $ث: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة - أي وقاية - فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله، فليقل: إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم - أي ريح فمه - أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه»[2].
- «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله_ز إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً»[3].
- «ثلاثة لا ترد دعوتهم؛ الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»[4].
- «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه»[5].
- «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه»؛ أي من جهة الثواب، لا من جهة السقوط عن الذمة؛ إذ بالقضاء تبرأ الذمة، وتفوت فضيلة الوقت الذي لم يصم فيه[6].
التماس هلال رمضان
يفرض كفاية على جماعة المسلمين التماس هلال رمضان مساء يوم 29 من شعبان عند غروب الشمس، ويجب على من رآه أن يذهب إلى القاضي الشرعي ويعلمه بذلك، فإن لم يذهب، أو ذهب ورد القاضي قوله، يجب عليه أن يصبح صائماً؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 2/185] ، وأما من رأى هلال شوال وحده، ورُد قوله، فالواجب عليه الصوم، ولا يجوز له الفطر؛ لقوله r: «وفطركم يوم تفطرون»[7] والناس لم يفطروا فوجب ألاّ يفطر.
ويثبت رمضان برؤية هلاله، أو بعد شعبان ثلاثين يوماً إن غم الهلال بغيم، أو غير ذلك؛ لقوله r: «صوموا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»[8].
وإذا كان بالسماء علة يكفي لإثبات رمضان خبر المسلم البالغ العاقل العدل، والعدالة: "ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة"، أو المستور: "وهو الذي لم يظهر له فسق ولا عدالة".
وإذا كانت السماء مصحية فلا بد لإثباته من رؤية الجماعة.
وأما هلال الفطر، إذا كان بالسماء علة، فلا بد لإثباته من شهادة مسلمَيْن حرَّيْن مكلفَيْن، أو مسلم ومسلِمَتَين، وإذا كانت السماء مصحية فلا بد من رؤية الجماعة. ولا عبرة بقول الموقتين - أي: الذين يعتمدون الحساب - في وجوب الصوم والإفطار، كقولهم: "إن القمر يولد في ليلة كذا... كذلك لا يجوز للموقت أن يعمل بحساب نفسه، لتعلق وجوب الصوم والإفطاربالرؤية، لقوله r: «صوموا لرؤيته»[9].
ويندب لمن رأى الهلال أن يقول :" اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله»[10].
لا عبرة باختلاف المطالع ؛ فإذا ثبتت رؤية الهلال في قطر من أقطار المسلمين لزم سائر الناس في سائر أقطار الدنيا إذا ثبت عندهم بطريق موجب، كأن يتحمل اثنان الشهادة، أو يستفيض الخبر، فلو ثبت رمضان في مصر- مثلاً - قبلنا بيوم وجب علينا قضاء ذلك اليوم.
ويكره صوم يوم الشك، وهو اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان، وقد استوى فيه طرفا العلم والجهل بحقيقة الحال. ولا يكره الصوم بنية نفل خالص، ومن أصبح صائماً، وظهرت رمضانية هذا اليوم، يقع صومه عن رمضان، لأن رمضان معيار لا يسع غيره.
مكانة الصوم في الإسلام
الصوم ركن من أركان الإسلام الخمسة، يكفر جاحده ومنكر فرضيته، ويفسق تاركه.
تعريفه
هو الإمساك عن المفطرات عمداً أو خطأ، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية الصوم.
والعامد: من يقصد الفعل قصداً، والمخطئ: كمن سبقه ماء المضمضة إلى جوفه مثلاً، فإن كان في رمضان فيجب عليه إمساك بقية النهار، وقضاء هذا اليوم فقط، وإن كان يصوم نفلاً أفطر رأساً، وقضى بعد ذلك.
شروط وجوبه "أي: افتراضه"
الإسلام : لا يطالب بالصيام غير المسلم، ولا يصح إلا من المسلم.
العقل والبلوغ : فلا يجب على المجنون، ولا على الصبي الذي لم يبلغ، لكن يؤمر من بلغ سبع سنين ليعتاده، وإذا صامه صح منه، وله ولأبويه الثواب، وإذا بلغ ضحوة من النهار يمسك بقيته.
الصحة من مرض : وهو شرط لوجوب أدائه؛ لقوله - تعالى -: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 2/184] ، فلو كلف نفسه وصام صح صومه.
الخلو من حيض ونفاس : فلا يصح من حائض ولا نفساء، بل عليها القضاء، فلو طهرت نهاراً تمسك، ولا يحتسب لها هذا الإمساك، ويجب الخلو عما يحدث عليه من الفساد، كالأكل - مثلاً - ما لم يكن نسياناً.
ولا يشترط لصحة الصوم الخلو من الجنابة، فلو أصابته ليلاً جنابة يصح صومه غير أنه يغتسل للصلاة، ومثله من نام نهاراً في أيام رمضان فاحتلم لا يفسد صومه، بل يغتسل للصلاة، بخلاف من استمنى يقظة نهاراً، فإنه يفطر.
الإقامة : فلا يجب على المسافر أداء رمضان في أثناء سفره، بل يقضيه بعد السفر، وإن كان الأفضل له أن يصوم في السفر، إن لم يكن عليه مشقة، أولم يكن أكثر رفقته معه مفطرين، لقوله - تعالى -: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 2/184] .
إن أنشأ السفر قبل الفجر، وتجاوز العمران، يريد قطع مسافة السفر، وهي (81) كم، فله أن يفطر، أما إذا طلع عليه الفجر في موطن الإقامة فلا يفطر، لأن الصوم لزمه مقيماً، ويعتبر مسافراً بعد الوصول إلى البلد التي قصدها إلى ما دون خمسة عشر يوماً، فإن نوى الإقامة مذ وصوله، أو كان ينويها صار مقيماً مباشرة.
النية : "لكل يوم"؛ لتمتاز العبادة عن العادة، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.