eKtab
EN ع
في مهب الثورة (2)
Read free sample

في مهب الثورة (2)

by الفضل شلق

Page 1

مقدمة

على مدى سنوات، تابعت في هذه المقالات الأسبوعية، مجرى الثورة العربية. وكان لي شرف الانحياز إلى الشعوب العربية في مواجهة حكامها. وكان لي شرف المغامرة بتحليلات ومواقف تعبّر عن هذا الانحياز. أهم مما يجري على صعيد السلطة هو ما يحدث لدى الجماهير العربية التي كسرت حاجز الخوف وخاضت في السياسة عبر ميادين التحرير. الحكام العرب صاروا الخائفين والمذعورين عن شعوبهم.

ما زالت النخب الثقافية العربية منقسمة حول الثورة. بعضهم ينكر عليها هذا الوصف، فهي تحتاج بنظرهم إلى برنامج وقيادة. يقال إن الثورة تأكل أبناءها. ربما كان الأصح القول إن الثورة تخلق أبناءها، تخلق البرنامج والقيادة. في البرنامج المسبق قيد، وفي انعدامه حرية. يؤدي الانعتاق إلى عدم استقرار، بل ربما إلى حروب أهلية كالتي نشاهدها في العديد من الأقطار العربية. لكن هذا هو ثمن الحرية.

يمكن أن تتخلى الطبقة (أو الطبقات) المسيطرة عن هويتها بوسائل تلقائية، لكنها لا تتخلى عن سلطتها بالإكراه.

منذ سبع سنوات أخذت قراراً صعباً ربما فرضته الأحداث عليّ. اخترت أن أكتب مقالاً أسبوعياً مفضلاً ذلك على أن أكتب مطوّلات تنشر في كتاب أو كتابين، بحسب ما يتوافر من الوقت الذي بقي لي من الحياة بعد التقاعد. في المقال الأسبوعي مغامرة، أنت مضطر للكتابة في وقت محدد، وذلك لا يترك مجالاً واسعاً للتفكير. وفي كتابة مجلد متماسك هناك مجال أوسع للتنقيح وتصحيح الأخطاء، سواء كانت فكرية أو مطبعية. في المقال الأسبوعي، لا مجال للتشاور قبل الصدور، وفي ذلك مغامرة . أنت مضطر للكتابة تحت ضغط الوقت والأحداث. لا مجال لديك للتأمل إلا بقدر ما يسمح لك الوقت المحدد لإصدار الصحيفة.

كنت خارجاً تواً من تجربة مرة في عمل أحببته وهو: الإعمار لمصلحة بلدي الذي يفترض أنه كان قد خرج من الحرب الأهلية في العام 1989، لكن كان لا يزال مصراً على نهج مسلك النزاع الطائفي بعد أكثر من عشرين عاماً. وكنت بين فترتي عملي في الإعمار قد عملت في رئاسة تحرير صحيفة يومية. وما استهواني العمل الصحافي، اعتبرت أنني لم أوجد من أجله. مهنتي الأصلية والسابقة هي الهندسة الميكانيكية. لا أعتقد أنني فشلت في عملي الهندسي والإداري، لكنني فشلت في العمل الصحافي. الفشل أو النجاح لا تختاره أنت بل تهيئه لك الظروف. فكيف عدت إلى مهنة لا أجيدها؟ ربما كان الجواب هو أن الانتماء إلى قضية ما يحتم عليك التفكير والكتابة بمواكبة أحداث الشعب (أو الشعوب) التي تحمل هذه القضية. لكن القدر هيأ لي مغامرة أخرى.

بعد خمس سنوات من الانتظام في كتابة المقال الأسبوعي، انفجرت الثورة العربية وتناقضاتها، وذلك في بداية العام 2011. ما زلنا نناقش أحداث الأعوام الثلاثة الأخيرة: هل هي ثورة أم لا؟ هناك انقسامات حادة بين النخب العربية حول طبيعة هذه الأحداث. هناك من يرى أن الشروط الموضوعية اللازمة. هذا حوار بين الثقافة كمعطى والسياسة كإرادة. اضطررت لخوض غمار هذا النقاش الحاد، ولست معتاداً الحياد. كنت ولا أزال شديد الانحياز لما أعتبره قضية. لست من مؤيدي الفكرة القائلة «مشيناها خطى كتبت علينا، ومن كتبت عليه خطى مشاها»، لكن الخيار السياسي الواعي لقضايا العروبة وفقرائها لا يترك مجالاً للحياد. عندما احتلت الشعوب العربية الميادين، واقتحمت السياسة، ورفضت الاستبداد، وعبّرت عن إرادة العيش بكرامة، وأنها في طريقها إلى تشكيل أمة تنقصها دولة، وجدت أنني قد كسبت الرهان، وما كانت المغامرة هباء.

كنت في مهنتي الهندسية أحب وأفضل أخذ القرارات التي تبدو حظوظها بالنجاح 50/50 أي غير مضمونة النجاح. نجاح القرارات المضمونة سلفاً يبعث على الملل. لا معنى للحياة إذا لم تكن شبقة مضطربة، ولا أدهى من اضطراب الأفكار. ونحن الآن أمة مضطربة. وذلك يبعث على الشك، وذلك يقود إلى التساؤل، والأجوبة لا بد من أن توجد. وإذا لم توجد الأجوبة ففي الأمر ألغاز، وهذه لا ندري عنها أكثر مما أنها مسائل شديدة التعقيد بحيث تستعصي على الفهم.

الأحداث في المنطقة العربية ثورة شاملة مستمرة. وقوعها في مختلف الأقطار العربية في وقت واحد يشير إلى وحدة الوجدان لدى الشعوب العربية. تحاول القوى الإمبراطورية والأنظمة العربية (وجميعها استبدادية)، احتواءها وإن بأشكال مختلفة. أسقطت هذه الثورة الإسلام السياسي، وأسقطت الاستبداد. في مصر المعروفة بفرعونيتها وتاريخ الأنظمة العسكرية المتعاقبة، يحاكم رئيسان في وقت واحد، الأول عسكري والثاني مدني منتخب. ما زالت مصر تبحث عن مستقر لها.

أهم ما يحدث على صعيد السلطة هو ما حدث على صعيد الجمهور. لا شك في أن سلطة ما سوف تحكم، وسوف تسيطر على الدولة. وكل سلطة ظالمة. لكن الأهم هو أن الناس تحرروا. بحريتهم يصيرون شعباً. انخرطت الجماهير في السياسة، وما عاد حاكم عربي يستطيع ممارسة السلطة من دون أخذ ذلك بالاعتبار. انكسر حاجز الخوف عند الجماهير، لكن الحكام العرب هم الخائفون الآن. يخافون من شعوبهم. وهذا هو مغزى الثورة.

على مدى سنوات تابعت الأحداث العربية، عفواً الثورة العربية، وكان لي شرف الانحياز إلى لشعوب في مواجهة حكامها. وكان لي شرف المغامرة بتحليلات ومواقف تعبر عن هذا الانحياز. وكنت محظوظاً بأن تطابقت ميولي الشخصية مع المتطلبات المهنية.

Page 2
محنة الإخوان أفكارهم
 
سار الإخوان على نهج سيد قطب. ميّزوا بين الإسلام والمسلمين. فصلوا بين الاثنين واعتبروا المسلمين بحاجة إلى الهداية والأسلمة من جديد، إن لم يكن بالدعوة فذلك بالسلطة والعنف. اعتبروا المجتمع الإسلامي جاهلية جديدة فكأن جمهور المسلمين هم من الكفرة خارج الدين. اعتبروا مهمتهم الأساسية هي القبض على جميع مفاصل الدولة، بالتحالف مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، من أجل انجاز المهمة. الدين بالنسبة إليهم هو ما يعتقدونه هم، لا ما يعتقده الناس. لا يأبهون للتنوع في المجتمع ولا في التفسيرات الدينية. يضعون الفقه، فقههم هم، في مكانة الوحي؛ فكأن أفكارهم حول الدين هي ما أنزلته السماء. كل ما يحتاجونه هو التطبيق والممارسة لأفكار جاهزة. لا مكان للنظر والنظرية. تقنيات الدين والعباءة، الطقوس وأسلوب الملبس والمشرب، هي الأولوية الأولى ذاتها. الأفكار جاهزة. البرنامج منزل. ما على الناس إلا التطبيق، فيما يتعلق بشؤون العبادة وأمور الدنيا. لا يميِّزون بين الدين والدنيا، ولا يعترفون بأن الناس أدرى بشؤون دنياهم. لأول مرة في التاريخ يُلغى الاجتهاد. يُعطَل العقل لمصلحة النقل، والنقل يأتي عن طريقهم. هناك طريق واحدة للاتصال بالسماء لا يعرفها أحد غيرهم. يحتكرون القنوات، ويغلقون القنوات الأخرى. يتولون الرسالة بعد صاحب الرسالة. وضعوا أنفسهم مكانه. وفي ذلك ادعاء يخرجهم من الاعتقاد بانتهاء النبوات بعد خطبة الوداع: اليوم أكملت لكم دينكم.
 
حوّلوا الثورة إلى صراع هوية، صراع حول الهوية، حرب على هوية المجتمع. مهمة الحاكم في تاريخ مجتمعاتنا هي الدفاع عن الأرض وحفظ النفس والعرض والمال. مهمة الدولة الحديثة هي إيجاد الحلول لمشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الدفاع عن أرض الدولة في وجه الاعتداءات من الخارج. مهمة الديموقراطية هي جعل السلطة تعبر عن المجتمع، عن إرادة المجتمع، لا تقرير هويته. مهمة السلطة تتعلق بأسباب العيش لا بأشكال الهوية. يتجاهلون كل ذلك ويجهلون أن الهوية يقررها التاريخ، ويقررها الناس كمشروع للمستقبل. يريدون كتابة التاريخ، ولا يعرفون أن التاريخ يصنعه الناس بعملهم وجهدهم وإنتاجهم وسعيهم.. ليس من يكتب التاريخ هو من يصنعه. وفي المجتمع تنوع، ولدى كل فرد تعدد هويات. يريدون فرض هوية واحدة على المجتمع. في ذلك قسر وإكراه. فرض هوية واحدة على المجتمع يقود إلى الحرب الأهلية، وقبل ذلك نظام توتاليتاري يفتت المجتمع. حكم الطغاة لا يوحد المجتمع، بل يفتته ويكسّره، لأنه يمنع إمكان العيش معاً بالسياسة والفهم والتفاهم المتبادل. التنوع واقع أنتجه التاريخ، وتطور المجتمع، ولا يلغى بسلطة مهما كانت ديكتاتورية وتوتاليتارية. صراع الهوية هو في كل الظروف والأحيان حرب على المجتمع. توحيد الهوية حرب على المجتمع. لا ينتج توحيد الهوية إلا بوسائل العنف. يتوحد المجتمع بالسياسة ويتفتت بالاستبداد والإكراه. يتوحد المجتمع بالتسوية بين الهويات.
 
العنصرية هي الوجه الآخر للتكفير وفرض الهوية. لا تحتاج العرقية إلى أعراق كي توجد. العنصرية والعرقية تعبيران عن شيء واحد يتلخص في اعتبار المجتمع منقسماً بين «نحن» و«هم». نحن الذين على صواب وامتلاك الحقيقة؛ نحن النبلاء؛ وهم الأرذال والآثمون والمخطئون. أصحاب الفضيلة في مواجهة أصحاب الرذيلة. وما يقرر أفعال الفضيلة أو الرذيلة ليس الإرادة بل «الأصل». في هذه الحالة الأصل هو ما يُفترض أن يكون الدين والمعتقد اللذين يأخذان مكان الجينات البيولوجية. يتكون «عرق» الإخوان المسلمين على أساس ديني أصولي. هم يعتبرون أن لديهم أصل الدين. الأصل جذر يقرر الجذع، والجذع يقرر الأغصان. الأصل سابقة تقرر النوازل اللاحقة. كان الأصل لدى الإخوان المسلمين، قبل سيد قطب يتعلق بالعبادات لا بالمعاملات، صار يتعلق بالعبادات والمعاملات. يتوقف التاريخ. يبطل التطور. نهاية التاريخ ليست نظرية إمبراطورية وحسب؛ هي أيضاً نظرية توابع الإمبراطورية.
 
عند أصحاب النظريات العنصرية، الرذيلة ليست خروجاً على المألوف بل هي جريمة لا يتحمل الفرد المرتكب مسؤوليتها بقدر ما تتحملها الجماعة التي ينتمي إليها هذا الفرد، أو يفترض أنه ينتمي إليها. يتحلل الفرد من المسؤولية، لا يعود مسؤولاً عن أفعاله، تحمل جماعته المسؤولية. ما يبدأ تسامحاً يصير جريمة جماعية، قتلاً جماعياً، إبادة جماعية. يستوي الكذب والصدق مع المماهاة بين الجريمة والرذيلة. تتلاشى الأخلاق. يصبح الدين غير ذي قاعدة. بدل أن يكون الدين تنظيماً للأخلاق، يصير على أيدي هؤلاء خطراً عليها.
 
السياسة عندهم ليست غاية بل وسيلة. الأمة وسيلة. الشعب وسيلة. الديموقراطية مسألة تقنية. الناس أدوات لتنفيذ برامجهم المسبقة. لا يهمهم تمكين المجتمع بمقدار تمكين جماعتهم. قيل إن تمكين جماعته برنامج سري وضع منذ سنوات.
 
السؤال هو: هل يستطيعون إدارة شؤون الأمة في القرن الواحد والعشرين بأدوات ذهنية يكون فيها الاستبعاد والتكفير، والعرقية والعنصرية، وصراع الهوية، وبقية الأفكار الرديئة الباقية من بدايات القرن العشرين؟
 
4/1/2013
Page 3

ثورة، لا فقاعة ولا انقلاب

ليست الثورة العربية فقاعة، بالمفرد أو الجمع. الثورة هي حركة الناس ضد المنظومة السياسية العربية. الثورة تتجدد منذ قرنين من الزمان وهي مستمرة. المنظومة السياسية العربية تشكلت منذ 1947 حين تم إنشاء الجامعة العربية. كادت المنظومة العربية أن تسقط على يد المد الوحدوي العربي، أيام عبد الناصر. أعيد تشكيل هذه المنظومة بانقلابات أو فقاعات أدت إلى تحالفات غريبة بين أنظمة كادت تكون ثورية وتقدمية واشتراكية ووحدوية قبل أن تنحاز إلى قوى رجعية تحكم أنظمة النفط العربية، التي تدعمها القوى الإمبريالية.

كان إنشاء أنظمة الاستبداد وسيلة لتدعيم دول النفط العربي بإشراف إمبريالي، ولتشتيت قوى المجتمع العربي وتفتيتها، وتعمية الوعي، وتعميق حالة التبعية للخارج. قوى الاستبداد التي تسقط في هذه الأيام كانت شكلاً من أشكال إعادة ترتيب أوضاع الإمبراطورية. نشأت دول الاستبداد هذه نتيجة انقلابات واغتيالات، منذ أربعين سنة. وقد قال أحد قادة انقلاب البعث في العراق في العام 1963: «لم نكن ندري أننا جئنا إلى الحكم بعربة تجرها خيول أميركية».

كانت الجامعة العربية في الخمسينيات أحد مسارح الصراع بين قوى التحرر والقوى الرجعية، إلى أن انتصرت الأخيرة وصارت الجامعة منظومة دول استبداد من الخليج إلى المحيط. صار الأهم لدى هذه المنظومة ليس العمل العربي المشترك ولا الدفاع العربي ضد إسرائيل وداعميها، ولا حتى معارضة تفتيت أقطار عربية، بل صارت ذراعاً لوزارات الداخلية التي مارست القمع والتعذيب في كل مكان، لحسابها ولحساب دول الغرب الإمبريالي. كان المعتقلون العرب في الغرب يُعاد تصديرهم إلى بلدان عربية للتعذيب، الذي يعتبر ممنوعاً قانونياً في الغرب.

طال أمد الاستبداد حتى خيّل للكثيرين أنه سيدوم حتى الأبد. مع مرور الزمن ينقطع الحاكم عن شعبه، ينسى أن الظروف صنعته، وأن التاريخ سلسلة تطورات تنبع من أعماق المجتمع أيضاً. مع مرور الزمن تنقطع صلة الحاكم المستبد بشعبه؛ يظن أنه هو صانع إرادة شعبه. بالطبع يستطيع أي نظام أن يشكل كتلة من الأزلام الغوغاء. يظن الحاكم أنهم هم المجتمع، خصوصاً عندما يهتفون له بالروح ويفدونه بالدم.

يصير النظام شمولياً عندما يخلط الحاكم بين السلطة والمجتمع. يعتقد أن المراسيم والأوامر الإدارية تحرك كل شيء. في النظام الشمولي لا شيء يتحرك. يتوقف التطور. يصاب الاقتصاد بالشلل. وقد سقط الاتحاد السوفياتي نتيجة ذلك؛ ودون عنف في النظام النازي تم تحويل معظم المجتمع إلى غوغاء يهتفون للزعيم، فكانت الحرب العالمية الثانية، وكانت شديدة العنف كثيرة إهراق الدماء. الشعب ليس غوغاء السلطة. حركة المجتمع شيء آخر. بالإمكان مصادرة إرادة المجتمع، لكن لأمد قصير. أما فترة استبداد ممتدة لعقود ثلاثة أو أربعة فهي زمن طويل. فاشية فرانكو دامت من أواخر الثلاثينيات حتى موته في بداية السبعينيات؛ وظهر بعدها أن المجتمع الإسباني كان غير ما أراده فرانكو.

لكل مجتمع دولة. المجتمع يدوم. الدولة تدوم. تحدث الصراعات على مسرح السلطة، وفي إطار الدولة. لكن السلطة لا تستطيع مصادرة المجتمع والدولة إلى الأبد. تذهب سلطة وتأتي أخرى. الأهم ما يحدث لدى الجمهور من تغيرات. تحدث الثورة عندما يتوقف الشعب عن الخوف من السلطة. رحل الخوف من المجتمعات العربية إلى غير رجعة. مع رحيل الخوف تتساقط السلطات السياسية والدينية والأمنية. يناقش الناس أمورهم، كل أمورهم؛ يفرضون إرادتهم، ولو إلى حين. يناقشون علناً في مصر أموراً دينية وسياسية لم نكن تحلم بالتفكير فيها قبل عامين، ولم يكن المصريون يجرؤون على الجهر بها.

ما حدث في العام 2011، بدءاً من سيدي بوزيد، نقطة تحول كبير في الوطن العربي. أحداث كبرى، تحولات مفاجئة ومتتالية، انفتاح آفاق جديدة تؤدي إلى سياسات من نوع آخر. انقضى زمن الانقلابات والفقاعات. هذا زمن التحولات العربية الكبرى.

11/1/2013

Page 4

في الذكرى الثانية للثورة: كيف نفهم ما يجري؟

تحتاج الإمبريالية إلى حرب عالمية. يحتاج العرب إلى ثورة يقاومون بها الحرب. تحتاج الإمبريالية إلى أسماء مختلفة لتبرير حربها: الأولى ضد إمبراطوريات المحور من أجل حقوق الإنسان وحق تقرير المصير؛ والثانية ضد النازية والعنصرية، الثالثة ضد الشيوعية، الرابعة ضد الإرهاب؛ ضدنا وحدنا كعرب مع بعض الشعوب الإسلامية المحيطة.

الإمبريالية سيطرة بأسماء مختلفة. مهما اختلفت الأسماء، إلا أنها سيطرة شعب (شعوب) متقدمة قادرة تدير العالم، على شعوب فاقدة القوة والحيل. تحدث الثورة ضد إدارة العالم، ومن أجل الحرية؛ كلاهما واحد. يقرر الجالسون في مجلس الأمن مهاجمة شعب وتفكيك دولته فيكلفون أحدهم بشن الحرب (بالطبع ضد الإرهاب، والإرهاب عادة إسلام متطرف، ومع حقوق الإنسان) ضد شعب لم يألف بعد الدولة الحديثة التي ألقيت على كاهله بعد ثورات التحرر الوطني. يتفكك الشعب المغلوب. يقال إنه هو الملوم، فلا يستحق الاستقلال. أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، مالي، الصومال، والحبل على الجرار. لا همّ إذا كان الشعب المصاب بالجنون إرهابياً، آوى الإرهاب أم لا. هناك شعوب آوت الإرهاب ودعمته، وهي في منأى عن الهجوم. هناك شعوب يدعم الغرب العصاة فيها، وهناك شعوب يدعم الغرب رؤساءها الطغاة ضد ثوارها الميامين.

أُطلق على الإمبريالية لقب جديد هو العولمة. تغيّرت الأسماء والمحتوى واحد، نسبة التجارة الدولية إلى الإنتاج العالمي 14%، وهي لا تقل عما كانت عليه قبل 1914. انطلقت الدول الإمبريالية من مؤتمر برلين في 1884 لتقاسم العالم فيما بينها. تنطلق الحروب الراهنة من مجلس الأمن. يريد حكّام العالم إثبات سلطتهم، بالتدخل برياً وجوياً وبحرياً، هنا وهناك، ولأسباب نبيلة دائماً. أما كيف ترتبط الإمبريالية بالعنصرية وتتأسس عليها. فهذا أمر مطموس. ألم ينتخب الأميركيون رئيساً أسود اللون في وقت يُتهم العرب والمسلمون بالإرهاب؟!

أما تناقضات الإمبريالية ونفاقها المزمن فأمر مسكوت عنه. في الهند سلاح نووي تدعمه الولايات المتحدة. في الباكستان سلاح نووي مسكوت عنه، غير أن الإرهاب الإسلامي فيها غير مسكوت عنه. في إيران سلاح نووي مزعوم غير مسكوت عنه. وفي إسرائيل سلاح نووي قدمته فرنسا على أيام حكومة اشتراكية فهو مسكوت عنه. في مالي، وبلاد أفريقيا السوداء المحيطة بها، يورانيوم وكثير من المعادن الأخرى، فهو ضروري من أجل السلاح النووي. لذلك لا يسكت عن «إرهابيين» إسلاميين. لا نعرف الكثير عنهم؛ لكن السكوت عنهم ممنوع.

في العالم «المعولم» أزمة مالية واقتصادية خانقة. الأزمة المالية سببها أن مصارف الدول الإمبريالية تسرق العالم. والأزمة الاقتصادية سببها أن الإنتاج ينتقل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية إلى الشرق الآسيوي. الشرق يصعد ثانية، كما هو عنوان أحد الكتب المهمة الأميركية. توافر المدخرات لدى الآسيويين نتيجة عملهم (ذوي الأجور الرخيصة) يراكم الأموال لديهم. هم مضطرون إلى تمويل الدول الغربية التي ترزح تحت الديون الآتية من آسيا. تحتاج آسيا كما أفريقيا إلى محاسبة بالقوة. يحاسَبُ الضعيف لا القوي، لأن محاسبته أقل كلفة. تدمَّر أفغانستان ومالي والصومال والعراق وليبيا، وغيرها؛ لا همّ. الحرب ضد الإرهاب هي من أجل حقوق الإنسان، من أجلنا، من أجل الإنسانية. لا يفعل الغرب الإمبريالي شيئاً إلا من أجل الإنسانية أو من هم دونها. نحن العرب دون الإنسانية، ألسنا بيئة حاضنة للإرهاب الإسلامي؟ بعض قادتنا يستعملون تعبير البيئة الحاضنة. كأن وجود الإسلام كاف كي يولد الإرهاب.

العرب أمة دون دولة. لهم دول غير شرعية، لأنها لا تنال رضى شعوبها. لا تتأتى الشرعية إلا من رضى الناس. وُضعت إسرائيل في قلب أمتهم كي يطير عقلهم ويضيع وعيهم. حدث ذلك. ثم جيء بالاستبداد كي يحبوا إسرائيل. لكنهم، أي العرب، لا يستطيعون حب أسيادهم، الغرب وإسرائيل، إذن يعاقَبوا بالاستبداد. تنشب ثورات بعد أن طفح الكيل. يأتي الإخوان المسلمون في مصر كي يحولوا المسلمين إلى إسلام آخر (أكثر اعتدالاً؟). رجل المخابرات الذي يحصي أنفاس الناس يتخذ اسماً آخر إكراماً للدين. تستمر الثورة. لم يعد العرب يطيقون ما يفرض عليهم. لا يطيقون سياسات تطبق عليهم دون إرادتهم. إرادتهم هي ما يتم تجاهله في كل ذلك. عليهم أن يتعلموا من تركيا نموذجاً يجمع الإسلام والعلمانية، ومن إيران إيجاد دولة موازية. يظن الأتراك وهم قاعدة أطلسية أنهم دولة شبه عظمى، ويسرون لذلك. يظن الإيرانيون أنهم دولة شبه عظمى لمواجهتها الغرب بصلابة، ويسرون بذلك. العرب لا يعرفون ماذا يفعلون بثورتهم. من الواجب تشتيت الثورة بواسطة الثورة المضادة، أي بواسطة ليبرالية جديدة مع مسميات جديدة، وتضطر مصر إلى رهن موجوداتها، بما فيها قناة السويس، تطبيقاً لسياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسعياً للمساعدات العربية، التي لا تأتي إلا بموافقتهما. ويسمون ذلك إسلاماً معتدلاً. يكفي أن تحب إسرائيل وتبيع موجوداتك لتصير معتدلاً في هذا النظام الإمبريالي الدولي.

Page 5

الثورة العربية، التي انطلقت في 2011 انتشرت في كل مكان عربي في وقت واحد. يبدو أن للعرب إرادة واحدة. يجب أن لا تترجم هذه الإرادة الواحدة سياسياً. الوحدة، وأفضل وحدة هي الفيدرالية، تجعل العرب أقوياء، أو تعطيهم شعوراً بالمعنى. وهو ما يجب أن لا يحدث. في بلاد العرب نفط كثير. إذن، على الإرهاب أن يكون كثيراً. إذا كانت التسويات الدولية ناشطة حول الدول العربية من أجل النفط، فعلى الإرهاب أن يكون محيطاً بهم، مع إمكانية عودته للتسلل إليهم. إذن مالي تكون مسرح حرب.

شاركت المرأة العربية في الثورة بكثافة غير مسبوقة في التاريخ؛ وأطلق الثورة جيل من الشباب الذين ما أفاقوا على الحياة إلا ورأوا أنهم وشهاداتهم العلمية لا قيمة لها؛ فهم مهمشون منذ الولادة. شارك العمال بكثرة في الثورة، وهي بدأت من عندهم. شاركت أكثرية الشعوب العربية، ومنها الطبقة الوسطى المتلاشية، بالثورة. صار واضحاً أن العرب ليسوا بيئة إلا لشيء واحد هو إرادة الحرية. ليس الأمر مهماً. تستمر الحرب على الإرهاب. تستمر محاصرة العرب بحرب الإرهاب وحرب إسرائيل.

ويستمر مثقفون عرب في حيرتهم. هل هي ثورة أم انتفاضة أم شيء آخر. يا للهول، لا تنطبق الثورة على أفكارنا وعلى النماذج التي تعلمناها في الكتب؛ في كتب الغرب طبعاً. ما زلنا نبحث في كيف حدث الأمر، وما هي الجذور. نعود إلى سلفية الإسلاميين. نبحث عن الجذور، ولا ننظر إلى النهايات، إلى الأهداف والغايات ومآلات التطور.

النظرية فكر. الثورة مشاعر. على الفكر أن يتبع المشاعر. المشاعر هي الوجود. الوجود أهم من أفكار متغيرة متطورة محتالة. الأفكار تتملص من أصحابها، أو يتملص أصحابها منها. أما الوجود فهو يقرر ما عداه. الوجود العربي ارتقى من مرحلة إلى أخرى؛ من القبول، من الانصياع لرجل المخابرات، إلى الرفض، إلى إرادة العيش الكريم. الكرامة عزيزة. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. ينشد العرب الثائرون الكرامة، وعن طريق الكرامة عيشاً كريماً. ألا يكفي ذلك؟ ربما لا. قائل ذلك يتهم بالرومانسية والفوضوية. أليست الثورة، كل ثورة، خروجاً على القانون؟ وهل بالإمكان أن تكون الثورة دون بعض الفوضوية؟

تنشأ سلطات جديدة بعد الثورة. تحكم بالقانون. القانون قيد من نوع آخر. لا بد من الخضوع للقانون. لا بد من الخضوع مرة أخرى، وإلا يكون الأمر خروجاً على المدنية. مهمة النظام العالمي فرض المدنية. أليس ذلك جوهر الإمبريالية؟

لا همّ إذا كانت هناك سلطة جديدة. الجمهور تحرر، تحرر من خوفه، تحرر من الرقيب. التحرر هو مسار الإنسانية الحقة. العرب يتحررون والثورة مستمرة. وفي ذلك فائدة للعالم.

18/1/2013

Page 6

رويدك يا صاحب السماحة

في كل مرة يُطرح الزواج المدني الاختياري كمشروع في الحكومة، يتقدم رجال الدين السنيون على غيرهم من رجال دين الطوائف الأخرى في رفض المشروع. بالطبع، يسبقهم السياسيون السنيون، فكأن المسألة الدينية الفقهية، المتعلقة بهذا المشروع، كما بغيره، تتبع السياسة؛ وكأن السياسة، أو بالأحرى الصراعات السياسية، هي التي تملي المواقف الدينية. والأحق القول إن المواقف الدينية هي مواقف سياسية يمليها رجال السياسة ويكون رجال الدين تابعين. هكذا تكون الطوائف.

جاء موقف رجال الدين السنة هذه المرة عنيفاً تهديدياً. فكأنه صدى لخطاب الرئيس المصري الأخير الذي فرض بموجبه حالة طوارئ في مدن السويس. الإسلام السياسي يكشّر عن أنيابه في وجه الشعوب العربية الثائرة. ألا يسترعي الانتباه أنه في الوقت الذي تقوم فيه الشعوب العربية بالثورة، وهي ثورة ضد جميع أنواع السلطات، بما فيها السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية، يحاول «هرِمو» هذه المجتمعات من قدماء العهود السابقة، والمستفيدون منهم، قمع المجتمعات، وخصوصاً الشباب فيها، في جانب من أهم جوانب حياتهم وهو الزواج «اختيارياً»؛ علماً بأن الشباب كانوا وما زالوا هم العامل الأهم في مسيرة الثورة. يريدون تهميش الشباب في حياتهم الخاصة بعد أن همّشتهم البطالة والفقر والهجرة في الحياة العامة.

كان خطاب صاحب السماحة فاقد السماحة. تكلم مع الجمهور بخشونة، كأنه لا يهمه القول: «إن كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».

الأهم من ذلك هو التخبّط الفقهي النظري في الخطاب. تطبيق حد الردة على ارتكاب الزنى المفترض. المعروف أن حد (عقوبة) الردة يطبق على منكِر وجود الله والرسول. لكن من يرتد يستتب شرعاً ثلاث مرات قبل الحد. يستتيبه الإمام. الإمام، كما هو متعارف عليه هو الدولة. فهل المفتي في هذه الحالة هو الدولة؟ أو هو جزء منها؟ أو هو يدعي لنفسه منصب الحكم على المسلمين؟ في المسألة أقوال عديدة واشتباهات. والقاعدة هي «ادرأوا الحدود بالشبهات».

أما اعتبار الزواج المدني زنى، فهذا أمر مشتبه فيه أيضاً، خصوصاً إذا كان اختيارياً. الزواج عند المسلمين أشبه بالعقد، مثل بقية العقود بين البشر. العقد تسجله المحاكم، سواء أكانت دينية أم غير دينية، فهي جزء من الدولة. في النهاية العقد تسجله الدولة. الصراع إذن حول الدولة؛ في أن تكون كما يريد رجال الدين أو لا يريدون. وهذا نقاش حسمه المسلمون في شتى نواحي الأرض ومنذ أقدم التاريخ لمصلحة الدولة. الدولة هي التي تتولى أمر المسلمين وغير المسلمين، أمر الشباب وغير الشباب، المتزوجين وغير المتزوجين.

الجميع يقولون بدولة مدنية. في الدولة المدنية الناس مواطنون لا رعايا. الرعايا هم الطوائف كما يُراد لهم في بلد الطوائف، لبنان. الأمة في ثورتها تنشد الحرية، الحرية هي في تحوّل الناس من رعايا الاستبداد إلى مواطنين أفراد في الدولة. المواطنون الأفراد الأحرار لهم حرية الاختيار في كل شيء، بما في ذلك عقد الزواج. حق الاختيار هو بعض الحرية.

Page 7

أما الحُرم بما يعني الاستبعاد من الجماعة (عدم الصلاة على الميت وعدم لحده في مقابر المسلمين) فهذا أمر كان من شأن كنائس مسيحية. ومن غير المعروف في التاريخ الإسلامي أنه يحق لأي كان تكفير المسلمين. كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم. قالت المرجئة إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن العقاب على المعصيات يكون في الآخرة. وقال بقية الفقهاء إن الإيمان يزيد أو ينقص، لكن فوق حد أدنى مقرر على أساس النطق بالشهادتين، ليس عند المسلمين كنيسة (لا رهبانية في الإسلام) تقرب وتبعد، وليس من حق رجال الدين إلقاء الحُرم على أي مسلم مهما كان الأمر بعد نطقه بالشهادتين.

يخال المرء أن، في لبنان، يتحوّل رجال الدين السنيون إلى جمعية «للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وهي مسألة يتبناها ويرعاها الحكم السعودي. أما في مصر، في زمن الإخوان المسلمين، فهناك محاولات غير مجدية لهذا الأمر. لا لسبب إلا لأن الإخوان المسلمين يعتبرون أنفسهم هم الدولة، وهم الذين يأمرون وينهون، وهم الذين يمتلكون السر؛ وهم الذين يعرفون إرادة الله من دون غيرهم. ففي مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي الاحتساب، صراع سياسي بين سلطات عربية (وغير عربية أحياناً).

يريد دعاة «جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» الوصول إلى سلطة يحتكرونها ويكفّرون بموجبها من خالفهم. التكفير في التاريخ الإسلامي بدعة أطلقها الخوارج؛ وقد لفظ المجتمع الإسلامي هؤلاء.

يُقال إن في لبنان تكفيريين. وهناك حالات عالقة أمام المحاكم تتعلق ببعض هؤلاء. خطاب المفتي حول الزواج المدني الاختياري (مع التشديد على كلمة اختياري) يصب في خانة التكفيريين، سواء أكان سماحة المفتي يعني ذلك أم لم يكن يعنيه.

تتعرض الدولة اللبنانية لخضات عنيفة. يجدر بالحكماء التضامن من أجل الحفاظ على الدولة وبسط سلطتها. سلطة الدولة ليست أمنية وحسب. تتمكن سلطة الدولة عندما تتوسع على حساب الطائفية والطوائف في الشؤون الذاتية وغيرها. من غير المعقول أو المقبول أن يتخلى العقلاء عن الحكمة لدعم الطائفية والطوائف بخطابات نارية تخدم خصوم الدولة وتخضع لمقتضيات الصراع على السلطة.

نحن أمام حالة لا تتعدى فيها الدولة على حقوق المسلمين، بل يتعدى التكفيريون على واجبات الدولة.

1/2/2013

Page 8

الفجور في مشهدين

وراء كل اختلاف مذهبي صراع سياسي. يبدأ المذهب بالسياسة وينتهي بالطقوس. مع الزمن تصير الطقوس ثابتة، وتتلقى السياسة إشاراتها منها؛ ويصبح ذلك مسار التعمية. لا يستطيع نظام الاستبداد الاستمرار أو تجديد نفسه من دون تعمية.

في العالم الإسلامي ثلاث دول كبرى لديها الكثير من الإسلام السياسي الذي تريد تصديره. أحد مسؤولي هذه الدول سمى الأمر «مدى حيوياً» لتركيا؛ بما يذكرنا بادعاءات النازية. تركيا طاردتها أوروبا وطردتها (بالأحرى لم تقبلها في الاتحاد) فتبنت الإسلام السياسي؛ مع قضية فلسطين طبعاً، وإن كان الدوزان مخففاً. إيران دخلت في صدام مع الولايات المتحدة، منذ أول الثورة، فتلونت صادراتها بالعداء للإمبريالية، مع استعداد دائم للتفاوض؛ بالطبع فلسطين واجهة قضاياها. مصر الثورة ابتلعها الإسلام السياسي؛ يُقال إنه صنع في أميركا. تعاني مصر مشكلة في التصدير برغم أن إسلامها السياسي لديه مشروع قديم يتعلق بأستاذية العالم. الوحيدة بين هذه الدول الثلاث التي لديها حدود مع فلسطين هي مصر، وقد أعطي الإسلام السياسي فيها انتصاراً في غزة لحرب لم تحدث.

الإسلام السياسي لإيران عالي النبرة يشبه حفلات موسيقى البوب الشعبية. الإسلام السياسي لتركيا رتيب الأنغام تتخلله ألحان متعددة، فكأنه سمفونية أو ما يشبه ذلك. الإسلام السياسي لمصر وصلات متقطعة لبرنامج موسيقي يريد له المنتج أو مبرمج الاحتفال شيئاً بينما يريد لاعبو الموسيقى على المسرح شيئاً آخر.

لا ننس تشكيلاً سياسياً إسلاموياً رابعاً هو دول النفط في الجزيرة العربية وعلى رأسها السعودية وقطر. الأولى تصدِّر بضاعتها من دون أن تعلن عنها. لا تجرؤ على الإعلان، فذلك يغضب السادة الإمبراطوريين. تناقضاتها الداخلية تجبرها على الاستسلام للإمبراطورية؛ وقد فعلت ذلك منذ البداية. قطر تحاول تقليد كل من الدول الأخرى للإسلام السياسي، لكنها حتى الآن موضع شك في أن تستطيع إدارة دورة أولمبية رغم توافر الأموال.

بدا الصراع المذهبي كركوزياً في المؤتمر الصحافي الذي عُقد بعد لقاء رئيس جمهورية إيران، أحمدي نجاد، مع شيخ الأزهر. لم يستطع الطرفان الإعراب للإعلام عما دار في الاجتماع الذي عقد قبل دقائق. ربما كان أحمدي نجاد يخوض في مصر مفاوضات سياسية مع رئيسها محمد مرسي، ويخوض مفاوضات دينية مذهبية مع شيخ الأزهر؛ واكتشف الجميع انفصال (بل تناقض) الدين عن السياسة. في الأمر علمانية لا يريد أطراف التفاوض الاعتراف بها.

Page 9

منظر سوريالي هو مؤتمر قمة «منظمة المؤتمر الإسلامي» الذي يعقد على أرض الإسلام السياسي المصري؛ وهو الأكثر رسوخاً. تعم الوطن العربي ثورة من المحيط إلى المحيط. شعارها «عيش، حرية، كرامة، عدالة اجتماعية». يمثل المجتمعون أكثر ما يتناقض مع هذا الشعار، بالأحرى هذا المطلب. الفروق الاجتماعية والفجوة في المداخيل بين الطبقات الغنية والطبقات الفقيرة هي الأكثر اتساعاً في العالم. وفي اليوم الذي يفتى بقتل قادة جبهة الإنقاذ في مصر، يقتل مناضل تونسي على يد الإسلام السياسي بتهمة العلمانية؛ كأن العلمانية تهمة. سدنة هيكل الإسلام السياسي جعلوا العلمانية تختصر مطالب الشعوب العربية. وقد صارت الثورة لا تتعلق بالصراعات الدينية والمذهبية ضد الخصوم الذين يجري تكفيرهم، بل تتعلق بعيش الشعوب الإسلامية المتدينة في ظل حكومات الإسلام السياسي. إسلامية الشعوب العربية تتعلق بالدنيا وتعتبر العلاقة مع الله أمراً سوياً؛ أمراً مفروغاً منه. حكومات الإسلام السياسي لديها مشكلة مع الدين والدنيا. مشكلتها أنها لا تعرف شعوبها، أو لا تريد أن تتعرف إليها أو تخضع لإرادتها. تنقلب على شعوبها وتمارس الاستبداد.

هو إسلام سياسي يحضنه الغرب الإمبراطوري ويطارده في آن واحد. يحضنه كي يؤدي المهمة في استمرار الاستبداد، الذي سبق أن مارسه العسكريون العلمانيون الحداثيون. ويطارده لأنه يعتبره مقصراً في تأدية مهامه. هو متهم دائماً بقضية فلسطين التي لا يستطيع أي إسلام سياسي، مهما كانت تلاوينه القومية، أن يتخلى عنها. هذه القضية هي التابو (المحرم) الأكبر عند الغرب الإمبريالي. يريد هذا الغرب أن تكون الصهيونية الإسرائيلية وجهاً آخر للإسلام السياسي؛ وهذا لا يستطيع الإقرار بذلك. حتى تركيا، ذات التاريخ الطويل، والمستمر حتى الآن، مع إسرائيل تضطر إلى الانتفاض أحياناً.

في نظر الغرب لا يؤتمن الإسلام السياسي على شيء. هو مصدر الإرهاب، سواء أكان موصوماً أم حقيقياً. هذه أيضاً وجهة نظر الشعوب العربية، لكن لأسباب مناقضة تماماً. كل ذلك يدفع الإخوان المسلمين في مصر إلى تقديم أوراق اعتمادهم للغرب باغتصاب مادي للنساء (وللذكور) في الساحات العامة، كما في السجون والمعتقلات. أمر السجون والمعتقلات معروف ومكرر. لكن الجديد هو الساحات العامة التي يُراد لها أن يلغى دور السياسة فيها. يغتصب الناس في الساحات العامة كما اغتصبت فلسطين. فعل الاغتصاب مرتين لكسر إرادة الشعوب. اغتصاب فلسطين صهيونية سياسية؛ اغتصاب الناس صهيونية أنثربولوجية. لا بد وأن علماء الأنثروبولوجيا قدموا استشارات هامة لمن يدير الأمور في مصر.

ترتفع أصوات الشقاق المذهبي في مصر. نرى ذلك يومياً على الشاشات. لقاء الأزهر هو ما يبين من جبل الثلج. المخفي أعظم. لكن الشعوب العربية لا تعرف، ولا تريد أن تعرف الفرق بين المذاهب. هذه قضية نخبوية. من يدرس تاريخ الإيديولوجيات والمذاهب الإسلامية يدرك أن خلافاتها لا تمت بصلة إلى مطالب الشعوب العربية، ويدرك أن هذه الخلافات يقصد منها التعمية لحجب الصراعات السياسية، لحجب مطالب المجتمع بالعيش والكرامة الإنسانية. يخاف المجتمعون في مؤتمر القمة الإسلامية حركة المجتمع في الشارع، لذلك لا يتطرقون إلى ذكرها. ربما يعرفون جيداً، إذا كانوا يعرفون شيئاً، أن الشعب لا يصير شعباً إلا في اللحظة الثورية، إلا في الشارع، إلا في المجال العام. اغتصاب المجال العام هو برنامج الثورة المضادة.

فوجئ جميعهم بعدم سكوت المغتصبات والمغتصبين. وقد تنبأ الشاعر مظفر النواب بعدم السكوت في قصيدة «وتريات ليلية» عندما خاطب أولاد... (وكان يقصد بهم أهل السلطة) قائلاً: «هل تسكت مغتصبة»؟

الفجور المذهبي من أجل حرب أهلية تشتت إرادة المجتمع. والفجور الجنسي لكسر إرادة الناس في الميدان، وجهان لعملة واحدة هي الثورة المضادة.

Page 10

الإخوان: خلل السياسة وتحوّل العقيدة

أينما سيطر الإخوان المسلمون أسرعوا بالتأسيس على الهوية لا على السياسة. أدى ذلك إلى إضاعة الفرص في بناء الدولة ونقاش المشاكل الاقتصادية والاجتماعية؛ كما أدى إلى تحوّل في العقيدة الدينية لديهم.

تتعلق السياسة بالحوار مع الآخر في سبيل الوصول إلى تسويات لتمكين المجتمع من العيش معاً. تُعنى السياسة بالأمور الدنيوية حكماً. كما قال الماوردي في مطلع الأحكام السلطانية: الإمامة موضوعة لسياسة الدنيا وحراسة الدين. الدين مكمّل منذ خطبة الوداع: اليوم أكملت لكم دينكم. السياسة خطاب إلى الآخر، اعتراف بالآخر وبرأيه. رأي الآخر يؤخذ في التسوية وإلا كانت هذه غير ممكنة.

تتعلق الهوية بالخطاب مع الذات. يحاول أصحاب الخطاب معرفة ذاتهم، تحديدها، تعريف ماهيتها. في الأمور الدينية هناك المحرم والمكروه والمستحب والمباح والحلال. تركز الهوية الدينية على الحرام والحلال. ما بينهما من مكروه ومستباح ومستحب بشكل عام أمور دنيوية ليس لها الأولوية أمام الحلال والحرام. ينتهي أصحاب الحرام والحلال إلى البحث عن الحرام لمنعه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). ينتهون إلى العيش في هاجس الحرام. الحرام هو المحرك الأساسي لهم.

يعتبر أصحاب الإسلام السياسي وحلفاؤهم السلفيون (أي اليمين الديني) أن مهمتهم الأولى هي أسلمة المجتمع (ثانية) رغم أن أكثريته إسلامية ومن أهل السنة والجماعة، لكن القيادة القطبية لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي تعتبر المجتمع الإسلامي جاهلية جديدة، وعلى الإخوان وحلفائهم تحويل المجتمع قبل تطويره وتمكينه اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً. لذلك كانت أولى المعارك التي خاضوها هي معركة القانون والدستور والقضاء. بالنسبة إليهم تبدأ أخونة الدولة بهذه القطاعات. أخونة الدولة ضرورة من أجل أخونة المجتمع.

لكن ذلك أحدث انقسامات اجتماعية حادة. يعتبر الإخوان أنفسهم من أهل السنة والجماعة. نسوا كلمة «الجماعة»، أو اعتبروها تقتصر عليهم وحدهم، وركزوا على السنة والقرآن من أجل تقرير الحرام. واعتبروا أن في ذلك استقامة الجماعة. لم تعد مخاطبة الجماعة تهمهم باعتبار أنهم هم الجماعة وحدهم وعلى الآخرين اتباعهم، حتى بالقسر والإكراه. لا يهمهم أن هناك تعدداً فقهياً في المجتمع. فقههم هم هو الذي يُحسب له حساب. لا يأخذون المجتمع كما هو، يختصرون المجتمع بجماعتهم. وفي ذلك تحول في العقيدة التي ترتكز على حق الاختلاف؛ «اختلاف أمتي رحمة»؛ وعلى العذر بالجهل (من يجهل دينه من العامة أو الخاصة يكفر) ويقتربون من مبدأ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» باليد؛ هذه المرة عن طريق السلطة التي يسيطرون عليها. من الضروري استخدام وزارة الداخلية للقمع، ووزارة العدل لإعطاء الأحكام، ودار الفتوى من أجل إصدار التعليمات. من الضروري أيضاً السيطرة على الأزهر من أجل تدعيم موقفهم. يختصرون السنة بالحرام والجماعة بأنفسهم ويستخدمون جهاز الدولة ويسخرون التنظيمات السرية من أجل ذلك. ويتحولون مع استلام السلطة إلى فرقة تكفيرية، حتى وإن لم يقولوها صراحة. بالتالي ينقسم المجتمع؛ يفقد تسامحه الذي تعوّده خلال التاريخ، وذلك بحكم الاضطرار للدفاع عن نفسه في وجه التكفير ولا أحد يعلم إلى أين تنتهي الأمور.