eKtab
EN ع
في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم
Read free sample

في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم

by نزار أباظة

Page 1

* اللهم حبِّب إلينا المدينة، كما حبَّبت إلينا مكة أو أشدّ.

* اللهم بارك لنا في مُدِّها وصاعها، وصحِّحها لنا، اللهم اجعل بالمدينة ضِعفي ما جعلتَ بمكة من البركة.

* المدينة قُبّة الإسلام، ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومبوَّأ الحلال والحرام.

* إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها.

* إني حرَّمت المدينة حراماً ما بين مأزِميها أن لا يُهراق فيها دم، ولا يُحمل فيها سلاح، ولا يُخبط فيها شجر إلا لعلف..

* على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال.

* هذه طيبة، أسكننيها ربي، تنفي خبث أهلها كما ينفي الكير خبث الحديد.

صدق رسول الله

Page 2

الرحلة إلى المدينة
الدخول
أرأيت لو أزمعنا الرحيل معاً إلى مدينة الرسول رحيلاً غير عادي، لا نركب فيه طائرة ولا حافلة.
لن نحتاج إلى تأشيرة دخول، لأننا سنركب عجلة الزمان لتعود بنا إلى الوراء، فتضعنا على تخوم المدينة عند ثنيات الوداع، قبيل وصول النبي إليها قادماً من مكة لنتشرف باستقباله.
ستفاجئك هذه المدينة القرية، لن تلفت نظرك بسعة رقعتها، ولا بجمال أبنيتها، ولا بغنى أهلها.. إنها قرية عادية، لا يجاوز سكانها بضعة آلاف أو أكثر بقليل.. إلا أنها ستدهشك بأمور أخرى!
هذه القرية الواقعة في شمال الجزيرة العربية الغربي قريباً من البحر إلى شرقه أسست حضارة، شملت جوانب الحياة كلها، واستطاعت منذ حلّها رسول الله r أن تحرك العالم كله، حركةً ما تزال حتى اليوم تنتشر وتتسع.. وتخيف حلفاء الشيطان.
سندخل هذه القرية مع شدَّة الحرِّ في شهر تموز/يوليو عام 622 من الميلاد؛ وهي السنة الأولى لهجرة رسول الله، وسنبقى فيها عشرة أعوام وأشهراً نشهد أياماً مختلفات، كل يوم له طعمه، ونعيش حياة عجيبة، ما أظن قرية عاشت مثلها من قبل. سنشهد تخطيط العمران، ونشاهد كيف بني مسجدها، وكيف أنشئ سوقها.. نبيع فيه ونشتري، ونرى مرابضها ومرافقها العامة وبساتينها وآبارها ووديانها ومقبرتها. نعيش مع أهلها حياتهم خلال طبقاتهم الاجتماعية، ونتعرف الأسرة المسلمة وأفرادها وأحوالها الشخصية ومشكلاتها..
نراقب عن كثب سياسة النبي وتحركاته الدبلوماسية، ونستمع إلى خطبائه وشعرائه، ونستقبل معه الوفود، ونقعد مع وزرائه وأمرائه وقضاته، ونلاحظ التنظيم الإداري، وننتفع بالحركة العلمية ونشارك في العبادات..
هل نستطيع معاً أن ندخل.. ونسلّم على الرسول r، ونتشرف بصحبته ونعيش معه؟
هيا بنا.. إنها رحلة غير عادية إلى زمان استثنائي جداً.. زمن المعجزات المستمرة.
ولكن!!
لنقف قليلاً، فليس الناس فيها كلهم مؤمنين، إن فيهم مشركين يكرهون الرسول، لا يريدون أن يتبعوه، ولا يرجون له الخير..
فيها منافقون، يشتغلون في المؤامرات ويسرعون في الفتنة، ويتربصون بالمسلمين الدوائر وبالرسول.. ولكنهم في حيرة من أمرهم، يعيشون في اضطراب..
فيها يهود، يتصلون بالمسلمين، تربطهم بهم علائق اقتصادية، وموالاة، ومعايشة، فكيف سيتصرفون؟
سيزورها نصارى يسألون عن الدين الجديد.. ويجادلون، ويحاورون.. ولا يقطعون برأي..
سيكون من حول المدينة قبائل يكره أفرادها المسلمين، لا يدرون ما الكتاب ولا الإيمان؟
فالمدينة إذن ليست كسائر المدن.. إن فيها عجائب وغرائب، فكيف سيكون حالها خلال عشر سنوات؟
إنها سنوات مليئة مليئة..
 

Page 3

الاستقبال

نحن الآن نقف خارج يثرب مع الصحابة ننتظر قدوم رسول الله، علمنا أنه خرج من مكة مهاجراً منذ أيام، وقد آن له أن يصل.. هذا هو اليوم الثالث أو الرابع الذي نخرج فيه منذ انبلاجة الضوء في الصباح. بعضنا يعلو سطوح المنازل، وبعضنا الآخر يتربص تحت ظل النخيل، وعيوننا تتأمل الأفق البعيد تنتظر أن يطلع علينا الرسول.. نحدّ البصر، فلا يرجع إلينا إلا بمرأى الصحراء الممتدة بالرمال.. قلوبنا تتلهف، وكثير منا لا يعرف شخص الرسول.. نرسم صورته في خيالنا على ما وصفه لنا الواصفون، نخرج كل يوم، ثم نعود إذا ارتفعت الشمس التي تغلبنا وتسوط رؤوسنا.

مع الحشود الواقفة التي تجمعت للقاء الرسول لفت نظرنا طفل في نحو العاشرة أو الحادية عشرة، إنه زيد بن ثابت.. كان متلهفاً، شديد التلهف، لا تهدأ حركته، ينظر معنا في الأفق..

أترك الكلام لزيد هنا..

قال زيد:

وطال الانتظار حتى أتعبنا حرّ الشمس في ذلك اليوم الصائف[1]، فعدنا إلى منازلنا..

يهودي نادى من أعلى أُطُمه[2]، وقد رأى الركب من بعيد يرفعه السراب:

- يا بني قَيْلَة.. يا بني قيلة.. هذا جدكم قد جاء.

وما إن لامس هذا النداء آذاننا حتى خرجنا أرسالاً[3]نتصايح، وأنا أتراكض مع لِداتي، نسبق الكبار إلى أطراف البلدة، حيث طريق مكة.. كان الكبار يخبُّون[4] رجالاً ونساء:

- هذا رسول الله.. هذا رسول الله قد جاء.

ملأ كلامنا أجواء يثرب، ورددت صياحنا طرقاتها وتجاوبت معه النخلات الباسقات، وانبعثت به أسطحة الدور.. قال الكبار: لم يأت على يثرب مثلُ هذا اليوم، ولا عُرفت ساعة مثل تلك الساعة التي اضطربت لها القلوب فرحاً، وابتهجت الأسارير.. وكانت قلوبنا تخفق بالحب، وبروعة اللقاء..

أقبل ركب رسول الله يتهادى من البعد، وكان معه جماعة في نحو سبعين راكباً، يحملون لواء يتحرك مع النسمات الواهنات، توقفوا في ظل نخلات خارج البلدة، حيث كنا نتجمع في حشود أكثر من خمس مئة إنسان، خرج كبار يثرب كلها، لم نعرف أيهم الرسول؟

قعد رجلان في ظل نخلات.. ووقف الباقون الذين لم يكونوا من أهل يثرب..

تهامس من ورائي ناس:

- أي الرجلين الجالسين رسول الله؟

- لا أدري!

لم تطل الوقفة بنا حتى قام أحدهما يظلل الآخر بردائه من حر الشمس، فعرفنا أن الجالس هو الرسول.

Page 4

كان رجلاً متوسط القامة، ليس بالنحيف ولا الجسيم، عريض الصدر أبيض اللون بياضاً مزهراً، مستدير الوجه مليحه، واسع الجبين، سهل الخدين، واسع الفم أقنى، طويل شق العينين، وعيناه سوداوان، كث اللحية..

تراكضنا إليه نرحب به، والتففنا حوله..

- أهلاً بك يا رسول الله..

- السلام عليك يا نبي الله..

- قدمت خير مقدم يا أيها الرسول الكريم.. مرحباً بك.

كانت على الرسول مهابة تجلله، ونور ينبعث من وجهه الوضّاء، كان مبتسماً، يسلم على الجميع، ويلقاهم بالبشر..

وكانت أمي ما تسعها الفرحة.. تتقدم على استحياء مع النسوة، قالت لي[5]:

- يا زيد، اقتربْ من رسول الله، فالتمس منه البركة..

وازداد الناس حول النبي يستقبلونه، يرحبون به.. واندسست مع لداتي من بين الناس، أدفعهم حتى اقتربت من الرسول أكثر.. كان مما تكلّم أن قال:

- أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام.

ما لبث أن جاء ثابت بن قيس[6] في جماعة من الفرسان، فخطب أمامه بصوته الجهوري خطبة رحب به فيها.. فرأينا السرور على وجه النبي..

Page 5

إلى قُباء

قال زيد:

وما هي إلا ساعة من نهار حتى قام رسول الله، فقام الركب الذين معه، فمال بهم إلى قباء، ولم يدخل المدينة.. فلحقناه نمشي خلفه، لا يتقدمه منا أحد، فلما وافاها نزل على بعض الصحب..

وما استقر به المقام فيها حتى توجه إلى مكان تخيّره، يريد أن يبني فيه مسجداً، فقال لمن حوله:

- يا أهل قباء ائتوني بأحجار من هذه الحرّة.

فتسابق الناس ينقلون أحجاراً كثيرة يبتغون مرضاته، فقام إلى موضع المسجد، فخطّ فيه القبلة بعصاه.. ثم أخذ حجراً من الأحجار السوداء المركومة، فوضعه في أساسه، كان يحمل الصخرة أو الحجر الثقيل، يميل جسمه منه، ويجهد في رفعه، ويتعرض للغبار الذي يُرى على بطنه، فكان يأتيه الرجل، يريد أن يحمل عنه، فيقول له:

- بأبي أنت وأمي يا رسول الله.. أعطني عنك أَكْفِكَ، وأحملْ عنك.

فيمتنع النبي منه، ويردّ عليه:

- لا.. خذ مثله!

وهكذا حتى أقام أساسه ورفع بنيانه، فجعل طوله وعرضه سواء، ستاً وستين ذراعاً في مثلها[7] وعلا بنيانه بضع أذرع قليلة. وكان طول رحبته التي في جوفه خمسين ذراعاً، وعرضها ستة وعشرين، وارتفع فيه ثلاث وثلاثون أسطوانة من جذوع النخل، وجُعل له ثلاثة أبواب.

وقد نزل فيه فيما بعد قول الله تعالى يمتدح صنيعه وهمّة المؤمنين، ويثني على أهل قباء خاصة {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 9/108] وقام معاذ بن جبل بعد ذلك إماماً يصلي للناس فيه.

ورغَّب الرسول الناس في الصلاة بمسجد قباء، فقال:

- من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة، كان كأجر عمرة[8].

Page 6

الجمعة الأولى

قال زيد:

وحين ارتفع النهار أول يوم جمعة أتت على رسول الله في مقامه بعد أربعة أيام في قباء ونحن نتردد إليه.. قام فركب راحلته وأبو بكر رديفه.. وكان أرسل إلى ملأ من بني النجار خؤولته، فجاؤوه مسرعين يتقلدون سيوفهم، فسار نحو المدينة، وهم محدقون به، والناس يتنازعون زمام ناقته تعظيماً له وإكراماً ومحبة، وكنت أسعى مع الصغار، يملأ الحب قلبي وبصري.. ولم يبق أحد من المسلمين في بيته.

وأدركته صلاة الجمعة في بطن وادي رانوناء، فصلاّها بمن معه من المسلمين، فاستقبل بهم بيت المقدس..

سمعت يهودياً يتهامس مع آخر وكنت مع الأولاد في أطراف القوم:

- أهو النبي المذكور في التوراة؟

- اسكت.. لا تقل شيئاً.. إنه هو..

كانوا يراقبونه بأعين الحذر.

وخطب النبي في المصلين، وكان أَمَرَ رجلاً أطول الناس قامة وأنداهم صوتاً أن يبلِّغ عنه بعد كلامه يرجِّعه، فقال:

«أما بعد أيها الناس..

فقدموا لأنفسكم، تعلمُنّ والله ليُصعقَن أحدكم ثم ليدعنَّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك!؟ وآتيتك مالاً، وأفضلت عليك، فما قدّمت لنفسك؟ فلَينظرن يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لينظرنّ قدامه فلا يرى شيئاً غير جهنم، فمن استطاع أن يقيَ وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل. ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإنّ بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته».

ثم خطب الناس مرة أخرى، فقال:

«إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زيَّنَهُ الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس؛ إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملّوا كلام الله وذكره، ولا تقسُ عنه قلوبكم؛ فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام؛ فاعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن يُنكث عهده.. والسلام عليكم».

تأثرنا لهذا الكلام.. بكت نسوة حاضرات.. مسحن دموعهن بأطراف أثوابهن.. وخشع الرجال، كنت أنظر في الوجوه فأرى غير الوجوه التي أعرف.. وغير التي توقعت.. كانت وجوهاً تتلألأ..

Page 7

الوصول إلى يثرب

قال زيد:

وركب النبي r بعد انقضاء الصلاة يقصد المدينة، وتسابق الناس بين يديه، يسيرون بهمة ونشاط.. وعلى محياهم علائم الفرح، وتراكض الخدم والصبيان في الطريق يصيحون مسرورين:

- الله أكبر.. الله أكبر.. جاء رسول الله.. جاء رسول الله.

ولعب الحَبَشة بالحراب، فأبدوا ضروباً من المهارة في لعبهم، وأخذت البنات ينشدن بأصواتهن الرقيقة:

طلع البدر علينا

من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا

مادعا لله داع

وأخذت ولائد بني النجار يضربن بالدفوف، ويقلن بصوت مرتفع:

نحن جوارٍ من بني النجار

يا حبذا محمد من جار

وفرح النبي بهن، وسألهن:

- أتحببنني؟

فقلن مندفعات:

- إي والله يا رسول الله!

فقال بمودة:

- أنا والله أحبكن.. أنا والله أحبكن.

حتى الإماء، فقد ظهر السرور عليهن، وكن يرددن بحماسة:

- قدم رسول الله.. قدم رسول الله.

وأرخى النبي لناقته الزمام، وتقدم إليه رجال، يعرضون عليه في كل مرة أن ينزل فيهم، فيدفعهم عن ناقته بلطف ويقول لهم:

- دعوها فإنها مأمورة، إنما أنزلُ حيث أنزلني الله تعالى.

Page 8

وسارت به الناقة حتى بركت في مِرْبَد[9]، أمام دار أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه ، فلم ينزل الرسول عنها، فوثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله واضع لها زمامها، لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه، ثم ثبتت على الأرض، ووضعت عنقها عليها مستقرة. فنزل عنها الرسول. وسارع أبو أيوب، فاحتمل رحله ورحْل أبي بكر، فوضعهما في داره، مسروراً بهذا الإكرام الذي هبط عليه من السماء هبة قدسية، ما يزال التاريخ يتحدث بها.

وقال النبي عندئذ:

- هذا إن شاء الله المنزل.

قال الناس يعلقون على هذا: «ذلك من توفيق الله عز وجل، لأنّ أخواله أولى به أن ينزل فيهم من غيرهم»، ورضيت النفوس.. ولم يثر بين المتنافسين أي ضغائن.. أبداً.

وجاء أسعد بن زُرارة، فأخذ بزمام راحلة النبي، فساقها إليه، فكانت عنده.

قال زيد:

كانت أمي في استقبال النبي، كان وجهها يلتمع سروراً وبهجة على نحو لم أشهد مثله من قبل.. كانت مع النساء تسعى.. ثم افتقدتها، فلم أجدها.. أين هي، يا ترى؟ ما الذي دفعها إلى ترك المشهد مع صواحبها اللائي كن معها؟

هرعتُ إلى البيت.. كانت أمي منهمكة في الطبخ، على وشك أن تنتهي، والدخانُ يتخلل جسمها لا تبالي، قالت لي:

- ابق يا زيد، لا تغادر.. ستذهب بهذا الطعام إلى رسول الله.

ثردت أمي الخبز في قصعة كبيرة، باللحم واللبن وخلطته، ثم غطته بالسَّمن.

وأسرعتُ، فحملت القصعة مبتهجاً.. حتى وافيت دار أبي أيوب، فدخلت على النبي، ووضعتها بين يديه مستحيياً أهابه.. فلما رآني قال أبو أيوب مشيراً إلي:

- هذا زيد بن ثابت يا رسول الله.

فتلطف النبي، ودعا لي، فقال:

- بارك الله فيك.

وتسابق الأنصار يهدون إلى رسول الله الطعام بعد هدية أمي التي كانت أول ما قدّم إليه، ففرحتْ بما صنعتْ وحمدتِ الله على ما سبقتْ إليه.. وكان على باب أبي أيوب كل يوم من القصاع ثلاث أو أربع. والرسول يدعو من عنده إليها[10].

قالت أمي حين عدت إليها وقصصت عليها الحكاية:

- الحمد لله أن خصّك رسول الله بدعوة هي أحب عندي من الدنيا وما فيها.

وبقي النبي مقيماً في دار أبي أيوب والصحابة يترددون عليه فيها حتى استتم له بناء المسجد، وبجواره حجرتان لزوجتيه سودة وعائشة.. وقد شيدتا ببساطة البناء نفسه[11]. وعندئذ انتقل إليهما.

Page 9

الاستقرار

بعد تلك الأيام الأولى تابعنا نحن الحياة في رحاب رسول الله r مع الناس كلهم.

غيّر النبي سريعاً اسم يثرب فدعاها المدينة، بدأت مرحلة جديدة.. وهي مرحلة بناء الدولة الإسلامية في عاصمتها المدينة، في حضارة لم يعرف مثلها العرب، ولم تشهد الدنيا نظيرها من قبل في نظامها ولا قانونها ولا حياتها.. ولا في سرعة قيامها، لم يشيّد الرسول العمران، وإنما بنى الإنسان، خليفة الله في الأرض ليقيم فيها العدل، ويدفع الظلم، ويعرف الحقوق ويقوم بالواجبات. إنسان لا يهدأ ولا يستقر قبل أن يرفع راية التوحيد التي نشرت المساواة والعدل فازدهرت الحياة..

كان على الرسول برنامج طويل حافل.. سيتحرك من أجله بالليل والنهار، فيعلّم الناس ويشرع لهم، ويبدأ بهم الطريق ليكملوه من بعده. فكانت دولة المدينة متكاملة، لها خططها في مجالات السياسة والاجتماع والعمران والاقتصاد والدبلوماسية والإدارة.

ومع هذا كله.. وقبل هذا كله واجه النبي r بيئة مقعدة، ليست كبيئة مكة؛ بيئة فيها أكثر من دين وعقيدة، وفيها حياة متنوعة في مظاهرها وقضاياها وثقافاتها المختلفة والأنماط البشرية.. وهذا يحتاج إلى أسلوب خاص من التصرف وشخصية قيادية عالية فريدة؛ لتنجح بإقامة دولة مستقرة، في أوضاع تحكمها ظروف قاسية، لا تملك إمكانات مادية ولا بشرية كافية..

فاستطاع رسول الله أن يؤلف من هؤلاء ومما بين أيديهم قوماً حملوا المسؤولية، بعد أن كانوا مشتتين ضعفاء فقراء {هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (*) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 8/62-63] ، وقد مدح الله الأنصار أهل المدينة بثناء بقي أبد الدهر {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *} [الحشر: 59/9] ، {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *} [التوبة: 9/100] .

ومدحهم رسول الله كذلك، فقال: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلاَّ منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله».

وقال: «الأنصار كَرِشي وعيبتي»[12]. وقال: «لولا الهجرة لكنت أمرأً من الأنصار» ودعا لهم من كل قلبه، فقال: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار».

Page 10

حُمَّى المدينة

وحين استقر المهاجرون في المدينة وأمنوا فيها، وأكلوا من ثمارها، ونعموا بصحبة إخوانهم الأنصار أصابتهم الحمّى، وقد نجّى الله نبيَّه منها؛ ذلك أن هواءها لم يوافقهم، إذ تغير عليهم جوّها الذي لم يعتادوا عليه، وأصيبوا بداء في أجوافهم، وتطاول عليهم ذلك، وجهدوا، حتى كان أحدهم ما يستطيع أن يصلي قائماً..

فأخذ رسول الله r يصبّرهم على احتمال الشدائد ويستنهض عزائمهم، ولا يعجبه منهم أن يتراخوا، فقال لهم:

- اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.

فتحاملوا عندئذ على أنفسهم، وأروه من عبادتهم ما تقر به عينه، التماس الفضل وكمال الأجر.

ثم أخذتهم نوازع الشوق إلى مكة.. فكان رسول الله r يصبِّرهم على احتمال الشدائد في سبيل الله.. وقد قال لهم يوماً:

- المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه.. ولا يثبت أحد على لأوائها[13] وجهدها إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة.

ولقد كانت المدينة يوم هاجر الرسول إليها أوبأ أرض من الحمّى، فدعا لها بقوله: «اللهم حبب إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكة أو أشد.. اللهم بارك في مدها وصاعها، وصححها لنا، وانقل وباءها إلى مَهْيَعَة[14] اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة».

واستقر المسلمون في المدينة.. ينتظرون أحداثاً جليلة.

فلنسكن المدينة مع رسول الله r ولننعم بصحبته..