eKtab
EN ع
في كهف الجنون تبدأ الحكاية
Read free sample

في كهف الجنون تبدأ الحكاية

by زوينة الكلباني

Page 1
(1)
 
حاول الجميع إثنائي عن السفر، متعللين بالأجواء السياسية الملغومة التي تشهدها المنطقة هذه الأيام··· أنظمة تتهاوى، مدن تغتال، موت متلفز، وحروب استباحية، برعت في تشكيل الأقدار، لم تعد الأرض ولا السماء تحتملان أسلحة الدمار النووية والكيميائية، والبيولوجية، والذخائر المشعة·· اختلط الحابل بالنابل على خارطة الكون·· قتل وإرهاب وعزف على وتر الديمقراطية·· !
 
ما عادت الدوامة هاجسي! سئمتُ الشاشة البلهاء وما تبثه في ليالي السجود··· ! كرهت لون الحداد وأهازيج الحماس في أغوار الخوف، ولعنت طوابير الخرس في صباحات التشرذم·
 
مصادفة وبطريقة غير محسوبة أو مخطط لها ولدت هذه الرحلة··· طالما ألحَّت عليَّ صديقتي فاطمة لقضاء بعض إجازاتي في لندن محل دراستها، ولكني كنت أختلق الحجج والأعذار الواهية··· شيء ما في مسامي يدفعني هذه المرة للسفر إليها وولوج عتبات مدينة الضباب، لم ألق بالا لتلك التحذيرات المتناثرة من أفواه المقربين -أهلي وصديقاتي- حول تداعيات الحرب الدائرة·
 
وفي نهار غير عادي حزمت توتراتي الثائرة ولملمت حقائبي، فلا شيء يغسل عوادم الروح ويقتل السأم سوى السفر؛ إنه صرخة صمت بل بطاقة احتجاج أشهرها في وجه الأسى على غفلة من الزمن·· عشقت السفر كغجرية فأبي بدوي حط رحاله في سماء الغيم، وأمي ديمة مهاجرة إلى حجب الغيب·· ذرعتُ مطارات الغربة ومرافئ الاغتراب طفلة تخبئ تحت مفرق شعرها منديل ذكريات يومض في جزر الوحدة المقفرة··
 
إنه النداء الأخير للصعود إلى الطائرة·· الساعة تشير إلى الثانية صباحًا من يوم الاثنين التاسع من فبراير عام 2004م في مطار أبوظبي الدولي·· لقد أنفقتُ ساعتي (الترانزيت) وأنا أنقب في السوق الحرة؛ هذا الداء الذي يجلب لي بعض السعادة، مهما حاولت التبكير في الحضور أجد نفسي في ذيل المسافرين··· أدلف إلى الطائرة عجلةً·· ومن بين الأوراق المتناثرة استخرجت بطاقة صعود الطائرة، فاليد الأخرى كانت تنوء بحالة الفوضى التي تعتريها·· ألقت المضيفة نظرة خاطفة على البطاقة وأشارت قائلة:
 
- مقعدك رقم (3)·
 
كالصاعقة نزل الرقم على مسامعي، امتقع وجهي واصفرَّ لوني··· إنها المرة الأولى التي يفوتني فيها التأكيد على رقم المقعد، أُحسُّ بدوار·· وشبح هذا الرقم يتضخم أعلى المقعد في تحدٍّ شاحذًا مخالبه الشيطانية··· خوف طفولي يصحو في داخلي·· يتثاءب·· يتمطى·· ينهض وكإعصار يعصف بي·· صور شتّى تمور في ذاكرتي وتثور·· تنخر سموم الوجع والهلع·· في حدقتيَّ جثث ونعوش ورماد···
Page 2
رمقتُ المضيفة متوسلة، وأعلنت رغبتي في تغيير المقعد··
 
ومن باب التواطؤ مع الرقم هزت رأسها رافضة، وربما من قبيل التآمر، قالت:
 
- لا مجال لذلك··
 
يا لهذا الموقف الذي لم أحسب حسابه·· !·
 
تفرّستُ الوجوه المنتظمة في مقاعدها·· فالتقت عيناي بعينيه الناعستين·· متأنق وسيم أبصر توسلاتي البائسة، فلم يكن أمامه من خيار إلا أن يكون شهمًا·· وكأنه بطل أسطوري خرج من مكانه بقامته الفارعة يخمد ألسنة المخاوف المندلعة في ذاكرتي··· يحمل في يده رواية (زوربا) إذن هو كائن زوربي ينذر نفسه لخدمة نساء الأرض، ويُحمِّل نفسَه مسؤوليتهنَّ··
 
تقدم من المضيفة قائلا في أدبٍ عالٍ:
 
- لا بأس، بغيّر مكاني مع الأخت··· !
 
لا خيار أمامي، جلس الرجل مكاني تكلله تعاويذي وصلواتي·· لقد قدّم نفسه قربانًا لهواجسي·· !! فشكرت مروءته ممتنة، ثم تهالكت على كرسيه··
 
الطائرة تتهادى على المدرج والمضيفة ترحب بالركاب، وعلى الشاشة عرض لأمور السلامة··· خيل إليَّ للحظات أن مخالب الرقم تتناسل وتستطيل كأذرع الإخطبوط تلتف حول عنقي وتغتالني، لكأن الطائرة تحلق على تضاريس أوجاعي وترتفع بامتداد جروحي، فتواريت في مقبرة الصمت···
 
داهمني شعور بالذنب تجاه الرجل، وأشفقت عليه أن تقصفه لعنة الرقم، استحضرتُ تعويذتي··· قرأت آية الكرسي، والمعوذتين، وجزءًا من سورة ياسين، وسألت الله بعظمة كل حرف من حروف هذه السورة أن يحفظه بألا يمسه مكروه·
 
أفقت وأنا ألهث مرددة تعاويذي، ما أشبهني بالساحرة التي تحمل مكنسة لتطهير المكان من الطاقة السلبية!
 
وحين استقرت الطائرة في السماء، سكنت روحي معها وقرّت·· جاءتني إحدى المضيفات تجر عربتها الصغيرة، اخترتُ عصير برتقال كأني أريد أن أزود نفسي بفيتامين (C) تأهبًا لمواجهة البرد والجليد··
Page 3
أصلحتُ وضع الكرسي وأرخيتُ رأسي·· دفن الرجل وجهه في روايته·· يسبح في فلسفة زوربا حول الحياة والأحياء·· يبدو أنه من الصنف الذي ينسجم في القراءة فلا يحس بما يدور حوله·· شاهدت الرواية في السينما، قصة زوربا ورقصته الشهيرة ما تزالان عالقتين بذاكرتي·
 
وعاد الحزن يشاكسني، يدس أنفه في روحي، ويسجد في محراب ذاكرتي·· غصة تعتريني ودمعة تتلألأ في عيني أغالبها جاهدة، ذكَّرت نفسي بالوعد الذي قطعته وأنا أحزم أمتعتي، أن أغلق صندوق ذاكرتي وألقيه خارج ذاتي، وأعيش العشرة أيام القادمة بطولها وعرضها في تصالح تام مع الحياة··· كل شيء يمكن إخفاؤه ومداراته إلا الأسى يفضح صاحبه··
 
هزات المطبات الهوائية المتفاوتة الحدة طوال الرحلة والقلق الذي ارتسم على وجوه الركاب أسهما في تشتيت الوساوس التي تملكتني··
 
التفتُ إلى الرجل أطمئن عليه، إنه ما يزال حيًّا مسكونًا بالسلام··· لمحني فابتسم وأرسل تسبيلة "تطيح الطير من السماء"، كما كان يردد جارنا أبو راشد كلما سنحت له الفرصة لاستعراض مغامراته وغرامياته···
 
صوت المضيفة يقطع حبال الصمت الملتفة على الوجوه، علينا ربط الأحزمة ستهبط الطائرة في مطار هيثرو بعد دقائق··
 
داهمتني أسئلة الغريب التي يخبئها في جوف حقيبته وارتطمت بمخاوفي·· فارتعدتْ أوصالي، الأمور اللوجستية كإجراءات التأشيرة والجواز والبحث عن الأمتعة تربكني وأضيق ذرعًا بها···
 
يعود صوت المضيفة معلنًا درجة الحرارة في الخارج·· ابتدرني الرجل مبتسمًا:
 
- الحمد لله على السلامة·
 
وبآلية محضة رددت تحيته·· لاح في ذهني أن ألازمه، أفسح لي المكان لأتقدم وساعدني على حمل أمتعتي المتناثرة- النبل والشهامة ما يزالان على قيد الحياة - لم تخطئ فراستي فيه··· قدم الرجل نفسه بود :
 
- اسمي سعود·
Page 4
هطل الاسم كسيمفونية سلام على مسامعي·· فلامس شغاف فؤادي، وعانق مخيلتي·· لقد وقعت في غرام هذا الاسم منذ سنوات·· ومن سحر الاسم كنت أحلم بطفل أسميتُه سعود!!!
 
- وأنا نورة·
 
- عاشت الأسامي يا نورة·
 
نطق اسمي بطريقة مختلفة كأنني لأول مرة أسمعه·· أشار إلى جواز سفري رقص قلبي طربًا، إذن سيوفر علي الكثير من العناء في مدينة أتلعثم بلغة أهلها وأتهجّى حروفها·· !
 
اصطدمت عيناه بشعار الخنجر على غلاف الجواز، فأخذ يقلبه في يده، ثم قال:
 
- نورة، أنت عمانية! والنعم والله بأهل عمان!
 
لم أُعقب فقط تكلفت الابتسام·· فما الأحاديث التي يمكن أن تدور بيني وبين شخص لا أعرف عنه شيئًا ؟!
 
وبعد لحظات صمت ابتدرته قائلة :
 
- إنها زيارتي الأولى لمدينة الضباب·
 
ابتسم بحنوٍّ وقال:
 
- لا تشيلين همّ، أنا معاج (1)
 
شكرت الرجل، وعاد الصمت بثقله يحفر المسافة بيننا·· أشار إليَّ أن أقف بجانبه في الطابور الطويل المتجه لمكتب تفتيش الجوازات··· !! قوافل بشرية تقتحم البوابات·· قارات العالم الخمس اتحدت في هذه الصفوف الممتدة، سحنات متباينة وعيون سود وخضر وزرق تفصح عن جغرافية أصحابها، أعراق الأرض اختلطت في هذه البقعة··· كنت أتفرس الوجوه المعجونة بالوجع·· والتي تنطق أبجدية أهدابها بالمرارة والأسى ·· حينما أفقت على صوت سعود وهو يقول بحزم:
 
- مطار هيثرو بلندن هو المطار الدولي الأكثر ازدحامًا في العالم·
 
قلت وأنا أبتسم :
 
- ولولاك لضعتُ فيه!
Page 5
رد:
 
- علينا أن نجند أنفسنا لخدمة بعضنا بعضًا في الغربة·
 
اتجه نحو الحزام السّيَّار وأنا أتبعه كظله، رنَّ جواله بمقطع جميل لفيروز ·· النغمة عالية لامست مسامع الموظف في مكتب التفتيش، فانتشى وأخذ يرقص بحركات تتناسب مع إيقاع الأغنية، ابتسمت لتصرفه وقلت:
 
- هذا ما يعجبني في هذه الكائنات، تلك التلقائية الجميلة، نبست عبارتي وأنا أتفحص ملامح الرجل الذي أجهل هويته حتى اللحظة·· !
 
استأذن في ذوق؛ ليرد على مكالمته، ومضى يبحث عن عربة لجرّ الحقائب ··· لست أدري يده لامست ظهري عن قصد أم ليدفع عني المارة لكن على إثرها قشعريرة ما سرت في جسدي·· انتبه ليده فأبعدها في الحال معتذرًا بالإنجليزية : sorry·
 
  وحينما عاد طلب مني مساعدته في اختيار عطر نسائي، رحبتُ بطلبه؛ردًّا لجميل كرمه، وأشرت له إلى Angel، ألحّ علي بشرب فنجان من القهوة··
 
اختار طاولة بالزاوية اليسرى، وسألني وهو يهم بالجلوس:
 
- ما قهوتك؟
 
- رأسي بحاجة إلى كابتشينو يعدله··
 
وبارتباك جلس في مواجهتي، شرع يعبث بيديه، وبلهجة لم تلامس أذنيَّ مثلها من قبل قال:
 
- نورة·· ثم سكت·
 
غريب هذا الرجل ينطق اسمي بطريقة ما·· أحببتها!·
 
ما أعذب حرف النون حين ينطقه!! تمنيتُ أن يردده مرات أُخر، لم تعُدْ النون تلك الطاسة الغارقة في الحزن·· والموغلة في الألم، بل لحنًا يجود بالنغم المكنون···
 
- كل عام وأنت الأجمل··· !
Page 6
أف! لقط تاريخ ميلادي من جواز سفري، واقتنص الفرصة صياد ماهر·· لكنها فعلا مفاجأة - ففرحتي بهذا التاريخ عتيقة جدًّا، اشتعلت وانطفأت في فضاءات (الحول حول) (2) أول عام تنفست فيه أكسجين الحياة·· وبعده لم يعد أحد يعنيه هذا التاريخ أو يلفت انتباهي إليه، ففي ظل التربية الدينية الصارمة والعادات التي تربينا عليها تعد أعياد الميلاد بدعة··· فضنوا بها علينا·· وأجهضوا فرحتنا بها!!!
 
شكرت لطف الرجل وذوقه مؤكدة أن موقفه النبيل وصحبته القصيرة ستظل بذاكرتي ما حييت، فوجئت به يقدم زجاجة العطر التي اخترتها قبل قليل هدية عيد ميلادي، هكذا بكل عفوية وبساطة··· !
 
قاطعته:
 
- لا·· محال ومستحيل·· !
 
لا·· لا كلمات ترددت في ذهني··· وخواطر شرسة داهمتني·· !! هل للبراءة أو السذاجة حدود ؟ كيف أقرأ هذا الغريب المتدفق عطاء، وفي مقلتي تختنق الحروف؟، وأي كرم حاتمي يحمله بين أعطافه ويلزم نفسه به؟!
 
لقد كانت المبادرة مريبة بقدر ما كانت لذيذة وساحرة·
 
مد يده عارضًا علي جواله لمهاتفة صديقتي····
 
ما زلتُ أسيرة الحدث، فتحتُ قائمة الأسماء في هاتفي وأخرجتُ رقم فاطمة·· كان هاتفه معقدًا أشبه بلوحة مفاتيح الكمبيوتر ومع ارتباكي تخبطت أناملي بين أزراره···
 
أعدتُ إليه جواله، وأمليت عليه الرقم فاتسعت حدقتاه وهو يدقق في الأرقام·· رفع حاجب عينه دهشًا، وضحك ضحكة خافتة، ثم قال:
 
- صدفة عجيبة·· !!
 
نظرتُ إليه باستغراب·· فتابع:
 
- إنه رقم خالتي فطيم·· أتكون صديقتك التي جئـت لزيارتهــا؟!
 
تبدد العجب وذابت الدهشة·· لا وجه للغرابة !! إذن أنت إماراتي - من ريحة الغالية·· لن أشك في نواياك ما دمت تنتمي لعائلة صديقتي·· فأنا في أمان·· ·· فاعذرني·· هذا ما دار في خلدي··
Page 7
تحدث إلى فاطمة أخبرها بوصولي وبرقم البوابة، بعدها صفق بكفيه في الهواء وقال:
 
- فديتها الغالية، أكيد الحين تضرب أخماس بأسداس·· تبغي تعرف السالفة··· !!
 
صديقتي فاطمة أربعينية العمر خليجية في كل تفاصيلها بعباءتها وعبق البخور والعود المعتق الذي يفوح منها، دومًا أنيقة·· أقبلت نحوي·· تعانقنا بحرارة، وهي تقول :
 
- يا هلا والله بأهل عمان··
 
التفتت إلى سعود، قبلته على خديه، وهي تقول:
 
- أموت وأعرف كيف التميتوا (3) على بعض·· ؟!
 
ابتسم قائلا:
 
- من محاسن الصدف، وإن بغيت التفاصيل اطلبيها عند نورة، ثم ودعنا وانصرف·
 
كعادتها فطوم ودودة وجميلة تأسر العقل بطيبتها وحفاوتها··· كم أحب هذه الفتاة وأرتاح لصحبتها برغم البون الشاسع فيما بيننا في الطباع·· أنا هادئة وميّالة إلى الصمت·· أهرب من الغرباء وأخشاهم وهي ثرثارة لا تكاد تهمد·· متحدثة لبقة، لها حضورها الاجتماعي وجاذبيتها·· تجيد قراءة البشر بشكل عجيب، وكأنك أمام محلل نفسي·· شيء ما جمعنا وما زال·· ربما الوجع ! حياتها عناقيد من المفارقات الموجعة، هي أرملة·· نعم أرملة·· ! يا له من لقب كئيب··!
 
لم تحسب يومًا أنها ستتقلده باكرًا··· توفي زوجها منذ عشر سنوات، في العام الثاني من زواجهما·· قصتها كما سردتها لي·· زميل لها في العمل تكبره بأعوام كثيرة، فُتِن بها لحد الجنون، ولم لا يهيم بها وهي كتلة عطاء متحركة ؟! قال لها:
 
- لا معنى لوجودي إذا لم أقترن بك وأسري في روحك!
 
كانت النظرة تكفي ليعرف أحدهما ما يدور في ذهن الآخر·· أحبها زوجها لدرجة كبيرة واعتمد عليها في كل شاردة وواردة في حياته··· بدءًا من الحذاء الذي ينتعله وانتهاء بالعطر الفرنسي والعود الكمبودي الذي يفوح منه·· هي من اختارت نوع سيارته ولونها ورقمها·· تحل مشاكله في العمل، وتنتقي الأغاني التي يسمعها·· كانت سعيدة بذلك وهي تمارس دور الزوجة والأم والحبيبة، ولكن هيهات - ففي لحظة مجللة بضباب الغيب اختطفه الموت إثر حادث أليم تعرض له وهو قادم من دبي: انفجر إطار السيارة فاصطدم بشاحنة كبيرة·· عاشت بعدها على شجو ذكرياته التي امتزجت بدمها وروحها·· وبقيت طوال هذه الأعوام تتباهى برفات حب حنطته في ذاكرتها··· ما زالت تُحيي ذكرى وفاته في كل عام بطريقتها الخاصة··· تجزل الصدقات في ذلك اليوم برًّا به وتـؤدي العمرة عنه، وتذكِّر إخوانه وأخواته قائلة:
Page 8
- لا تنسوا الدعاء للغالي وقراءة القرآن على روحه
 
كرّست حياتها بعده للدراسة والعمل·· كانت تتوق لطفل منه، ولكنها حكمة الله ولا راد لقضائه·· هذا ما تردده دومًا، وبعد وفاة زوجها لم تتحمل البقاء في المنزل نفرت منه·· تقول:
 
- كل شيء كان في حالة حداد !المكان الذي جمعنا وضم أحلى الذكريات وأجمل اللحظات خلع عليه الموت عتمة ووحشة وانفعالات قلقة··· حتى المقتنيات الفنية، والصور، واللوحات التي جمعناها سويًّا باتت تؤرقني وتقض عليَّ مضجعي·· يا لسخرية الحياة العظمى!!الروح التي كانت بالأمس تحييني وتبث الحياة في داخلي·· أصبحت شبحًا يشاكسني وأفرُّ منه!! لم أستطع البقاء في المنزل فهجرت ذكرياتي·· !
 
شرعت صديقتي تثرثر وتسوق لي أخبارها، وبين الفينة والأخرى تردد كلمات الترحيب وتبثني أشواقها·· أحبج موت، اشتقتلج موت عبارات تعودت سماعها من فطوم·· ولطالما تساءلت معها عن سر هذا التشابك وهذه العلاقة الضدية التي جمعت بين الحب والموت، فالحب في عذوبته وسحره ورقته منتهى الغايات، والشوق في جماله وروعته رسالة، إنهما قصة الحياة وماء الفرح·· كيف التقيا بنقيضهما الموت وهو نذير شؤم·· رمز الفناء والعدم والشجن·· !!
 
ركبنا المصعد·· توقف في الدور السادس، انحرفت فاطمة نحو ممر طويل جهة اليسار، ثم أخرجت مفتاحًا من حقيبتها، وضعته برفق في الباب، وأدارته في الثقب·· اصطدمت عيناي بلوحة معدنية مثبتة وسط الباب تحمل ذات الرقم (3) بكل تفاصيله وملامحه، يعترض طريقي مرة أخرى، ويقتحم شرفات ذاكرتي عنوة، أحس به ينهش روحي ويخربش وجهي، النار تشتعل بين ضلوعي، تُلهب المخاوف والوساوس الخامدة، تراجعت قليلا إلى الوراء كمن يتأهب للفرار من أذى وشيك، جسمي يرتعش·· وخفقات قلبي تتضاعف·· وثمة صرخة مكتومة تلح عليَّ·· فتحتْ فاطمة الباب الموصد، ثم دعتني إلى الدخول مرددة كلمات الترحيب:
 
- مرحبا الساع بالغالية·
 
لم أحرّك ساكنًا، بقيتُ متسمرة مكاني، أحاول التوازن، عيناي مثبتتان بالرقم، جامدتان جمود من يتأمل جثة·· ضربتان على الرأس توجعان إنه أمر لا أستطيع احتماله، لقد سقتُ نفسي إلى حتفي، قلق يزيد ولا يفتر، وجزع يتضاعف ولا يضعف! وخوف صنعته أوهامي البائسة وخيباتي وانكساراتي المتوالية!!
 
جرت فاطمة حقيبتي إلى الداخل، وباستغراب تأملتني :
 
- نورة حبيبتي يبدو أنك مرهقة، تفضلي بالدخول؟!
Page 9
أمسكت بيدي وسحبتني إلى الداخل، أناملي ترتعش بين يديها·· ضغطتْ على أصابعي بقوة·· وباليد الأخرى أسندتني·· وهي تردد:
 
- الرحلة طويلة لا شك أنه تعب السفر!
 
وفي انكسار بل انهيار عميق، ألقيت بنفسي على أول أريكة صادفتني، قرأتُ في عيني صديقتي رعبًا شديدًا، كانت حائرة لا تدري كيف تتصرف معي، أدارت التدفئة الحرارية·· توجهت إلى غرفتها مسرعة وأخرجت بطانية دثرتني بها، وهي تقول:
 
- شتاء لندن قاسٍ·· والبرد في الخارج قارس!
 
قالت كلاما كثيرًا لستُ أسمعه، فقط كنت أرى شفتين تلتقيان ثم تبتعدان، ويدين تتحركان يمينًا وشمالا·· إني ألهث كأنني عدوتُ مسافات لا نهاية لها! أتأمل الشقة لونها، وقطع أثاثها، وإكسسواراتها·· كل شيء بعيني يبدو مخيفًا وبلون الرماد··· !!!
 
نذر شرٍّ مريعة تلوح في فضاء المكان·· !!
 
شعرتُ برأسي يثقل إلى الدرجة التي قد يتدحرج فيها إلى الأرض، اقتربت فاطمة مني وضعت يدها على شعري، فجفلتُ بقوة، وانتصبتُ واقفة·· هدأتْ من روعي وقادتني إلى غرفة مجاورة:
 
- يا حيااااتي يبدو أنك متعبة ارتاحي قليلا·
 
ألقيتُ بنفسي على السرير، تناولتُ شالي طويته على عينيَّ وربطتهما بقوة وسددتُ أذنيَّ بوسادتين··· تكورتُ على نفسي، ضامة ركبتي إلى صدري كجنين في بطن أمه·· قلق يهوي بمطارق الوجع على صفائح كياني؛ ارتميتُ إثره بكل هشاشة في إغفاءة·· ولأول مرة يتحالف النوم مع قلقي واضطرابي·
 
كابوس يعاودني بين الحين والآخر يقض عليَّ مضجعي·· يشلُّ حركتي، أحاول الصراخ لا أستطيع·· أنفاسي شبه متقطعة، لا أقوى على النهوض هناك من يحاول عرقلة حركتي وشلها، جثث تحيط بي··· أقاوم وأقاوم، أفقتُ على صوت أنيني العالي·· أجاهد في كبح جماح الرعب الكامن في داخلي فيأبى·· أخذتني نوبة بكاء حادة، بكيتُ طويلا، بكيتُ الطفلة في داخلي، وأشفيتُ غليلي بما سكبته من أسراب الدموع!
 
فتحتُ النافذة فلفحتني نسمة هواء باردة، ألقيتُ نظرة إلى الخارج بلا مبالاة، وعدتُ إلى حقيبتي أخرجت مصحفًا صغيرًا·· قرأت جزأين من القرآن الكريم وبعض الأذكار، لأخفف من قساوة الذكريات وحدة الزوابع المشتعلة بضراوة في داخلي·· بعدها سألتُ الله أن يمنحني الأمان والسلام··
 
ثمة رجفة بسيطة ما تزال في يديّ وارتعاش بسيط في شفتيَّ، هذه حالي كلما توترت أعصابي أو داهمتني بعض عقدي، وعادت ذاكرتي المثقوبة كغربال تسقط صورًا متباينة أمام عينيَّ، أغبط من لا ذاكرة له، يقال إن السمك بلا ذاكرة
 
طافت بذهني ذكريات بعيدة أجدها مريرة من بينها تجوالي في أثناء نومي كما حدثوني وأنا طفلة كنت أغادر سريري، أجوبُ المكان·· أقوم ببعض الأعمال بلا وعي كفتح خزانة ملابسي وترتيبها، وفي الصباح تخبرني جدتي بما فعلت، أشعر بدهشة شديدة لأنني لا أذكر شيئًا مما حدث، قالت لي يومًا إنها ظلت تراقبني من بعيد، كنت أتفادى الاصطدام بقطع الأثاث التي قد تعرقل خط سيري، وأحيانًا كثيرة كنت أرد على أسئلتها بإجابات مقتضبة·
 
وجدتني جدتي ذات يومٍ متسوِّرة جدار السطح، بعدها اتخذت بعض الإجراءات الأمنية الصارمة من باب الحذر كربط قدميّ بحبل في عمود السرير، أخبرتني أنني كنتُ أفكُّ ربطة الحبل بدقة متناهية، وأسير في نومي بطريقة آلية وعينايّ مفتوحتان·· مكثت على هذه الحال طوال فترة الطفولة، وعندما دخلتُ طور المراهقة توقفت من تلقاء ذاتها·· لم أؤمن يومًا بشيء اسمه الطب النفسي، كنت أعدُّ أصحابه مجرد باعة كلام بحاجة إلى العلاج أكثر من مرضاهم!·
Page 10
(2)
 
ما زال التوتر والقلق يعتصرانني من الداخل ويثقلان جسدي، مغص شديد يقطع أحشائي··· تناولتُ مسكنًا·· دقائق وعادت فطوم من السوبر ماركت محملة بأكياس مختلفة، أودعت بعضها في الثلاجة، ثم اقتربت مني مازحة وهي تضع يدها على كتفي:
 
- نورة، شسويتي (4) بسعود؟!عشر مرات يكلمني ما عنده رَمْسَه (5) غيرج·· الظاهر الولد طَبّ ولا أحد سمّى عليه! نازل فيج غزل قال عنج كلاس، وتنحبين على طول، ولج جاذبية عجيبة، وعلى فكرة بنتعشى جميع (6) اليوم·
 
لم ترُقني فكرة العشاء مع سعود ولم يطربني رأيه، لكنني لم أظهر انزعاجي·· ولم أبدِ اعتراضًا··· حاولت جاهدة الضغط على أعصابي والتظاهر بالتماسك والجلد·· ونزع القلق والارتباك المتجذر في خلاياي··· أعلنتُ لفاطمة رغبتي في الإقامة بفندق·· فثارت محتجة وعاتبتني، وأقسمت أن أبقى لديها، وبعينين متوسلتين رجوتها طويلا حتى وافقتني مضطرة·
 
إن الخوف الذي تخندق في أعماقي جعلني أرجوحة لا تستقر أبدًا، وجل ما أخشاه أن يمضي بي إلى طريقين لا ثالث لهما :الجنون أو الموت!!
 
حملتُ حقيبتي وانسحبت من المكان مديرة ظهري لرقم طالما أفزعني وأقض مضجعي·· كان الأمر صعبًا، أمشي بغير هدى، قدماي تخبطان ببعضهما بعضًا بطريقة عشوائية وفي حركة غير منتظمة··
 
عبرنا الطريق إلى الرصيف المقابل، يبدو الضباب كثيفًا، له وجوه وعيون متباينة الأشكال والأحجام··· تشق عباب الجو كالسفن المثقلة بحمولتها··، ابتعدتُ عن بؤرة التوتر·· كم من عبرة وزفرة وأنة وحسرة أطلقتها من تداعيات الرقم ومباغتاته القذرة··· قادتني فاطمة إلى فندق على بعد أمتار فقط من شقتها، اخترتُ غرفة تحمل رقم (7) إنه رقمي المتزن الذي يمنحني الكثير من الهدوء والسكينة··· تنازلتُ عن شروطي السابقة، لم تعد الفخامة تعنيني فقط الإحساس بالأمان·· كانت الغرفة نظيفة ومرتبة نوعًا ما·
 
حاولت الاعتذار عن العشاء من فاطمة ولم أستطع·· لقد خضت معركة طويلة وضارية مع نفسي؛ لأتهيأ للخروج معهما··