eKtab
EN ع
في مدار النقد الأدبي
Read free sample

في مدار النقد الأدبي

by د. علي مهدي زيتون

Page 1
المقدمة

يقوم هذا العمل على ثلاث مفردات أساسية: (المكان)، و(القصّ)، و(المنهج). ولقد ابتدأت حكاية هذه المفردات بدعوة، وُجِّهَت إليّ، لأشارك، في قاعة بلدية الشياح، في الحديث عن أعمال عبد الرحمن منيف بمناسبة وفاته. ووجدت أنّ تعاملي البحثيّ السابق مع الأعمال السرديّة، وفاق المنهج السردي مجرّداً، لم تكن مجدية بما فيه الكفاية، وفكّرت في مخرج قدّمته لي رواية "شرق المتوسط" على طبق من ذهب. فعدا ما لفتني العنوان إليه من أهميّة دراسة المكان في هذا الرواية، لأن العنوان عنوان مكاني بامتياز (شرق المتوسط)، فالرواية ممثّلة جيّدة لتلاقي المثقف الكبير بالأديب الكبير في شخصية عبد الرحمن منيف. وكان أن وجدت نفسي أتعامل مع المكان في هذه الرواية بناءً على الخلفيّة الثقافية التي تتشكل على قاعدتها رؤية عبد الرحمن منيف إلى العالم. فكانت النتيجة مرضية بالنسبة إلى قناعاتي. وهكذا التقى الثلاثي (الثقافة/المكان/القصّ)، في ذهني، فطاب لي أن أكمل رحلتي مع أي عمل سردي أتعرّض له بناءً عليه. وكرّت السبحة مع مجموعة "صهيل الجواد الأبيض" القصصية لزكريا تامر، ومجموعة "قناديل أشبيلية"، القصصيَّة لعبد السلام العجيلي، فرواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، ثم أهم أعمال إميلي نصر الله الروائية، بعدها رواية "الزمن التالي" لفاتن المر، ومجموعة "حكايات للزمن الآتي" القصصية لسعيد أبو نعسة. وفكّرت في أن أجمع هذه المقالات التي قدّمت في ندوات ومؤتمرات متنوعة ومتباعدة أحياناً، فوجدت أن الأمر يتطلب مبحثين أساسيين: المبحث الأوّل أقدّم فيه تصوّري للمنهج البنيوي الثقافي الذي قاربت في ضوئه تلك الأعمال. على وجه الخصوص، لأنّ للقارئ أن يكون على بيّنه من أمره حين يقرأ دراسة عن المكان في بعض الأعمال السرديّة. ومعرفة تصوّرات الدارس للمكان مفيدة في التعامل مع دراسته الإجرائية.

يعني ذلك أن العمل قائم على قسمين رئيسين:

القسم الأول نظري وهو موزّع على عنوانين، كما رأينا: "نحو منهج بنيوي ثقافي"، و"مقاربة من مفهوم المكان في الأعمال السردية".

والقسم الثاني إجرائي موزّع على سلسلة من العناوين هي: "جدليّة المكان وحقوق الإنسان في رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، و"شعريّة المكان في (صهيل الجواد الأبيض)" لزكريا تامر، و"ثنائيّة (الشرق/الغرب) في (قناديل أشبيلية) لعبد السلام العجيلي، وأزمة الأمة الثقافية"، و"شعريّة المكان في رواية (أولاد حارتنا)" لنجيب محفوظ، و"ثنائيّة المكان ودلالاته في رواية إميلي نصر الله"، و"رواية تيار الوعي والمكان في (الزمن التالي)" لفاتن المرّ، و"المكان الفلسطيني في (حكايات للزمن الآتي)" لسعيد أبو نعسه.

ويبقى أنّني تجنّبت في مبحثيْ القسم النظري ما هو معروف في الكتب التي عالجت أمور السرديّة من ناحية، وأمور المكان من ناحية أخرى، لأقدّم ما قدّرت أنّه نتاج تجربتي البحثيّة الشخصيّة معهما.

فالجانب البنيوي من المنهج مرّ، داخل الحركة النقديّة، بتجارب عديدة وواجه مواقف متنوّعة ومتباينة، ولذلك اكتفيت بالإشارة إلى أنّه، في روحه، ما زال حيّاً يمكن للباحث أن يفيد منه في ما خصّ مكوّنات الخطاب السرديّ ليتفرّغ لمقاربة عميقة مبنيّة على مقولات منهج آخر.

والمنهج الآخر، هنا، هو المنهج الثقافي الذي يفترق عمّا عُرف بالنقد الثقافي افتراقاً جوهريّاً، كما سنرى. وذلك من حيث التوجّه ومن حيث الانتماء. والمنهج الثقافي تنظيراً وإجراءً هو من المناهج الفاعلة التي تستطيع، بتقديري، أن تنطق ما سكت من أبعاد فنيّة يكتنزها الخطاب. وهذا ما يسوّغ وجوده في الحياة النقديّة الحديثة.

أما ما يتعلّق بالمكان، فقد تجاوزت الإرث الكبير الذي تجمّع لدينا عبر دراسات كثيرة جادّة، وبلغات متعدّدة. ولا يعني هذا أنني لم أستند إليها. استندت إليها من دون أن أكرّرها. فالمطلوب أن أقدّم تجربتي البحثيّة الخاصة عن المكان.

ومهما يكن من أمر، فإنّني أضع عملي هذا أمام العين الناقدة المنصفة، والله ولي التوفيق، وإليه أنيب.

حوش الرافقة في 30/8/2010
Page 2
القسم النظري

نحو منهج بنيوي ثقافي

يحاول هذا المبحث المكثّف تقديم المنهج البنيوي الثقافي الذي سأعتمده في مقاربة بعض الأعمال السرديّة، وذلك انطلاقاً من المحاور الآتية: حقيقة المنهج النقدي، حركة الأبوياز، (الشكليين الروس) والمنهج النقدي العلمي، مشترك الحقول المعرفيّة، شرعيّة المنهج البنيوي الثقافي، التجربة الثقافيّة العربية الحديثة، جدل الثقافة والسياسة، عودٌ على بدء، كلمة أخيرة.

1- حقيقة المنهج النقدي الأدبي

المنهج النقدي الأدبي طريقة في مقاربة الخطاب الأدبي. وهذه الطريقة لا تولد من فراغ، ولا تنجم عن تأمّل حرّ مستقلّ يسعى إلى إيجادها. هي مترتّبة على فهم محدّد للأدب، ووجهة نظر فيه. ولذلك فهي متعدّدة تعدّد تلك الوجهات، وهي مستمرة في التوالد ما استمرت وجهات النظر في التوالد والحدوث. المنهج وجهة نظر حقل معرفيّ معيّن بالأدب يشكل خلفية فكرية معرفية نقرأ بها ما نقرأ. والحقيقة أنّ الأدب قد تعرّض لاختراق مستمر من الحقول المعرفيّة التي تقع خارجه: التاريخ، والفلسفة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والنزعة العلمية بشكلها المطلق. قدَّمت هذه الحقول رأيها في الأدب، بدافع الثقة بالنفس، وبسبب اعتقاد كل منها أنه الحقل الأكفأ في فهم العالم ومن ضمنه الأدب.

فكان المنهج التاريخي الذي يرى إلى التاريخ أنه الفاعل القويّ في تطوّر العالم، وفي إنتاج الأدب.

والمنهج الفلسفي الذي يرى من خلال انتمائه إلى حقل الفلسفة، أنه المؤهل المتعالي الذي يمكنه فهم الوجود فهماً يقينياً، ومن ضمن ما يتعدى إليه في الفهم، الأدب. وكان هذا المنهج متعدّداً بتعدّد الفلسفات، ومتطوراً بتطوّرها.

والمنهج النفسي الواثق بمقولاته الناظر إلى الأدب على أنه شكل من أشكال أحلام اليقظة المثارة بما يعتمل في عالم اللاشعور من مكبوتات ومركبات نقص أو تفوّق. ولقد شهد هذا المنهج تحوّلات ابتدأت بفرويد ولم تنته بلاكان.

والمنهج الاجتماعي المؤمن كغيره من المناهج المنتمية إلى الحقول المعرفيّة الأخرى بشرعيّة فهمه الاجتماع البشري وما ينتج عنه من ثقافة وفن.

وقد حقق الحقل المعرفي الخاص بالمنهج العلمي اختراقاً قوياً للحقول المعرفيّة الأخرى، في مرحلة الحداثة (modernité) ، وساد عليها، حتى وجدت الفلسفة نفسها أنها بحاجة إلى الاستعانة بالعلمية لتسوّغ حضورها وقوتها. رأت الفلسفة الماركسية إلى نفسها على أنها فلسفة علمية استطاعت أن تصل بالعلمية وبالفلسفة معاً إلى منتهاهما اللذين شكّلا دفاعاتها الأساسيّة عن حضورها. ونحت اللغة مع سوسير لتصير علماً. وكذلك الأدب مع حركة الأبوياز (الشكليين الروس). صارت العلمية الوسام الذي يفخر كل حقل من حقول المعرفة بأنه معلّق فوق صدره.

وكان لزاماً أن تعتقد العلمية بشرعيّة فهمها الأدب وبقوّته.
Page 3
2- حركة الأبوياز والمنهج العلمي

سعت هذه الحركة، بفعل انتمائها إلى الحداثة المؤسسة على العلميّة تأسيساً راسخاً وعنيداً، إلى تخليص الأدب من جميع الاختراقات التي قامت بها الحقول المعرفية الأخرى، بحجة أن فهمها الأدب كان مجرد إسقاطات لا علاقة لها بطبيعته، وهي إلى ذلك مجافية للفهم العلمي إلى حد كبير. وتوصلت في آخر ما توصّلت إليه، إلى فكرة "أدبيّة الأدب" عبر توجهها نحو إيجاد علم للنقد متوازٍ مع سائر العلوم: (النفس، الاجتماع، اللغة، الفلسفة...)، ومستقل عنها.

ويبقى أن هذا المبحث ليس بصدد تقويم لهذه المناهج، ولا للحقول المعرفية المنتمية إليها، كما أنه ليس قادراً أن يَجزم بمشروعيّة ما ذهبت إليه حركة الأبوياز التي تلاقت بعلميتها مع ما ذهب إليه سوسير في توجهه نحو إيجاد علم اللغة، وصبّت معه في المنهج البنيوي الذي رأى إلى نفسه أنه المنهج العلمي، وأنه الشرعيّة الوحيدة في مقاربة الخطاب الأدبي.

وحاول الفرنسيون، في ستينات القرن الماضي تجاوز هذا المنهج من خلال توجههم إلى قبلة السيميولوجيا، وانتقده كثيرون. وصل الأمر ببعضهم إلى أن وصفوه "فلسفة موت المؤلف" (روجيه غارودي).

ويبقى أنّ الجهد الكبير الذي بذله البنيويون ومؤسسو هذا المنهج في البرهنة على أنهم المدافعون الحقيقيون عن الأدبية، لا يجعلنا نقرّ لهم بما ذهبوا إليه، لأن المسألة الأدبيّة غير قابلة لأي حصر. فالخطاب الأدبيّ، وبقطع النظر عن رأي تفكيكيّة ما بعد الحداثة فيه، وعن تطرّفها في ما تذهب إليه، هو موئل جميع الحقول المعرفية. تتلاقى فيه وتتحاور فيما بينها، بلغة غير معلنة، وغير واعية أحياناً (تيري أيجلتون، فكرة الثقافة، رأي إليوت، ص 225) فترسم آفاقه، وتحدد معالمه الفنية، وأبعاده الجمالية، والرسائل التي يحملها. صحيح أن الخطاب الأدبي ليس خطاباً تاريخياً، أو فلسفياً، أو نفسياً، أو اجتماعياً، وأن اكتشاف الأبعاد التاريخية والفلسفية والنفسية والاجتماعية فيه هي وظيفة تلك الحقول، إلا أنّ ذلك لا يلغي أن نبحث في هذا الخطاب عن تجليات تلك الحقول، وعمّا فعلته في إنتاج جماليات الخطاب، وما حمّلته إياه من رسائل.
Page 4
3- مشترك الحقول المعرفية

في ضوء ما سلف نرى أن أيّ منهج من المناهج لا يمكنه وحده أن يحوز الحقيقة كاملة، أو ادّعاء الشرعية الحصريّة لنفسه في مقاربة الخطاب الأدبي. إنّ أي منهج من المناهج مهما قلّ شأنه مع تقادم الزمان، ومهما حدث من تجاوز جوهري لمقولاته، يظل ممسكاً بشيء من الحقيقة.

ولا يعني ذلك دعوة إلى استحضار ما تجمّع من مناهج نقدية في أثناء هذه المقاربة أو تلك. ثمّة مشترك بين جميع الحقول المعرفية، خصوصاً إذا تعلّق الأمر بكيفيّة ولادة أيّ منها وكيفية نموّه. إن سلكاً واحداً عامًاً يجمعها ودمغة واحدة تدمغها. في كل مرحلة من مراحل الثقافة.

تعارف المفكرون على تسمية ذلك الخيط بالمنهج: المنهج الميتافيزيائي، أو المنهج الجدلي المثالي، أو المنهج الجدلي المادي، أو المنهج التفكيكي... الخ.

تنضوي كل الحقول المعرفية، وفي كل مرحلة من مراحل حياتها، تحت خيمة، يمكن أن نسميها خيمة ثقافية واحدة لا يستطيع أي حقل من تلك الحقول أن يفكر إلا تحت سقفها.

ولتبسيط الفكرة يمكن القول: إن الجماعة البشرية على الأرض، تواجه في كل مرحلة من مراحل تاريخها، مشكلات وتحديات ذات طبيعة فكرية، أو اجتماعية، أو نفسية، أو تقنية، أو علميّة، وقد تصل تلك المشكلات والتحدّيات إلى حد الأزمات والمآزق التي تستنفر عقل النخبة البشرية لفهم ما تفاقم واشتدّ، ولتوجِد لها حلولاً توصل البشرية إلى مأمنها المرحليّ. وما تنتجه من معرفة متنوعة في كل مرحلة، يظل واقعاً تحت سقف المنهج السائد في التفكير.

وما ينطبق على البشرية كلها، ينطبق على الجماعات البشرية فرادى.

تواجه كل جماعة منفردة مشكلات وتحديات خاصة بها، فتنبري نخبتها وفي ظلّ المنهج السائد في التفكير لفهم ما تواجهه ولتوجد الحلول لها.

وإذا نحن أمام ثقافة بشرية عامة لا تخصّ مجتمعاً بعينه، وأمام ثقافات متعددة للمجتمعات البشرية المتعدّدة. ومما يجدر ذكره هنا، أن ما توصّل إليه عقل النخبة هو الثقافة التي أنتجها لتلك المرحلة. وإذا كنا أمام نوعين من الثقافة، فإن الأبواب مشرّعة بين الثقافات المتعددة من جهة، وبينها وبين الثقافة البشرية العامة من جهة أخرى، وآليات التحاور، والتمازج، والإفادة المتبادلة أقوى من أن يحدّها حدّ.

وإذا كانت المشكلات والتحديات الفكرية، والاجتماعية، والنفسية، والعلمية، والأدبية هي مشكلات وتحديات متعددة إلا أنها منضوية تحت سقف حاجات الجماعة التي واجهتها. وحاجات الجماعة هي مكوّنات حاجة أساسية واحدة هي حاجة الجماعة البشرية إلى المحافظة على وجودها. وما توصّل إليه عقل النخبة ليس نهاية المطاف. لا تنفك المشكلات والتحديات تتوالد. فلكل مرحلة تاريخية جديدة مشكلاتها وتحدياتها ولها فهمها وحلولها، ولها ثقافتها.

يعني ذلك من الناحية الأنتروبولوجية، أننا حين ننتج ثقافة إنما ننتج طريقة حياة (انجيلتون، ص 233)، ثقافية، ونفسية، ووجدانية، وأخلاقية، واجتماعية، وتقنية، واقتصادية، وسياسية... الخ.

فطريقة الحياة إذاً هي بنية موحّدة قائمة على مكوّنات وظيفيّة مترابطة هي تلك الحقول التي تفصح في المحصلة عن طريقة حياة غير قابلة للتجزيء.
Page 5
4- شرعية المنهج البنيوي الثقافي

والكاتب الذي يكتب، إنما يكتب باللغة ما مكّنته ثقافته أن يراه من هذا الجانب أو ذاك من جوانب العالم.

وإذا كانت الثقافة مرتبطة بالطبيعة، متولّدة عنها، قادرة على تغييرها (انجليتون، ص21)، فإن الأدب، بناءً على ما تقدم، تعامل حيويّ مع الطبيعة بمعناها الواسع، لأنه لا يشهد ولادته إلا من داخل الثقافة المتولدة عنها. ويترتب على ذلك أن تظل عين الأديب المنطلقة من ثقافته ومما استوعبته تلك الثقافة عن العالم أسيرة ذلك الاستيعاب من جهة، وأن تقوم بمحاولة الإفلات منه من جهة أخرى، تماماً مثلما تظل الثقافة لصيقة بالطبيعة، منفكة عنها في آن معاً.

وآليّة الإفلات آلية معقدة، لأن رؤية الكاتب إلى العالم رؤية مركّبة فهي تتكون من ثقافته، مما حصّله شخصياً، ومما تناهى إليه من ثقافة الجماعة، ووجهة نظرها في الوجود جرّاء تجربتها المستمرة، ومن قناعاته، ومن همومه، واهتماماته، وميوله وانفعاله حيال العالم.

ولا تشتغل مكوّنات هذه الرؤية منفصلة، فهي مكوّنات وظيفيّة تشتغل من داخل بنية موحّدة هي بنية تلك الرؤية. فإذا كان المكوّن الأوّل بما هو طريقة حياة غير فرديّة ضابطاً موضوعيًّا للرؤية في ما تعاينه من جوانب العالم، ويشكل ضرورة لبقاء الاتصال مع الآخر-المتلقي، أسبغت المكوّنات الأخيرة، والمدموغة بدَمغة الثقافة بالطبع، بعداً ذاتياً على المعايَن بما يضمّنه موقفاً خاصاً، وبعداً وجودياً فردياً يحاول التفلت من أسر الطبيعة ببعديها المادي والروحي، والاحتجاج عليها بما يدفع نحو ما يبدو إعادة صوغ للعالم. ويعني كل ذلك أن رؤية أيّ أديب قائمة في ظل هيمنة ثقافية هي بالإضافة إلى ذلك، بصمة لا تشبهها بصمة أخرى. وما تراه من أحد جوانب العالم هو تجلٍّ فريد ومختلف عما لا يعدّ ولا يحصى من ممكنات تجلّيه عبر رؤى غير متناهية العدد، وإن هذا التجلّي هو مكمن العمليّة الإبداعية، أو ما يسمى بالجمالية الأدبية المثيرة للمتعة، على اعتبار أن الأديب مثقف كبير، وما يراه متصل بالحقائق الإنسانية الكبرى، مدهش، مشرِكٌ القارئ في عملية الكشف.

ويطرح هذا الفهم للجمالية الأدبية سؤالاً جوهرياً موعوداً، هل يأخذ منهج ثقافي محدد شرعيته وقوته في مقاربة الخطاب الأدبي بناءً على ذلك الفهم؟ تتطلب الإجابة إزالة لبس يمكن أن يحضر إلى الذهن مترافقاً مع هذا السؤال. هل من صلة تربط هذا المنهج بما يعرف بمنهج النقد الثقافي؟

يرى منهج النقد الثقافي أن ولادته تمثّل موتاً للنقد الأدبي. (الغذامي، ص 8). ويعني هذا أنه منهج متخلٍّ عن الاهتمام بالأدبية التي يرى الغذامي أن مؤسسة النقد الأدبي الرسمية قد استغرقت كلّ وقتها في التعامل معها، واستنفذت، في ذلك، كل طاقاتها من دون أن تتنبّه إلى "المضمر الإيديولوجي" في الخطاب (ص 14). وكان طبيعياً أن يرفض التصنيف الذي أنتجته تلك المؤسسة بين أدبٍ راقٍ، وآخر شعبي (ص 14 و58 و61)، جاعلاً من الأغنية الشبابيّة، والنكتة، والإشاعة مادة أساسيّة لذلك النقد. وتوجهه إلى هذا النوع من المادّة النقديّة لم يكن بدافع تبنّيه وجهة نظر ما بعد الحداثة (ص 14 و16) فحسب، ولكن، لأنها تقوم بشكل أساسي على "المضمر الإيديولوجي" الذي لا يكون فيها مستتراً بلبوس الجمالية التي يهتم بها الأدب الراقي. واهتمام هذا النقد بالهامشي دون المحوريّ، تبعاً لمقتضيات ما بعد البنيوية، دفعه ليقلّل من شأن المتعة الجمالية التي يرى إليها؛ أنها ليست فعلاً فطريّاً، بل شيء نتعلمه. فالاستمتاع لا يكون إلا بمقاييس اجتماعية (ص 23-24)، والجمالي حيلة ثقافيّة تُمرِّر من خلاله أنساقها (ص 77) التي غالباً ما تكون أنساقاً مرضيّة (ص 93-140). والمسألة هنا لا تتعلق بتقويم خاص بهذا المنهج المسألة مسألة موقف أن تقبل به وبمرتكزاته ما بعد الحداثيّة أو لا تقبل.

ولعل أول ما يستوقفنا مما بعد الحداثة مقولتها إن الذات غائبة وإن الآخر هو الحاضر فيها. صحيح أن الذات تراكم من حضور الآخر فيها، إلا أن ذلك التراكم لا يشبه تراكم الطبقات الرسوبية، من حيث استقرار كلّ طبقة على طبيعتها. فللذّات آليّة عجيبة في إعادة صوغ ما تراكم، حتّى ليبدو تشكيلاً منفصلاً عن أصوله فلا يشبهها. الذات عسل تلك الزهور، ولكنها ليست إياها.

والمقولة الثانية التي تستوقفنا من مقولات التفكيكية هي أن النصّ نتاج تناصّ متعدّد متراكم، وأن مهمّة النقد فكفكة الطبقات الرسوبية المكوّنة له، وتخليصه منها حتى لا يبقى منه شيء، لا يبقى له ما يقوله. التناصّ حقيقة موضوعيّة لا يمكن نكرانها، إلا أنّ الذات (البصمة) ورؤيتها (البصمة) قد أعطيا ذلك التناصّ خصوصيّة لا يمكن أن تكون لغيره. فهو نصّ لا مثيل له، ولا يمكن أن يفكك إلى مكوّناته، لأن مكوّناته بما كانت عليه من قيمة مستقلة قد زالت مع التناصّ. فبات النصّ هو الحضور والمكوّنات هي الغياب. إنه عسل تلك النصوص وليس إياها. هل يستطيع أحد أن يعيد توزيع العسل على الزهور التي تحدّر منها، عبر النحلة؟

العسل هو الحضور، وذات النحلة هي الحضور. الزهور والآخرون غياب في حضرة الخلق الجديد.
Page 6
وإذا أردنا أن نحدّد أهمّ ما يميّز منهج النقد الثقافي، وجدناه متجلياً في نقطتين أساسيتين: مادة النقد الهامشية، وهدفه في الكشف عن الأنساق الثقافية في ذلك الخطاب الهامشي. ويعني ذلك أن المنهج الثقافي الذي نسعى إليه مختلف إلى حد التناقض مع منهج النقد الثقافي. منهجنا منتمٍ إلى الحداثة ببعدها العقلاني العلمي من جهةٍ، وببعدها الأخلاقي الشرقي من جهة أخرى.

وهو منهج لا يدّعي التعامل مع الخطاب الأدبي منفرداً، لأن ذلك مدعاة لكي يتحوّل إلى منهج موضوعاتي تقليديّ لا يفيد شيئاً في الكشف عن جماليات الخطاب وأدبيته. وهو، منفرداً، لا يمكنه النهوض بعمليّة تحاول امتلاك معرفة حقيقية بجماليات الخطاب الأدبي. يعني أنه بحاجة إلى منهج مكمّل يمتلك قابليّة التعاون والتحاور.

ولعلّ أول ما يخطر بالبال هو المنهج البنيوي الذي يمكن أن يشكل مع المنهج الثقافي منهجاً بنيوياً تكوينياً جديداً. فالبنيوية، مع كل التحفظات التي سيقت حولها، ما زالت قابلية جيدة للتعامل مع الخطاب الأدبي. فهذا الخطاب قصيدة كان، أم قصة، أم رواية هو بنية لغوية مخصوصة، من الناحية العلمية. ولا يمكن تجاوز هذه البنية اللغوية في أي منهج من المناهج من دون الوقوع في خلل ما. فالبنيوية الألسنية مطلوبة لتشكل مستنداً علمياً يواجهه البعد الثقافي من المنهج المركّب. وإذا قال لنا قائل: لماذا لا نعتمد منهج لوكاتش الذي نمّاه غولدمان ما دمنا نبحث عن منهج بنيوي تكويني؟

المنهج البنيوي التكويني بنسخته الماركسية أحاديّ العين التي يرى من خلالها القيم الفنية التي يكتنزها الخطاب، في أثناء تحويلها إلى مفاهيم جمالية. إنها عين الطبقة الاجتماعيّة التي تخلّى المبدع لأجلها عن فرديّته. ولا تتجلّى هذه العين من خلال العثور على الطريقة التي تمّ بها التعبير عن الواقع التاريخي الاجتماعي عبر الحساسية الفردية للمبدع في الخطاب الأدبي الذي ندرسه (غولدمان، ص 32)، لأن ذلك تمثيل للثقافة التي هي طريقة حياة في مرحلة من مراحل مسيرة البشرية. والعمق الذي تريد البنيوية التكوينية الماركسية الوصول إليه هو "إدخال بنية دلالية [لغوية] في بنية أخرى أوسع منها تكون فيها الأولى جزءاً من مقوماتها" (باسكادي، ص 23 و43).

والبنية الأوسع هي الذهنيّة الجمعيّة الخاصة بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الكاتب. والذهنيّة الممثلة لرؤية الطبقة العاملة إلى نفسها، وإلى دورها، وإلى التاريخ، هي رؤية مضغوطة في قالب الفلسفة الماركسية المادية التي لا يمكنها أن تكون كما رأت إلى نفسها من أنها نهاية الفلسفات العلمية وذروتها، وأنّ التاريخ متحوّل، كما ترى، من الصراع إلى المنافسة. الثقافة أوسع من الماركسيّة وأطول باعاً وأغنى، لأنّ الماركسيّة نفسها مكوّن من مكوّنات الثقافة.

ومهما يكن من أمر، فإننا قد رأينا أن ما تراه عين الكاتب من هذا الجانب أو ذاك من جوانب العالم هو ذو خصوصيّة لا تتكرر عند أي راءٍ آخر. فالعالم غير أحاديّ، هو متعدّد يتكشّف عن بعدٍ جديدٍ مع كل رؤية جديدة. والتعبير عن المرئيّ ذو خصوصية غير قابلة للتكرار. فولادة الخصوصية الرؤيوية متزامنة مع ولادة الخصوصيّة التعبيريّة. ولا يستطيع أحد الطرفين أن يوجد مستقلاً عن الآخر، أو أن يولد قبله أو بعده. وحين تكون الرؤية ثقافية بشكل أساسي، يعني أن الثقافة هي المكوّن الفعلي للخصوصية المرئيّة، المعبر عنها بخصوصيّة لغوية غير منفصلة عنها. ولا توجد الأولى، كما قلنا، مستقلة عن الثانية في أي موضع من مواضعها. ويصل بنا هذا إلى القول بمنهج (بنيوي ثقافي)، أو (بنيوي تكويني جديد). ولا يقوم هذا المنهج على إجراءين منفصلين كما رأت البنيوية التكوينية الطبقية. فالخطاب الأدبي نظام سيميولوجي (بارت، درس السيميولوجيا)، لا يتجلّى بوصفه رسالة إلى المتلقي فحسب، ولكنه يتجلى بوصفه رسالة من الكاتب أيضاً وفي الوقت نفسه. ولذلك فإن جماليّة ذلك الخطاب لا يمكنها أن تتّضح أو تتجلّى من خلال طرف واحد من طرفي المعادلة.

فالرؤية بارتباطها بالكاتب، والتعبير بارتباطه بالمتلقي في جانب من جوانبه؛ لأنه موجَّه إليه هما العاملان الأساسيّان في تحديد جماليّة الخطاب. ويعني ذلك أن كمال الجمال الأدبي هو في تمام التعبير والدلالة اللذين هما ذوا بعد ثقافي. فالأدبية هي النظام السيميولوجي عينه. والنظام السيميولوجي هو نظام شديد الاتصال بالثقافة أو هو تجلٍّ من تجلياتها أو عمق من أعماقها، كما ترى جوليا كريستيفا. وإذا كانت الفكرة والتعبير وجهين لحقيقة واحدة، فالنظام السيميولوجي والثقافة وجهان لحقيقة واحدة، ولا يوجد أي طرف من دون وجود الطرف الثاني. والإمساك بأي قيمة من القيم الفنيّة التي يكتنزها الخطاب الأدبي، لا يكون إمساكاً عميقاً وحقيقياً ما لم يكن هذا الإمساك من خلال المنهج الثقافي. وعنوان رواية عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط"، من الناحية اللغوية البحتة، يقدم دلالته من خلال إضافة كلمة (شرق) إلى كلمة (المتوسط). وهذه الإضافة تحدّد لنا منطقة تشكّل مسرحاً لأحداث الرواية. ولا يتكشّف المستور من هذا العنوان إلا من خلال المنهج الثقافي الذي يضع (شرق المتوسط) في التقابل مع (غرب المتوسط) في إيماءة قوية إلى التقاطب الثقافي والسياسي والاجتماعي بين المنطقتين. يحمل هذا العنوان، بناءً على ذلك المنهج، حساسيّة مفرطة في التعبير عن وجع الأديب وقناعاته وهمومه واهتماماته. وما كان هذا ليتكشف من دون أن نأخذ ثقافة الأديب ورؤيته إلى العالم بعين الاعتبار.
Page 7
5- التجربة الثقافية العربية الحديثة

يستوجب التعامل مع الخطاب الأدبي العربي، وفاق المنهج البنيوي الثقافي، وقفة ضرورية عند التجربة الثقافيّة العربيّة الحديثة.

تعرفّت النخبةُ العربيّة الثقافةَ الغربيّة، في ظروف عجز تلك النخبة عن المشاركة في الإنتاج الثقافي العالمي، فحاولت أن تمتلك معرفة بها عبر حوار متنوع الأشكال والمواقف معها، يتراوح بين الرّفض والقبول مروراً بالموقف النقدي. والجوانب التي تعامل معها العقل العربي من تلك الثقافة متعدّدة أهمها:

1- الفلسفتان الماركسيّة والوجوديّة، وإن كان للأولى من الحضور والقوّة والانتشار ما لم يتيسّر للثانية، وذلك بسبب الظروف السياسيّة والمرحلة التاريخيّة التي كانت تمر البلدان العربيّة بها. ظلّت الثانية حبيسة نخبة محصورة عكس الماركسية التي تمثّل، بطبيعتها وتوجهاتها، دعوة إلى الجماهيريّة، وإلى حلول ترفع الظلم عن الطبقات الشعبيّة. فهي تتوخّى الوصول إلى العقل الجمعي للجماهير وتشغيله، لتحقيق الأهداف التي تسعى إليها. إنها تريد أن تملّكه معرفة بما اكتشفته من قوانين، وبمشاريعها الخاصة بالطبقة العاملة. كلّ ذلك عبر الانتشار الحزبي الذي طال شريحة عريضة من الناس، أفرادها موزعون بين النخبة والعامة. ولذلك استطاعت أن تؤدّي دوراً فاعلاً في تحديد طريقة حياة الكثيرين: تفكيراً، وخُلقاً، وسلوكاً، ومن بينهم الشعراء والكتّاب، فأثّرت في ما كتبوه تأثيراً بيّناً. ولذلك راجت في الأوساط الأدبية، وبشكل مبكّر في القرن الماضي، الدعوةُ إلى الأدب الملتزم تحت عنوان رسالة الأدب في مواجهة الدعوة إلى الفن للفن التي قلّ ممثّلوها إلى حدّ الغياب تقريباً.

2- الأفكار القوميّة التي لاقت صدى طيّباً في أوساط النخبة العربيّة، فتعدّدت أحزابها ومنابرها الصحافية وكتّابها المتبنّون إياها. ولقد عزّز حضور الاستعمار الغربي بشقّيه: المباشر وغير المباشر في بلادنا، هذه الأفكار، فأسهمت في إنتاج وعي عام جيّد بحقيقة ما يجري على الساحة العربية. قرأ العقل العربي معاهدة (سايكس-بيكو) قراءة سليمة حين رآها، ببعدها التجزيئي، وسيلة غربية تستهدف عامل القوة العربيّ، نعني به وحدة الأقطار العربية.

هذه الوحدة التي تشكل عائقاً جوهرياً أمام رغبات الغربيّين في السيطرة على الموادّ الخام، وجعل المجتمع العربي سوقاً استهلاكيّة لبضائعهم. والوعي السليم بأبعاد معاهدة (سايكس-بيكو) لا يعني اهتداءً إلى الآلية التي تبطل مفاعيلها. ولعلّ العجز العربي عن إلغاء تلك المفاعيل ناجم، في بعض قصوره، عن الحضور الإسرائيلي في فلسطين. فالعقل الاستعماري الغربي أدرك انّ الحكومات العربية، بوصفها الوكيل المعتمد عند الدول الغربية، أعجز من أن تصمد في وجه مصالح عموم الناس إذا ما وجدوا من يحرّكهم ويقودهم، فزرعت، بموجب مؤتمر بنرمان البريطاني الذي طرح على نفسه كيفيّة المحافظة على الإمبراطوريّة الإنكليزية التي لا تغيب عنها الشمس، دولة إسرائيل في فلسطين تحديداً لتمثل شرخاً بين جانبي المجتمع العربي، الأفريقي والآسيوي من جهة، ولتشكل شرطياً يدعم الحكومات العربية الموالية ويحول دون قيام وحدة عربية أو أي تنمية تشكل تهديداً للمصالح الغربية في المنطقة.

والثقافة القومية العربيّة، بفعل العمق العنصري الذي مورس على الشعوب العربية سواء أتعلّّق بتعالي الغربي واستباحته ثروات هذه الشعوب ودماء أبنائها، أم تعلّق بالعنصرية الإسرائيلية التي مارست، وما زالت تمارس تطهيراً عرقياً لا مثيل له في التاريخ الحديث، كانت ردّة فعلها أن تتبنّى بعداً إنسانياً لا يفكّر في تطهير عرقي ضدّ اليهود، إذا ما توافرت شروط النصر عليه. فليخرج من فلسطين من يريد الخروج من اليهود وليبقَ فيها مواطناً عربيّاً من يشاء البقاء فيها. هذا ولم تشكل الدّعوة القوميّة تزمّتاً أدبياً عند الشعراء والكتّاب المنضوين في صفوفها بفعل التحاور غير العلني بين الاتجاهين القومي واليساري، لوجودهما فوق ساحة واحدة.

وانحاز الكثيرون من شعرائها إلى قصيدة التفعيلة، ولم يتمسّكوا بالقوالب الشعرية الخليليّة كاملة مع أنّها تشكل عمقاً ثقافياً عربياً متّصلاً بالتّراث. وموسى شعيب وعمر شبلي وسعد كمّوني كانوا حداثيّين في تعبيرهم عن همومهم القوميّة. وكذلك عدد كبير من الروائيين ذوي المنحى القومي، في أعمالهم الروائية.

3- المعرفة الأدبية عبر مدارس ومذاهب متنوعة كان لها حضورها في نتاج عصر النهضة الأدبي، كما كان لها حضورها في نتاج العصر الحديث. وتأثير كلّ من وايت ولتمان وت.س. إليوت بيّن في النقلة الأدبية العربية باتجاه الحداثة... ولقد ظلّت الثقافة الأدبيّة الوافدة من الغرب حبيسة عقول النخبة؛ لما يمثّله جدار اللغة من فاصل موضوعي بين لغة فصحى وأخرى محكيّة، بين طريقة تفكير أدبية نخبوية، وأخرى شعبية خصوصاً أن حركة الحداثة الأدبية التي دعت إلى رؤية جديدة إلى العالم، وإلى لغة جديدة في التعبير، أقامت جداراً عالياً بين الأدب والعامة. ودعوة سلامة موسى لكي يكون الأدب للشعب، ومحاولة مظفّر النوّاب لكي يكون شعبياً مسموعاً من العامة، لم تخرجا هذا الاتجاه من التمثيل الضيّق إلى تمثيل واسع يغلب على الحياة الأدبيّة العربية.

ومهما يكن من أمر نخبويّة الثقافة الأدبيّة، فإن سؤالاً مهماً يطرح نفسه في هذا المجال. هل نستطيع القول إنّ الثقافة العربيّة التي شكلت طريقة الحياة في المجتمعات العربية الحديثة هي وليدة المثاقفة مع الغرب؟

نكون مكابرين إذا لم نقل بذلك. فالمجتمع العربي ومع بداية القرن السادس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، قرن الحضور الإفرنجي في الشرق توقف عن الإبداع، وعن الإنتاج الثقافي الفاعل. ولم تستطع شخصيّتان ثقافيّتان كبيرتان: ابن رشد وابن خلدون مع ما بذلتاه من جهد أن تعيدا المياه إلى مجاريها الإبداعيّة فكانتا تجليّاً لمحاولة استفاقة أو صرخة أخيرة للثقافة العربية في وجه تداعيها المريع. واستمرّت هذه الحال، زمن الزنكيّين والأيوبيّين، والمماليك، والعثمانيّين الذين لم يغادروا العالم العربي إلّا في حدود العام 1914. وإذا لم نكن هنا بصدد تحديد الأسباب التي أدّت إلى ذلك التوقّف، فإن المهمّ أنّ المجتمع العربيّ لم يكن منتجاً للثقافة طيلة تسعة قرون أو ما يزيد. يعني ذلك أن المجتمعات العربية لم تكن تمتلك الأدوات المعرفيّة المتراكمة والمتوارثة لمواجهة ما تعرّضت له البلاد من غزو غربي مع انتهاء الحرب العالميّة الأولى. وفي وضعيّة كهذه لا بد من أن يفيد المتخلّف من المتقدّم غازياً كان أم مغزوّاً. وتستلزم هذه العملية أن تفيد النخبة العربيّة من الثقافة الغربية شيوعيّة كانت أم قومية. ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن التصوّرين الشيوعي والقومي عن إعادة بناء المجتمعات العربية كانا تصوّرين جدّيين متفائلين في مرحلة من مراحل حضورهما فوق الساحة العربيّة.
Page 8
5.1 النزعتان الفينيقية والفرعونية وأثرهما الإيجابي

وقد نما وسط زروع هاتين الثقافتين الأقوى والأوسع انتشاراً ثقافة مضادّة غير عفويّة أو بريئة. نعني بها النزعة الفينيقية في لبنان والفرعونيّة في مصر. ولقد أدّت هذه الثقافة دوراً إيجابياً من حيث لم تحتسب. أسهمت بصوغ الكثير من الأجوبة حين كانت تطرح أسئلة عن حقيقة القومية من جهة، وعن مشروعية تحويل الملكيات الخاصة إلى ملكيات عامة من جهة ثانية. لقد شكّلت هذه الأسئلة بما طرحته وبخلفياتها الاجتماعية والعقدية مدخلاً لغنى الثقافة اليساريّة وقوّتها.

5.2 الثقافة الوطنية المنفصلة عن الغرب والمثاقفة

ويجرّنا الحديث عن التعامل الإيجابي مع حركة المثاقفة إلى الحديث عن الموقف المضادّ لها. ويحضر، بهذا الخصوص، الرأي الحصيف الذي أطلقه جابر عصفور عن الثقافة الوطنيّة التي دعا إليها بعض المثقفين، وفي مراحل متعدّدة، مستندين في دعوتهم تلك إلى الموروث العربي وحده مبتعدين عن أيّ شكل من أشكال المثاقفة مع الغرب.

رأى جابر عصفور أن ظروف نشأة تلك الثقافة قد جعلتها "استجابة دفاعيّة، متوتّرة، عصابيّة، هي ردّ فعل مضادّ للمخاطر المباشرة التي كانت تواجهها الأنا القومية" (جابر عصفور، ص 47)؛ فكان أن اتّصفت، جرّاء ذلك، بالشعور "المراوغ بالدونيّة في حضرة الآخر" (م.ن.، ص 52). ولقد دفعها هذا الشعور إلى اختزال الآخر "في صفة واحدة" (م.ن.، ص 53) مسقطة السياسي على الثقافي (ص.ن)، مندفعة إلى ما تتوهّم فيه خصوصيّة تحميها وأصالة تصونها (م.ن.، ص 54)، محققة نوعاً آخر من "التراتب القمعي، تعلو فيه الصفات المتخيّلة للأنا على الصفات المتوهّمة للآخر على نحو تنعكس فيه علاقة الأعلى بالأدنى". (م.ن.، ص 56).

والسؤال الذي يطرح نفسه حيال هذه الخصائص المرضيّة التي كشفها جابر عصفور عن الثقافة الوطنية المستقلّة، هو هل تتعدّى هذه الخصائص ما دعا إليه حسن حنفي إلى الناتج الثقافي العربي المترتّب على المثاقفة مع الغرب؟ لا تنسحب هذه الخصائص على معظم تشكيلات الثقافة اليسارية، التي حضرت حقبة طويلة من عقود القرن العشرين في المشرق العربي إلا بحدود ضيّقة جدّاً. وحديث جابر عصفور عن الأصوليّتين الماركسيّة والإسلاميّة وما وصفهما به من "أحاديّة الإدراك، وحرفية الفهم... والعناصر المفضية إلى الآليّات الفكريّة الملازمة: الجمود... والانغلاق... والاسترابة من كل وافد، ومركزية الأنا، ومعاداة الآخر"(ص.ن). هو حديث يتناول تجربة النشأة الشيوعية السوفيتيّة، والتجربة الإسلاميّة الباكستانيّة تحديداً. ولا أقدّر أنه قصد تجربة المثاقفة العربية مع ما هو تقدّمي في أوروبا. ويعني ذلك أنه كان يتحدّث عن اتجاه ثقافي عربي واحد كان يقع على هامش الحياة الثقافية العَائمة بالنهضة اليسارية. ونقده ذلك الاتجاه علميّ سليم، ودعوته إلى "أن تُخضع الأنا هذا الآخر إلى منطق المساءلة" بدل أن "تتذبذب بين الإعجاب المقلّد في حال التبعيّة، والنفور السلبي في مخايلة التحرّر الإيديولوجيّ" (ص 52-53) هي دعوة مفيدة منتمية إلى منطق التاريخ الذي يقدّم لنا التجربة البشرية مع الثقافة تجربة متنقّلة، وهي في تنقّلها هذا دعوة للمتخلّف أن يفيد مما وصل إليه الآخر بشروط أهمّها اثنان:

1- أن يقرأ المتخلّف تراثه قراءة نقدية مبنيّة على آخر ما توصّلت إليه الحياة العلمية المتقدمة من مناهج في التفكير؛ ليكون على بيّنة من أمره، فيدرك ما بقي مضيئاً من ذلك التراث، ويعرف ما سقط منه، فلم يعد قادراً على مجاراة الحياة.

2- أن يطرح على ثقافة الآخر سلسلة من الأسئلة الجادّة التي تعبّر عن حاجات الأنا المعرفيّة مقيماً معها حواراً منطلقاً من الاعتراف بها، متسلّحاً، في كل ذلك، بثقة بالنفس مرتكزة على تعامل علمي مع الموروث، جيّده ورديئه من ناحية، وعلى اعتبار الذات في طور العبور من منطقة التخلّف إلى منطقة التقدّم من جهة ثانية.

5.3 الغرب وواقع الثقافة اليساريّة في الشرق

ومما يجدر ذكره، في هذا المقام، أن الغرب الذي نثاقفه هو غرب غير حياديّ في موقفه من المجتمع العربي، على الأقل في توجّهات حكوماته غير الأخلاقيّة. فقد أقامت فضلاً عن حركة الاستشراق المنظمة الهادفة إلى امتلاك معرفة بالشرق لامتلاكه، دوائر متخصّصة تضع مجمل حياة الشرقيّين وعلى رأسها الحياة الثقافية، تحت مجهرها. تراقب ما يجري وما يحدث دافعة الحكومات المحليّة إلى مواقف معرقلة إلى أي نمو جدّي.

ويعني ذلك أنّ المثاقفة قد تمّت خارج سلطة الحكّام. وهي وإن أنشأت لنفسها مؤسسات حزبيّة وغير حزبيّة إلّا أنّ هذه المؤسسات لم تكن من الرقيّ بما يسمح لها أن تنشئ الدوائر البحثيّة الجادّة المتخصّصة التي تمكّنها من رسم الخطط السليمة الناجحة فتكون البديل الجدي والفاعل للحكومات المحليّة في إقامة النهضة والتقدم. ولا يسوّغ لها هذا القصور أنها نمت في الظلّ وتحرّكت عبر عمليّات التهريب، كما لا يمكنها أن تتذرّع بأن حركتها الثقافيّة حركة مقموعة، خصوصاً أنّ الثقافة الإسلامية التي تحرّكت بعد سقوط تجربة الاتحاد السوفيتي لم تكن مقموعة فحسب، كانت مادّة للتلاعب من قبل الاستخبارات الغربية أيضاً، نشأت بين زروعها زروعٌ سامة قاتلة وهي مع ذلك استطاعت أن تفعل ما فعلته في جنوب لبنان وفي غزة، مبشّرة بشرق جديد واعد. فهل يجرنا هذا إلى القول إنّ فشل التجربة اليسارية المشرقية عائد إلى سبب ذاتي يخصّها، وإلى أن هذه الثقافة لم تكن الثقافة المؤهلة للنهوض بالحياة العامة؟

وإذا كان الأمر كذلك، ما سبب ولادتها ووجودها إذاً؟ وهل يترتب على أزمتها أزمة في الأدب العربي؟ ما أبعادها، خصوصاً بعد انحسار الثقافة اليسارية عن الساحة، وعدم اكتمال ولادة ثقافة جديدة بديلة؟

تستدعي الإجابة عن هذه الأسئلة بحثاً آخر لا يتسع له بحثنا الحالي.
Page 9
6- جدل الثقافة/السياسة

هل يعني كلّ ما مرّ أن الثقافة العربية نتاج السياسة؟ وإذا صحّ ذلك. هل يعدّ عيباً من عيوب الثقافة؟

لم تكن النخبة العربيّة ممسكة بزمام الأمور. وجدت نفسها، وفي لحظة تاريخية شديدة القساوة، لا تمتلك سوى الخطوط العريضة من معارف العصر، ففكّرت داخل آليات المتاح من الثقافة. والمتاح لم يكن معارف ناجمة عن أسئلة المجتمع حول إمكانات تطوّره، فلم يكن لديها ثقافة وطنية ناجمة عن فهم المشكلات الوطنية. وجدت، لذلك، نفسها في مواجهة الغرب الغازي الآتي لنهب الثروات وتحويل المجتمع إلى سوق استهلاكية، عبر ثنائية التجزئة وإسرائيل. وكان عليها أن تخوض معركة مصيريّة لا تسمح بأسئلة غير أسئلتها. والسؤال المشروع داخل هذه المعركة هو كيف نواجه المشروع الغربي بكلّ أثقاله، وأهواله، ومخاطره الإستراتيجية؟

حضر الهمّ السياسيّ وكان من الطبيعي أن تخترق السياسة الثقافة اختراقاً قويّاً يلحقها بآليات اشتغالها. الأساسيّ ما يرتبط بمشروع المواجهة، والهامشيّ ما يقع خارج ذلك المشروع. وهو ترف مهما بلغت إنجازاته المعرفيّة المستقلة عن التناقض الأساسي مع الاستعمار. لقد حسم النضال ضدّ الاستعمار الموقف كلّه وأزيح القطريّ والاجتماعيّ لحساب القوميّ (جابر عصفور، ص 35). ولا يُعدّ تعالي السياسي على الثقافي عيباً (آدم كوبر، ص 16)، كما يرى آدم كوبر الذي رفض استحضار الثقافة، ممثّلة بالحركات الاجتماعية، القائمة على القوميّة، من أجل التحريض على فعل سياسي (م.ن.، ص 13).

لقد كانت محوريّة السياسة في الحياة الثقافيّة، طريقة الحياة، عاملاً إيجابيّاً أوجد ثقافة مرتبطة بالواقع المعيوش، وانتقلت صورة اليهودي في الذهن العربي من صاحب مشروع غير أخلاقي غير إنساني مهزوم في المدينة وخيبر إلى صاحب مشروع غير أخلاقي غير إنساني أيضاً، لا يهدّد المعتقدات فحسب، ولكنه يهدّد الوجود أيضاً. وما وصلت إليه المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين هو نتاج تحوّل تلك الصورة. فالعالم العربي، وفي القرن الحادي والعشرين، ما زال يعيش مفاعيل ما صنعه الغربيّ به في بداية القرن العشرين. مئة سنة مرّت والنظام العربي الرسمي، ما زال حجر عثرة أمام طرح أسئلة جادة وفاعلة تطال المجتمع، والصناعة، والثقافة.

المنظمات الشعبيّة وحدها حاولت أن تتبنّى هذه الأسئلة. وما وصلت إليه المقاومة الإسلامية في لبنان من أجوبة علميّة وتقنيّة وعسكريّة وتربويّة ناجعة هو نتاج طرح أسئلة تتعلّق بإمكانيّة التفوّق على المتفوِّق. كانت طريقة حياة المقاومة الإسلامية مبنيّة على العلم الذي كان مصدر تفوّق الإسرائيلي. عملت فأثبتت أنّ بالإمكان قلب التراتب من ثنائية (الآخر الإسرائيلي/الذات المقاومة) إلى ثنائية (الذات المقاومة/الآخر الإسرائيلي، ومن ورائه الغرب والنظام العربي الرسمي المستسلم). ولعلّ أهم النتائج التي ترتّبت على انقلاب التراتب أن الثقافة العربية الحديثة، بكل أبعادها، لا يمكنها إلّا أن تكون نتاجاً للسياسة. فالمعركة التي تُخاض ستصوغ الذات والمعرفة، وستعيد إنتاج التراث، وستحدّد العلاقة الصحيّة بالآخر كائناً من كان. والحياة الثقافية التي تمركزت في المرحلة الأوسع من القرن العشرين بآليات اشتغالها هي النسب الممتد إلى هذا الزمان، وإن كانت المرحلة الحالية تطرح أسئلة جديدة تستوجب الإجابة عنها، لكي يستطيع المجتمع الاستمرار في الحياة بأمان وسعادة.
Page 10
7- عود على بدء

والاعتقاد أنّ الأدب نتاج تكويني فاعله الأساسيّ الثقافة يستوجب إبراز المراحل الثقافيّة التي تفيّأ الأدب العربي تحت ظلالها. عرف الأدب العربيّ الحديث مرحلتين أساسيّتين، يفصل بينهما انهيار الاتحاد السوفيتّي وتداعي ما يمثله على الساحة العالمية تداعياً كبيراً.

هبّت ريح الحداثة أدباً وفلسفة وفعل تحرّر سياسيّ واجتماعي في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، فتشكلت الأحزاب والمنتديات والمنابر الإعلامية سواء أخصّت ما سُمي بالثقافة التقدّمية، أم خصَّت الثقافة اليمينية التابعة للنظام الرسمي العربي. وكان الأدب الغالب أدباً حداثياً ملتزماً بالقضايا العامة إلى أن انهار الاتحاد السوفيتي بالضربة القاضية، فوجد الأدب نفسه يتيماً فجأة بعد أن تصدّعت مقولات أساسيّة عديدة من المقولات الثقافية التي كان يستند إليها. وكان عليه أن يتحوّل، وفي جانب منه، من الاسترشاد الإيجابي بتلك المقولات وبالأدب اليساري العالمي (لوركا، ناظم حكمت، اليندي)، إلى الاسترشاد السلبي بالعداء الصارخ الذي تمارسه كل من أميركا وإسرائيل ضدّ شعوب المنطقة. والمبدع، بوصفه ممثّلاً حقيقيّاً للثقافة في أعلى مستوياتها وتجلياتها سيصدر في كل ما يقوله عن التصورات التي رتّبتها تلك الثقافة في ذهنه عن العالم. ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن اجتياح العام 1982، وعوضاً من أن يسجّل بداية انكسار عميق في ثقافتنا وأدبنا، كان عاملاً إيجابياً أنتج المقاومة الإسلامية التي أضمرت انتصارات الأعوام 1993 و1996 و2000 و2006 واستطاعت وحدها إلى جانب كبار شعرائنا وأدبائنا أن تتنبّأ بتلك الانتصارات قبل حدوثها.