Page 1
لذاذة السرد وغبطة القراءة
«مشهور البطران..كاتب فلسطيني»
استهلال شخصي جدًّا:
إن ما أكتبه هنا والآن هو كلام عن كاتب ربطتني به علاقة صداقة، يتقاطع على تخومها وإحداثياتها ما هو اجتماعي وأدبي ومهني، وعليه فإنني لا أدعي أن ما أكتبه هو دراسة نقدية تنهض على المعايير الأكاديمية للنقد، هذا إن وجدت هذه المعايير أصلا! وهذا إن اعترفت بهذه المعايير، ومن وجهة نظر شخصية جدا أقول إن ثمة معيارًا واحدًا للنص الجيد، هو مدى ما يتركه من غبطة القراءة لدى المتلقي، وقد وجدتها هنا.
إذًا، أؤكد أن كتابتي هي انطباعات وتأملات ذاتية حول نصوص أراها قريبة إلى ذائقتي، ومحببة إلى قلبي، فهذا النوع من النصوص التأملية يرفع من درجة حساسيتي تجاه الطبيعة وممكناتها الجمالية، ولطالما نبهتني هذه النصوص- وكذا كاتبها- إلى ضرورة إتقان لغة الأشجار، والرجوع إلى قاموس الطبيعة، ومعرفة مفردات البحر، خاصة وان الكتابات في هذا المضمار ضمن المشهد الثقافي الفلسطيني قليلة، هذا إن لم تكن نادرة.
لقد عايشت هذا الصديق عن قرب، ومع هذه المعايشة عشت أيضا نصوصه، وهي أفكار في طور الاختمار، إلى أن غدت نصوصا ترى النور لأول مرة.
لم تبقَ زاوية في مقاهي رام الله إلا وشهدت نقاشا حول فكرة أو موضوع من هذا الكتاب. كنا نتحاور دائما، نأتلف حينا ونختلف أحيانا، وكانت هذه الحوارات الشاقة مفيدة لي وله وللنصوص معا، فبالنسبة لي وله، أفادتنا في أننا التقينا في منطقة وسطى تجمع ما بين واقعيتي ورمزيته، اسميها الآن تخوم الحلم، حيث عينٌ على الواقع وأخرى وراءه.
هل يجدر بالأدب أن يصور الواقع كما هو؟ هل تجاوُز الواقع يُسْقِطُ الأدب في دائرة الوهم ويطوحه بعيدا عن غاياته؟ وما هي غاية الأدب؟ كانت هذه الأسئلة وغيرها مثار جدل بيننا على الدوام، وكانت تنبثق على ضوء ما نقرأه من نصوص لي وله كتبناها في أوقات متقاربة.
الآن، وأنا أكتب على هدي هذه الحوارات الطويلة، أتذكر نقطة البداية، فقبل عدّة سنوات مرَّت كلمح الفكرة، رأيتُ لأول مرة هذا القادم من ارض الخوارزميات العتيدة، الرياضي المتأمل.
كان أولُ حديثٍ بيننا عن فيلم هوليودي يصوِّر حياة عالم رياضيات أمريكي، استطاع ببصيرته النافذة أن يتجاوز الواقع ويعيش فيما وراءَ البعد الرابع، ولذا، كان هذا الرياضي ينظر بنوع من الشعرية المفتوحة البعيدة عن العقلانية الديكارتية، فكان يرى أشياءَ لا يراها العاديون، عند هذه التخوم يتقاطع الأدب والفن والفلسفة والعلم، فالأديب والفنان والفيلسوف وكذا العالم هم أناس مبدعون لأنهم يمتلكون الدربة ليروا بجلاء ما لم يره العاديون في ظاهرة ما.
إنني أسوق هذه المقدمة للتدليل على مدى التجاور ما بين العلم والأدب والفلسفة، فكل منها يحتاج إلى التأمل العميق والغوص في التفاصيل لرؤية اللامرئي، ومن جهة ثانية للإشارة إلى الخلطة اللطيفة التي يمثلها كاتبنا بوصفه رياضيًا وباحثًا تربويًا ومطلاً على المشهد الثقافي ومجرّب في ميدان الأدب.
إذًا، من هذه التخوم جاء كاتب هذه النصوص، متخطياً وعورة مفازات الرياضيات وحبائل الفلسفة، وإشكاليات البحث التربوي وخطابه العقلاني المُتسلِّط واليابس، حاملا على عاتقه نصوصا هي خلطة شعرية مفرطة في الحلم، هدفها تسمية الأشياء من جديد، علّها تُعيد إليها نقاءها الأول وبراءتها الأولى.
وإذا كان هذا الكتاب هو الأول في سيرة الكاتب الأدبية، فهو ليس كذلك في سيرته المهنية، إذ سبق له أن ألف كتبًا في مجال التربية، وحتى عندما قرأتُ هذه المؤلفات لمستُ فيها تلك المسحة الجمالية التي تخفف إلى حد كبير من وطأة الرياضيات وجمودها، واذكر أنني عندما قرأت كتابه الأول «ثقافة الرياضيات.. نحو رياضيات ذات معنى» اندهشت لقدرته الفريدة على تطويع القصة القصيرة كسياق لتعليم الرياضيات.
خلاصة القول: إن الأسلوب الأدبي الجميل في هذا الكتاب الذي بين أيدينا تم التأسيس له باكرا في كتابات سابقة، وإن لم تكن في ميدان الأدب.
Page 2
هذه النصوص:
ذكرتني هذه النصوص بالرومانسيين الأوائل، أمثال: ووردز وورث، وكيتس وكولريدج، حيث الطبيعة وممكناتها الجمالية هي الرافعة التي تنهض عليها كل النصوص، ولكنها رومانسية جديدة ذات كحة فلسطينية، وإذا كنا لا نختلف مع الرومانسيين الأوائل من حيث أن الشجرة هي الشجرة والوادي هو الوادي، إلا أننا هنا إزاء شجر وشوارع وألوان غروب محملة بالإشارات والرموز، بحيث تحتمل دلائل تغاير ما هو مألوف.
لقد قدس الرومانسيون الأوائل الطبيعة، واغرقوا في وصفها، ولكن سوءة هذه الرومانسية، أنها عزلت الإنسان عن الطبيعة وجمالياتها، بما هو صانع هذا الجمال، على عكس ما يقدم هنا من رومانسية تنطلق من الإنسان، وتتأسس على ذوقه ورؤيته، فالغروب جميل لأن ثمة عينًا رائية تراقبه وتمنحه هذا الجمال، وأشجار الغابات هي أيضا جميلة لأن ثمة إنسانًا يسمع هسيس أوراقها ويصغي إلى وشوشات الطيور على أغصانها.
يتضمن هذا الكتاب ستة نصوص، كل نص منها يتخذ من الطبيعة ثيمة له، فالبحر والليل والألوان والشجر والضباب والشوارع، هي أبطال هذه النصوص بامتياز، هذا بالطبع من دون إلغاء لدور الإنسان وفاعليته وبطولته في هذه النصوص، ولكن السؤال هو أي ليل وأي بحر وأية شوارع تتناولها النصوص؟ هل هذه الأشياء تبدو في النص كما هي في الواقع؟
إن فكرة تجاوز الواقع بصلادته وإعادة بنائه من وجهة نظر الذات الفاعلة كانت على الدوام ديدن الأدباء والكتاب، وما يميز كاتبًا عن آخر هو مدى هذا التجاوز، وفيما إذا كان هذا التجاوز مغرقًا في الغموض أم لا.
في النص الأول «أكثر من بحر» سوف ندرك على الفور أننا إزاء بحر غير عادي: أمواجًا ورمالاً وأنواءً، بحر غير عادي بما يستدعيه من رموز وإشارات مجازية تلهم القارئ فيلتذ بالقراءة.
«من لا يقف أمام البحر، لا يستطيع أن يتخيل ما فيه من شاعرية، وما في رمل الشاطئ من سحر، وما لصوت الموج من أثر هائل في تحريك المشاعر.. أحاسيس وانفعالات متراكبة لا تحدث إلاّ عند البحر، أو على الأقل بالتواطؤ الهادئ مع موجه.. عند البحر، تنحني النفس على سطح الزمن الجاري، وتدخل في مشهد فسيح ماضٍ، ضاجٍّ بموسيقى زرقاء شفافة، فتتشكل صور نقية من ماء البحر الصافي. بماهيته الهائجة، وبلحظات صمته المباغتة، يُخرج إيقاع البحر هذه الصور من حدودها الطبيعية، لتنتهي إلى حالة من المجازات البصرية، فتتكيّف خطوطها مع تموجات النفس الداخلية، وطفرات الوعي الفجائية».(ص17)
Page 3
فالبحر عدا عن كونه حيزا مائيا، هو أيضا مكان مُسربل بالشاعرية ضاجّ بالموسيقى مفعم بالأحاسيس والانفعالات، والصورة التي تتدفق من النص هي مصدر لذّة القراءة، بما تستدعيه من خيال تحركه الكلمات في سياق اشتغالها داخل النص وليس خارجه، إنني أعتقد أن لذة القراءة تكمن في النص، وهذه اللذة تنسرب إلى القارئ عبر اللغة وارتعاشاتها وممكناتها الجمالية، وقدرتها التصويرية.
في النص الثاني «من نافذة الليل القديم.. الآن أطللت» ينهض السرد على ثيمة الليل، الليل المحمل بوشوشات القمر ورحيل النجوم، هذا النص هو سيرة ذاتية تؤرخ لطفولة الكاتب وذكرياته مع الليل، نص حلمي مفتوح على السماء وجماليتها، حيث النجوم والكواكب كائنات في متناول اليد تحزن وتفرح وتغضب، بحسب مزاج العين التي تراقبها.
في نص: «مدينتي على جناح العاصفة» يَستحضر الكاتب شوارع رام الله المؤبدة بالحنين، مرة بمسمياتها الحقيقية وكما هي في الواقع، وأخرى بما تعنيه له من ذكريات شخصية، فكل شارع من هذه الشوارع اكتسب اسما خاصا، وما بين الاسمين انبنت التجربتان، الحياتية أولا، والأدبية التي أعادت سردها ثانية بعين اللحظة الراهنة، وبنظرة استرجاعيّة لماضي هذه الشوارع المحفوفة بالغياب والمشجرة بالحنين والظليلة بالذكريات الغافية.
على هذا النحو، تتوارد بقية النصوص مؤرخة لشوارع رام الله وأشجارها وضبابها الذي يبتلع الذكريات والألوان المحملة بالعطش والدفء والمحبة.
الشجر: يا له من شجر! كل سروة تهمس بذكريات من غابوا، وعلى أغصانها الوارفة تنام ذكريات العابرين.
الضباب: يحجب النظر، ويعمق الرؤيا ويستحضر من غابوا في دهاليز الذاكرة.
الألوان: مفعمة بالأحاسيس والانفعالات:
الأصفر المُرمَّد: أول حزنٍ في الغياب.
الأخضر: لون التسامح والوئام.
الزيتوني: أول شعور بالفداء.
Page 4
الأزرق المُصفَر: أول شعور بالتناقض .. ورفض لزخارف الحال.
الأصفر المخضرّ: شعور بين الدفء والبرودة.
الأزرق المُرمَّد: لون الفرح الحزين.
الليلكي: لونٌ يَعْبُرُ الواقع خيالاً.
في مستوى آخر، ومن حيث الشكل الفني، فإن ما نقرأه هنا ليس قصصًا ولا شعر، وأيضا ليس سيرة ذاتية، انه خلطة فريدة من كل ما سبق، خلطة تتميز بفرادة نصية آسرة، أحيانا يأخذنا النص إلى القصة بكل فتنة عناصرها، ثم لا نلبث أن نغادرها خفافا إلى مستوى آخر من التأملات الشاعرية، التي تعيد تلحين ما ألفناه وتقدمه بلاألفته المعتادة. وفي مواقع أخرى يجنح النص إلى مستوى السيرة الذاتية، سيرة المؤلف التي نُسِجَتْ حكائيتها مع سير الناس والمدينة.
إذًا هذه النصوص انصهرت فيها الفواصل والحدود بين الأشكال السردية، فتجاورت معا في شكل فني واحد يجمع ما هو سردي إلى ما هو شعري، وما هو تأملي انطباعي إلى ما هو سردي روائي، وهذه ميزة للنص تحسب لكاتبها. وحيث إننا نعتقد انه لا توجد مفردات شعرية وأخرى غير شعرية، بل السياق الذي توضع فيه المفردات هو ما يمنحها هذه الصفة أو تلك، فإن لغة هذه النصوص كانت أحيانا تحلق وتشف وتسيل وتنثال في دفق شاعري أخاذ:
«- لماذا تَحتضن الغيوم القمر القمر؟
- لأنها تأبى السفر.
- حتّامَ ستبقى المراكب راسية على شواطئ القمر؟
- حتى يأتي موج يُسعفها، أو تأتي ريحٌ تُغريها بالمطر».
Page 5
وفي مواقع أخرى تجنح اللغة في شكل سردي تأملي ينطوي على نزعة صوفية، كما يبدو في الفقرة التالية حيث يصف الكاتب فيها الليل:
«هو الذي غزا الألوان وأغلق فوهات تجلياتها، وجاسَ في ملكوت الخافيات واستجلى أسرار منطوياتها، هو المتوغل في دهاليز النفس الخائفة، والساكن في زوايا الذاكرة الصامتة.. هو الذي غطّى الرحيل وأخفى الدليل.. هو الضروريُّ لإخفاء الخطوط المطمئنة في الصور، وتعميق الثقوب الحالكة في الفِكَر.. هو العظيم في تنظيم السكون، والعليم في إشعال النجوم، والقدير في إخفاء الشجر.. هو الذي علّم الموسيقيين قياس فترات صمتهم، وهيأ للروحانيين سماع صوت الصمت في خواطرهم، ودرّب الشعراء على السير في ظل معاني شعرهم.. هو الذي عيّن مواقع رعب الطيّارين، وسما بأحلام العاشقين، وأيقظَ أحلام الحالمين.. هو الصمت الذي يهوي من السماء، الغبش والخمول، العتمةُ والغموض، سكينة المدينة، مسقط السّر، صدى الظل، دوي الأعماق..هو السواد بيت الليل وتاريخ الحنين». (ص45)
لغةٌ مكثفة وعميقة وضاجّة بالصوَر والمعاني، مداهماتٌ كلامية، استعارات علمية، براهين أدبية، اضطراب في الانتظام المنطقي الرياضي، استسلام لأوهام اللغة وإغراءاتها، زوغان عن النمط المألوف وسرد خرج عن الأنساق السردية المعتادة، ما يترك في ذهن المتلقي مسحة من الدهشة والغرائبية.. هذا هو كتاب وائل كشِّك «في ضواحي الذات»
Page 6
مقدمة في السيرة
لوقتٍ ما، شعرتُ أن تخصصي في الرياضيات وعملي في مهنة التدريس أوقفا عقلي أمام الخط المستقيم، وحصرا وجداني في الزوايا الحادة، فبدوت خائفاً من الوقوع في فراغات الأشكال الهندسية، وقلِقاً من حواف الزوايا والمعادلات. وبدا لي المنطق الرياضي بنوره الشديد يمحو كل منطقة ظليلة أو حافة غامضة تقبل التناقض أو تتسامح مع اللايقين، كما بدتْ لي الرياضيات وعلوم الطبيعة أبعد من أن تطالها عواطف الإنسان وثقافته، فهي مادة جامدة غير متكيفة مع الرغبات الإنسانية وتنوعها الغريب.
وقد زاد الطين بلّة انخراطي في الحقل التربوي، الذي أوقفني أمام مجموعة من القوانين والنظريات قرَّبتني من عقلانية العلم الباردة، وأبعدتني عن إمكانية اكتشاف حقائق أعمق من حقائق العلم في تلك الأقاليم الغامضة في النفس.
لم أتوقع من علماء النفس مثلاً أن يضعوا قوانينهم ونظرياتهم داخل منظومة آلية مغلقة، وبعيداً عن حركة الحياة وتبدلاتها وتأثيراتها، ودون اعتبار لتلاوين النفس الإنسانية ودواخلها، تلك النفس التي تتشكل في كل لحظة بألف شكل، وتتلون في كل ظرف بما لا يُحصى من الانفعالات والعواطف، التي لا علاقة لها بالقوانين والحسابات والنظريات الجاهزة.
بقيتُ هكذا حتى اكتشفتُ أن كل ما يوجد في العقل مصدره وأصله في الشعور، وأن المنطق يُقفل العالم في حدود صارمة مغلقة، في حين يفتح الأدب على التعددية في تفصيلاته الحيّة، في تجاوز لقيود العقلانية الآلية الخطية النفعية وتسلطها الصارم، ولهذا انشققتُ عن مسار التخصص ووقفتُ قريباً من خط مقوّس ينوس عن دنيا المعقولات، حيث يقوى الوعي الكوني، ويتم تجاوز نقاط التجربة المحسوسة ومعقولات الحياة.
ومن هناك عبرتُ الانتظام المنطقي الرياضي للأفكار، مرتحلاً نحو الضاحية اللطيفة من الذات، حيث ظلُّ المشاعر وفوضى العواطف ولا يقينية الصور، مستسلماً لأوهام اللغة وإغراءاتها، حيث دلالات الغيم واستعارات البحر، فكانت هذه النصوص استجابة لهذا الارتحال اللطيف والهذيان الخفيف.
Page 7
أكثر من بحر
عالٍ كالأزرق في ألوان المتصوفين، هادئٌ كالغموض في علامات السيميائيين، أحد أعماق السماء في علوم الحالمين، الأعماق الداخلية عند علماء النفس التحليليين.. هو الذي علّم الملاّحين مجرى الرياح، وحدَّد اتجاهات خوفهم، ودرّب الشعراء على لعبة الكلمات، وهدّأ من قافية شعرهم.. هو الذي ساعد الصيادين في تعيين مواقع تجاربهم، وساعد العاشقين في تحسس مواضع عواطفهم.. هو الذي أصغى إلى حكايا العابرين، ومغامرات الصيادين.. هو الذي علّى من انفعالات المنفيين، ومحا بأمواجه آثار خطى الراحلين.. هو اللجّة والأبهة، الفرصة والريح في عيون الملاحين.. وجوهٌ عائدة، وأصواتٌ راحلة، وصورٌ غامضة في دفاتر السرياليين.. هو البحر بحروفٍ ثلاثة فيها حبٌّ، وربحٌ، وحربٌ، وحبرٌ، وبعضُ ملحٍ، وأشياءُ أخرى لا تكون إلا عند الهدوء المفاجئ، أو أثناء الموجة المباغتة.. هذا إذا اتفق فلاسفة الطبيعة مع علماء اللغة المحدثين.
من لا يقف أمام البحر، لا يستطيع أن يتخيل ما فيه من شاعرية، وما في رمل الشاطئ من سحر، وما لصوت الموج من أثر هائل في تحريك المشاعر.. أحاسيس وانفعالات متراكبة لا تحدث إلاّ عند البحر، أو على الأقل بالتواطؤ الهادئ مع موجه.
عند البحر، تنحني النفس على سطح الزمن الجاري، وتدخل في مشهد فسيح ماضٍ، ضاجٍّ بموسيقى زرقاء شفافة، فتتشكل صور نقية من ماء البحر الصافي، بماهيته الهائجة، وبلحظات صمته المباغتة، يُخرج إيقاع البحر هذه الصور من حدودها الطبيعية، لتنتهي إلى حالة من المجازات البصرية، فتتكيّف خطوطها مع تموجات النفس الداخلية، وطفرات الوعي الفجائية.
قال باشلار: إن مشاهد البحر هي أصل الاستعارات والخيال. وقال درويش: إن البحر مشهد لغوي وسرير استعارات مائية وإيقاعات. هذه مشاهد عن البحر أو بلغة البحر، حكايا عن البحر أو بصوت البحر.. في كل الأحوال هي إيقاعات نفسية في مشاهد لغوية، وقد رُسمت باستعارات مائية.
البحر صيفًا.. حالة ابتهاج بشفافية الانعكاسات اللذيذة
البحر في الصيف يُحطم الجفاف- صنيعة النار- ويهدئ من الحرارة في دواخل النفس، ويطرّي العواطف، ويجعلها أبهى انفعالاً وأكثر عمقًا وجاذبية.. عند شواطئ الصيف، تُرسم الصور الجميلة وتُصاغ الحكايات اللطيفة.
Page 8
(1)
طفلةٌ تتدحرج على الرمل، وصديقتها تمسك بطرف لباسها البحري، طفلٌ ثالث يقترب منهما وهو يضرب الهواء بكلتا يديه.. صبيّ يغرس عصا في الأرض، وظل العصا يستلقي على القاعدة الواسعة تحته، صبيّة بجانبه تقيس طول الظل بأشبار من يدها.. فتى يستلقي على كرسي بحري ويداعب بأنامل قدميه رمال الشاطئ الرقيقة.. فتاة تصنع من عجينة رملية برجًا وتدع الماء يغمره ثم تخربه.. أطفالٌ وصبية يكتبون أسماءهم على الرمل الأحمر: عُمر، بشّار، سما، علا، فارس، نديم،... أُناس يخطُون على المسحوق الفيروزي، فتترك أقدامهم بصمتها على الرمل، أما الموج فيأتي برغاءٍ زبديٍّ ليمحو كل اسم، أو يعود أدراجه إلى البحر، آخذًا معه كل أثر.
(2)
امرأة خمسينية بملابس بحرية وبألوان سماوية تغفو ويداها فوق بطنها، زوجها بجانبها وثمة رذاذ لموجةٍ زرقاء سقط قريبًا من عينيه، يدور بغير اتجاه ويمسح عينيه بروية، يستلقي على جنبه ويتخذ وضع بحر نائم وينبعث في غطيط عميق.. ليس بعيدًا عنهما فتاة ترتدي نظارة سوداء، وتقرأ في رواية «الشراع والعاصفة»، وقد بدا أنها انتهت إلى الصفحة الأخيرة:
هي: نهاية الرواية التي استعرتها منكَ جميلة، «فالطروسي لم يُقتل وبقي مسافرًا محتفظًا بمعاني الميناء».
هو: ما رأيك ببدايتها؟
هي: لم أصل إليها بعد، ولكن لا بُد أنها جميلة أيضًا طالما الطرّوسي عزم أن لا يبرح البحر مهما اشتدت الأنواء.
(3)
شابٌّ في العشرينيات من عمره أبيض البشرة، شعره الأشقر يصعد إلى الأعلى في تجعدات متموجة.. الشاب يقف على لسان صخري ومن فوقه مخرَّمات من الزُرقة وبيض السحب.. يستدعي طفلاً صغيرًا عن قصد، ويطلب منه قلم حبر وورقة بيضاء، يأتي الطفل بالورقة وبقلم بلا حبر.
Page 9
علامات الضيق ترتسم على وجه الشاب، ليعود الطفل ثانيةً باحثًا عن الحبر.. الطفل ينتظر حتى يهبط الليل على البحر، ليأتي بماء البحر، ويُقدمه إلى الشاب بدلاً من الحبر.. أحد المتطفلين قال إن الشاب لم يكتب شيئا في ذاك اليوم الاّ بعد نزول الليل بكثير.
فتاة بعيون زرقاء تُبلغ الشرطة بأن شابًّا قد ألقى باتجاهها قصاصات من الورق الأبيض وأكمل المسير.. أحد الشهود أكد أنه رأى شخصًا غريبًا في ساعة متأخرة من الليل، يكتب شيئًا مستخدمًا أداة غامضة.. آخر أكّد أنه رأى أوراقًا بيضاء منثورة على الرمل وأخرى غارقة في مياه البحر النيلية.
أحد المحققين توصل إلى أن الشاب هو شاعر غريب الأطوار، وقد درج كلّ عصر على صُنع قصيدة أحرفُها زرقاء، وموزونة على سطح البحر الشفيف، ولكنه في ذاك اليوم تأخر كثيرًا عن صنع القصيدة.. آخر توصل إلى أن الشاعر قد كتب قصيدة بماء البحر مستخدمًا شيئًا لا يُشبه أي قلم في شكله.. أما الثالث فقد احتار ما كان عليه وزن القصيدة: بحر الليل، بحر البحر، بحر الغيم، بحر الرمل، أم بحر عينيها الزرقاوين؟
(4)
رجلٌ ذو وجه قرنفلي ورأس حليق، يُهرول مسرعًا أمام مساحات الضوء المُنتشرة قُبيل الغروب، مخترقًا متكررات من الكراسي والمظلات.. من يشاهده يحسبه يقوم بحركات رياضية عادية.. استوقفه طفلٌ وسأله عن حركته السريعة، فقال إنه يتابع الشمس وعليه أن يصل عُمق البحر قبل أن تختفي.. ولج الرجل إلى البحر وبدا أنه يبحث عن شيءٍ ما.. قابله أحد الصيادين ونبهه إلى موجة عالية قادمة.. اضطرب الرجل، وبدت على ملامحه علامات القلق والترقب، وما لبث أن راح يقوم بحركات مجنونة، مبحرًا نحو الأعماق، علّه يصل الشمس قبل أن تغرق في البحر أو تغطيها الموجة القادمة!
(5)
امرأة ببعض الثنيات الدقيقة عند الخدين وحورٍ بيّن في أطراف العين اليُسرى، ترتدي سترة كتانية وذوائب شعرها يتلاعب بها الهواء.. تجلس إلى جانب رجل أربعيني شحيم الوجه، يرتدي بنطال جينز مرتوقًا في ثلاثة مطارح، ويبدو أنه بذل جهدًا كي يظهر بشكل رجل من الطبقة الكادحة.
Page 10
المرأة تتكئ على زندها الأيسر وتصغي إلى الرجل الذي كان يحمل في يده اليمنى ساندويتش همبرغر ضخمًا، وفي اليسرى علبة كولا كبيرة.. الرجل يحكي مع المرأة عن جشع الإمبريالية وحتمية انتصار الاشتراكية، وكذلك عن العدالة الاجتماعية.. ويُقسم لها أنه سيبقى مخلصًا لثلاث: زرقة البحر، ابتسامة المرأة، والطبقة العاملة.. أما هي فلم يَغِظْها كلامه ولا مظهره، بل هذا الاستهتار بقدرتها على التأويل والقراءة السيميائية.
(6)
فتاة تنتعل صندلاً بحريًّا، وتزيّن واحدة من أنامل قدمها اليسرى بخاتم فضي رقيق، تمرُّ من أمامها امرأة ثلاثينية، جميلة الوجه والجسد وعيناها ترنوان إلى البحر وقد أمسكت بأناملها قطعة من الحلوى الغامضة! فتاة بعيون سوداء تقف قريبًا من مياه البحر المائجة، وتحاول أن تجفف شعرها الأسود اللامع الطويل، فتاة عابرة بعيون بحرية تنظر إليها نظرةً واسعة، وتهمس بأذنها:
- شعرك لن يجف، فالموج سيغمره.. البحر مياهه هائجة.
- حتما مخطئة، فأمواج البحر إلى عينيكِ غارقة!
لا أحد بإمكانه النظر إلى البحر دون تعجب عابر.. لا أحد بإمكانه أن يرى تفاصيل ما يحدث على شاطئ البحر دون أن يرى التورية محمولة على الموجة القادمة.. لا أحد يعرف البحر كالآخر.