eKtab
EN ع
في مهب الثورة
Read free sample

في مهب الثورة

by الفضل شلق

Page 1
مقدمة

المجموعة الأولى من هذه المقالات وضعتُ لها عنوان "في مهب العاصفة"، وقد نشرت سابقاً. اخترت عنوان "في مهب الثورة" لهذه المجموعة. كتبت المقالات المدرجة في هاتين المجموعتين على مدى خمس سنوات في صحيفة السفير، وذلك أسبوعياً دون انقطاع. خلال هذه الفترة انتقلت حال الأمة من العاصفة إلى الثورة.
العاصفة تهب من الخوارج، وربما من الدخل، ولكن بعوامل خارجية غالباً. وقد عانت الأمة كثيراً من العواصف التي جعلتها موضوع صراعات وحروب، وأعادت القواعد الأجنبية إلى معظم بلدان الوطن العربي، وأعادت معها الاستعمار.
الثورة يصنعها الناس. في صنع الثورة يتحول الجمهور من كمٍّ مهمش، من كمٍّ مستسلم خانع، مستسلم قابل بكل شيء خائف من كل شيء، إلى ذات فاعلة؛ يصير شعباً، يمتلك كرامة. ومع ذلك تزداد همته على العمل المأجور وعلى فعل كل شيء آخر.
هذه المقالات هي اشبه بيوميات أسبوعية. كان اختيار الموضوع، للكتابة حوله، يتطلب جهداً ونقاشاً أكثر بكثير من كتابته بحد ذاتها؛ خاصة إذا تبلورت فكرة الموضوع قبل صياغته. كان البحث في حنايا الذات عن الموضوع الذي يشكل اتصالاً بالجماهير، بشكل أو بآخر؛ ليس ضرورياً أن تكون منهم لكي تعرف ما هم فيه؛ لكن الضروري أن تكون معهم حتى تعرفهم وحتى تبني التزامك بهم على المعرفة.
أرجو أن أكون قد أنجزت مهمتي الصحافية ـ الفكرية، التي كثيراً ما يقال لي إنها أصبحت غير معتادة في عالم الصحافة. أستطيع القول إنني محظوط أو أستطيع أن أكتب دون مراعاة لأي شيء خارج ما يمليه الضمير.

مؤتمر إلغاء الشعب الفلسطيني

نعرف من التجرية الجماعية والشخصية في لبنان، أن المؤتمرات لا تعمر بلداً، حتى لو جمعت كل دول العالم المانحة، الكبرى منها والصغرى. المؤتمرات مناسبات سياسية؛ تُعلَن فيها النيات؛ تُعطى الوعود؛ تأتي الشروط في ما بعد؛ والتنفيذ يعتمد على الإيفاء بالوعود (وهذا ليس دائماً) وعلى فرض الشروط (إذا كانت مقبولة).
يطيب للأميركيين القول إن إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية جاء نتيجة مشروع مارشال الأميركي الذي أقر بعد 4 سنوات من انتهاء الحرب، بقيمة 13 مليار دولار (حوالى 120 مليار دولار بأسعار اليوم). نتائجه عرضة للنقاش، على كل حال. أما إعمار لبنان في التسعينيات، أي بعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية، فقد تم معظمه في غضون أربع سنوات، وانتهى هذا الجزء قبل نهاية العام 1997، قبل أن يلغي الأميركيون الحظر على لبنان. لم يكن للأميركيين أية مساهمة في هذا البرنامج.
Page 2
في مؤتمر شرم الشيخ جاءت الشروط، بعضها على الأقل، في اليوم ذاته. أعلنت كلينتون ثم ساركوزي أن المساعدات (لا نعرف ما إذا كانت هبات أم قروضاً) يجب أن لا تمسها حماس. الواهبون فقط يقررون أقنية الإنفاق والتنفيذ. هكذا يتم إلغاء الإدارة الفلسطينية. تجاهلت كلينتون كما ساركوزي أن حماس سلطة منتخبة. من قبل، أقال عباس هذه السلطة، ثم صار هو نفسه سلطة غير شرعية. ضاع الشعب الفلسطيني بين سلطة غير شرعية وسلطة مقالة، غُيِّب عن المؤتمر، ولو حضر الفلسطينيون الذين حلت عليهم بركة «المجموعة الدولية». تضييع الشعب الفلسطيني وتغييبه، وصولاً إلى إلغاء إرادته السياسية، لم يكونا أمراً عفوياً، بل كانا جزءاً من برنامج المؤتمر.
فقد علمنا من المداولات التي دارت في دهاليز المؤتمر أن الاتحاد الأوروبي لديه مؤسسة سوف تتولى الإعمار، وكذلك الأميركيون، وكذلك دول الخليج العربية. سوف تأتي هذه المؤسسات، تبني وتشيد، ترسم الخطط وتنفِّذ، بينما الشعب الفلسطيني يتفرج. في عملية الإعمار، لا لزوم للشعب الفلسطيني كما لا لزوم له في مجالات أخرى سياسية أو عسكرية. في لبنان تعلمنا تجربة مناقضة، وهي أن اللبنانيين هم الذين عمرو وخططوا ونفذوا؛ كانت المساعدات الخارجية مكملة لجهودهم، ولم تحل محلها في أي لحظة من اللحظات.
لن يطول الحديث هنا عن تفكك السلطة الفلسطينية بعد 15 عاماً على اتفاق أوسلو. ما نعرفه بالتأكيد هو أن قادة إسرائيل يستخدمون شعار الدولتين لتفريغ السلطة الفلسطينية (متى وأينما وُجدت) من السيادة، أي من الإرادة الفلسطينية. وهم أيضاً يستخدمون «عملية السلام» لإتاحة الوقت الكافي لقضم مزيد من أراضي الضفة الغربية. تبقى فلسطين تحت الاحتلال: بالوجود العسكري المباشر، أو بالمراقبة عبر الحدود والبحر والسماء، أو بالحرب التي تشن ضد الشعب الفلسطيني من أجل تهجيره وإبادته.
في يوم مؤتمر إعمار غزة تسربت أنباء من إسرائيل عن مخططات لبناء مستوطنات إضافية تحوي 73000 منزل. هذا إعمار، وذاك إعمار. الأول تقوم به منظمات غير حكومية فلسطينية، بالنيابة عن الشعب الفلسطيني، لإلغاء الإرادة الفلسطينية. الثاني تقوم به سلطة إسرائيلية في أرض فلسطينية، لإحلال اليهود الإسرائيليين مكان فلسطينيي الضفة الغربية، لإلغاء وجود هؤلاء.
يبدو أن إلغاء الإدارة الفلسطينية، من جهة، وإلغاء الوجود الفلسطيني، من جهة أخرى، هما وجهان لعملة واحدة؛ هما جزء من برنامج واحد. برنامج تُفرض بعض بنوده في شرم الشيخ، وتُقرَّر بنوده الأخرى لدى السلطة الإسرائيلية. سيبقى هذا هو البرنامج الذي تنفذه إسرائيل، بدعم غربي، ما لم يوضع حد لعملية السلام، وتنسحب إسرائيل انسحاباً فورياً، وتعلن دولة فلسطين ذات سيادة وعاصمتها القدس.
يعرف الجميع أن لدى الفلسطينيين المقيمين في أرضهم وفي الشتات الكثير من الإمكانات التقنية المتقدمة. نعرف أيضاً أن لديهم مؤسسات وشركات كبرى ساهمت في إعمار العديد من البلدان العربية، ومن بينها لبنان. لماذا إذاً يُحرم الفلسطينيون من إعمار بلادهم؟ ليس المهندسون الفلسطينيون بحاجة إلى مساعدة تقنية ليتعلموا الإعمار. هم أساتذة في هذا المجال.
المشكلة ليست في الإعمار، إذا كان هذا ما يراد حقاً. المشكلة هي في السياسة، في القرارات التي تؤخذ كأن الشعب الفلسطيني غير موجود، وكأن ما يراد هو أن يزول هذا الشعب حتى تزول المشكلة. لقد دمرت إسرائيل السلطة الفلسطينية قبل أن تنشأ، لتقول للعالم إنه ليس لها مُحاوِر. الآن تأتينا كلينتون وساركوزي ليتحدثا بلغة الأمر، وليضعا الشعب الفلسطيني موضع المتفرج على عملية الإعمار، إن حصلت. إسرائيل قالت إن الشعب الفلسطيني ليس أهلاً للحوار السياسي، وزعماء الغرب يقولون إن هذا الشعب ليس أهلاً لإعمار بلده. هكذا تستمر الحرب على غزة، وعلى فلسطين عموماً، بأشكال أخرى.
دمرت إسرائيل غزة بهجوم وحشي استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة ضد المخيمات التي لا يحتمل بعضها هزة ريح، واستخدمت ذخائر تحرمها الشرائع الدولية والأعراف الإنسانية. المعروف أن معظم السلاح الذي استخدمته إسرائيل أميركي المصدر. ولا يمكن إلا الاقتناع بأن برنامج العمل الإسرائيلي في الحرب والسلم يحوز موافقة أميركية من نوعٍ ما. ويريدوننا الآن أن نقتنع بان مصدر الدمار الأميركي سوف يكون مصدر الإعمار.
ما عجزت عنه إسرائيل بالوسائل الحربية مقدَّر له أن يستمر بوسائل أخرى من شرم الشيخ إلى غزة إلى الضفة الغربية.
تنوعت الأسباب والنتيجة واحدة.
06/03/2009
Page 3
اتركونا وشأننا

هل السودان ضحية حكامه أم ضحية النظام الدولي الذي تمثله محكمة الجزاء الدولية؟ يطرح السؤال نفسه في مواجهة منطق يراد لنا عن طريقه أن نتحيز للحاكم المستبد أو للنظام الدولي الذي يملك أيضاً وسائله للقسر والإكراه. يُراد لنا أن نغرق في ثنائية لا مكان لمجتمعنا فيها.
جاء نظام البشير إلى السلطة بانقلاب عسكري اضطهد خصومه، ثم اضطهد حلفاءه. وما تماهى مع شعبه. وربما أصبح هذا الشعب أكثر فقراً مع مرور الزمن.
لا يمثل هذا النظام شعبه ولا يعبّر عنه ولا يسعى لتقدمه، فهل يمثل شيئاً آخر؟ وهل يتماهى مع قوة أخرى غير شعبه؟ ما هي هذه القوة الخارجية وما هي مراميها. يقول لنا النظام الدولي إنه هو غير القوة الخارجية التي يمثلها النظام. يريدنا النظام الدولي أن نعتقد أنه والنظام السوداني نقيضان، بدليل أنه انتدب المحكمة الدولية لإحقاق العدالة. لكن تاريخ النظام الدولي الرأسمالي يبرهن في تاريخه أنه ما تماهى يوماً مع أي مجتمع من مجتمعاتنا.
نعرف من تجربة العراق أن نظام صدام قد جاء إلى السلطة «بعربة تجرها خيول أميركية» كما قال أحد المشاركين في انقلاب 1963. تقلبت الأيام وتغيرت وجوه النظام، وشُنت حروب في المنطقة وضد الشعب في الداخل وضد الجيران، القوي منهم والضعيف، وكان يجري استنقاذ نظام صدام استنسابياً. أنقذوه عندما واجه إيران، وهزموه عندما دخل الكويت. عزلوا النظام اثني عشر عاماً وأخضعوه للجان تفتيش (تشبه لجان التحقيق التي تعود إلى المحكمة الدولية) وأسرعوا بعد ما حدث في 11 أيلول إلى غزو العراق لإسقاط نظامه، استناداً إلى تهمتين كاذبتين، وهما حيازته سلاح الدمار الشامل وتعاونه مع تنظيم القاعدة. حاكموه على عجل بعدما جوّعوا شعبه ببطء.
الضحية في العراق شعبه ومجتمعه ودولته ومصيره. والضحية الأولى لكل ذلك هي وعينا الذي فرض عليه أن يغرق في ثنائية الاستبداد الصدامي أو الحداثة الاستعمارية.
لم يدرك الكثيرون منا أن انتصار الحداثة والديموقراطية الأميركيتين كان سيؤدي حتماً إلى تفكيك العراق، وأن ذلك كان هو السياسة الفعلية والمضمرة للسياسة الإمبراطورية.
تعرف شعوبنا في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية أن تصدير الحضارة إلينا في القرن التاسع عشر، لتعليمنا أسس المدنية ومبادئ الحداثة والأساليب الديموقراطية كان الذريعة لنشر الاحتلال والاستعمار وتقسيم بلادنا بعشوائية كاملة. وتعرف شعوبنا أيضاً أن انشغال الغرب بالحروب الكبرى بين أطرافه المتنافسة حتى الموت، في الحربين العالميتين أدى إلى ازدهار حركات التحرر الوطني وحروبها التي قادت إلى استقلالات لم تفلح في طرد الإمبريالية من بلادها. وتعرف شعوبنا أن عودة الغرب في النصف الثاني من القرن العشرين إلى تصدير حقوق الإنسان والعدالة هي عودة إلى الاستعمار القديم، حيث يلزم.
تؤكد لنا هذه العودة حروب الاحتلال الجديدة وانتشار القواعد العسكرية. لا تستطيع الهيمنة الغربية التخلي عن أساليبها القديمة. فالقوة تغري أصحابها. والقوة العسكرية تحتاج دائماً إلى استعراض للقوة وإلى مسرح للاستعراض، والمسرح الآن هو البلدان العربية، وبعض البلدان الإسلامية الأضعف.
نريد العدالة لكننا نعرف أنها لا تأتي، ولن تأتي ولا يمكن أن تأتي من الغرب الرأسمالي. الرأسمالية جوهرها تقويض العدالة. ونريد التحرر من الاستبداد، ونعتبر أن أياً من أنظمتنا لا يحمل بذور التحرر في طياته. ما نخافه أكثر من أي شيء هو ما سيؤدي إليه الصراع بين أنظمتنا وقوى الهيمنة الغربية. ما نخافه أكثر من أي شيء آخر هو أن يؤدي هذا الصراع إلى تفكيك مجتمعاتنا، واحداً واحداً، وأن يؤدي ذلك إلى حروب أهلية لا متناهية. نخاف عدم الاستقرار في بلادنا. ونعلم أن بلادنا لا تمتاز عن غيرها بالتنوع الإثني والطائفي والمذهبي الذي يهدد دائماً بعدم الاستقرار. نعرف أن كل بلدان العالم فيها من التنوع ما يكفي لإشعال نار الحروب الأهلية في حال اختُطفت السياسة، أي في حال أخضعت هذه البلاد لبرامج تعيد تشكيلها في أطر قبلية ونعرف أيضاً أن القبائل الإثنية والطائفية تُصنع وتُبرمج ويعاد تشكيلها. ليس التاريخ خطاً مستقيماً يتقدم من أشكال اجتماعية قبل رأسمالية إلى أشكال الحداثة وقيمها. التاريخ منعرجات تتقدم حيناً وتتراجع حيناً آخر.
قبل بضع سنوات كان يقال إن العراق لا يمكن أن يخوض حرباً طائفية مذهبية، لأن ذلك لم يحدث في تاريخه القريب أو السحيق. لكن هذا ما حدث وأُحدث في العراق. نخاف مما سيحدث في السودان لأن تجربة العراق هي التي نقيس عليها، ناهيك بتجربة فلسطين ولبنان وغيرهما.
لا نأسف لسقوط نظام عربي، بل نخاف مما يتبع السقوط، لا لأن جمهورنا لا يعرف ممارسة الديموقراطية ولا بدعوى أنه لم يتشبع بقيم الحداثة، بل نخاف مما يخطط ويبرمج لهذه المنطقة العربية، العربية لغةً وانتماءً.
ربما استطاعت أمم أخرى من المستعمرات السابقة أن تتحالف مع الغرب وتطمئن إليه، برغم التاريخ المشترك المليء بالآلام والعذابات. لكن فلسطين لا تسمح لنا بذلك. في وعينا، فلسطين أمر راهن وليست من الذكريات. يأبى الغرب إلا أن يرفض التسوية في فلسطين، ويأبى الغرب إلا أن يجعل نفسه في قلب مأساتنا. توضع المبادرة العربية (السعودية) على الرف، وتشن في أعقابها سلسلة حروب. يُرفض حق الفلسطينيين بأرضهم، ويطالب بحق تقرير المصير للآخرين. تُحرَّض الأقليات في بلدان الوطن العربي على طلب مصير منفصل، بينما تقمع الأقليات في البلدان الأوروبية. لا يفهم الغرب، وفي مقدمته الإمبراطورية الأميركية، أن عامة العرب لن يستطيعوا تقبل النظام العالمي أو الوثوق بعدالته ما دامت فلسطين مستلبة وحقوق شعبها منكرة. سوء الفهم هذا هو أساس المشكلة؛ وليست الإشكالية بالنسبة للعرب هي ثنائية الاستبداد والعدالة.
ليست مشكلتنا في الموقف من الاستبداد، ولا من العدالة، بل هي في كيفية تحقيق العدالة. نعرف أن نظاماً عالمياً مغايراً، نظاماً عالمياً إنسانياً، لا يبنى إلا بالتراكم، تراكم المنجزات الصغرى. ونعرف بالمقايسة على ما حصل في بلدان الغرب الرأسمالي أن المكتسبات الديموقراطية والاجتماعية لم تتراكم إلا بفعل نضالات الطبقات الدنيا. لكنها تراكمت، لا لأنه سمح لها بأن تتراكم، بل لأن استقرار الدول الغربية أجبر أنظمتها على القبول بها. من سوء الحظ أن هذا الاستقرار حدث على حساب الغير. لكننا يحق لنا التساؤل لماذا يصر على التحولات الثورية في بلادنا؟ ولماذا لا يترك المجال لتراكم المنجزات الصغرى؟ ولماذا الإصرار على تغيير الأنظمة وتعديل الدول وحدودها؟ ولماذا تشن الحروب ضد بلدان عربية، الواحدة تلو الأخرى؟ ولماذا يثيرون العواصف المتتالية بحيث لا يبقى مجال أمام أي منا للتفكير بعقل بارد وبأعصاب هادئة؟
إن من يطلق «الثورات» في بلادنا ليس القوى الثورية، بل هو قوى الاستعمار القديم والجديد وأتباعها. القوى الثورية في بلادنا، وفي العالم بمجمله، هي في حال انحسار. انتصرت الرأسمالية إيديولوجياً ومادياً، لكنها تتآكل الآن من داخلها وتنتابها أزمة يمكن أن تؤدي إلى انهيارات أكثر فظاعة مما سبق.
كل ما نتمناه هو أن نُترك وشأننا، وأن لا تحاول الرأسمالية العالمية حل أزماتها على حسابنا بواسطة أنظمتنا.
14/03/2009
Page 4
مصادرة الانتخابات قبل التصويت

كسبت الطبقة السياسية الانتخابات النيابية سلفاً، قبل التصويت. طهرت نفسها من الآثام. أثارت قضية الصناديق. أوهمت الناس أن مشكلة الفساد تكمن في الصناديق. أغفلت أمر الوزارات. الصناديق بيروقراطية من خارج «مؤسسة» الوزارات. هي المشكلة ويجب إلغاؤها. قبل إلغائها، إن حدث ذلك، يجب إثارة المسألة في إطار طائفي. الطائفية تقسم ذوي القرار. يفقد هؤلاء حزمهم. لكن المطلوب حصل، وهو تبرئة الطبقة السياسية، بعد تأكيد حرصها على المال العام.
الحرص تكذبه الوقائع. دين عام، يتجاوز 50 مليار دولار، أُبعد عن النقاش وعن حوارات الطبقة السياسية. تدفع الدولة خدمة الدين العام التي تقارب أو تتجاوز بقية الموازنة (الرواتب والأجور وإيجارات المكاتب ونفقات الرحلات المكوكية، الخ...) دون همس أو لمز. الصناديق المشار إليها تتعلق بالإعمار والمهجرين والجنوب. تدان الصناديق سلفاً، وينقسم البلد دولاً طائفية، دون ملامسة القضايا التي أنشئت من أجلها الصناديق. لا تناقش مسائل الاعمار والهجرة والبطالة ونفقات السلطة والاستهلاك غير المجدي وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، ويؤجل نقاش مسألة الجنوب والسياسة الدفاعية، بل يؤجل ويغيب نقاش كل المسائل الكبرى.
حرّكت الماكينات الانتخابية قبل إعلان البرامج الاجتماعية والسياسية. ليس مهماً ما يحدث للناس وماذا يحل بحياتهم اليومية ومستوى مداخيلهم ومقادير قدرتهم على تلبية حاجاتهم. هناك فقط طبقة سياسية مشغولة بتجديد هيمنتها عن طريق انتخابات نيابية تأخذ عبرها تفويضاً بتمثيل الناس دون أن تكون معنية عناية جدية بإدارة شؤونهم.
تنتهي الحملات الانتخابية بالتصويت. يتم اختيار المرشحين لدى الزعماء، زعماء الطوائف والعشائر والفيالق الدعائية. يشارك الناس في الانتخابات بنسب متفاوتة حسب المناطق والطوائف. حين تصغر الدائرة الانتخابية، تكون نسبة التصويت أعلى. تكون العملية أقرب إلى الانتخابات البلدية. هنا تعلو نبرة النكايات العائلية والعشائرية. يحتفل اللبنانيون بذلك.
حقيقة الأمر أن اللبنانيين يحتفلون بالانتخابات. هي مهرجان يقام كل أربع سنوات. يحتاج الناس إلى احتفالات موسمية. قديماً كانوا يحتفلون ببداية موسم الربيع، ثم ببداية موسم الخريف. كان البشر منسجمين مع الطبيعة في تقلباتها السنوية ومواسم الأمطار والمحاصيل. لكن الطبيعة تتراجع أمام السياسة، وتتضاءل أهمية البيئة الطبيعية أمام المصالح الاقتصادية. وهناك «بيوتات سياسية» ترعى المهرجانات الانتخابية كما كانت المعابد الوثنية ترعى احتفالات المواسم الطبيعية. تكرر الوثنية نفسها في هياكل الديموقراطية.
يجد اللبنانيون أنفسهم الآن أكثر انسجاماً مع متطلبات الطبقة السياسية التي تجعل من كل دورة انتخابية مناسبة لتجديد التفويض المعطى لها من الشعب. تتجدد الهيمنة الاجتماعية لطبقة سياسية ذات مصالح وأهداف محددة. يعرف ذوو الهيمنة مصالح الشعب أكثر مما يعرفها الشعب نفسه. ينسى الناس مصالحهم، لكن الطبقة الرفيعة لا تعرف كيف تنسى مصالحها، فهي مضطرة أن تقوم بواجبها الوطني. تتماهى هي مع الوطن، وما على الآخرين إلا أن يتبعوها.
في الانتخابات، يتحرر اللبنانيون من التفكير. تحررهم الطبقة السياسية من ذلك. هي دائماً تفكر عنهم. تختار لهم المرشحين. تنتقي من يمثلهم. يحدث الانتقاء قبل التصويت. والطائفية جاهزة دائماً لجعل الناس مستعدين للتخلي عن التفكير والاختيار. تجبرهم عن طريق الخوف والتخويف على الالتحاق بالجماعات التلقائية والعفوية، التي تبدو عفويتها بمثابة الغريزة. تستولي الطائفة على الفرد وتسلبه حس الاختيار. يكتسب اللبنانيون حيوية فائقة في الانتخابات. ليس مهماً أن هذه الحيوية تخضع لسطحية ذهنية وتحركها ماكينات انتخابية مدفوعة الأجر ومرهونة الإعلان. المهم أن اللبنانيين يفرغون شحنات غضب تراكمت بين دورة انتخابية وأخرى.
عيب الديموقراطية الأكبر هو أنها أفضل أنظمة الحكم، بمعنى أن كل أنظمة الحكم الأخرى أسوأ منها. مصدر العيب هو الاعتبار أننا أتممنا واجباتنا في عملية التصويت، ثم نتراجع عن السياسة بعد ذلك لنصبح قطعاناً أعطت تفويضاً لتخضع بموجبه للسلطة التي توهم الناس أنها تدير شؤونهم. نقصّر عن محاسبة النواب ومساءلتهم وتقييمهم، وهؤلاء يقصرون عن تقييم الحكومة. أخذوا التفويض منا كي يتحرروا من المحاسبة والمساءلة، ليفعلوا ما يشاؤون؛ وما يفعلونه لا يستحق الذكر، في دولة ليس لها موازنة منذ أربع سنوات. نحسب الأمور عادية، رغم أن الدولة تحولت إلى لادولة. ما زالت تجبي منا الضرائب والرسوم، لكنها لا تفعل شيئاً بالمقابل. لديها جواز مرور إلى العجز المفتعل، وهو القاعدة الاثنا عشرية. يوهموننا أنه ليس في السلطة فراغ. لكن الفراغ حاصل ما دامت موازنة الدولة غير موجودة فعلاً. وتبقى الأمور استثنائية في غياب الموازنة، بفعل تخلي مجلس النواب عن مهامه وبفعل تخلي الحكومة عن مهامها. لا يُدق جرس الإنذار. يقال إن الأمن مستتب، بينما كل شيء آخر غير مستتب. يضطر الناس إلى الرضى بدولة ذات حالة استثنائية دائمة بسبب التهديد الدائم بانفجار الأمن. التهديد بخطر دائم لانفجار الحرب الأهلية هو أحد مشتقات الطائفية المستخدمة لإسكات الناس، بالأحرى لتوليد الاقتناع بما لديهم. تقول لهم الطبقة المهيمنة اسكتوا وإلا ينفلت الأمن. يسكت الجميع، يعزفون عن المجاهرة بمطالبهم، بل يقنعون فرحين. مهمة الديموقراطية هي هذا الإقناع، أي الاستسلام للسلطة والفرح بذلك.
يعتقد الناس أن ما لديهم أفضل أنظمة الحكم. يقنعون بذلك، يعلنون الفرح بحريتهم في غرفة الاقتراع السرية. يرتاح عقلهم بعد أن أُفرغ من مهام التفكير والمحاسبة، ويرتاح ضمير الطبقة المهيمنة بعد أن جرد من مبادئ الأخلاق؛ فقد حصلت على التفويض؛ والتفويض قانوني ودستوري، لتفعل ما تشاء في من تشاء. يرضى الجميع باللادولة خوفاً من «الأعظم». يدفعون الضرائب والرسوم بالكامل، ولا ينالون شيئاً من خدمات الدولة بالمقابل، ثم يقنعون بأنّ لديهم أفضل الأنظمة خوفاً من الأعظم. هكذا تكون عملية التدجين. لا يصير التجمع البشري قطيعاً إلا عن طريق عملية تدجين تساهم فيها جميع أنواع الإيديولوجيا ووسائل الإعلان والتعمية والإغفال لقضايا الناس. نرضى بالإغفال لأن هناك من أقنعنا بضرورة ذلك. نرضى بالسراب بعد أن تم تدجيننا. هذه هي مهمة النظام.
سوف نذهب إلى صناديق الاقتراع: كراديس كراديس. سنحمل معنا كل الأوهام والمعميات التي توهمنا بأننا أحرار. سوف نتخلى عن حريتنا في الغرفة السرية. سنحصر خيارنا بين فريقين. يصلح معظم المرشحين للترشح لدى هذا الفريق أو ذاك، فلا شيء يميز بين البرنامجين السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي. يصعب التمييز بين المرشحين.
في هذه الانتخابات، نحن نصوّت لطبقة. الطبقة منقسمة شكلاً، لكنها متفقة على تدجيننا، ربما كان هناك مبرر لاستخدام تعبير أكثر تناسباً مع اللحظة.
20/03/2009
Page 5
القِمة العربية:قليل من الجدية من أجل هيبة مفقودة

يطمح العربي في أن يصير مواطناً في دولته، وفي أن تصير دولته «مواطنة» في النظام العالمي، عله يصير مواطناً في هذا العالم. وقد خاب أمله بالدولة العربية وبالنظام العالمي وبنفسه.
المواطن هو من يكون شريكاً في النظام الذي يدخل في عداده. تتراكم خيبات العرب لأنهم ليسوا شركاء في أي كيان سياسي في هذا العالم، فهم خارجون على النظام. ومن يخرج على النظام يلاحق ويستهدف. هذه حال الأمة، أفراداً ودولاً ومجتمعات.
ليس العربي مواطناً في دولته لأن نظامها يخضعه ويستبد به ويمارس ضده شتى أنواع القسر والإكراه؛ يمنعه من العيش الكريم سواء على الصعيد المعنوي أو المادي. كان يمكن للديموقراطية أن تكون منطلقاً، مجرد بداية للمشاركة. لكنها تنتهي في كل قطر عربي، بما في ذلك لبنان، إلى أن تكون مجرد نظام لعد الأصوات. فالتصويت يجري حسب اتفاقات مسبقة بين قوى تصادر النتائج التي تصنعها سلفاً.
ليست الدول العربية «مواطنة» في هذا النظام العالمي لأنها أضعف من أن تكون لديها القدرة على المشاركة. هي مجرد مسرح (أو مسارح للعمليات) للغير. ربما تحالفت مع قوى عظمى أو إقليمية، لكن هذه التحالفات لا قيمة لها، من الجهة العربية، إلا في ما يتعلق بالتبعية وتعميق الهوة بين الأنظمة العربية، إذ يلتحق كل منها بهذا التيار الدولي أو ذاك.
لسنا شركاء في شيء في هذا العالم، لسنا شركاء في دولنا كأفراد، ليست أنظمتنا شريكة في النظام العالمي كدول، وفي الوقت نفسه فإن مجتمعاتنا مهددة. يأتي الخطر عليها من نظام دولي يستهدفها لما هي عليه، يعتبرها مصدراً للإرهاب. في المقابل تقتنع هذه المجتمعات بأنها تفتقد إلى شيء ما شائع في العالم، إلا لديها. لدى العالم الخارجي إمكان النهوض، مع الديموقراطية أو من دونها، ومع الحداثة أو من دونها، ومع حقوق الإنسان أو من دونها؛ أما نحن فلا أمل بالنهوض. لدينا فقط الهُوية. الهُوية قدمها لنا السلف الصالح. نستغرق أنفسنا في الهُوية، نعيش في الماضي، تتحكم بنا الأصولية، ننقلب على أنفسنا حروباً أهلية كامنة وظاهرة.
كانت وزيرة خارجية أميركا السابقة تقول عنا (بعد أن تضعنا تحت عنوان الإرهاب) يكرهوننا لما نحن عليه كأميركيين. وضعت الإدارة السابقة مشروع «الشرق الأوسط الكبير» لتغيير ما نحن عليه (كعرب). صرنا نخشى من أنفسنا ومن بعضنا البعض، بعد أن كنا نخشى من أنظمتنا، من ظلمها وظلم النظام العالمي لنا ولهذه الأنظمة. صرنا كمجتمعات نخشى من أنفسنا على أنفسنا.
منذ زمن طويل، لم يعد هناك صراع بين مجتمعاتنا وأنظمتنا. أُنهِكَت هذه المجتمعات. هناك فقط صراع داخل هذه المجتمعات وفي ما بينها، بينها وبين نفسها، بينها وبين تاريخها، وهي فاقدة الأمل بالمستقبل. من يفقد الأمل بالمستقبل يضعف عن صنعه. لا يستطيع التطور والنمو. تزدحم نفسه ضد نفسه. ينفجر من الداخل. لكن المجتمعات تستطيع تدبُّر أمر نفسها ولو بعد حين. زمن الشعوب طويل.
الآن جاء دور الأنظمة العربية. زمنها قصير. دول تفكك؛ أخرى على طريق التفكيك. ورؤساء يُسْتدعون إلى المحكمة الدولية؛ آخرون يخشون استدعاءً مماثلاً. تغيير الأنظمة في المنطقة العربية يبقى سياسة للنظام الدولي الذي لا يكنّ أي احترام لدولنا. حتى ما أجمعت عليه الدول العربية ليس محل نظر لدى النظام الدولي. شنت ثلاث حروب ضد العرب بعد إقرار المبادرة السعودية في قمة بيروت عام 2002، وبمباركة النظام الدولي.
الإشكالية الكبرى الراهنة لدى العرب هي عشوائية النظام العالمي الذي يعاني أزمة مالية واقتصادية كبرى، والذي يعاني أيضاً أزمات سياسية متعددة. ليس للنظام العالمي قانون. هناك فقط منطق القوة. حتى في داخل البلدان المتقدمة التي تحكمها ديموقراطيات عريقة تتخبط البرلمانات أمام تسلط الشركات. صرح الرئيس أوباما في برنامج تلفزيوني في الأسبوع الماضي، أن أفعال الشركات المالية الكبرى التي أدت إلى المشاكل والأزمات الأميركية الراهنة هي عبارة عن تصرفات قانونية. ما لم يقله أوباما هو أن النظام الرأسمالي لا يُخضع الجشع للقانون، بل يخضع القانون للجشع، والجشع جوهر النظام. ما لم يستطع أوباما قوله هو أن الرأسمالية لا تخضع لقانون إلا بما يؤدي بها إلى مزيد من الربح. ليس القانون الذي يسنه الناس هو أساس الديموقراطية، بل القانون بما يخدم مصالح الربح والكسب والنصب هو ما تستخدمه الرأسمالية. وما يتعلق بالنهب والإفقار والتشريد للطبقات الدنيا والشعوب الخاضعة ليس عشوائياً تماماً. هناك من يتحكم بالأمور.
ما يدعو للسخرية هو أن يقوّض النظام الدولي الأنظمة العربية، وفي الوقت نفسه، أن تدافع الشعوب العربية عن هذه الأنظمة الاستبدادية. يخشى العرب على أنفسهم من سقوط أنظمتهم. يخشون مما بعده، والخشية مبررة في عالم تتحكم به العشوائية.
بعد أيام تنعقد القمة العربية. لا يطلب العرب من حكّامهم شيئاً سوى الجدية وأن يحترموا أنفسهم، أن يتعاونوا في ما بينهم، أن لا يدعوا خلافاتهم تؤدي إلى إضعافهم بما يؤدي إلى تسويات إقليمية ودولية على حساب مصلحتهم ومصلحة شعوبهم. لا يطلب العرب من أنظمتهم سوى أن تصير دولاً لها هيبة في النظام الدولي كما الهيبة التي لديها على شعوبها.
تأتي الهيبة للمنظومة العربية من تعاونها ومن تغليب الشراكة في ما بينها على الشراكة بين كل منها وقوى خارجية سواء كانت متوسطية أوروبية أو آسيوية أو أميركية. تأتي الهيبة لهذه المنظومة من استعادة المتعلمين العرب الخبراء المتشردين سعياً وراء رزقهم. يمكن لهؤلاء أن يساهموا مساهمة كبرى في تحسين عمل القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية، بدل الاتكال على «خبراء» أجانب. تأتي الهيبة لكل حاكم من تبنّيه لرؤيةٍ ما حول المستقبل، فيرتفع النقاش بين الحكام من المسائل والتحديات الشخصية إلى حوارات حول قضايا المستقبل وكيف نصنعه، الخ...
ليس أسهل من أن يكتسب الحكام العرب والجامعة العربية هيبة مفقودة. أي شيء جدي مشترك يفعلونه يكسبهم الهيبة. أم أن القليل المتوقع منهم كثير عليهم؟
27/03/2009
Page 6
صعـود الفاشـية

تتصاعد الفاشية في لبنان وتنتشر بين الناس في مقابل تلاشي السياسة وغيابها. ينقسم المجتمع إلى فريقين، ليس بينهما نقاش. حول قضاياهم، ولا حوار يحمل إمكان التسوية، أي السياسة، بل يتواجه الفريقان ويدينان واحدهما الآخر بما يؤدي إلى اعتقاد كل فريق بتساميه الخلقي تجاه الآخر. كل فريق يعتبر أننا «نحن» الأخيار ويعتبر أن «هم» الأشرار. وهذا ما نعنيه بالفاشية.
هم غير «نحن»، نحن غير «هم»، هم ضد نحن. هويتان تتصارعان، وكل منهما تعتقد أن لديها من الأسباب لتنظر باستعلاء إلى الفريق الآخر، والحذر منه. الفريق الآخر يعتبر مقيتاً في السلوك الاجتماعي، خطراً في مطالبه السياسية، لا أحد من الفريقين يتطرق إلى المسائل الاقتصادية إلا نادراً. يبدو وكأن هناك طبقة واحدة رفيعة توزع الهُوية على فريقي العامة. بالمقابل يجري تدجين العامة ومصادرتها عن طريق الطائفية، والقبض على آرائها عن طريق الدعاية، وتوجيه وعيها عن طريق التحريض.
ما عادت الأكثرية والأقلية تمييزاً بين برنامجين سياسيين، اقتصاديين، اجتماعيين. غابت البرامج، حلت الهُويات مكانها. لا مجال في سياسات الهُوية إلا لاعتبارين: نحن وهم. الهُوية تقرر سلفاً نحن وهم. تعطي «النحن» صفات حميدة، وتعطي «هم» صفات سيئة. ويتوقع كل فريق أن يتصرف هو والفريق الآخر على أساس الهُوية، على أساس ما يتوقع من كل منهما.
لا إمكانية لأي فريق أن يتنازل عن بعض مطالبه ورؤاه في سبيل الالتقاء مع الفريق الآخر، أي في سبيل التسوية والسياسة؛ علماً بأن السياسة ليست أي شيء آخر سوى التسويات وتراكمها. لا إمكان للتنازل أمام الفريق الآخر لأنه يتربص بنا شراً ويضمر نوايا سيئة تجاهنا. كيف يتنازل ذوو النفوس السيئة المحشودة كرهاً وبغضاً تجاهنا. لا إمكان للتسوية. الإمكانية الوحيدة المتاحة هي الإلغاء.
ينتقل المجتمع إلى العنف عندما يتحوّل الإلغاء من فرضية متمناة إلى واجب يتعيّن تحقيقه.
في مجتمعنا هويتان، ورثت واحدتهما الأكثرية، وورثت الأخرى الأقلية، الهويتان تصنعان. تتكرر الإعلانات المدفوعة الأجر. نراها على شاشات التلفزيون، نسمعها من الإذاعات، ونحن مضطرون إلى التحديق بها عندما تصادفنا ألواح كبيرة مزروعة على جوانب الطرقات، أينما توجهنا.
يقترب موعد الانتخابات؛ كل سياسي ومرشح مضطر إلى التقيد بالتعليمات، ليس ببرنامج الفريق السياسي الذي ينتمي إليه، إذ لا برامج سياسية لدى الفرقاء، بل يتقيد بتعليمات شركات الإعلان والإعلام المدفوع. كل شيء مبرمج ومصنوع، حتى قَصَّة الشعر وطريقة النطق. تتعدل تعليمات شركات الإعلام والإعلان مع صدور استطلاعات الرأي دورياً. لاستطلاعات الرأي أيضاً شركات مدفوعة الأجر. يتقرر الرأي العام لديها. هي تصنعه، أو هو يقرر استنتاجاتها، لا نعرف، كل ما نعرفه هو أن الهُويات السياسية تُصنع في مكانٍ ما، تُفبرَك من أجل غايات لن نعرفها إلا في المستقبل، عندما يتصاعد العنف. من الطبيعي أن يتصاعد العنف مع تصاعد التوترات النفسية، وتشنج الآراء، وارتفاع مستوى الضجة، وتدنّي مستوى الخطاب. يصير كل منا آخر في بلده. كل من ينضوي في عداد «نحن» يصير آخر بالنسبة لمن هم في عداد «هم». كلنا آخرون بالنسبة للآخرين، كلنا غرباء على هذه الأرض. لا يبقى واحد منا لبنانياً في لبنان، كما عبّر عن ذلك بأسلوب رفيع د. صايغ في أحد كتبه. تحولنا من خطاب الطائفية، إلى خطاب الأكثرية والأقلية، إلى خطاب «نحن» و«هم». تدنى الخطاب العام إلى مستوى الإسفاف والبذاءة. في الطائفية كنا مضطرين إلى مراعاة الآداب والأتيكيت بالقول عن الآخرين إنهم «إخواننا» من الطائفة الأخرى. أما خطاب نحن في مواجهة هم، فهو يستدعي الصراحة ويفرض البذاءة. الآخر يحتاج إلى إلغاء.
تعودنا على مفردات الإلغاء وحروب الإلغاء. الآخر (هم) مفعم بالفساد. نشن حرباً ضد الفساد لإلغاء الآخر. فريق آخر يدّعي بناء الدولة. صحيح أن هذا الفريق لم يفعل شيئاً لبناء الدولة، لكنه يفترض دائماً أن صورة النحن التي تخصه هي الدولة، ويفترض بالمقابل أن «هم» التي تخص الفريق الآخر خارج الدولة. من هو خارج الدولة، هو خارج القانون. من الضروري إلغاؤه باستبعاده. أو إلقاء الحرم عليه. لا فرق بين حرم مدني أو حرم ديني. لكل فريق آلية قمع اجتماعي كي ينضبط الجميع في واحدة من هويتين، هُوية «نحن»، وهُوية «هم». والمهم هو أن تتواجه الهويتان. الانتخابات النيابية وسيلة للمواجهة. تشير تجارب شعوب أخرى إلى أن الفاشية تتصاعد وتمسك بالسلطة عن طريق الانتخابات.
معروف أن في لبنان، إضافة إلى الشركات الأمنية، كثيرا من مؤسسات التفكير، أوعية التفكير (Think Tanks) ومؤسسات الدفاع عن الديموقراطية وتدريب الشباب والقادة المستقبليين. لم يعد الأمر يقتصر على أجهزة الاستخبارات السرية المستوردة. تُستورد شركات ومؤسسات من جميع الأنواع، تعمل في السر والعلن لإنتاج الديموقراطية. في غياب السياسة محلياً، تعمل هذه المؤسسات على تحديد خطوط الاصطفاف، تعيد تشكيل الهُويات، تدفعنا باتجاه الحداثة. ما علينا إلا أن نصطف ونتبنى واحدة من الهويتين.
تتراجع السياسة أمام الهُوية، وتتراجع أيضاً أمام الأمن. لا ننسى أننا في خضم حرب عالمية ضد الإرهاب. الإرهاب شبكة تمتد خلاياها في ثنايا المجتمع. تتضافر القوى الدولية والإقليمية على التحذير من الإرهاب. تكرس دراسات سوسيولوجية ـ سياسية لهذا الأمر. يتوجب الخوف من الإرهاب. بالأحرى يتوجب الخوف وحسب. الخوف من الآخر كامن فينا. مهمة حرب الإرهاب تظهير هذا الخوف. تسيطر مشاعر الخوف والتخويف على المجتمع. تأخذ الهُوية عوامل الخوف والتخويف وتضعها لدى الهُوية الأخرى. يكتمل المشهد. الخوف على المصير يدفعنا باتجاه واحد هو الحفاظ على الوجود، في وجه الفريق الآخر.
يستدعي الخوف على الوجود قطع نسل الفريق الآخر. تتحول السياسة إلى هُوية، والهُوية الاجتماعية إلى بيولوجيا. نتوهم أن البيولوجيا أساس الأعراق، والأعراق تستدعي العنصرية، وكل عنصرية تستدعي عنصرية مضادة. هذا ما آل إليه مجتمعنا. يصير المجتمع عنصرياً ضد نفسه عندما يتحول كل منا إلى آخر.
مع تراجع السياسة، يتراجع مجال المحادثة والحوار وتداول الآراء، والقبول والتنازل والرد والأخذ والعطاء، في الشارع والمقهى والمطعم والمسرح والسينما والمدرسة والجامعة والمنتدى، الخ... يطغى المجال الخاص على العام. تسيطر علينا فكرة الخلاص. لكنه ليس خلاص الذات المكتملة في نفسها، المنخرطة في المجتمع، ذات الآراء والمطالب؛ ليست الذات التي تطرح نفسها في المجتمع، بل الذات المنكفئة على نفسها، المختبئة في «نحن»، الخائفة من الجار، الحاقدة على الآخر، الكارهة لمن لا ينسجم معها. يتلاشى حق الاختلاف، بالأحرى يتلاشى التسامح مع حق الاختلاف، يصير التسامح خطيئة على جبهتين، على جبهة المتسامح وعلى جبهة المتسامح معه. لا مجال للتسامح حيال ما يعتبر مغايراً، ليس فقط مغايراً لنا، بل ما يعتبر خطراً علينا نافياً لنا. يقضي الخوف أن لا نقبل ما يهدد وجودنا. ما يهدد وجودنا هو هذا القريب منا، الذي لا ينسجم معنا. القريب أكثر خطراً من البعيد. نطلب الخلاص. لا خلاص لنا من الخوف، من خطر الآخر القريب الساكن في شقة على الطابق نفسه الذي نعيش فيه، القاطن في البيت المجاور؛ لا خلاص من خطره إلا بالالتحاق بالجماعة التي تحمينا، توهمنا أنها تحمينا، تهدئ الروع، تطمئننا. لا نطمئن إلا مع من نرتاح إليهم، مع من يشبهوننا في كل شيء. هذا هو زمن الاستنساخ. تستنسخنا الفاشية، نصير كائنات تقرر سلوكها التصاميم الهندسية. وهل كانت الفاشية إلا محاولة للهندسة البشرية.
مع تراجع السياسة تغيب الإرادة، تتلاشى القدرة على المطالبة بالحقوق، يزول النضال المطلبي. غابت النقابات منذ زمن طويل. لا نرى تظاهرات مطلبية، ولا نضالات مطلبية. أنزلت الطبقة إلى مستوى اقتصادي . وغُيب الاقتصاد عن السياسة. ولم يبقَ من السياسة إلا الهُوية. ليس الاقتصاد في مستوى الهُوية أخلاقياً وروحياً.
يتعلق الاقتصاد بالشأن اليومي والمعيشي والآني. تتعلق الهُوية بالروح والأبدية وبكل ما هو رفيع ومتسام. صودرت النقابات وألحقت بالطوائف والمذاهب. وهذا أمر حصل منذ سنوات طويلة. الآن لا تجد الحقوق، حقوق الناس ومطالبهم ومستلزمات عيشهم، من يطالب بها أو يدافع عنها. علينا أن نقبل الفقر والبطالة والهجرة في سبيل أن تبقى الطائفة والمذهب، في سبيل أن نزدهر «نحن»، ولو لم يبقَ في عداد «نحن» عدد واحد. تتلاشى الحقوق، تصير مجرد قدرة على اقتناص فرصة متاحة بفعل الالتحاق بجماعة ما.
لا حقوق مع الفاشية إلا حق الجماعة على الفرد. كيف تتشكل الجماعة من أفراد ألغي وجودهم؟ هذا السؤال يصعب الجواب عليه. أحاول الجواب. لكنني لم أعد موجوداً. تجيب الجماعة. عندما يصير الصوت واحداً، وعندما ينطق الجميع بكلام واحد، ووتيرة واحدة، لا يبقى أحد كي يسمع لا سماع لمن تنادي.
03/04/2009
Page 7
وعد أوباما بالتغيير: هل هو جدي؟

يطل الإمبراطور الأميركي إلى وريثة الإمبراطورية العثمانية من أوروبا. ويطل من تركيا على مسرح الحرب الأميركية ضد العرب والإسلام. حرب العراق وحرب أفغانستان وحروب أهلية أخرى لفكفكة دول عربية؛ هي جميعها حروب أميركية إسرائيلية. لن يقتنع المسلمون عامة، والعرب خاصة، بغير ذلك حتى ولو خلع أوباما حذاءه وتجول في المسجد معجباً بالتراث العثماني ورغم تبشيره بحوار الحضارات، وبأن السياسة الأميركية ليست ضد الإسلام بل ضد مسلمين إرهابيين.
يعرف العرب والمسلمون حق المعرفة، أن لهم مطالب، وأن هذه المطالب لا تنال موافقة الإمبراطورية وأتباعها، وأن هذه المطالب سوف تصنف حتماً في عداد حرب الإرهاب، وأن البلدان التي منها صعدت هذه المطالب سوف تتعرض لحرب الإرهاب، وهي حرب عالمية تحوي كل عناصر الحرب الباردة بعناوين جديدة.
يعرف العرب والمسلمون أن أميركا وإسرائيل إمبراطورية واحدة تحتاج إلى الحرب حتى ولو لم تكن أسبابها موجودة، تحتاج إلى الحرب لأنها أسست على الحرب، تحتاج إلى الحرب لأن أزماتها المالية لا يمكن أن تحل إلا بالحرب، وأن أزماتها المالية ليست عَرَضية بل هي المآل الحقيقي لنظامها الرأسمالي. الإنفاق أكثر من الإنتاج في الإمبراطورية يضطرها إلى الاقتطاع بالقوة لما تملكه الشعوب الأخرى بالقوة. تضطر إلى فرض نفسها بالقوة على الشعوب الأخرى لنهب ثرواتها الباطنة تحت الأرض (النفط) ولنهب ما تنتجه أيدي هذه الشعوب بكدها وعرقها (السلع) مقابل دولارات ورقية وتطبعها وتصدرها وتنقذ قيمتها باستمرار.
لا يكترث العرب والمسلمون للاحتجاجات الإسرائيلية ضد الأميركيين الذين لا يوافقون على جميع الخطط لغارات إسرائيلية قد تصل إلى إيران والتي ترى أن ما يجري في كوريا الشمالية يشكل خطراً عليها، والقائلة بأن إسرائيل لا توافق على اعتقاد البعض بأنها هي الولاية الواحدة والخمسين في الإمبراطورية الأميركية، وأن على الأميركيين أن يوافقوا على أنهم ليسوا ولايات خمسين في الإمبراطورية الإسرائيلية. بفضل أميركا أصبحت إسرائيل إمبراطورية عظمى. وفي ذلك ما يخيف العرب والمسلمين.
الدعم اللامحدود الذي تقدمه الإمبراطورية الأميركية لإسرائيل ما زال يتصاعد ويتزايد. فمخزونات الذخيرة الأميركية توضع في إسرائيل، التدريبات العسكرية تحدث معاً، الخطط العسكرية يجريها الجيشان معاً عندما تشن إسرائيل حرباً على الجنوب اللبناني أو غزة يغطي الأميركيون حاجات إسرائيل بالسلاح والذخيرة على أجنحة جسر جوي، عندما تخالف إسرائيل القوانين الدولية؛ وحتى عندما نتجاوز ما كان لا يقبل به هؤلاء، كتوسع المستوطنات، نجد الإمبراطورية الأميركية تغض الطرف وتلتزم مبدأ السكوت. عندما يباشر بلد عربي بمفاوضات سلام من خلال حليف تركي، تقف الإمبراطورية الأميركية موقف المتفرج إلى أن تأتي حرب كما في غزة لتنسف كل شيء وتريح الإمبراطورية. كلما جرت انتخابات إسرائيلية نراها تنتج الأكثر تطرفاً وتدفعهم إلى سلطة تنكر الاتفاقات السابقة المعقودة أميركياً، ومع ذلك تحني الإمبراطورية رأسها. لم يعد العرب والمسلمون يعرفون كيف يميزون بين أجزاء الإمبراطورية الأميركية وإسرائيل عندما يطرحون مطالبهم المتواضعة. وكل طرح لا يوافق الإمبراطورية يصنَّف إرهابياً بالطبع. معظم المطالب العربية والإسلامية لها مصير واحد هو الإرهاب. حتى المبادرة العربية في قمة بيروت 2002، التي أطلقها الأمير الذي صار الملك عبد الله، كان الجزاء عليها حربان في فلسطين وحرب في لبنان. حتى المطالب العربية السلمية (الأرض مقابل السلام) تقابل بازدراء وهزء وسخرية. تتدرج في عملية السلام، خطوة خطوة كما حددها كيسنجر منذ أكثر من ثلاثين عاماً: رحلات مكوكية للمنطقة يقوم بها وزراء أميركا وأوروبا ، لجان رباعية، خريطة طريق، مؤتمر أنابوليس، الخ... وتمضي سنوات التفاوض في حين تقضم إسرائيل الأرض وتبني المستعمرات، وتسكت الإمبراطورية الأميركية على كل ذلك. ثم تجري انتخابات إسرائيلية تأتي بالأكثر تطرفاً من بين أجنحتهم، والمتطرفون ينسفون كل ما اتفق عليه سابقاً.
بشر الإمبراطور بحوار الحضارات في تركيا، وريثة الإمبراطورية العثمانية، ذات الأمجاد الغابرة، حيث النظام طوّع علمانيته وأنتج مزيجاً من الصوفية الدينية والرأسمالية الصاعدة. ينتقل الإمبراطور إلى العراق، مسرح الحرب في وسط عربي حيث نزاع الحضارات وغياب العلمانية إضافة إلى مزيج من سلفية متطرفة تنتج الإرهاب مع رأسمالية عاجزة عن النهوض. يرحبون بالانتخابات هناك، ويرفضون نتائج الانتخابات هنا. يقبلون الصوفية ويرفضون السلفية. وربما لعبوا ورقة الصوفية في وجه السلفية.
منذ أشهر نشرت مجلة فورين أفيرز نقاشات بين أكاديميين أميركيين حول القرن الواحد والعشرين، وكيف أنه سيكون عصر صراعات الإثنيات. وفي الأشهر الأخيرة تدارست أوعية التفكير الأميركية فكرة التركيز على الصوفية الإسلامية كي تحل مكان السلفية.
نقرأ حول الإستراتيجيات الإمبراطورية، ليست النقاشات الأميركية حولها سرية إلى حد كبير. ولا يستطيع أي منا الإدعاء بمعرفة القرارات التي اتخذتها الإدارة الإمبراطورية أو سوف تتخذها في هذا الصراع أو ذاك على الكرة الأرضية.
لكن ما نعرفه يكفي للقول، مع تأكد كبير، بأننا مسرح لحروب حالية، وحروب قادمة، وأن دولنا معرضة لتفكك، وأن الاستقرار في منطقتنا العربية يتعرض للاهتزاز، وهو مهتز فاقد القدرة، على كل حال. ونحن متأكدون أن الحرب العالمية على الإرهاب تستهدفنا كأمة وكمجتمعات، وتستهدف معظم ما نعتبره مطالب محقّة. ونحن متأكدون أيضاً أن إسرائيل سوف تشن حروباً أخرى، وأن هذا العدو يكفي بما لديه من عدة ودعم.
ونحن متأكدون أيضاً أنه لا يلزمنا المزيد من الأعداء وأننا قدمنا كل ما عندنا من أجل السلام. يبقى على الإمبراطور أن يفعل شيئاً جدياً من أجل السلام. لن يستطيع ذلك دون أن يكبح جماح إسرائيل. إذا كان الإمبراطور لا يدرك مركزية المسألة الفلسطينية في وعي كل عربي وكل مسلم وكل مسيحي في المنطقة، فإن كل شيء آخر يدركه لا قيمة له لدينا، ولا قيمة له حمل المنطقة نحو السلام بما لا يستدعي حرباً عالمية ضد الإرهاب.
منذ أشهر عقد مؤتمر حوار الحضارات في نيويورك بطلب من ملك عربي. الآن يأتي الإمبراطور ليضع الكرة في ملعبنا. يحدثنا عن أمجاد إمبراطوريات اختفت، يغفل أن الجميع لهم تاريخ، وأن التاريخ حافل بالأمجاد لكل أمة. لكنه يعرف كما يعرف الجميع أن الماضي لا يصنع الحاضر، ولا الحاضر يصنع المستقبل. إن ما يصنع الحاضر والمستقبل هو السياسة، أي القرارات التي يتخذها الأقوياء الذين بيدهم الأمر.
يكرر الدارسون الأميركيون أن قوة إسرائيل في أميركا ليس سببها جماعات الضغط أو ما دُرج على تسميته اللوبي الصهيوني في أميركا، بل سببها المعتقدات الشائعة لدى الأميركيين والتي تجعل الإدارة والكونغرس الأميركيين يستجيبان لمطالب إسرائيل والصهيونية.
ليست الكرة في ملعبنا بل في الملعب الأميركي. لقد فاز أوباما بانتخابات وعد فيها بالتغيير، في واشنطن أولاً. لم نرَ أثر هذا التغيير على منطقتنا العربية بعد، فهل يعجز عن التغيير، أم علينا أن ننتظر؟
10/04/2009
Page 8
لمصلحة من؟

الواحد منا يحمل في الداخل ضده. هكذا قال الشاعر مظفر النواب منذ أربعين عاماً. هكذا صرنا. تشتت الوعي، لم تعد لنا مطالب. أدرجت أهداف أمتنا في برنامج الحرب العالمية على الإرهاب. كانت العروبة وفلسطين ومطالب العيش الكريم مطالب وأهدافا لمجتمعاتنا العربية. صادرتها حرب الإرهاب.
مطلوب منا أن نخضع لما يراد لنا. خضعنا؛ أصبحنا نحرص على الاستقرار، استقرار الأنظمة، أكثر من حرصنا على الحرية والتحرر والعدالة. صرنا نخاف من أي تغيير في الأنظمة لأننا نتوقع أن يحل بنا ما هو أسوأ من سلطات القمع والإذلال والانحطاط الخلقي. صرنا لا نحرص على شيء سوى البقاء. البقاء دون المعنى والمغزى والمطلب والهدف ينحدر بأي إنسان وبأي جماعة بشرية إلى ما دون الإنسانية.
ينتصر الشرق الأوسط الجديد على العروبة. تتحدث النخب عن أمجاد الإمبراطوريات الأخرى، العثمانية والإيرانية، إلا عن الذاكرة التاريخية لأمتنا العربية. تلتقي الأنظمة العربية في الاجتماعات الدورية للجامعة العربية. لا تفعل شيئاً سوى الصراع على السلطة أو الاتفاق على تنظيم الاختلاف. كأنه يراد لنا أن لا نرى في العروبة إلا فساد الأنظمة وانحطاط المجتمعات، وأن لا نرى في الآخرين إلا المجد والعظمة أو بقاياهما. كأنه لا يراد لنا إلا أن نرى في أنفسنا محور الشر، وفي كل ما عدانا محور الخير. ثنائية بوش تكرر نفسها؛ تكرر نفسها هذه المرة في وعينا.
يراد لنا أن نلغي السمع والبصر، وأن نصدق ما يقال لنا، وأن لا نستخدم عقلنا، وأن لا نقاوم الأفكار التي تطرح علينا، وأن نرجئ أنفسنا بأنفسنا، وأن نمارس القمع الذاتي، بالأحرى الانقماع الذاتي. القمع بوسائل العنف تمارسه من الخارج الأجهزة الأمنية، والسلطات الداخلية والخارجية. القمع الذاتي يمارسه الفرد ضد ذاته، والجماعة ضد نفسها، بعد أن يجرّد الفرد وتجرّد الجماعة من القضية، القضية التي لولاها يفقد الجميع المعنى والمغزى للحياة البشرية. مع مرور الزمن يصبح القمع حالة طبيعية، ويصير القمع الذاتي، الانقماع الذاتي، تجاوباً تلقائياً مع الطبيعة.
قبل الوصول إلى الحالة «الطبيعية» يراد التأكد من أنه تم تشكيل غريزتنا الجديدة. والتأكد بأن الغريزة القديمة قد أبيدت. قامت الغريزة القديمة على مطالب محورها فلسطين، العروبة، التوحد، العدالة الاجتماعية (كانت تسمى اشتراكية) التحرر، العيش الكريم. لا حياة ذات معنى دون كرامة. حاولنا كثيراً تحقيق أي من هذه الأهداف دون فلسطين. استحال علينا الأمر. فلسطين لا تتركنا. تلاحقنا أينما ذهبنا. لم يفدنا توقيع أوسلو والاستسلام، ومستلزمات الاستسلام اللاحقة. يراد أن يكون الاستسلام الكامل حالة طبيعية، وأن يكون الرضى بذلك غريزة جديدة، غريزة ليس فيها من التاريخ، والذاكرة التاريخية شيء.
لم يبقَ من تاريخ العراق شيء. أبيد من الذاكرة العباسيون وصولاً إلى سومر وآكاد. يباد الفاطميون في مصر وصولاً إلى الفراعنة. يتغنى الجميع بالإمبراطوريات الأخرى. بأمجاد العثمانيين وإمبراطوريات الساسانيين والأخمينيين. بأمجاد من حكم هذه الأرض من خارجها وليس من داخلها. لا قيمة لهذه الأرض إلا أن تكون في إسرائيل، وما تبقى من الأراضي المحيطة يكرس لخدمة إسرائيل. أقصر الطرق إلى ذلك هو الإمعان في التجزئة، كأنه لا يكفينا التجزئة التي نتجت عن سايكس بيكو والحرب العالمية الأولى. يجب أن تدفع ثمن الحرب العالمية الثانية من خلال حرب عالمية أخرى تسمى حرب الإرهاب التي تشنها الإمبراطورية. حتى الإمبراطورية، لا تدري أن هذه الحرب الأخيرة لا تخدم إلا إسرائيل وعصابة القتلة التي تتربع على عرشها بانتخابات ديمقراطية. وكل انتخابات إسرائيلية تجيئنا بحكومة أكثر تطرفاً.
تعاد تربيتنا، جيلاً بعد جيل، كل من قاتل إسرائيل من أجل فلسطين يعاقب، كل من تذكّر فلسطين يعاقب، كأن إغلاق المعابر إلى فلسطين يفيد في إمّحاء الذاكرة. كل من يضع فلسطين في إطار عربي يعاقب. تنزل العقوبة علينا بالإعلان والإعلام، بالثقافة والتعليم، بالأجهزة والتحقيقات، بالشرطة وبالجيوش، بالقضاء الواقف والقاعد، بالعنف والحرب. إن لم ينفع العنف الداخلي، يأتينا العنف من الخارج. إن لم تكن حرب الاحتلال الآتية من الخارج مجدية، ينتجون لنا حرباً أهلية في الداخل، عندنا من التنوع ما يكفي لإضرام أية حرب أهلية. صحيح أن التنوع أساس للسياسة. عندنا تلغى السياسة. يصير التنوع أساساً للحرب الأهلية.
يظن البعض أن الحرب الأهلية تدور حول فلسطين. الأصح أن الحرب الأهلية هي من أجل أن ننسى فلسطين. هي حرب حول الذاكرة. ذاكرة شعوبنا قديمة قدم التاريخ، التاريخ بدأ وترعرع في هذه المنطقة وهو الآن عبء عليها.
الحرب الأهلية من أجل أن ننسى فلسطين هي حرب عربية عربية، وعربية إسلامية، وإسلامية إسلامية، حرب على الحدود بين الأقطار العربية، وحرب من أجل السلطة في كل مكان ومن أجل الولاية في كل مكان، بين ولاية الفقيه وولاية وريث العرش يختلط الديني بالسياسي. وتُضرم الحرب بمقدار ما يختلط الأمر علينا. لا غرابة في أن يختلط الأمر علينا عندما يكون المجال العربي زاخراً بالقواعد الأجنبية والسفارات الكبرى والأساطيل التي تمخر البحار والطائرات الجاهزة للانطلاق والرؤوس النووية التي تهدد البقاء، ووكالات الإعلان والإعلام التي تعيد تشكيل وعينا.
من خلال كل ذلك ننسى أو نتجاهل أن هناك من اغتصب فلسطين وطرد أهلها، وأن هناك إمبراطورية تدعمها منذ قيامها وقبل ذلك، وأن هناك من الدول القريبة والبعيدة من يتلاعب بالقضية، وأن القوى العظمى تتلاعب بالجميع. من بيده القوة يتلاعب بالآخرين. يراد لنا أن لا نرى العدو الحقيقي كي ننسى القضية.
في الحرب الأهلية لا تنتصر القضية، بل ينتصر أعداء القضية، أعداء القضية معروفون، لا نريد أعداءً جدداً، وليس في مصلحتنا اختراع أعداء جدد. تتصارع أنظمتنا على السلطة، تعميها السلطة عن كل قضية. لا ترى أن السلطة الفعلية ليست بيدها ولن تكون كذلك إلا متى تصالحت مع أمتها وانضوت في صف قضيتها.
إذا كان حفظ الأمن هاجس الأنظمة، فإن سلامة المجتمعات العربية من الحروب الأهلية هي هاجس الناس. لا ينكر أحد على الحكام العرب هاجسهم الأمني، بل إن معظم الناس يفضلون بقاءها خوفاً مما بعدها، خوفاً من الحروب الأهلية القادمة نتيجة الهشاشة السياسية والمجتمعية التي أنتجتها هي.
لكن الجمهور العربي يدرك أن ما يجري من اكتشاف شبكة في هذا القطر أو ذاك تعمل لحساب هذه المقاومة أو تلك، يأتي لا من باب الحرص على النظام أو المجتمع، بل هو استجابة عملياتية لمتطلبات الأمن الإسرائيلي والإمبراطوري، هو القسط الذي يتوجب دفعه على كل نظام عربي منخرط في الحرب على الإرهاب، وهو معاقبة كل مقاومة وإنتاج كل حرب أهلية وتحويل كل مطلب عربي إلى نوع من الإرهاب.
عمل البعض على تقديم مجرمي حرب غزة من القادة الإسرائيليين إلى المحاكم الدولية، فإذا بنا نرى المقاومات العربية توضع أمام المحاكم العربية.
17/04/2009
Page 9
خافوا على العنصرية!

وصف الرئيس الإيراني إسرائيل بأنها دولة عنصرية في مؤتمر دوربان 2، فانسحب ممثلو أوروبا احتجاجاً. في اليوم نفسه كان النقاش حامياً على محطات التلفزة الأميركية حول مصافحة الرئيسين أوباما وتشافيز. كثير من الأميركيين رأوا في المصافحة إهانة للكبرياء الأميركية؛ لم يقل أحد إن يد الرئيس الأميركي تنجست من الملامسة، لم تكن هناك حاجة لقول ذلك، إذ العنصرية واضحة في الموقفين.
في العنصرية تنقسم البشرية إلى أعراق أو عناصر منفصلة ينقطع الوصل بينها بالغلبة والقوة حتى ولو كانت الجماعات متجاورة أو متداخلة. ويعتقد الغالبون أنهم متفوقون على المغلوبين، وأن غلبتهم طبيعية، وأنها تعود إلى نظام الكون. يخترعون طبائع وجواهر لكل جماعة ويفترضون أنها هي سبب الغلبة أو الخضوع، وإذا حدثت الغلبة بسبب التقدم والحداثة، فإن ما يتمتع به الغالبون من تقدم وحداثة يعود في نظرهم إلى طبيعتهم، فيعادلون الظواهر الثقافية بالظواهر البيولوجية (الطبيعية). وما من فرد إلا وهو مضطر إلى السلوك حسب «طبيعته» الثقافية - البيولوجية الجماعية؛ لذلك يفرضون العقوبات الجماعية متى خالف فرد من الجماعة المغلوبة القوانين أو السياسات التي يقررها الغالبون. السلوك الفردي، في نظرهم، هو سلوك جماعي في آن معاً: الجينات البيولوجية هي نفسها «جينات ثقافية»، من خرج سلوكه على ما هو متوقع، يعاقَب الفرد والجماعة.
طبقت إسرائيل كل ذلك وأكثر. لم تكتفِ باستيراد شعب كي يحل مكان شعب آخر، بل طردت هذا الآخر وفصلت ما تبقّى منه ووضعت بين الاثنين جداراً عازلاً، جسدته بالإسمنت مؤخراً في ما سُمي جدار الفصل العنصري. طبقت إسرائيل على كل من الشعبين قوانين مختلفة، فهذا شعب يستحق الوجود كما يشاء وذاك لا يستحق الوجود إلا كما يراد له كشعب لاجئين في الشتات على أرضه وفي بلاد الله الواسعة.
تجاهلت الصهوينية وجود الشعب الفلسطيني على أرضه قبل تأسيس دولة إسرائيل وبعده. غريب أن العبقريات اليهودية لم تتوقع أي نوع من المقاومة دفاعاً عن الأرض وساكنيها «الأصليين». في كل مرة ظهرت مقاومة خلال عشرات السنوات الماضية كانت إسرائيل تنزل العقوبات الجماعية بالشعب الفلسطيني وبالشعوب العربية؛ وأحياناً كانت العقوبات الجماعية تتطور إلى حروب ضد العرب كجماعة وأمة. في كل ذلك تناوبت دول الغرب على الدعم والتسليح، وعلى إدانة الفلسطينيين والعرب. مع دول الغرب وقفت شعوبه المدجّنة التي مارست اللاسامية سابقاً، واستمرت في ممارستها المعادية للعرب بتعابير أخرى. هذه المرة يحتضن الغرب اليهود ويمارس العداء للعرب. لكن العداء للعرب لم يقونن في الخطاب الرسمي والجزائي الدولي كما قوننت اللاسامية. وهذا أعلى أنواع العنصرية.
وبالطبع، غابت الولايات المتحدة وإسرائيل كالعادة عن المؤتمر. لكن ممثلي الدول الغربية نظموا عمليات انسحاب مفتعلة من الجلسات. حين ينسحب بعض المؤتمرين ينقطع الحوار. غريب أن دولاً في أعلى مستويات الديموقراطية والحوار داخل مجتمعاتها تمتنع عن الحوار مع ممثلي شعوب أخرى. بدل الحوار، تعلن أحكاماً مسبقة على هؤلاء الآخرين، الذين يفترض بهم أن يخضعوا للنماذج الذهنية التي يفرضها الغالبون، وإن لم يخضعوا فإنهم يعاقبون بشكل أو بآخر. الأهم من ذلك أن إدانة الصهيونية بالعنصرية لا تطال إسرائيل وحدها، بل إنها تطال الغرب بمجمله. فالصهيونية هي وليدة الإمبريالية الغربية التي مارست خلال القرنين الماضيين أشد أشكال العنصرية ضد كل الشعوب غير الغربية.
من يدرس التاريخ لا يفاجأ بما حدث في مؤتمر دوربان 2، الذي عقد في جنيف. في القرن التاسع عشر، وبعد ما يسمى الثورة الصناعية، حدثت فجوة كبرى في التقدم الاقتصادي والعسكري بين أوروبا الغربية وبقية العالم. سيطرت أوروبا الغربية على العالم وتقاسمته. لم تعتقد البلدان الغربية الإمبريالية أن هذه الفجوة مؤقتة، وأنها حصيلة ظروف تاريخية تتغير باستمرار. وهي تتغير الآن انطلاقاً من آسيا الشرقية ولصالحها، كما يبدو من آثار التقدم الاقتصادي السريع الذي تحرزه بلدانها والذي يشمل بلداناً أخرى في أميركا اللاتينية. اعتقدت أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر أن ما أحرزته من غلبة هو أمر أبدي؛ سحبت وضعها الراهن آنذاك على الماضي السحيق وأعادت كتابة التاريخ، واعتبرت المستقبل ملكاً لها. تباهت بالغلبة وتقاسمت مناطق العالم تقاسماً سمي إمبريالية. كانت الإمبريالية تجسيداً عملياً لعنصرية غربية قامت على الفصل بين الثقافات والغلبة العسكرية والاعتقاد بالتفوق. ميّزت بين الغرب وما عداه، وبين مواطني الغرب ومن عداهم، واعتبرت أن كل ما هو غربي هو الأرقى والأرفع منزلة والأكثر استحقاقاً للاحترام. طبّقت معايير مختلفة على البشر والمواد المنتجة من كل من الغرب وما عداه.
من رحم الإمبريالية ولدت الصهيونية في القرن التاسع عشر. أسست الصهيونية دولة إسرائيل التي كانت من جملة الدول التي رسمت حدودها الإمبريالية في القرن العشرين. الإمبريالية هي الرأسمالية في مرحلة من مراحل تطورها. والآن، يظن الغرب الرأسمالي بأنه يطهر نفسه من العنصرية الإمبريالية بأن يحصرها في مكان واحد على الكرة الأرضية. من مفارقات التاريخ أن هذا المكان هو الأرض العربية وشعوبها المنهكة بالدكتاتوريات التي يدعمها الغرب، والحروب التي يموّنها الغرب بالسلاح، والإيديولوجيات الأصولية التي نعرف مصدرها، والتخلف الذي لا نعرف من نسأل عنه. هذه المجتمعات المنهكة هي النقطة الأضعف في العالم، وهي التي يمارس فيها الغرب ما تبقى له من غلبة وسيطرة، وهي التي يمارس فيها الغرب عن طريق الصهيونية أبشع أنواع العنصرية.
إن مشكلتنا مع الاحتلال الإسرائيلي، هي مشكلتنا مع العنصرية، هي مشكلتنا مع الإمبريالية الرأسمالية. وهذا ما لم يشأ ممثلو الغرب في هذا المؤتمر مناقشته، فافتعلوا الانسحاب المسرحي.
في خضم حروبنا الأهلية العربية العربية والعربية الإسلامية والإسلامية الإسلامية، يتوجب علينا أن نأخذ بعض الوقت للحوار الجدي والنقاش في المسائل والإشكاليات التي لا يراد لنا الخوض فيها. وهذا واجب النخب الثقافية قبل أي شيء آخر.
24/04/2009
Page 10
وبــاء

ينتشر الوباء مع فقدان المناعة. تتلاشى المناعة مع سوء التغذية. ينتج سوء التغذية عن الفقر. الفقر هو ما تنتجه الرأسمالية بأعداد متزايدة في فترة أزمته. عند الانهيارات المالية والاقتصادية يزداد الفقراء فقراً، ويزداد عددهم، ويزداد الأغنياء غنًى وينخفض عددهم.
في العصور التي قبل الرأسمالية، كانت الأوبئة تنتشر في أعقاب قحط وانخفاض المحاصيل أو في أعقاب حروب مدمرة، حيث تأخذ الطبقات الرفيعة والدولة من إنتاج الفلاحين ضرائب عالية لا يبقى بعدها للفلاحين ما يسد الرمق. لا ننسى أن في تلك الأيام كان الفلاحون في أحسن الأحوال يعيشون متوسط أعمارهم بين 30 و35 عاماً. بينما كان القادة والكتبة ورجال الدين والأمراء بجميع أشكالهم يعيشون أكثر من 65 عاماً كمعدل.
حتى عندما كانت الأوبئة تنتقل من أمكنة بعيدة، فإنها ما كانت تلاقي انتشاراً إلا في بيئات انخفضت فيها المناعة نتيجة سوء التغذية وارتفاع الضرائب بما يترك للفلاحين ما لا يفي بحاجاتهم الغذائية. هذا ما تحدثنا به كتب التاريخ.
الآن، ينتشر الوباء من المكسيك إلى الولايات المتحدة، عبر الحدود، ومنها إلى أوروبا وبقية العالم مع وسائل المواصلات السريعة (الطيران). تعلن الإدارة الأميركية ومنظمة الصحة العالمية، وغيرها من الدول والمؤسسات حالات طوارئ، رغم أن عدد الإصابات ما يزال قليلاً. يبدو أنهم يعرفون حالة الناس الفقراء أكثر مما يعلنون، وأكثر مما نعرف نحن، القراءَ العاديين. فما نعرفه هو فقط ما يصل إلينا من الجهات الرسمية الحاكمة.
من الجار الفقير للولايات المتحدة من المكسيك يأتي الوباء، وقبله جاء المهاجرون للعمل بأجور ضئيلة، وجاءت المخدرات، وجاءت العصابات المسلحة. يقال إن الوباء الآتي من المكسيك ترعرع في مزرعة كبيرة للخنازير تملكها شركة أميركية كبرى؛ والمعروف أن المهاجرين يحتاجهم الاقتصاد الأميركي، وأن المخدرات يقبل على استهلاكها الأميركيون، فهناك طلب عليها كما على الخدم المكسيكيين؛ أما العصابات المسلحة فهي موجودة على جانبي السياج الفاصل بين البلدين. الجار الفقير تلاحقه دائماً لعنة الفقر. هو مصدر الثراء للجار الغني.
ويقول أهل المكسيك إن الوباء جاء من الولايات المتحدة ويقول أهل الولايات المتحدة، إن الوباء جاء من المكسيك، كلاهما صحيح. فقد ترعرع الوباء في مزرعة كبرى تنتج صناعياً الخنازير في ولاية من ولايات المكسيك برأسمال أميركي، الشركة الأميركية اسمها سميث فيلد ومزرعتها في ولاية فيراكروز في المكسيك. ما يحدث في هذه المعامل - المصانع أن الحيوانات (الخنازير في هذه الحالة، ويمكن أن تكون الطيور وأي مخلوق آخر في المزرعة الرأسمالية الكبرى) تتوالد ميكانيكياً وتنمو بالتغذية الإجبارية تحت ظروف تعذيبية، حيث يوقف الحيوان بجانب الآخر ولا مهمة له سوى أن يأكل ويفرز، وهو واقف بجانب الآخر في ظروف حارة تنتج الإرهاق الذي يؤدي إلى إفقاد المناعة وتغير mutation الجينات بين الحين والآخر. لذلك يتم التلاقي والتوحد بين جينات الإنسان والحيوانات التي كانت محافظة على انفصالها وعدم اختلاطها في الماضي. فهل تنتج الرأسمالية ظروف نقص المناعة لدى الحيوانات كما كان الفقر ينتجه في الإنسان العامل في العصور الماضية، وهل يؤدي الأمر إلى أوبئة مشتركة بين الإنسان وحيواناته المنتجة صناعياً؟
في عالم التقدم البيولوجي تُجري المختبرات تجارب على الخلايا الجذعية لأغراض «علمية». تبقى التجارب علمية حتى إشعار آخر، وتصير تجارية بعد ذلك. تعدَّل الحيوانات والنباتات جينياً من أجل زيادة الإنتاج وزيادة الربح للشركات التجارية التي تملك المختبرات وتشرف على الأبحاث العلمية. كل ذلك باسم عالم جديد شجاع.
صحيح أن العالم الجديد شجاع في اكتشافاته وتطبيقاتها، لكنه عالم جبان شديد النمطية في الاستهلاك لدى معظم الناس. لا يستهلك الإنسان في هذا العالم إلا ما هو على الموضة، سواء كان الموضوع لباساً أو مأكلاً أو مركوباً أو فناً أو رقصاً أو غير ذلك. يستهلك الإنسان ما يسوَّق له عبر شركات الإعلان. ما يسوَّق له يقرر حاجاته، ويقرر أيضاً كيفية تلبية هذه الحاجات. يصير الإنسان الحر الطليق المستمتع بالديمقراطية والسفر والخيارات الأخـرى، أشـبه بالحيوانات المنتجَة صناعياً وجينياً.
يتلاشى العالم القديم، لم نعد نعرفه إلا من خلال الكتب والوثائق. نستخدمه لاصطناع الهُوية فقط. يدجننا العالم الجديد، تخضعنا القوى المسيطرة على العالم الجديد. نخضع لها بإرادتنا، لأن هذه القوى تصنع إرادتنا. نتساوى في العالم الجديد ونتشابه ولا نختلف إلا في ما يراد لنا أن نختلف فيه. حتى الهُوية القابضة تراد لنا. إذا كان كل منا متعدد الهُويات، حتى إشعار آخر، وتعدد الهُويات هو أساس الحرية، فإن ما يراد لنا هو الاقتصار على هُوية واحدة تقبض على الهُويات الأخرى وتلغيها، أو تضمها ولا تفرج عنها إلا حين اللزوم. يفقد الإنسان تعدديته في ذاته، يفقد حريته، ويصير ذا بعد واحد. الإنسان ذو البعد الواحد جرى التنبؤ به على يد المؤلفين منذ خمسة قرون، والعالم الجديد الشجاع جرى التنبؤ به منذ أكثر من ثمانية عقود.
العالم الجديد الشجاع، حيث الإنسان ذو بعد واحد، هو عالم الرأسمالية المجنونة التي تنتج الأزمات، الواحدة بعد الأخرى. وبعد كل أزمة تأخذ الإنسان إلى هاوية جديدة يتدافع إليها الجميع كما البقر العطشى في أفلام الغرب الأميركي. في هذه الأفلام يتدافع البقر وراء السراب، وهي لا تدري أن السراب هاوية تقع فيها.
01/05/2009