eKtab
EN ع
في حداثة النص الشعري
Read free sample

في حداثة النص الشعري

by د. علي جعفر العلاق

Page 1
الفصل الأول
 
حداثة النص ... حداثة الرؤيا
 
الرؤيا شرطاً للحداثة:
 
يمكن القول إن أهم ما أنجز، على مستوى حداثة القصيدة العربية، لا يكمن في خروجها عن إطار البيت أو القافية الواحدة، على أهمية هذا الإنجاز وخطورته، بل يتمثل في أمر آخر هو الجوهر في قضية التجديد في الشعر العربي الحديث، وفي شعر العالم كله عموماً: الرؤيا الحديثة التي تجسد فعل التجديد حقاً.
 
وتشكل الرؤيا الشعرية، في حقيقة الأمر، مسعى يستهدف الشاعر لا القصيدة، أي أنها تعنى بتجديد الشاعر أولاً: وعياً، وثقافة، وذائقة، ونظرة إلى الحياة والعالم، قبل أن تعنى بتجديد النص.
 
فيما يتعلق بتخلف القول الشعري، ليست المعضلة مقصورة على القصيدة وحدها. لأن القصيدة، في النهاية، ليست إلا محصلة لجهد الشاعر، وتجسيداً جمالياً، حسياً لمسلكه الثقافي والذوقي والنفسي في لحظة حياتية ما.
 
لقد كانت جهود التجديد، في الغالب، تتجاوز الشاعر إلى قصيدته؛ أي أن النص لا المبدع كان هدفها الأساس. وكان التشكيل لا الروح التي أنتجته هو محور الفعل التجديدي وهدف حركته. وبذلك لم يكن الشاعر، باعتباره رائياً ومبدعاً وخالقاً للقصيدة، غاية التجديد، وشاغلاً من شواغله العميقة، بل كان، في معظم الأحيان، لا يتمتع إلا باهتمام جزئي، أو غير مخطط له.
 
ولهذا السبب، كان الشاعر العربي، وهو يهم بتجديد القصيدة يصطدم بتخلف عام هو نفسه جزء منه. وما كان له، إذا حاول الارتفاع بالشعر إلى مستوى الحياة والعالم، في تفجرهما وحركتهما، إلا أن ينحني تحت سقفه الثقافي الواطئ، الذي يفتقد النظرة العميقة إلى الشعر والحياة معاً.
 
ولأن الشاعر العربي لم يكن هدفها الأساس، فقد ضلت حركات التجديد طريقها ولم تصل، لذلك، إلى المحطة المرجوة. فالتجديد حين يبدأ بالنص وحده فإنه لا يتجاوز السطح كثيراً، ولا يجعل من القصيدة كوناً شعرياً عامراً بالتوتر والرهافة. قد ينجح الشاعر، في مثل هذه الحالة، نجاحاً جزئياً، غير أن ما يكتبه لا يرقى إلى مستوى الشعر الحق؛ ذلك الشعر الذي تدفع إليه تجربة ثرة، ووعي حاد. بل يظل شعراً تدفع إليه الرغبة المجردة بالاختلاف، أو مماشاة الجديد، أو التململ الفردي الذي يستند، لا إلى وعي الحجة الإبداعية وضغوطها، بل إلى المزاج المحض.
 
ليس للفعل التجديدي، كي يكون مؤثراً، أن يستهدف القصيدة وحدها، بل الشاعر أيضاً، أو الشاعر أولاً. على الشاعر أن يتمرد على الإيقاع الرتيب في داخله. ويتجاور تلك الأسس التي تشكل ثوابت في التذوق والحساسية، وترتبط بالتقاليد البالية في القول الإبداعي والسلوك الحديث. عليه، بعبارة أخرى، أن يكون جديداً، لا بالقياس إلى العالم المحيط به، أو الثوابت الذوقية والكتابية السائدة، بل بالقياس حتى إلى نفسه.
 
عند ذلك، يكون التحديث الشعري فيضاً من الحيوية الروحية والفكرية والجمالية. ينبثق، على العكس من الحالات السابقة، عن الشاعر باعتباره رائياً وخلاقاً: من نظرته الجديدة إلى العالم، من إيقاعه الروحي الجديد، من توقه إلى الإبداع الحق، وأخيراً، من وعيه لهذا الإبداع ضرورة وخلقاً. فالشاعر، كما يقول أودنيس، لا يستطيع:
 
« أن يبني مفهوماً شعرياً جديداً إلا إذا عانى أولاً في داخله انهيار المفاهيم السابقة، ولا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر، إذا لم يكن عاش التجدد، فصفا من التقليدية، وانفتحت في أعماقه الشقوق والمهاوي التي تتردد فيها نداءات الحياة الجديدة »(1).
 
وتأسيساً على ذلك، لا يمكن أن ننتظر شعراً جديداً من شاعر لم يكن جديداً جدّة حقيقية، وليس لهذه الجدة غير معنى أساسي واحد: أن يمتلك رؤيا خاصة به، تختزل موقفه الفكري والجمالي من الحياة والشعر والعالم، رؤيا تجدده من الداخل، وتجعل من عمله الشعري، أو مجموع كتاباته الشعرية، وحدات متفاعلة داخل سياق رؤيوي، متجانس، وشديد الفاعلية.
 
لقد كان لغياب حداثة الشاعر العربي، أعني عدم اكتمال رؤياه، أثر ضار بحركة القصيدة العربية الحديثة؛ إذ صرنا، ونحن نقرأ هذا الكم الهائل من الشعر، لا نلمح وراء الكثير منه إلا العادة حافزاً للكتابة، ولا نلمس غير التقليد السطحي، اللامع، تجسيداً لها.
Page 2
ولا أظنني أبالغ حين أشير إلى أن جهود الشعراء الرواد، في مجال التحديث الشعري، كان من الممكن أن تظل ناقصة أو جزئية، أو أن تصل على أقل تقدير، إلى نهاية ليست أفضل، كثيراً، من نهاية حركات التجديد التي سبقتها. غير أن ما جنّبها النهاية ذاتها أن جهداً واضحاً قد بذل من بعض الرواد، لا لتحديث القصيدة العربية وحدها، بل لتحديث الشاعر والقصيدة معاً؛ أي السعي إلى تأسيس رؤيا شعرية تشمل، في فاعليتها الشاعر، والنص، والعالم.
 
لا بد من القول، هنا، إن حداثة المفهوم، أو حداثة الرؤيا، قد تأخرت نسبياً عن تحديث النموذج الشعري، وقد كان لهذا الأمر أثره الواضح على حيوية الحركة الشعرية، في بداياتها، وتشابه الكثير من نماذجها الشعرية.
 
إن الاندفاعة الحقيقية، لحداثة الشعر العربي، لم تبدأ بداية جادة، إلا بعد أن بدأ، هناك، سعي صادق لبلورة مفهوم جديد للشعر، في صلته بالعالم والحياة؛ أي بعد أن أخذ بعض الشعراء العرب يحاولون، في ما يكتبون من شعر ونثر، إنضاج رؤى خاصة بهم.
 
لقد لعبت مجلة (الآداب) دوراً مهماً في احتضان القصيدة العربية، فنياً وفكرياً، منذ اندفاعتها الأولى. وظلت، باستمرار، منبراً بارزاً لتيار أساسي فيها، يسعى إلى استثمار الحرية العروضية من جهة، وتمتين صلة القصيدة الجديدة بواقع الأمة وتراثها القومي من جهة أخرى.
 
ورغم ما يمكن أن يثار في وجهها من اعتراضات كثيرة، فقد كان لشعراء مجلة (شعر) (2) ونقادها، أدونيس خصوصاً، دور بارز في التأكيد على حداثة القصيدة، لا باعتباره انعطافة شكلية، بل باعتبارها مفهوماً جديداً ورؤيا، والانتقال بحركة الحداثة إلى أفق جديد.
 
لم يكن هذا الأفق يتمثل، بالنسبة للشاعر العربي، في تحطيم الأسيجة الخارجية للقصيدة العربية، بل في الاندفاع إلى داخلها بوعي وضراوة، لتحرير غرفها وممراتها الداخلية، وتعريضها لهواء أنظف، وسماء أكثر اتساعاً.
 
كان ذلك المسعى تجسيداً لتجربة « ثقافية حضارية، تغير فيها مفهوم الشعر نفسه، ومفهوم الكتابة الشعرية »(3) ومن خلال هذا الربط بين تحرير المفهوم الشعري من جهة وتحرير النموذج من جهة ثانية، بلغت حداثة القصيدة العربية مرحلة أرقى؛ هي مرحلة البحث عن الرؤيا، التي تربط بين « التحول الشكلي وبين الدعوة إلى توجه مفهومي جديد، كان يتجاوز، أحياناً، الشعر ليبلغ جماع الموقف الثقافي والأنطلوجي بوجه عام »(4).
 
وفي سياق الكلام عن حداثة الرؤيا، في القصيدة العربية، لا يمكن إغفال الجهد الفني والتنظيري الذي بذله شعراء الستينات العراقيون، الذين تجمعوا حول مجلة (الكلمة) (5) فلقد أسهموا، بجدية ومغامرة واضحتين، في المسعى المبذول لتحديث القصيدة العربية، والتحول من مستوى التغير الشكلي، إلى مستوى التحديث في الرؤيا والمفهوم.
 
ومع أن هؤلاء الشعراء قد أفادوا، إلى حدّ واضح، من مجمل الجهد التنظيري والإبداعي لبعض شعراء مجلة (شعر) ونقادها، إلا أنهم حاولوا، وبوعي(6)، تجنب المناطق التي كانت تشكل، في أحيان كثيرة، مواطن الاعتراض، أيديولوجياً، على مجلة شعر، وطروحات البعض من شعرائها.
 
الشعر بين الرؤية والرؤيا:
 
ما زلنا نجد، حتى الآن، نقاداً يبذلون جهوداً واضحة للتمييز بن كلمتي (رؤيا) و (رؤية)، إحساساً منهم بخطورة هذه المصطلحين وضرورة التفريق بينهما، ولولا ذلك لما تطلب الأمر كل هذه المشقة كما أظن.
 
لقد بات واضحاً، الآن، أن الشعر حين يجتذب إلى ناره المدهشة أجزاء من عالم الشاعر، أو تفاصيل من خبرته الشخصية، فإنه يحقق ذلك، لا بفعل المراقبة، أو الملامسة، أو النظرة البرانية، بل يفعل لذلك بالحدس، وقوة الحلم، وطاقة الشعر؛ تلك الطاقة الفياضة الخالقة التي تتجاوز سطح المرئيات وكياناتها الحسيّة، لتنغمر وإياها في عملية خلق بارعة شديدة الرهبة والجمال.
 
إن الشعر، حين يحكم صلته بالعالم الحسي، على هذا المستوى، أي مستوى الحلم والسحر والحنين، فهو يستوعب أجزاء هذا العالم ويحتضنها بقوة الشهوة، والجنون، والرؤيا، حين ينصهر الحسي والمجرد، الحلم والوقع، المستقبل والذكرى، في مزيد واحد متلاحم.
 
صلة الشعر بالعالم المحيط، إذن، ليست صلة نثرية، عاقلة، منطقية، بل صلة الحلم والرؤيا والتوحد، صلة الدهشة والافتتان اللذين يعصفان بالقلب والروح، ويمنحان فكرة القصيدة كياناً حسياً، مؤثراً ويضفيان على فوضى الأشياء اليومية ورتابتها المضجرة نعمة التجانس، ونشوة البكارة الأولى.
Page 3
إن الرؤيا، في الشعر، هي نفاذ الشاعر ببصيرة ثاقبة:
 
« إلى ما تخبئه المرئيات وراءها من معان وأشكال فيقتنصها ويكشف نقاب الحس عنها، وبذلك يفتح عيوننا على ما في الأشياء المرئية من روعة وفتنة »(7).
 
وهي تجسد، هنا، معنى حلمياً، ودلالة قلبية، على العكس من كلمة (رؤية) التي تعني، في معظم الأحيان، فعلاً جسدياً محضاً: لا يلامس غير السطح من المرئيات، ولا يصل إلى مكنونها الداخلي، وما في صمتها البارد من دلالة وتوحش.
 
لذلك فإن شعر الرؤيا هو ذلك الضرب من الكلام، كما يعبر هيدجر، الذي « يرفع النقاب من البداية عن كل شيء، عن كل ما نتناوله ونتداوله بعد ذلك في لغتنا اليومية الجارية»(8). إنه يزيدنا معرفة لا بالأشياء المحيطة بنا فقط، بل بأنفسنا وما تشتمل عليه من قوة، وأسى إنساني، وتلذذ بالجمال والعدالة. إن الشعر يؤكد، في كل لحظة، امتيازه القاسي، وقدرته الكاشفة التي تتجلى في رؤية ما يخفيه عنا:
 
« الروتين والعادة، والكشف عن الوجه الخفي للكون، ونزع الحجاب عن العلاقات والمراسلات السرية »(9).
 
إن «البيريس» يقدم، هنا، ثلاث مراحل من مهمة تتنامى عبرها الرؤيا وتصل إلى ذروتها الإبداعية؛ فالرؤيا والكشف واستعمال اللغة هي العناصر الحاسمة في تشكيل رؤيا الشاعر، ومنحها هيأتها الحسية الملموسة.
 
الشاعر، في مفهوم الرؤيا الحديثة، ليس وصّافاً، أو مراقباً، أو معلقاً على ما يراه. إن هؤلاء جميعاً، يقفون على مبعدة من شهوة العالم أو بهجته المباشرة. في منأى عن رذاذ الدم والأنين الذي يتطاير من قلبه المهشم، وعينيه المطفأتين، فهم (يلمحون) العالم (ويبصرونه). والقصيدة لديهم، في هذه الحالة، تسجيل لفعل المشاهدة، وصف وجداني، لما يبدو عليه العالم، ظاهرياً، من رصانة أو تصدع.
 
إن مساحة ما، مضطربة وباردة، تظل تفصلهم عن نبض العالم وناره، عن أتون التجربة الحقة، التي هي، بالنسبة للمبدع، المرور في « طوايا الحالة الإنسانية الجائشة التي تلهب فيه اللذة أو ألألم، أو الغضب(10) لا لينشغل بها أو ينغمر فيها فحسب، بل ليتخطى حدودها الفيزيائية إلى مدى رؤيوي، هو مدارج فسيحة لا حدود لها ودخول في مجاهيل إنسانية »(11).
 
الرؤيا الشعرية، إذن، وقبل كل شيء، رديف الحلم، والامتزاج بالكون، والتوحد بأشيائه. إنها تغير « في نظام الأشياء وفي نظام النظر إليها »(12) وهذا النظام المختلف، في النظر إلى الأشياء، يعمق صلة الشاعر بتجربته، ويرصّن رابطته بالكون، والحياة، والأشياء، فيجعل من هذه الصلة، لا نقاط تماس مجردة، بل انصهاراً حاراً، واندماجاً في تيار، جارف، شديد الفرادة.
 
ولا يمكن لصلة الشاعر بعالمه أن تكون على هذا المستوى إلا إذا كان مسكوناً برؤيا حقة، تتيح له تمثل العالم، والانغمار فيه، والتفاعل معه، تفاعلاً داخلياً وهّاجاً.
 
في أحيان كثيرة، تستخدم كلمة (الرؤيا) استخداماً مرادفاً للحدس والسحر، والتوق الصوفي، وهو استخدام كان يضعها في الطرف المقابل لما تؤديه كلمة (الرؤية). يميز ماجد فخري، مثلاً، بين الكلمتين، فيرى أن الشعر « الذي يقتصر على الوصف التصويري للطبيعة، أو على سرد الأحداث والماجريات يكاد لا يعدو نطاق الرؤية »(13) ويرى أن شعراً كهذا، هو أحط أنواع الشعر لأنه يقتصر « على استعراض للجزئيات المرئية، وهي مبذولة لكل ذي باصرة، فأي فضل للشاعر في التنبيه إليها؟ »(14).
 
أما غالي شكري فقد ميّز بين كلمتي (الرؤية) و (الرؤيا) حين قصر الكلمة الأولى على الرؤية الفكرية للواقع والفن، التي تمنح « الأولوية في عناصر التجربة الشعرية للعنصر الاجتماعي والدلالة السياسية »(15) وهو يرى، أيضاً، « أن الرؤية الفكرية في حد ذاتها أحد عناصر الرؤيا الحديثة في الشعر »(16). أما البصيرة الشعرية، أو الرؤيا الحديثة في الشعر فهي تلك الرؤيا التي تستمد ملامحها:
 
« من جماع التجربة الإنسانية التي يعيشها الشاعر في عالمنا المعاصر بتكوينه الثقافي والسيكولوجي والاجتماعي، وخبراته الجمالية في الخلق والتذوق، ومعدل تجاوبه أو رفضه للمجتمع، وطبيعة العلاقة بينه وبين أسرار هذا الكون »(17).
 
إن كلمة (رؤيا)، على أية حال، شديدة الروغان، عصية على التحديد، وواسعة سعة عجيبة، تصل، في أحيان كثيرة، حدّ التناقض. فهي تكتظ بالغموض، وظلال المعنى التي تولّد، على الدوم، عدداً من المفارقات ضمن السياقات التي تستخدم فيها(18). لقد وصل تنوع معناها حدّ أن (فراي) يستعملها، أحياناً، مرادفاً للأدب ذاته، أو المكوّن الموضوعي له على الأقل. فالأدب، بالنسبة لفراي، « ليس تقليداً للطبيعة، وليس له مرجعية واقعية، بل هو، في الحقيقة، حلم الإنسان، والتصور الخيالي لرغباته ومخاوفه »(19).
Page 4
ومع ذلك، فإن هاتين الكلمتين أخذتا، في النقد الحديث، تتبادلان الدلالة والمعنى(20)، ولم يعد من الممكن، إبداعياً ونقدياً، الفصل بين رؤيا الشاعر وكيانها المادي الماثل: القصيدة. الرؤيا ليست الفكر مجرداً، أو وجهة النظر وحدها. وهي، أيضاً، ليست الموقف الفكري للشاعر معزولاً، بل هي كل هذه العناصر، معاً، في مزيج فني وفكري حاد ومتجانس.
 
إن الشاعر، كما تشير موسوعة برنستون للشعر والشعرية:
 
« قد يعبر، في القصيدة، عن جوانب من رؤياه بطريقة مباشرة، غير أن الكثير من هذه الرؤيا يظل مقيماً في المستويات غير الواعية من العقل، ولا يتم الكشف عنه إلا بواسطة بناء القصيدة، أسلوبها، صورها، ولغتها المجازية »(21).
 
وهذه الجوانب، من رؤيا الشاعر، قد تتعاون على التعبير عنها، مجزأة، قصائد متعددة، وهنا تبرز مهمة الناقد في الكشف « عن هذه الرؤيا في وحدتها النهائية »(22).
 
تأسيساً على ما أشرت إليه، فإن كلمتي (الرؤية) و(الرؤيا) تنهضان معاً، في التعبير عن مدلول متشابك واحد؛ يحتضن العمل الشعري كله، كياناً حسياً، عامراً بالقيم الجمالية والإبداعية، وتوهجاً فكرياً ووجدانياً ونفسياً يتشظى في طوايا النص الشعري، يزيده فتنة ونضارة، ويزداد به، في الوقت نفسه، قوة وعمقاً.
 
والرؤيا لا بد لها، كيف تفصح عن نفسها بحيوية وبهاء، أن تتجلى ضمن مديات أو مستويات محددة، منها ما ينتمي إلى النص في تجسّداته الحسيّة الملموسة، وأنا، هنا، أعني الصورة واللغة بشكل خاص. ومنها ما يتكشّف عنه التحام الشكل بدلالته الداخلية ثانياً. ومنها ثالثاً، ما تفصح عنه صلة الشاعر بماضيه ومستوى تفاعله مع هذا الماضي.
 
الرؤيا حلماً وإنجازاً:
 
يبدو أن شعرنا الحديث، عموماً، يواجه اليوم معضلة لا يجوز التهوين منها. ولا تكمن هذه المعضلة، كما نعتقد، في نفاد أشكال التعبير في القصيدة الحديثة، أو تكرار موضوعاتها، بل تكمن في جانب آخر على درجة من الخطورة: أعني غياب الرؤيا، أو ضعفها في معظم النماذج الشعرية لاسيما لدى الأجيال المتأخرة.
 
لقد بدت القصيدة الحديثة وكأنها تتشبث، بأظافر دامية، بما كان لها من مواقع أمام أساليب شعرية محافظة، وذائقة راضية من الشعر بملامحه الخارجية، وضجيجه الصارم الذي يجافي حداثة النص وحداثة الذائقة معاً.
 
إضافة إلى ذلك، فإن الكثير من القصائد، التي تكتب بقصد أن تكون قصائد حديثة، لا تلبث أن تتكشف لنا، فور إنجازها، إنها تقع في الصميم من الأسلوب التقليدي. إنها تفتقر إلى الرؤيا ولا تملك ما تقدمه لموضوعها الشعري، سوى تلميعه بفيض من الغناء الساذج الرتيب.
 
لا شك أن القصيدة العربية تعاني، هذه الأيام، من ضعف مخيف في الخيال وفاعلية الصور، وتشكو أيضاً، من تسطيح لغوي. كما أن الكثير من نماذجها يفتقر إلى حرارة الواقعي والمحسوس. لكن أشدّ هذه العيوب جدية هو ذلك الخلل القاتل: غياب الرؤيا، هذا الغياب الذي جعل الكثير من شعرنا الحديث لا يعدو كونه (كماً) شعرياً هائلاً، يحركه انفعال عابر، وتحرض عليه سذاجة عاطفية، أو نزوع إلى المباهاة. ولا شك في أن ضعف التكوين الثقافي للشاعر من جهة، وخمول الفاعلية النقدية من جهة ثانية، يتحملان جزءاً خطيراً من هذا الخلل.
 
دعونا نتساءل معاً:
 
- ما الذي يشدنا إلى الكثير من شعر السياب، مع ما قد نجد فيه من أجواء خانقة حيناً، ورتابة إيقاعية، أو عاطفية مفرطة حيناً آخر؟
 
- ما الذي يغرينا بقراءة أدونيس بالرغم مما نجده في شعره، أحياناً، من غموض وتجريد، وأشكال لا تخفي وراءها، أحياناً، غير البراعة المدهشة، أو الثقافة الباهرة؟
 
- ما الذي يجعل البياتي مقروءاً، بشكل عام، مع أن الكثير من قصائده لا يحفل، دائماً، بثراء اللغة وحيوية الشكل؟
 
- ثم، لماذا لا يحول ما في شعر صلاح عبد الصبور من نثرية وتفكك دون قراءته، أو التمعن فيه؟
 
- وأخيراً: ألا نجد أنفسنا ميالين إلى قراءة محمود درويش مع أن بعض قصائده لا يخلو من عبث بريء، أو إطالات يمكن حذف الكثير منها أحياناً؟
 
في اعتقادي، إن ما يجعل هؤلاء الشعراء مقروئين هو امتلاكهم رؤيا شعرية، أو مشروعاً لرؤية شعرية: تتشكل في قصائدهم، وتجعل منها كلاً متنامياً، يسعى إلى تقديم صورة لوعيهم بأنفسهم، من جهة، وللعالم الذي يعيشون فيه، ويعيشونه من جهة أخرى، مع تفاوت هذه الرؤيا عمقاً ووضوحاً من شاعر إلى آخر.
Page 5
وما يمنح الرؤيا الشعرية فتنتها وتأثيرا أنها لا تسير في اتجاه واحد، لا ترى من الجبل سفحه المواجه لنا فحسب، بل هي سعي دائم لرؤية الشيء ونقيضه. إن الكثير من شعرية هذه الرؤيا، وما فيها من كشف وفاعلية يكمن في غناها بالتعارض والشمول والقلق؛ فهي ليست موقفاً، مطمئناً، مستريحاً، لأجوبة جاهزة، بل توق وتساؤل دائمان، ومسعى في اتجاه أجوبة أشدّ إرباكاً.
 
إنّ الرؤيا الشعرية، حين ترى الواقع، لا تراه من منظور ثابت، بل تراه من زوايا متعددة، لتتمكن من اقتناص جوهره المتحرك الذي يتفجر بالقلق، وحالات النمو، لتراه في حركته وتردده، في يقينه وذعره. وهي لا تقف، من هذا الواقع، موقفاً واحداً، ولا تتصل به بقناعة نهائية؛ فهي ليست هجاءً مراً لهذا الواقع وتشفياً به، كما أنها ليست غناءً بريئاً له. فحين يحجب الموقف الأول ما في الواقع من حيوية ونبل كامنين، لا يتيح لنا الموقف الآخر أن نرى ما قد يتفجر تحت بنائه الظاهري من تصدع ونفاق.
 
والمتتبع لحركة الشعر العربي الحديث لا يجد حرجاً في القول أن لدينا، الآن، الكثير من القصائد الجيدة. غير أن ذلك لا يعني أننا نملك الكثير من الشعراء الجيدين. إن آفة القصيدة الحديثة، كما يبدو، تتجلى في هذا الكم الهائل من النماذج الشعرية التي يواجهها القارئ العربي، مقروءة ومسموعة، في كل مكان.
 
ولا بد من الاعتراف أن بين هذه القصائد عدداً غير قليل من القصائد الناضجة، غير أنها لا تسهم، دائماً، في تكوين بناء رؤيوي لكتّابها. ومع أن بعضها يشتمل على رؤى معينة إلا أنها تظل، رغم ذلك، رؤى مفردة، معزولة، تفتقر إلى خيط الدم الخفي الذي يربطها بتراث الشاعر الذي أنجزها، ويجعل منها خلية حية تندرج في سياق أشمل. بعبارة أخرى، إن قصائد كهذه لا تنجح، مجتمعة، في تحويل رؤيا كاتبها إلى نهر مترابط، يتنامى ويحتدم. أي أنها لا ترتفع إلى أن تكون جزءاً فاعلاً في نهر الرؤيا هذا، أو تنويعاً، بارعاً، وصافياً، داخل تموّجه وانحداره.
 
إن ما يثير انتباهنا، الآن، في الغالب، قصائد معينة لا شعراء محددون. قصائد استطاعت، منفردة، أن تكون تعبيراً آسراً، وتجسيداً لرؤيا جزئية. غير أن الشاعر لم ينجح في تحويلها إلى مجال رؤيوي ينبثق عن إنجازه السابق ويظل، في الوقت ذاته، مفتوحاً على قصائده المقبلة.
 
لقد كان لغياب الرؤيا المتفردة للشاعر العربي الحديث نتائج مروعة، كان من أخطرها ضياع الحدود بين شاعر وآخر. وكما أشرنا تواً، فإن رؤيا شاعر ما، إلى الحياة والكون، لابد أن تترك أثرها واضحاً على جميع عدّته الشعرية: لغته، صوره، ومنحاه في بنائهما. ونتيجة لهذا الترابط العميق بين رؤيا الشاعر وبين تجسيدها التعبيري، فإن تميّز شاعر عن آخر في الرؤيا يقود، بالضرورة، إلى تميز كل منهما عن صاحبه أسلوبا وطريقة بناء.
 
إن عدم امتلاك الشاعر الحديث لرؤيا شعرية تميّزه، وتجعله هو نفسه دون سواه، قد أدى إلى هذه النتيجة المدمرة: ضياع التفرد وفقدان النبرة الخاصة في معظم الشعر الذي تكتبه الأجيال المتأخرة. لقد تناثرت شظايا الأسيجة، وتداخل دخان القرى، وامتزجت الحقول ببعضها، فما عدنا نفرق بين قصيدة هذا الشاعر وقصيدة شاعر سواه. ما عاد في وسع القارئ، كما كان الأمر سابقاً، أن يميز ما يقرأ.
 
كانت القصيدة، غالباً، تشير بوضوح إلى شاعر بعينه، يحاول، ببسالة ومشقة، أن يقيم عالماً خاصاً به، ويبني ثوابت أسلوبية وتعبيرية تنبثق عن رؤياه الشعرية، وتعبر عنها في الوقت ذاته.
 
لا تنضج الرؤيا الشعرية، لدى شاعر ما، إلا بعد عناء ومكابدة بطوليتين، ولا يتم نضجها إلا على عذاب مزدوج: عذاب المعاناة وألم المعرفة. ولا تستوي إلا على نارين ممتزجتين: الخبرة والثقافة وما يمتد بينهما من عناء لا حدود له.
 
ومن الطبيعي أن تجربة، بهذه السعة والكثافة، ينبغي لها أن تتسع للعناء العام، أعني عناء الآخرين ومسراتهم الخاصة. إن الشاعر، ذا الريا الراسخة، حين يعبر عن رؤياه، فإنما يفصح عن إحساس شامل بالفجيعة، أو الفرح، أو البطولة، ولا يعود وتراً منفرداً، بل يندرج في نبرته أنين عام هو أنين البشر كلهم، ونشوة شاملة هي نشوتهم جميعاً. ولا تنمو رؤيا الشاعر، بمعنى آخر، إلا عبر ارتباط حميم بالآخرين، ولا تتجسد بشكل مؤثر إلا حين يصبح صوته، رغم فرديته وسرّيته، صوتاً إنسانياً ونشيداً شاملاً لمجد شعبه ومكابدته.
 
لذلك، فإنّ الرؤيا الشعرية لا ترقى إلى مستواها الأعمق والأشمل إلا بعد أن يلتقي فيها الخاص والعام في مزيج ملتحم مؤثر. وبعد أن يتبنّى الشاعر، بقدرة فذة، الهم العام. ويجرّده مما فيه من شيوع، وعمومية، وصخب ليعبر عنه بحرارة فردية خاصة، تجعل من هذا الهم العام شاغلاً شخصياً، شديد الخصوصية. والعكس، في هذه الحالة، صحيح أيضاً؛ فالشاعر حين يعبر عما يبدو وكأنه هم شخصي، لأول ولهة، فإنه ينأى به عن الضيق والمحدودية ليجعله رحباً، حانياً، مفتوحاً على الآخرين. إن الشاعر، هنا، يسعى إلى المواءمة:
 
« بين تشخْصنه وفرادته، من جهة، وكلية حضوره الإنساني من جهة ثانية، بين الشخصيّ والكونيّ، بين الذات والتاريخ: يريد أن يكون نفسه وغيره، الزمان والأبدية، في آن »(23).
 
وبذلك يسقط الحد الفاصل بين العام والخاص، بين الذات والموضوع. وهكذا يصبح الشأن الشخصي الصغير، بعد أن يمر من خلال رؤيا الشاعر، شأناً عاماً شاملاً، ويتحول الظرفي العابر إلى قضية عصيّة على حدود الزمان والمكان. وبفعل هذه الرؤيا، وجمرها المتقد النظيف يغدو الهم العام هماً شخصياً: ولهاً خفياً، أو شجناً شديد الخصوصية.
Page 6
من خصائص الرؤيا الشعرية، أنها تمتد عبر أعمال الشاعر المبدع كلها، فهي ليست دمعة، أو قطرة من المطر، بل نهر، مترابط، تنضفر أمواجه، ويندغم بعضها ببعض. قد ينجح الشاعر، أحياناً، في التعبير تعبيراً استثنائياً، عن رؤياه في عمل واحد. قد يحصل هذا حقاً، لكن حصوله أمر شديد الندرة أحياناً.
 
إن الرؤيا الشعرية لا بد أن تستند إلى قضية جوهرية، أو انهماك صميمي يملأ كيان الشاعر، ووجدانه وقصائده. وهذا الشاغل ليس فكرياً فحسب، بل جمالي ونفسي أيضاً: ينعكس في منهجه الشعري، ويختزل صلته بالدنيا، ويضفي على وجوده الفردي معنى شاملاً.
 
والرؤيا التي تنبثق من همّ كياني كهذا لا يمكن التعبير عنها دفعة واحدة. بل لا بد من تشظّيها، في أعمال الشاعر، وانتشار أجزائها في كل ما يكتب من شعر ونثر.
 
وللعثور على الشكل النهائي لرؤيا شاعر ما، فإن نتاجه، مجتمعاً، لا قصائد محددة منه، يجب أن يكون موضع عناية حميمة. فالوقوف على رؤيا شاعر حقيقي، في وضوحها وغناها، لا يتم إلا عبر تفاعل أعماله كلها، وتناغمها في سياق ينضح بالدلالة، والتجسيد المدهش، والتعارضات الحية، دون أن يجافي بعضها بعضاً، أو يدحض أحدها الآخر أو يلغيه، بل ليزيده ثراء وديناميكية.
 
ترتبط الرؤيا الشعرية، كما أشرنا، ارتباطاً حميماً بشكلها التعبيري. وتتصل، أيضاً، بمجموعة من الرموز الشخصية للشاعر الذي استطاع، من خلال تنميتها، والإلحاح عليها، وبلورتها، باستمرار، أن يرتفع بها إلى مستوى راق من الفاعلية والدلالة الخاصة، وأن يحولها إلى رموز شخصية، فردية ومتفردة. ورموز الشاعر هذه، مجتمعة، تفصح عن مكونات رؤياه بجميع عناصرها الفنية والفكرية والوجدانية، وتومئ إلى عالمه الشعري الخاص به.
 
لقد نجح السياب وأدونيس والبياتي، مثلاً وكما سنرى في فصل قادم، في العثور على أساطيرهم الشخصية، ورموزهم الخاصة. إن وفيقة، وجيكور، وبويب لدى السياب، ومهيار، والصقر لدى أدونيس، وعائشة لدى البياتي ساعدت هؤلاء الشعراء كثيراً في التعبير عن رؤاهم بحيوية مثيرة، حتى أصبحت، مع الزمن، نوافذ تطل على رؤيا كل واحد منهم، وتشير إلى ما فيها من سحر، وخضرة وعنف.
 
لغة القصيدة الحديثة:
 
تشكل اللغة، في الكتابة الشعرية، ركناً هاماً لا تنهض، بدونه، قصيدة ذات رؤيا مؤثرة. ومع ذلك فإنها، أي اللغة، ما تزال، إذا استثنينا بعض الشعراء المتميزين، عرضة للكثير من سوء الفهم.
 
بدءاً، يكاد يكون من المسلّم به، بين نقاد الشعر اليوم، أن اللغة هي موطن الهزة الشعرية، التي تصدم، وتباغت، وتنعش، وتجسد الفاعلية الشعرية وفتنتها. ورغم ما يكون في هذا القول من إعلاء لفعل اللغة الشعرية ووضعها، بالنتيجة في المرتبة الأولى للفعل الشعري إلا أنه إعلاء يجد، رغم كل شيء، مصداقيته في كل قصيدة ممتلئة وبارعة. كما يكشف عن وجاهته في سياق الإنجازات المترابطة لكل شاعر عميق التأثير في لغته القومية.
 
لا شك أن لغة القصيدة، تمثل سحرها الجمالي الأول، وتختزل كيانها المادي، أي جسدها الذي يمور بالحركة والشهوة، وينضح بالغنى والدلالة الوجدانية والفكرية والفنية. إنها مركز الفتنة والحيوية في القصيدة. وليس مبالغة، كما يبدو، القول بأن « في كل قصيدة عربية عظيمة، قصيدة ثانية هي اللغة »(24).
 
ففي الطريق إلى القصيدة لا نواجه، في البداية، إلا اللغة. إن معظم ما في القصيدة من جمال، ومعنىً، وفاعلية لا يقيم إلا هناك: في لغتها الشعرية، ففي هذه اللغة، وعبر بنائها الجليل الآسر، يمكن العثور على جمر الروح، وأحجار الدلالة الساطعة، والرؤيا.
 
إن لغة القصيدة الحقة هي تلك اللغة التي تمتزج بدلالتها، امتزاجاً بالغة القسوة والبراعة. ومفردات لغة كهذه ليست أجزاء أساسية في هيكل تعبيري حسي فقط، بل هي أبعد من ذلك، إنها شظايا المعنى والدلالة وقد تفجرت بالتوتر والحرارة والشاعرية.
 
ولست أظن أن شاعراً ما يمكنه أن يجد عوضاً مرْضياً عن لغة غائبة، أو مفككة، أو بطيئة النمو. والقصيدة ليست إلا سحراً خاصاً، ورؤيا شخصية مشعّة، في كيان تعبيري محسوس. إنها خضرة فردية خلابة تندلع في خشب اللغة، وأشجارها المعمرة، فتبعث فيها الورق والضوء والجنون.
 
وذلك لا يعني، بطبيعة الحال، دعوة إلى اللغة (الجميلة)، أي تلك التي يكون جمالها غاية في حد ذاته؛ فهذا مطلب ساذج دون شك. إن شاعرية اللغة قد تكمن، أحياناً، في ما يبدو فظاً وغير شاعري. وقد لا يكون من المغالاة الإشارة إلى أن أكثر أنماط الكتابة اكتظاظاً بالشعر، ربما، ذلك النمط من الأداء اللغوي الوعر المشاكس، البعيد عن التجانس أحياناً، لكنه ينبثق عن رؤيا شعرية تجعل من هذه الوعورة عنصراً أساسياً في فاعليتها.
 
إن جماليات اللغة الحديثة، قد تقع في الطرف الآخر، القصي من جماليات الأداء الكلاسيكي في لغة الشعر وقوته السحرية؛ فالقصيدة الحديثة قد لا تشتق جمالها من الفخامة أو التجانس، بل تستمد ربما من حقل آخر: حيث يكون « التنافر واللا تناسق واللا تكامل واللا نمو والقبح والانقطاع »(25) عناصر حية في جمالية جديدة لا عهد للشعر بها.
Page 7
ما أردت الوصول إليه، هنا، هو أن اللغة الشعرية لغة تنمو، باطراد، لكي تكون بالغة الكثافة، حارة ومتحركة. لغة تسعى، بشراسة لأن تظل في منأى عن الجمال الزائف والزوائد والترهلات التي تضيّق على المعنى، أو تسدّ الفضاء الذي ينطلق فيه هواء الروح، وشهواتها الراقية.
 
ومن أولى سمات اللغة الشعرية المؤثرة، وأشد فضائلها جمالاً فرادتها: كونها لغة شاعر بعينه، تجسد رؤياه، وحلمه، وذهوله. ولا تختلط بلغة شاعر آخر سواه. وربما كان هذا المحك مجدياً، إلى حدود بعيدة، في قياس شفافية الرؤيا التي تترشح عن لغة هذا الشاعر، أو ذاك.
 
لا يستطيع الشاعر، قطعاً، أن يبتكر لغة من فراغ؛ فهو محكوم بإرث لغوي يحاصره، ويضغط على وجدانه. ويمثل هذا الإرث تحدياً، من طراز فريد له: لشخصيته الشعرية التي تميزه عن غيره ممن يستثمرون هذا الإرث ذاته.
 
ليس في مقدور الشاعر، إذن، كما يقول يوسف الخال:
 
« أن ينشئ لغة جديدة، وطريقة جديدة في التعبير الفني بهذه اللغة، ولكن في قدرته، وبهذا يمتحن، أن يتناول اللغة الكائنة والطريقة المتوارثة ويرغمهما على التفاعل – كمبنى – مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته »(26).
 
لذلك، فإنّ اللغة، بالنسبة للشاعر الحديث، تظل ميداناً فريداً لتجلّيه، والإفصاح عن شخصيته التعبيرية، وأخيراً بلورة شمائل لغوية خاصة به، فاستخدام اللغة بطريقة شخصية متميزة، هو ما يشعرك أنك ماشٍ في أرض خاصة، شديدة النماء، وهي التي ترفع من نبض التعبير وحرارته. واستخدام اللغة استخداماً متوتراً، مشحوناً بالدلالة إلى أقصاه هو المؤشر على أن ما تقرؤه شعر. وإلاّ فهو كتابة تجاور الشعر، أو تسبح على مقربة من مياهه الخطرة.
 
- إلى أيّ حدّ يقترب أداؤنا الشعري من هذه البقاع الملغومة، المشتملة على الدهشة، والثراء والمفاجآت.
 
- كيف يمكننا النظر إلى لغتنا الشعرية الحديثة باعتبارها ميداناً حياً تتجلى فيه رؤيا الشاعر الحديث؟
 
إن نظرة واحدة على خارطة الشعر العربي، في مستواها اللغوي، لا بد أن تشير إلى أن لغة القصيدة الحديثة تأخذ أكثر من اتجاه، وأن هذه الاتجاهات قد تؤدي، أحياناً، إلى عرقلة بعضها بعضاً.
 
لقد شهدت القصيدة العربية، منذ الخمسينات، مسعى حثيثاً للاقتراب بلغتها إلى حرارة اليومي وحسيّته، والابتعاد عن ذلك الجهد الزخرفي، الفخم اللامع، الذي ورثناه عن فترات الخمول الشعري الماضية، إن الدعوة إلى أن يهبط الشاعر إلى الجزئي، والعابر، بل والتافه، أحياناً، من حياتنا اليومية معروفة على مستوى الشعر الإنجليزي مثلاً منذ مقدمة الأغاني البالادية Lyrical Ballads التي صدرت عام 1800 . لقد دعا فيها ووردز وورث، كما هو معروف، إلى أن التعبير الطبيعي عن المشاعر لا يتمثل بلغة الطبقة العليا بل « بحديث الحياة المتواضعة البسيطة »(27) وكان لأليوت، بعد ذلك، دور مؤثر في إشاعة هذه الدعوة التي وجد فيها الشاعر العربي، إغراء خاصاً، دفعه إلى تبسيط لغته الشعرية، وإحكام صلتها بالأرض وما تعجّ به من غبار وأنين وبساطة. ولذلك، فقد جدّ الشاعر العربي في البحث عن « مادة تعبيرية متصلة بالحياة والأحياء .. مادة أقل « فخامة » وأكثر « دنيوية » »(28).
 
كان لهذا المسعى تطرّفه، دون شك، فقد أوغل بعض الشعراء في تعرية قصائدهم مما يغمرها من خضرة ثرة، غامضة، وتعريضها للنهار الفاضح: نهار المباشرة والنثرية. لقد وصل الأمر ببعضهم أن اقتاد الجملة الشعرية، كما يقول كمال خير بك، إلى « ما يقرب من الجملة النثرية، بل من نثر الجملة الصحفية »(29). ولم يكن هذا المنحى الصحفي التبسيطي مقصوراً على مفردات الجملة الشعرية فقط، بل شمل بنيتها « المنطقية والأسلوبية »(30) أيضاً.
 
وقد اتجه شطر مهم من الفاعلية اللغوية، لشعرنا الحديث، وجهة أخرى، كانت أشد خطورة على نضارة اللغة وشعريتها من المنحى السابق؛ تتمثل هذه الوجهة في ضعف المغامرة اللغوية والانحشار في قوالب من البلاغة الجديدة التي أشاعتها القصيدة الحديثة، وكرسها التكرار والعادة، دون أن يحاول شعراء هذا الاتجاه الانفلات عنها، أو زحزحة أحجارها.
 
لا يكاد يلمس القارئ، في هذا الاتجاه، ما يثير أو يدهش. ليس هناك، تقريباً، غير سهل، فسيح، أجرد يفتقر إلى التموّج الجغرافي، والنفسي، وثراء الطبيعة، ولا يتكشف إلا عن عراء متشابه، وطرق سلكتها آلاف القبائل.
 
إن الشعراء، ضمن هذا المنحى، ليسوا إلا شعراء مستهلكين، يعتاشون، غالباً، على الشائع والمشترك من إنجازات القصيدة الحديثة، لغة، وصياغات تعبيرية، وأشكالاً فنية. إنهم، في أفضل مستوياتهم، يشيدون قصائدهم من حجارة ينتزعون معظمها من أبنية شعرية أشد متانة، وأكثر جلالاً.
 
لقد أفاد شعراء هذا الاتجاه كثيراً، من تعثرات القصيدة الحديثة: أعني من تحوّل الكثير من إنجازاتها الفنية، واجتهاداتها اللغوية والإيقاعية إلى تقاليد ثابتة، بل تقليدية جديدة، يعاد اجترارها باستمرار.
 
وبفعل هذا المسعى التقليدي الجديد تفشّت نزعة التكرار، وضعف الميل إلى التفرد لينهض على السطح، نتيجة لذلك، تشابه الأصوات الشعرية تشابهاً مروّعاً، وتكرّس، لا الشاعر المبتكر ذو الخيال الطلق، بل المقلد الذي « لا يكتشف شيئاً » كما يقول جبران، بل:
 
« يستمد حياته النفسية من معاصريه ويصنع أثوابه المعنوية من رقع يجزّها مِنْ أثواب مَنْ تقدمه »(31).
Page 8
وهكذا تحولت المنجزات الفنية لغة وصوراً وبناء، إلى تقليدية جارفة: قيود من ذهب البلاغة الرنان. حتى صار الكثير من شعرنا، اليوم، يعيش على هذه البلاغة، في لغة القصيدة الحديثة، دون أن يبتكر لغته وجمالياته هو. ما عادت صلة القصيدة الحديثة بإنجازاتها تأخذ شكل الإضافة المستمرة، بل أخذت شكلاً مغايراً: علاقة الناقة بالسنام. أخذت تقتات على ما في ذاكرتها من تقاليد لغوية، وصياغات جاهزة، دون أن تجهد في ابتكار جديدها الذي يميزها. وراحت تتكئ على احتياطها الجمالي، بدل أن تغامر في أرض من الشهوة والبراءة، وتمتزج بهواء العالم ونبضه وهواجسه. إن ذلك كله قد أثّر على حيوية القصيدة العربية، ووضعها في مواجهة أفق مربك: يحجب عنها الرؤيا، ويعيقها عن تحقيق التنوع والثراء، وكأن شعرنا الحديث قد أصبح فعلا « قصيدة واحدة تتألب عليها مئات الأسماء في تنقيلها من جريدة إلى مجلة إلى منبر إلى ديوان »(32).
 
وبعيداً عن الاتجاه السابق، وفي موقع مناقض له ينهض اتجاه آخر فيما يتعلق باستخدام اللغة في القصيدة الحديثة، إنه اتجاه يقسو على هذه اللغة، ويمعن في إفراغها من شحنة الحياة الحسية، الريانة.
 
من البديهي جداً أن أبرز ما يميّز لغة الشعر توتّرها، وحسيتها الطاغية، وانغمارها بلهب التجربة ورمادها وجنونها، وحين تنخفض حصتها من هذه الخصال فإنّ ذلك لا يعني إلا شيئاً واحداً: ضعف انتمائها للحساسية الشعرية.
 
لقد اتسم هذا الاتجاه الشعري بطغيان المجرد والذهني والافتقار إلى الصور. فالقصيدة، التي تكتب تحت خيمته، تستند في معظم الأحيان إلى مدخرات الذاكرة، بديلاً عما تتفجر به التجربة الحياتية من غنى حسي ووجداني وفكري. تغترف لغتها من حافظة يقظة بدل أن تكون خبرة الحياة، بما فيها من بهجة، وقسوة، وحنين، مصدراً لحقل لا ينتهي من ثرائها وجاذبيتها لغة، وبناء، وصوراً.
 
ومن الطبيعي أن ذلك سيؤدي، حتماً، إلى إضعاف شعرية اللغة، وإرباك صلتها بالحياة وما تشتمل عليه من ضراوة. ويؤدي، أيضاً، إلى مظهر شديد الخطورة: هو غياب المحسوس. وهذا الغياب الحسي يعني، أن مجموعة من عناصر الأداء المحتدم الحار قد تم نفيها خارج الفاعلية الشعرية، وأننا أمام غياب كامل لجمر الشعر، وغباره الحافل بالدلالة.
 
لا شك أن نفي الشيء الملموس والكائن الحيّ خارج حركة القصيدة وحيويتها الداخلية سيخلف فراغاً بشعاً: أبنية منحوتة، سطواً على متحف الذاكرة، واستدعاء قصدياً للذهني والمجرد.
 
قطعاً، أنا لا أدعو، هنا إلى غياب الفاعلية الذهنية عن العمل الشعري، ولا أعني، أيضاً، الاستعاضة عن الفكر بالدوران في إطار الحسيّ، والملموس فقط. إن ما أهدف إليه هو أن يتحول الفكر، داخل النص الشعري، إلى طاقة شعرية تنتشر في خلايا العمل كله، وأن نستعيض عن المنطق ورماده بيقظة حسية، جسدية، متوهجة.
 
لا تعني حسية اللغة، إذن، نفي الفكر عنها؛ إذ يظل الفكر بالنسبة للغة الشعر، لحمها الرهيف الحيّ. إن ما تعنيه، هو أن يفارق الفكر تجريديته، ويتخذ شكل التجربة التي يفصح فيها الفكر عن نفسه بثراء حسيّ، صوريً، شيئيّ، مكتنز بالمعنى.
 
إن التجريد، في لغة القصيدة، لا يمثّل، في الغالب، إلا العجز عن الارتفاع بهذا التجريد إلى أن يكون جزءاً من أداء رؤيويّ كليّ: يتوحد فيه الملموس والمجرد، الأرض والحلم، التجربة والذاكرة في دلالة نهائية فياضة.
 
الرؤيا وشكل التعبير:
 
ليست الرؤيا الشعرية، لدى شاعر ما، إنجازاً هيناً، ولا ترتبط بالكم الشعريّ ارتباط المقدمات بالنتائج، بل هي عمل ينمو في الأعماق سرياً مؤلماً، وبطيئاً. وتَشكل هذه الرؤيا يندغم ويتزامن ويتأثر بتطور الشخصية الشعرية والذهنية للشاعر. وهو يتصل، كذلك بنضجه الحسيّ والروحيّ.
 
إن الرؤيا، باختصار، لا يتم اكتمالها إلا إذا انبثقت عن همّ جوهري يشغل الشاعر ويستقطب طاقته الروحية ونشاطه الحسي. إلا إذا كانت إشعاعاً يصدر عن ذلك الشاغل الأساسي فيلوّن ذاكرة الشاعر، وعالمه الداخلي، وصياغاته، وأشكاله الفنية.
 
لذلك فإنّ الرؤيا الشعرية تظل مرتبطة بشكلها التعبيري، عصية على الانفصال عنه؛ فهي ليست الفكر مجرداً، بل الفكر وقد صار جزءاً داخلياً من هيئة حسية حارة. وهي، أيضاً، ليست الموقف وحده، بل الموقف وقد اندرج في مناخ القصيدة وتشكلها الأدائي. تظل الرؤيا، إذن، متصلة، اتصالاً عضوياً بكيان النص الشعري، لا تبارحه. إنها عنصر حاسم، في حيوية النص، ذائب في هيكل العمل كله، ومنتشر بين تكويناته الداخلية: يوحد أجزاءه، ويربط بين مفاصله، واتجاهاته.
 
إن العلاقة بين الرؤيا والقصيدة علاقة تفاعل من نمط خاص جداً، تجعل من انفصالهما أمراً شاقاً. فالرؤيا الراسخة تلقي بظلها العميق على مهارات الشاعر الكتابية، وتنعكس على أشكاله التعبيرية، وتطبع لغته الشعرية بطابعها.
 
وهي تمنح صاحبها، مع مرور الزمن، مفاتيح أساسية، كلمات مركزية، ذات ثقل خاص في تجربته، بحيث لا يتم الوقوف، تماماً، على عناصر رؤياه دون استخدام هذه المفاتيح، سواء أكانت كلمات معينة، أم رموزاً، أم تعابير خاصة.
Page 9
وكما أشرنا، قبل قليل، فإن الرؤيا ليست موقفاً محضاً، بل هي الموقف وقد تشظّى داخل النص، وتغلغل في أنسجته وخلاياه، وصار، أخيراً، جزءاً من سحره وعافيته وتجسّده الماديّ. إنها ذلك المزيج المشعّ، المعجون بلغة الشاعر، وفكره، وحنينه. وهي، كذلك، مصدر فاعلية العمل الشعري وسحره؛ فالنصّ، كما يرى كولدمان(33)، لا يستمد « معناه وبنيته الدلالية» إلا من « رؤية العالم » التي يعبر عنها.
 
إن الرؤيا الشعرية التي يمكن نقلها، أو الحديث عنها نثراً، دون أن تفقد شيئاً من سحرها، وحيويتها ليست رؤيا شعرية مكتملة. بل شيء آخر: موقف ما تتجلى الأرجحية فيه للمنطق وصلابته، موقف أزيح عنه ماء الشعر وما فيه من سحر وجموح.
 
ووحدة الرؤيا والنص الشعري هي، في حقيقة الأمر، وجه آخر لذلك المزيج، الذي لا يقبل التجزئة بين شكل القصيدة، أي كيانها الحسيّ الملموس، وبين ما تشتمل عليه من دلالة تمثل الأساس لموقف الشاعر أو فكره. وهذا التوحد بين دلالة النص وشكله التعبيري، يمثل إحدى مقولات النقد الحديث. كما يمثل، في الوقت ذاته، محكاً لحداثة الشاعر، وتلاحم رؤياه.
 
لقد بات من المؤكد أن محاولة الفصل بين معنى القصيدة، أو دلالتها وبين شكل الأداء، محاولة لا طائل تحتها؛ فدلالة القصيدة، خارج كيانها التعبيري، وهم كامل. كما أن شكل النص الشعري، أو بناءه، إذا فصل عن شحنته المعنوية والنفسية، لا يعدو كونه ضجة مجردة.
 
يقول هارولد أوزبون:
 
« لا يظل شيء من شكل القصيدة ولا بنيتها العروضية ولا علاقاتها الإيقاعية، ولا أسلوبها الخاص بها عندما تفصل عما تحتويه من معنى »(34).
 
ثم يضيف، وهو يتحدث عن صلة اللغة بمعناها:
 
« فاللغة ليست لغة، بل أصوات، إلا إذا عبرت عن معنى. كذلك يعتبر المحتوى بدون الشكل استخلاصاً لشيء ليس له وجود ملموس، لأننا لو عبرنا عنه بلغة مختلفة لأصبح شيئاً مختلفا »(35).
 
والترابط بين الرؤيا وتجسيدها، أو الشكل ودلالته، يصل أحياناً، في الاتجاهات النقدية الحديثة، تخوماً متطرفة. فهي تذهب إلى حدّ اعتبارهما، لا عنصرين ملتحمين معاً في بنية واحدة، بل عنصراً واحداً ثري التكوين. إن كروتشه، مثلاً، يدعونا إلى إدراك أن « المضمون يُشَكَّل، وأن الشكل يُملأ، وأن الإحساس إحساس مُشَكَّل، وأن الشكل شكل يُحَسّ »(36). ولقد وصل التطرف بالشكلانيين الروس حده الأقصى؛ فهم في الفن، لا ينكرون الايدولوجيا أو يتنكرون للمحتوى بل يعتبرونهما، معاً، « مظهراً من مظاهر الشكل »(37). كما أن « حقائق المحتوى » كلها، كما يقول جرمونسكي، تصبح في الفن « ظواهر شكلية »(38).
 
لا شك أن هذه الخاصية، أعني وحدة الشكل ومضمونه، مظهر حاسم من مظاهر الحداثة الشعرية، كما أشرنا. هذه الحداثة التي كانت الرؤيا أكثر عناصرها بروزاً، وأشدها فاعلية. إن غياب الرؤيا، أو ضعفها لا يترك للشعر مجالاً حياً يفصح، من خلاله، عن تأثير شامل، أو صلة عميقة بالإنسان والعالم. بل يؤدي، بالشعر والشاعر معاً، إلى أن يكونا تابعين لحركة الحياة، ومتخلفين عن إدراك جوهرها.
 
وحين نتتبع هذا الأمر، فإننا نجد آثاره واضحة على حداثة القصيدة العربية اليوم؛ فمعظم الشعراء العرب، في هذه المرحلة لا يصدرون عن رؤيا عميقة، حادة. كما أن الشطر الأعظم من شعرنا العربي لا يرتبط، لذلك، بصلة حية بالعالم.
 
لقد انعكس ضعف الرؤيا أو تفككها في تلك الثنائية المؤذية: الشكل والمضمون التي جعلت من النص الشعري إناء، بارداً مهيّأً على الدوام لاستقبال محتوى ما: مضمون منفصل، أو فكرة جاهزة.
 
إن الكثير من شعرنا الحديث ليس شعراً حديثاً تماماً. فهو، رغم اعتماده الطريقة الحديثة، يكتب بحساسية تقليدية، وتصور شعري قاصر. إنّ لغته لا تمتّ إلى الحداثة، بصلة عميقة، ولا ترتبط أيضاً، برؤيا حديثة للشعر والعالم والإنسان. لغة تنفصل عما تريد التعبير عنه، وينخفض فيها نبض الخيال، وثراء التعبير بالصور. وليس هناك، على مستوى مضمونها الداخلي، ما يجعلها لغة تتجسد في المضمون، أو مضموناً يزدهر في اللغة.
 
مأزق الموضوع الكبير:
 
ويتجلى هذا الخلل، في رؤيا الشاعر الحديث، على مستوى آخر هو الموضوع الشعري نفسه، إن المتتبع لحركة القصيدة العربية لا بد أن يلاحظ ميل الشاعر للموضوعات الكبيرة، الفخمة، المجلجلة التي تطفح، بطبيعتها، بالتوتر، والحماسة والانفعال.
 
إن الموضوع، الواسع، الفخم الشائع يخفف، دون شك، من مكابدة الشاعر للوصول إلى قارئه، لكنه يتطلب منه جهداً هائلاً، للوصول إلى مستوى التميّز والفرادة. فالأرض، بين الشاعر وقرائه، محروثة عادةً بما تمتلكه هذه الموضوعات، في حد ذاتها، من مهابة، أو شيوع أو جلال. لذلك فإنّ القصيدة لا تعاني، كثيراً، في ملامسة القارئ وإثارة استجابته بيسر. وهي لا تأسر القارئ، في هذه الحالة، بما تتسلح به من رؤيا محلقة، بل تستعين عليه بما يحمله، هو نفسه، للموضوع من انحياز وجداني، أو أخلاقي، وما يثيره في الذاكرة والوجدان من ظلال وارتباطات تُقبِل من خارج النص.
 
وأهمية موضوع ما وجماله ينبثقان، لا من خارج القصيدة بل من داخلها: من ترتيب عناصرها، ومن تفاعل هذه العناصر، تفاعلاً خفياً خصباً، يمنح موضوع القصيدة نضارته. ويستمد منه، في الوقت نفسه، ثراء جمالياً وشكلياً شديد التأثير.
Page 10
بعيداً عن طاقة الشعر وسحره، يظل الموضوع الكبير، أو المهم، أو الفخم، موضوعاً غُفْلاً، ومادة خاماً. وحين يعوّل الشاعر، فقط، على ما يمتلكه الموضوع من قيمة، في حد ذاته، فإنه يجازف، ربما، بمصير قصيدته تماماً. إن الموضوع الواسع، الكبير قد يقود إلى عراء التجريد، وقد يؤدي، كذلك، إلى ظلمة التعميم وبرودته.
 
إن كلمات شديدة الأهمية مثل: الشعب، الحياة، الوطن، الحب، الشجاعة، والموت، البطولة، الخوف، كلمات تكتظ بالقيم والدلالات الكبرى. وهي موضوعات غاية في النبل، والإثارة، في حدّ ذاتها. لكنها، عن طريق الرؤيا الفذة، ستكتسب ثراء مضافاً ودفئاًَ شعرياً.
 
فالرؤيا الشعرية قادرة، وحدها، على اختزال هذه الموضوعات الكبيرة، واستبعاد الكثير من عموميتها، أو تجريديتها التي قد تجافي الشعر ولغته الحسية، الخاطفة، المختزلة. وهي التي تستطيع حذف ما يثقل هذه الموضوعات، أحياناً، من تفاصيل، واستطرادات، ودلالات عامة، للوصول بالموضوع إلى مستوى شخصيّ، حميم، غنيّ بالمغزى والجمال.
 
والشعر يمكنه، عن طريق الرؤيا المتأججة، أن يصل بالعام، الفائض، المتسع إلى حرارة الجزئيّ، والفرديّ، والخاص. ويستطيع، كذلك، أن يملأ ما هو شخصيّ وفرديّ بفيض من الدلالة الشاملة التي تغمر الإنسان في عموميته وإطلاقه وكليته.
 
إن النقطة التي يتماس فيها الشاعر مع محنة الإنسان، ليست نقطة خارجية ناتئة على السطح، بل هي، في حقيقتها، تداخل محتدم ينضح بالدم، والحرارة، والشفافية.
 
والموضوع، في تأثيره على الآخرين، لا يتعكز على نبل القضية وعظمتها. بل يستعين بما للشعر من سحر، وتوتر، وجمال طاغ. أي أن القصيدة، حين تنهض للتعبير عن موضوع ما، فإنها تزيده ثراء، وتضيف إلى نبله بُعداً إضافياً عن طريق تجسيده تجسيداً حسياً، فردياً، خاصاً. لذلك يظل صحيحاً القول أن ما يمنح التعبير عن قضية ما شعريته، أن الارتباط لا يتم بين « الإنسان الذي في الشاعر، والقضية التي اختارها، وإنما بين الشاعر الذي في الإنسان والقضية التي استلهمها »(39).
 
تحتاج الموضوعات الكبيرة، كي تكون مؤثرة، ومحسوسة، أن يختار الشاعر نقاط اندماجه بها اختياراً بارعاً: كيف يستطيع أن ينشئ، من هذه الموضوعات الغنية بالتجريد والذهنية، عملاً شعرياً، يجيش بالحركة الحسية، والإيمان الفردي العنيف؟ كيف يمكنه أن يعبر عن جزء يسير، لكنه شامل ومركب، من موضوع بهذه السعة والعمومية؟ وأخيراً كيف يتسنى له أن يدخل القارئ في غمرة إحساس جارف بحيوية موضوع ما: بنبله الصافي، وشموله، وجسامته الهائلة، رغم أنه، على مستوى الحقيقة، موضوع جزئي، محدود؟
 
لا شك أن الكثير من شعرنا الحديث اعتاد أن يستجيب، استجابة حارة، للموضوعات الجسيمة، وهذا شيء جميل حقاً. غير أن المرء يحس، أحياناً، أن معظم هذا الشعر، ربما، ما كان له أن يٌكتب لولا هذه الاستثارة المهيجة، وهذا اللكز المباشر على الخاصرة.
 
إن ذلك يعني حتماً، أن القصيدة العربية الحديثة ما تزال، في بعض تقاليدها، امتداداً لبعض تقاليد القصيدة القديمة فيما يتعلق بالنظر إلى العالم، موضوعات وأشياء وانفعالات. فهذه القصيدة، شأن القصيدة القديمة، لا تستطيع، دائماً، أن تكون خلقاً جديداً، أو فعالية اقتحامية، مبادرة. كما أنها لا تسعى، بشراسة، إلى أن تتحول إلى نار وحشية تفاجئ الغايات، والطرق، والذاكرة. بل هي ما تزال ردة فعل لواقع، أو حدث. وبدل أن تكون سؤالاً مقلقاً، جسوراً فإنها ما تزال، في معظمها، إجابة يستدعيها سؤال مطروح.
 
الشعر، إذن، لا بد أن يكون رؤيا مشتعلة يقظة: تلتهم الواقع، وتغور وراء قشرته الظاهرية، اللامعة، بحثاً عن الجوهر، الحيّ، الراجف للحياة والإنسان والوجود. ولا شك أن هذه الرؤيا المتحركة لا تستلم للعادة، ولا يخدعها سطح الحياة البراني المألوف. بل تظل مأخوذة بالخفيّ، والكامن من معناها، ودلالتها المدهشة، وهذا هو امتياز الشعر، الذي لم يبالغ سبندر في اعتباره حداً للكاتب الخلاق الذي يمتلك « أقصى قدرة على رؤية الغريب الشيّق من وراء العادي والمألوف »(40) ويرى سبندر أيضاً:
 
« أنّ كتاب الطبقة الثانية وحدهم هم الذين يحتاجون لكي يكتبوا، إلى مؤثر خارجيّ غريب أو جديد أو شعري في ذاته »(41).
 
إن الشاعر الذي لا يستثار إلا بحدث خارجي ولا يوقظه إلا واقع صادم، أو واقعة شديدة الوطأة ما هو إلا شاعر ذو موهبة خاملة. لذلك فإنّ موهبة كهذه لا يمكنها العمل إلا بتعاطي المنبهات، أو تلقّي الصدمات الحسية.
 
وشعر الرؤيا هو ذلك الشعر الذي يقتنص نبض الأشياء، وسرها الغامض، الخفي رغم ضجيج العالم وفوضاه القاسية. وهو الذي يرى، وراء سطح الحياة وطمأنينتها الخادعة، موضوعات لا حصر لها، تتفجر بالقلق، والنشوة والنضارة.
 
لذلك كله، فإن نار الرؤيا وجمرها الخالد قادران، دائماً، على رؤية الجوهري والشامل في ما هو عاديّ، وعابر، ويوميّ من أشياء الحياة، وتفاصيلها الكثيرة. وهما اللذان يجعلان من الموضوعات الصغيرة العابرة تجسيداً شعرياً مدهشاً لانشغالات الإنسان الحديث، وحلمه، ومخاوفه.
 
حداثة الإحساس بالماضي:
 
ليس الماضي، بالنسبة للشاعر الحديث، زمناً منقضياً، أو ذكرى ميتة لا يمكن استعادتها، أو بعث الحياة في رمادها المتجهم. بل هو، على العكس من ذلك تماماً، حيوات متفردة، وطاقة روحية جياشة، وهو، أيضاً، زمن يكتظ بالدلالة، والغنى والتوتر.