eKtab
EN ع
في مرايا حانة
Read free sample

في مرايا حانة

by حسن ناصر

Page 1
هو غريب مثل حمام الساحات

لا نهر العابرين يشبهه، ولا سقوف المحطة القديمة الملبدة بالسخام، ولا القطارات.

...............

...............

السيدة، ذات القبعة الطويلة المزركشة، عائدة في المساء من عملها البهلواني في سيدني هاربر.

لا تفهم مغزى ابتسامته ولا ما يحسُّه من تشابهٍ بينهما.

بم يدخل المدينة؟

بأي شيء يكسر ما يحيطه من هالات الانفصال؟

بأي أذن يستقي الأصوات؟

هو الذي ترده إليه انعكاساته على الزجاج..

الذي يستعين بالنبيذ على الخرائط.

يجرُّ الغريب خلفه في حقيبة ضخمة

ذاكرةً قديمة، حالماً بالذهاب إلى حانة المدينة

يستحضر حياة ظلال

عبرت في المرايا هناك،

ينثر حقيبته على سرير في فندق،

أو ينتظر الباص ويراقب العشب!

كل ما يريده هو أن يسهو بسلام في حانة يضيء كراسيها الشاغرة ضوء النهار،

يحفّ به ندمان غائبون من أبناء الأبد.

يرافقه كائن خفي.. يمد أصابعه إليه علَّ مؤازرةً تصعد إلى عروقه.

هو: مجموعة من الأشجار، العصافير، الأغاني، الشموس

الليالي، الانفجارات، الحطام.. عبرت حياة قصيرة..

بقايا ألق على قدح مكسور،

أو المدينة تكتشف غرائبيتها بعينين صغيرتين.

هو.. أسماءٌ تحلم حلمها من خلاله،

يجر الحقيبة صاعداً السُلًّـم إلى يومٍ آخر.

ح. ن 1996
Page 2
الأرعن

في أول اتصال لي بأمي بعد خروجي من البيت، من الجنوب، من العراق، قالت لي:

ــ مات الأرعن..

تخيلته نائماًً بعد طول اضطراب، ومطيعاً بعد حياة طويلة من المشاكسة!

لماذا سميته الأرعن؟

يشتري مربو الطيور عادة طيوراً وهي فراخ. ومدجنو البلابل يعرفون أن لا طريقة للاستئناس ببلبل سوى اقتنائه صغيراً، لم يكتشف سعة الفضاء بعد! بغير هذا يكون التدجين سلسلة متاعب لا تنتهي.

لا سبيل لتدجين البلابل محترفة الحرية!

ولأنني كنت غشيماً، اشتريت بلبلاً طاعناً في الحرية والمشاكسة!

كانت زوجة أبي تسميني الأرعن. ربما لأنني كنت أبدو لها مؤمناً بأبعد مما ترى أو تخمن! أو لأني كنت أواجه أعتى إساءاتها بالخجل!

فهمت كلمة الأرعن على ما جرى. الأرعن هو مَنْ تبقى وجهة انتمائه مجهولة. ومَنْ تحركه دوافع غامضة.

حين اشتريت بلبلي المشاكس الذي لم يكن غضبه يهدأ، ضارباً بعناد، وبأقصى ما يستطيع شبك القفص بجناحيه، سميته الأرعن!

كنت أحزن لهياجه ولشوقه إلى التحليق. أهمس له:

لن أفتح لك أبواب القفص.. فـ الطائرات لا ترحم!

كان هذا في الشهر الأول من عام 1991.

اهتزاز الانفجارات.. الظلام ، أصوات الإذاعات تقرأ أنباء خرافية تدور على بعد أمتار من قفصه، من بيتنا. كل هذا لم يثن الأرعن عن توثبه المتواصل وضرب جدران القفص بجناحيه.

ومع أن الحصار كان ضارياً، كنت وأمي ندخر للأرعن بعض قوت يكفي لاستمرار محاولاته في فضاء القفص.

شُغلت عنه، فالحرب انتهت والعائدون منها يبعيون أسلحتهم لقاء الخبز!

الجثث في الشوارع، البيوت توابيت والمارة موتى مؤجلون. الكل يدور في قفصه ويضرب بجناحيه حياكة الأسلاك. مع هذا لم ننس تزويد الأرعن بما يكفي لبقائه حياً.

يوم كان القلق يشتد ويضع حواجزه بيني وبين النوم، أتسلل لأطيل النظر، على ضوء فانوس يضعف لنفاد الزيت، إلى حزنه! إلى وحدته الحزينة وخذلانه المبكي ملتقطاً ما تركناه له في القفص.

يلتقط بقايا الخبز جريحاً، يعرف أنه لن يتنازل عن كبريائه في جولة الصباح، و يدرك أن جناحيه في النهاية أضعف بكثير من أسلاك القفص.

قالت لي أمي:

ــ "مات الأرعن".

شعرت لحظتئذ بنصل ينغرز في أعماقي. كان هذا الطائر سيموت حتماً. لكنني عميقاً في داخلي، لم أكن أرغب في أن أكون على علم بموته. ربما كنت أريد بقاءه هناك في اللحظة التي تقاسمناها أنا وهو وأمي. مرت حياته في لحظة خاطفة أمام عيني. مرت حياتي واللقب الذي أطلقته زوجة أبي عليّ. أوشكت على البكاء، تماسكت وقلت لها:

ــ أعرف.. لامفر له من أسلاك هذه النهاية.

بعدئذ كان على روحي أن تشقى ببقايا جثة أخرى ترقد فيها.

1994
Page 3
كتب نائمة

دخل يسحب رجله مرتعشاً، يضع نظارةً سوداء. كان الليل يزحف صاعداً نحو قلب السماء!

مع هذا لم يكن ليثير شكوكي، أو يدفعني إلى أي نوع من الاحتراس. فالبضاعة التي أبيعها لا تغري اللصوص مطلقاً، كتب قديمة بلغات مختلفة. أنهيت رفع الكتب من الواجهة وأغلقت الدرج مستعداً للمغادرة. زبائني معروفون، هم باب رزقي الوحيد. أما ذلك الشاب.. لا، لم يكن شاباً، بقول أكثر دقة، ذلك الكائن الضعيف الذي يشبه إلى حد كبير كتاب مذكرات سيّئ الطباعة.. فلم يكن واحداً منهم.

توقعت أن يسألني عن اسم شارع أو متجر، أو أن يشحذ نقوداً قليلة. هيأت نفسي لجوابي الوحيد في وجوه سائلين يتكررون: الله يعطيك ويعطينا. فوجئت حين ناداني باسمي، لفظه على نحو واضح وقوي لا يتفق مع هيئته المهلهلة. قال شيئاً ما لم أسمعه جيداً، فدهشتي من معرفة الكائن لاسمي لم تترك لي فرصة فهم ما يقول، لكنه أردف:

ــ.. كنت أتوقع أن أرى (جعفر) هنا.

قال ذلك بتعب، وبطريقة من يرتاد المكان يومياً. فأجبته من غير أن أقصد، كأن الحوار كان مقرراً منذ زمن غارق في القدم:

ــ جعفر؟! لقد قتل جعفر منذ أعوام، ثلاثة عشر عاماً ربما..

أطلق حشرجة صغيرة كعجوز ليس للموت ذلك الوقع الصاعق عليه. قال بتعب أيضاً:

ــ حقاً..! لم يرد هذا في بالي قط، جعفر!! لقد كان متألقاً كحصاة في الظهيرة!

لم أنتبه إلى غرابة وصفه، ولم ألتفت إلى أنه سحب كرسياً ليجلس. لقد سحبني إلى دوامة الحوار المقدّر. قلت:

ــ ما زلت برغم مرور هذه الأعوام على موته غير قادر على تصديق ذلك. هل تعرف أنني أتوقع إطلالته دائماً؟

ما زلت، أيضاً، أخطئ فأنادي البعض باسمه!

أطلق قهقهة قصيرة انتهت إلى سعال، همس لي:

ــ مازلت أحمق.. مازلت كما أنت.. أين كنت طوال هذه السنوات؟ طوال هذا الألم؟ سلحفاة تختفي تحت درعها! تسحب رأسك إلى الداخل دوماً! ما زلت طفلاً خائفاً برغم البياض الذي يغمر رأسك وشاربيك. لماذا تريد تصديق موت جعفر؟ هل هناك ضرورة لهذا؟

شعرت بالخجل، وبدلاً من أن أثور في وجهه أو أغضب للطريقة التي وصفني بها، وجدتني أنكفئ معتذراً وأتمتم له..

ــ أنت على حق، لا ضرورة لهذا.

شدتني بقايا عالقة بأكمامه، زغب عصافير.. هل كان يعبث بالأعشاش في مكان ما؟

الرائحة التي عبق بها المكان، الرائحة التي تصاعدت من ملابسه القاتمة، كانت رائحة نباتات ليست في أوانها. أرخى جسده وأخرج مسبحة من جيبه، بدأ يلاعب خرزها. قال:

ــ أنت على حق أيضاً، لكي نعرف أننا أحياء علينا أن نصدّق موت من ماتوا.

داهمتني رغبة في البكاء. طريقته في الإفضاء هي في الغالب ما أثارني. كان صوته رقيقاً متناغماً لا مجال للتحصن ضد نفاذه. صوت كنت أشعر بأنه ينبعث من أعماقي. غادرتني الكتب، العناوين، الجرود، واسترحت مغمضاً عيني. كان الحوار قد بدأ ولم أكن مشاركاً فيه، كنت مؤدياً فقط. كأنني قلت ذلك مراراً وما علي سوى أن أعيده كالقصائد التي أحفظها:

ــ الحرب أخذته. أتخيله يصارع في مكان ما وآمل أن يعود يوماً. الذين يموتون في الحرب لا يغادرون تماماً! كأنهم وقعوا في فخ من الظلمة، إنهم محتجبون لا أكثر، غائبون عن الشمس، وفي لحظة سينبجس وجودهم هنا.. أمامنا ثانية.
Page 4
قال:

ــ لم تمت أنت.

ــ من يدري! كيف أتمكن من إثبات هذا أو نقيضه! أبهذه الركامات من الكتب؟ بالأسماء المندثرة!

بالوحدة الهائلة، الحمى.. بالألم! قل لي أنت هل ترى هنا شيئاً حياً؟

رفع نظارته فكانت عينه الزجاجية موجهة نحوي بالضبط، قوية، صارخة، قاسية كالحرب. أجاب ببطء ودقة:

ــ نعم.

خيـل إليّ أن الصمت امتد طويلاً، عادت إلى الظهور ضحكات وصيحات، أصوات غابرة اندفعت مترددة في الهواء وكأن الغريب حين دخل، كان يسحب وراءه جيشاً من الأشباح والأصوات.ثم انطلق صوته فجأة:

ــ أتدري ماذا حدث؟ كنا تلك الليلة نشعر بحيوية غامضة، لم نكن نرغب في النوم. كنا نتحدث.. نتحدث ونضحك. في الملجأ الأرضي ارتشفنا الشاي. بعد ذلك جاءنا الضيف الصاخب، قنبلة، صاروخ، لا أدري. شيء ما مزقهم جميعاً وأنا أيضاً. بعد ساعات بدأت اليقظة تستعيدني. عرفت أن أصدقائي ماتوا وأنني الوحيد الحي في ملجأ مقصوف. قلت لقد خرّبت جلستنا ولكن لا بأس في الاستمرار. بقيت أحدثهم، أضحك معهم، أسألهم عن إصاباتهم. كان جعفر يمتد إلى جانبي، يسيل الشاي من زاوية فمه كما رأيته في الفجر. قلت له كل ما لم تسمح به الحياة الوجيزة. قرأت رسائله. كانت قصيدتك في جيبه، تركتها له، تركته هناك، تركت الـهناك كله.. وعدت هكذا كما تراني، أعرج بعين من زجاج.

داهمني الدوار وأحسست بقوتي تُستل من عروقي. قال:

ــ لا تكن أحمق.. تماسك..

كانت هي المرة الأولى التي أسمع فيها تفاصيل موت صديق. خرز مسبحته السوداء يلتف على أصابعه. نهض يسحب رجله البلاستيكية. التفت نحوي متسائلاً:

ــ هل سيكون جعفر هنا غداً؟

قلت:

ــ ربما.

حين رفعت أصابعي إلى الأزرار لأطفئ المصابيح، كانت الكتب تبدو خاملة تغط في نوبة موت!

1995
Page 5
ضرورة شعرية

مجموعة أوراق تُنبئ هيئتها عن رحلة شاقة،ترقد في الدرج. لن أحتاج إليها بعد أن تحولت كلياً إلى ذاكرتي، وأصبح لدي نسختي الخاصة منها ورؤيتي لألوانها وأشخاصها والمناخات التي أحاطت أحداثها بمدينة لديها من السلام ما يكفي للتأمل.

لعبة أحلام لأشخاص تداولوها وسجَّل كل منهم إضافاته عليها! شذرات تنامى في داخلي مع الوقت التزام بتجميعها، بتوشيجها واقتراح صيغة لها!

أعمدة تلتف على المتن،هوامش تزيد من حدة التداخل الذي حملته الأوراق.

لا ريشة تتمكن من تهذيب حافاته القاسية وتبسيط أوجهه. لهذا مازلت أشعر بتلكـئها، باستعصائها على التبسيط وإن بدت لي واضحة بما يشبه اليقين.

الأمر الذي غشي هذه الأوراق هو صعوبة القبض عليها بالوصف.

أحلام ما أن يبدأ الإنسان بوصفها حتى يتلاشى شغفه بالاستمرار، لإدراكه أن الوصف ينال من قوتها ويصيبها بلوثة الركاكة. هكذا تدحرجت هذه القصاصات من خلوات ومكابدات آخرين صرفوا معها وقتاً طويلاً دون أن يفضحوا سريتها، تدحرجت حتى وصلت إلي. وإذا ما كنت الآن أبدأ بكشفها، فليس ذلك لرغبتي في كشفها بل لأنها بدأت تتوق إلى الانكشاف.

لا أذكر كيف أنتهت إلي. لأفترض أني فوجئت بها أمامي كهدية من صديق أو قريب جلبها من مدينة مهدَّمة..هل حدث هذا بالفعل؟

ربما جُلبت من مدينة أبي الخصيب في عام 1986 خلال الحرب، حيث استخدمت قوة من الجيش المكتبة العامة في المدينة المهجورة لتجعلها ثكنةً مؤقتة.

حمل الجنود الأثاث المحطم خارجاً وشيدوا خرائطهم في أحشاء المكتبة. لم يكونوا أسعد حالاً من الذين حولوا المقبرة إلى ثكنة! لم يعرفوا أن الكتب التي تحتشد على الجدران بصفوف غير متراصة ربما كانت أكثر ترويعاً من القبور، وما ينطلق من بطونها أدهى ممّا قد ينطلق من بطون قبور!

لا أذكر منْ حملها إلي وبأي دافع. لا أتذكر ما الذي آل إليه الرسول الشاحب. لهذا اعتمدت على ما كنت كتبته من ملاحظات كبديل لشيء آخر ربما حدث!

مجموعة من الأوراق أفترض أنها قصة. كتبها شخص ما في وقت ليس من السهل تحديده. زخرف من خطوط وأقلام مختلفة. الملاحظة التي كتبتها وبقيت أمامي عن الرسول الشاحب الذي جلبها لي، تقول:

((كان ناحلاً، شاحباً كأنه خرج تواً من نقاهة أمضاها في الظل. تساءلت مطيلاً النظر إليه: من أين لعائدٍ من الحرب هذا الشحوب؟

ألقى الأوراق أمامي على عجل ومضى. كأنه عاش ليلقي بهذا الطلسم هنا ويغادر. لا شك لدي الآن، لا شك البتة في أنه ميت غداً!))

هذه قوة الطبيعة. تخطو خارج الدار فتلامس جسمك لتبدد بقايا الدفء التي ادخرتها من طول الاسترخاء في سحابات البخور. يبدو الأمر في البداية حساً حميماً بالمشاركة. الهواء يلوذ بدفئك. لكنه يتحول سريعاً إلى إرادة صارمة بإنهاء العرض من عدم التوافق. الهواء يبدد في سعته الدفء لأنك خاضع لقانونه.يبدد خاصتك في شموله.
Page 6
في اللحظة التي استرجعها أحمد الخصبي (أو أحمد اللغوي) بعد أعوام من خروجه إلى الطريق في بغداد (كانت ما تزال فتية وطرية)، انبثقت فكرة التوافق وعدمه في رأسه بوضوح رقيق ومشع. كان قد أجل التصريح بآرائه لإحساسه بأنها تفتقد نقطة القوة التي يستند إليها بنيانه من القراءات والاستنتاجات. عام (1160م) أنهى أحمد الخصبي عامه السابع والثلاثين بضربة قوية، ولكن هادئة جاءت في ثنايا همس واحد من تلامذته حين أشار إليه بكلمة (الشيخ).

نظر إلى أصابعه بدقة، كانت قد اكتسبت رقة وبياضاً، غاب اسمرارها من اللعب القديم والتماس المباشر مع الأشياء، سوى ندبة على رسغه بدت له مثل بيت من الرثاء اندثرت الأحزان التي أنتجته وظل جماله اللغوي.

ما معنى أن تدخل الكهولة! هل كان الوقت ثمن هذه الأحاجي التي تفتقد نقطة القوة. الهموم التي ستبدو، حتماً، هزيلة وأنت تنظر إليها من كوة العامة. الظلال التي تلاحقها في الحجرات الضيقة، بين دفات ما ينتجه الورّا قون، في ضوء السُّرُج؟!

صفاء عيون التلاميذ يعكّر صفاءك اللغوي. العمر أصبح سريعاً. بعد الثلاثين يصبح سريعاً جداً. هل ذاك لأن الكائن يصبح أكثر عراقة في الحياة!

أكثر تجذراً إلى حد جعل مرور الوقت أليماً!

أم أنها الأحلام، صارت لها قوة الواقع بعد أعوام من الاستمرار والتكرار والتأجيل؟

ما وصل إليه أحمد الخصبي هو بحثه في الضرورة الشعرية. وصوله إلى نقطة البحث هذه جعلت عنف الإشارة إليه بكلمة (شيخ) هادئاً. المقتنيات العظيمة ثمنها العمر.

((أقول لشيخٍ يجلس معي في باحة المدرسة، أحس ُّ أن المدرسة رحم. وأعرف أنها ستلفظني ذات يوم!

في السوق ترى الناس يسيرون إلى مقاصدهم المحدودة، وأنت وسط السوق تائه، لاتدري أي الطرق أجدر بمشقة ما تبقى من العمر! دجلة يعدو بهدوء. الجسر أمامي وأنا أسير إلى بيت الشيخ في الطرف الآخر من بغداد، أريد أن أعبر إلى جهة أخرى من هذه الطبيعة!

أوراق تتخلى عن أشجارها للريح.تهوي منفصلةً عن الأغصان، تضمر ويعبث الاصفرار بها. تتحرك على تراب الطريق وتتجمع في الزوايا. الارتحال بعيداً عن الشجرة.

القصائد العالية لا تتألق إلا في لحظة تحولها من حالة أسبابها إلى حالة أخرى. إلا في خروجها عن نظامها. خروج يفعّله النظام العالي لقاعدة تؤدي في ذروتها إلى لحظة الاستثناء)).

الضرورة الشعرية كما تشكلت في ذائقة أحمد اللغوي، هي اللحظة القصوى لتحرّر بضرورة أعلى من القاعدة، بجمالٍ يبرر لها خروجها عن النظام. لحظة الانفصال عن قمة السُلّم الذي قادها إلى الأعالي. انفصال عن الغصن. الجماليات الكامنة في الكائن البشري ولّدت الشعر. والجماليات الكائنة في جوهر الشعر ولّدت النبو الخاطف الذي اصطلح عليه بالضرورة.

كان الموضوع سيستغرق انفعالات أحمد الخصبي وأفكاره لسنوات كما تشير الهوامش. كان هو بذاته الضرورة الشعرية التي انبجست في النظام الفخم لحياته. كان الخصبي في ذلك المساء يصل إلى الحالة التي لا تشبه أسبابها. الوجود الخالص في ذات الكون. حرية الفرح. تخطى إيقاع يومه وقافية بحثه والقوانين التي تضبط تحولاته وفاض مشعاً خارج حدوده. لم يسلك الطريق المعتادة، لم يكترث للمنعطفات ولم يلق بالاً إلى الذين يلقون عليه التحية.

لم يداعب الأشياء بكفيه منذ أن فتحت المكتبات حقول الحيرة أمامه، واختلفت علاقته بالعالم من حوله. هناك تماس من نوع آخر!

تماس ينشد الوصول إلى فكرة الأشياء بما لا تتمكن الحواس من عرقلته. في الكلمات، في الفكرة، في الكتابة، ما هناك حقيقة ليس الأشياء بل ظلها. اللغة غابة من الظلال!

الظل وجود أكمل. (شجرة) هي فحوى وجود الأشجار كلها. هي الروح القائمة التي لا يمسها الذبول. الكلمة تعويذة تبطل الظاهر بما يحمله من تغير وفساد وفناء وتنقله إلى وجود شامل. القصيدة ليست التجلي المعين لكتابة شيء، هي الظل الأعم للقصائد كلها. عالم الظلال الممتد يبدو قريباً الآن...
Page 7
(أمس التقيت غزالاً ينتظرني عند عتبة الدار. وهبني عينيه فضاعت الدار)

ضياع استقرار أحمد الخصبي جعل من كلامه هذا نهايةً لمكانته المدرسية. غياب العقل حمى غامضة. ليس للجنون تفسيرات كثيرة. الجنون عرض محتمل، مسٌّ مفاجئ.

طلابه كانوا أقلّ استقراراً ممّا تصور، المسلمات الساذجة قادتهم إلى تصديق جنونه برمشة عين. يرى جنونه منعكساً على صفاء عيونهم.

((لماذا لم يسترجعوا تاريخك معهم. كل ما شيدته أمام أعينهم؟

لماذا لا يكون الغزال ثمرة الاستشهادات العريقة التي تحفظها بقدرة أثارت الدهشة!

لماذا حين ند الكلام عنك تهشَّمت ليبقى دليلاً؟

لماذا تمكن لاعقله من تغييب عقلك! لم تكن تريد أكثر من إيجاد معادل الكلام لإحساسك بقوة الطبيعة، إشراق الضرورة الشعرية على أيامك.

يخرج الفقهاء لمسح فسحة اليوم، يردمون بقوانينهم الحجرية الطرق أمامك ويتركونك محاصراً بين خيارين، نهايتين لنهر كينونتك داخل هذه الجادة القصيرة (العمر)!

أن تفسِّر الغزال ووقوفه والقرطاس بإعادتها إلى هوامش حياتك السالفة، أن تختزل الغزال بغلق ما وراءه من أفق التأويل لتوصله بما يطابق الاستشهادات والاقتباسات!

أو أن تواصل السير مشعاً خارج حدودك حيث تولد الأشياء لتنبض في كون آخر!

الخيار الأول يحفظ لك يومك، مكانتك، اسمك، عقلك في حدود الصفة التي تُسقطها عليك عقولهم. و ثمن الخيار الثاني هو الجنون، الخروج من الدار.

لا يمكن أن تكون مخرّفاً. ما زلت يافعاً على ذلك. لكنه الخبل ذلك الذي يتربص بمن يقرأ الكتب وتظل سرجهم تضيء نوافذهم حتى وقت متأخر من الليل)).

كانت بغداد ما تزال طريّة. الذين عاشوا في أحشائها قادرون على الإحساس بنبضها. صغيرة مسورة، محتدمة. لخارطتها القدرة على الحضور الكامل في مخيلاتهم وهم يذكرون اسمها. لم تصطخب ولم تتبدد بعد. المساء يتخلل مفاصلها.

عبر أحمد الخصبي زقاقاً ضيقاً باتحاه باب أستاذه المريض، بدا الظلام ينساب من أسوارها بانتظام ويغمر مساحاتها. بقايا ضوضاء بعيدة تتسرب من الحوانيت. أزيز حشرات تعيش عوالمها المتطامنة في الشقوق. في بيت قديم جلس الخصبي الذي بدأت الشبهات تتجمع على أفكاره، قرب فراش أستاذه المريض قال:

ــ لماذا غادرت البيمارستان. الرعاية التي تتلقاها هناك أفضل!

ــ البيمارستان يوفر خديعة قاسية، ذلك أن المرض يبدو هو القاعدة. الحالة التي لايميزها وجود نقيضها. أما هنا، في هذه الحجرة الساخنة، فأنا حي مريض.هل ترى الفرق؟

ــ أراه بالتأكيد.

ــ تركت لك مخطوطتك على المنضدة هناك، كتبت ملاحظاتي بخط ضعيف، يدي ترتعش والريشة تجف من سخونة الهواء.. سوف تشقى من أجل فك رموز خطي، وفراغات الريشة الجافة.. بلغني ما كشفته يا أحمد!

ــ لم أكشفه. قلته ببساطة. أنت تعرف ما كنت حاورتك به في شأن الضرورة الشعرية.

ــ أنت لا تتحدث عن الشعر. أنت تقول (شعر) فيما تعني الحياة كلها. وهنا خطر الالتباس.

ــ لا أرى إلتباساً

ــ قد لا أراه أنا أيضاً. لكن الطبيعة المجبولة عليها المدارس تقول غير ذلك.

أجبت إجابات قصيرة لا تتوافق مع ما تحدث به أستاذي المريض. لم أسمع سوى استمرار حواري مع نفسي.

(كوة الدرس، انتحال عقل آخر لمحاكمة عقلك. خطر الالتباس أن ننظر إلى أنفسنا كقراء مع أننا نحن السطور. إنه يصل إلى خاتمته.وكأن المرض درجة منطقية تقع في سلّم حياته. إنه يوشك على الموت لأن الحياة غادرته).

يخرج الخصبي إلى أزقة بغداد. كل مرة يرتكب فيها فعل الخروج تبدو صاعقة.

بغداد تمتد أمامه الآن، بغداد التي يصفها الأنوري:
Page 8
((أرباضها تنافس في جمالها قبة السماء الزرقاء. و مناخها يضارع نسيم السماء الذي يبعث الحياة في الأجسام. وأحجارها تضارع في تلألؤها الماس والياقوت. وإن شواطئ دجلة ومن عليها من الفتيات الحسان لتفوق بلخ. وجناتها المليئة بالحور العين لتعدل في ذلك كشمير))

اللغة غابة من الظلال.

هل هناك رجل عاش اسمه أحمد الخصبي؟

أم تراه حلماً مشتركاً تنقل عبر عدة مخيلات!

لماذا هذه التواريخ إذاً؟ التواريخ التي ترد في الهوامش! ولماذا هذه الأسماء المعتادة التي يراودني حس بالركاكة كلما ذكرتها؟

هل سيكون هذا الكلام ممكناً بغير الاستناد إلى حياة حقيقية وآلام حية؟

كيف يمكن أن تتصل هذه الخيالات بقوتها عبر زمن ممتد يربو على مدد حياتنا جميعاً، أنا والذي جلبها وأحمد الخصبي والذين نسخوها وأضافوا إليها، إذا لم تكن تتنفس من رئة غير قابلة للتلف؟!

ها أنا أشعر بشهيقه في رئتي. أشعر بارتعاشة جسده في جسدي خارجاً من رحمٍ دافئ إلى قوة الطبيعة!

الخروح من الدرس. تنفس الصعداء، خروجٌ من الكلام إلى المعنى.

إحساس بقوة اللسان الهائل الذي تخرج الطبيعة منه مثل كلام

الكائنات في اتساق وجودها الشامل. سطر واحد مخطوط أعلى الصفحة كتبه أحمد الخصبي، وعلى الذين يضعفون أمام تيارات الكلام الجارف أن يعيدوا الكلام إلى الحياة،يطعموه فرصهم الضئيلة في حقل الزمن!

الفكرة موجودة في الهواء، في الأثاث، في ثنايا الجسد. تحيط بك في كل مكان، يكشفها الضوء فجأة، تراها فجأة، تعثر بها فتتغير تماماً. لن تعود أنت نفسك بعد كل فكرة. أنت تتدحرج على سفح من الأفكار، لفكرة واحدة ـ كما لامرأة واحدة ـ أن تأخذك في خرائطها كليّاً. هذا ما حدث للغوي رصين كان سينفق حياته في فضاء الدرس، يتردد إلى الأبد في حدود النغمة الواحدة. لكنها بدت لعينيه فجأة كما لو كانت هناك طوال ما مضى من الوقت، انبجست على مرمى حواسه فتغير كل شيء، انزاح خط تدحرجه على السفح فمال إلى أفق آخر. إنها نقطة القوة التي كان يحتاج إليها.

(عليَّ بوجه من الأوجه أن أنساق لرفعتها، لعلوها، ولهذا أجزم الآن أن القوة الوحيدة التي يجب أن تحرزها حياتك هي أن تموت بموتك، أن لا تغادر الحياة قبل أن تغادرك.

ليس من طريق غير الانسياق الكامل لضرورتك الشعرية.)

كتبه أحمد الخصبي قبيل رحيله الغامض. ربما كان رحيلاً لم يحمل فيه شيئاً من ماضيه، ولهذا انتهى التسجيل هنا، حيث كانت الخطوة الأخرى هي الخروج نهائياً على القوانين التي التهمت أيامه.

أين الرسول الشاحب الذي جلبها لي، هل ستصلني منه رسالة يوماً! أو، وهذا السؤال يواجهني بقسوة، ما الذي أحدث في ذاكراتنا فجوة كهذه غير الضرورة التي همس بها الخصبي على هذه الأوراق!

وسط فوضى أيامنا وتخبطاتنا، دورات الفصول، نهر الوقت، كيف يمكن الحفاظ على خارطة واضحة لتحولاتنا. لامعنى في إخضاع الأفعال للأزمنة مادام هذا يعيش في داخلنا، ما حدث وما يحدث وما سيحدث. تقسيم حياة واحدة إلى مراحل ينطوي على عبث ضخم، فحيواتنا ليست تراجيديات ولا أيامنا بقصائد، إنها بعثرة ثمانية وعشرين حرفاً يمكن أن تشكل الكلام من أوله حتى أقاصيه. ليس سهلاً أن تكون أنت القصيدة نفسها لأنك ستنتهي بنهايتها. قد يبدو الأمر مستحيلاً، لكنه ما حملته الأوراق الصفر أمامي. حياة مسحورة بإيقاع القصائد العالية. حياة كانت تنمو كفكرة، تنمو لتصل إلى ذروتها وتختفي هناك.

هذا ما خامر أرسطو بعد أن حفر عميقاً في النصوص ليستدل على إمكانيتها. وقف أرسطو أمام هيكلية التراجيديا حزيناً على رثاثة التاريخ البشري الذي لا يصل إلى رقي التراجيديات. وهو ما حلمت به طويلاً بلا شك:

لو أن حياتي كانت غير هذا الخليط العابث من الأحداث. لو أنها كانت ذات بناء أكثر حكمة. لو أنني فكرة واحدة تنمو بلا تراجع، تتقدم وتغيب في مداها.

1997
Page 9
الطين

اللوح الأول

الطين

ألق على مسامعنا حكايته يا بيت القصب، أيها الفاني. أعيدي حكايته أيتها المتاحف، يا أحجار، يا من أخرجتها أزاميل التنقيب من مخادعها في أحشاء النسيان!

أعد الحكاية أيها الباب!

يا سورُ، يا سيدوري، يا صاحبة الحان

أشكابو يا بغي المعابد.. وأنت يا أورشنابي يا غبار الأبد.

أعيدي إلى الماء الحكايةَ يا قوارب.. ويا منازل، يا غابات ويا أهوار،

أيتها المياه المرَّة، يا سطور، ويا أزاميل، يا كهنة.

سأعيد عليك حكايته يا طريق

سأعيد إليك الألم، أيها الطين

هو الذي رأى..

هو الاسم المرمري للحداد

هو الطين الذي امتزج بالسحاب

هو الفراغ الذي خلَّـفه مردوخ، بعد أن انسحبت أرديته الخالدة عن مياه الزمن.

هو أول من حزن على صديق
Page 10
اللوح الثاني

اللَّـمعان

صداقة تهمس بها رُقُم الطين، ولم يمحها التنقل الطويل في أنفاق اللغات. آوتها النقوش الأنيقة على الطين، وظلَّت ترقد هناك حتى أيقظ أسماءها المنقبون.

لم يكن كلكامش قد استمع إلى طرقات الموت بعد. ننسون لا تموت. والكهنة الذين يحفّون به، لهم شيخوخة ضاربة لا تبيح لتغيرات الزمن الظهور على قسماتهم.

أوروك كلها كانت وهماً من أوهام الخلود. الأعوام الثمانية عشر التي عاشها كلكامش حتى ذلك الحين، كانت أبعد جموحاً من لجمة الموت. لحيته تنبت ونساء المعابد يعرفن أن ظهور اللحية يعني ظهور الآلام التي لا تعالج.

قال رئيس الكهنة لننسون:

ــ عذارى أوروك يشغلنه عن رؤية الحقائق وتشغلنه عن بناء السور، ما يحتاج إليه الملك هو قسوة القلب.. تعرفين أيتها الأم أن الحكمة لا تنبت إلا في قلب قاس.

لم تكن ننسون تصغي، ضائعة كانت في أحلامها الأخرى. وهبتها العزلة الطويلة شحوباً سماوياً وسط ذلك الطين. تعلَّمت أن ترضخ لحكمة الكهنة.. وتبتسم.

تبتسم لاقترابها الشديد من الألوهية، لم يعد لها زوج، وليس لها مَنْ تمنحه أمومتها. الأم التي لها ابن ملك لا ابن لها. الملوك بلا أمهات. تبتسم ننسون لأنها لم تعد حـيَّة.