eKtab
EN ع
في مستوى النظر
Read free sample

في مستوى النظر

by منتصر القفاش

Page 1

اللعب

كنا ستة أولاد متقاربينَ في السِّن. نسكن العمارة نفسها ونلعب الكرة أمامها. وكانت الأمور تمضي بشكل طبيعي حتى خرج إلى المعاش عم حسن الذي يسكن الدور الأرضي. صار كلما لعبنا في الشارع أو خبطت الكرة شباكه دون قصد، يردد: «لو لعبتوا هنا تاني حاقطّعها»، ويحرك يديه كما لو كان ممسكا بالكرة ويشقها بسكين نصفين. وتتعالى اعتذاراتنا ونظل واقفين نمرر الكرة بيننا ببطء حتى يغلق الشباك. كان يمكن أن يتركه مفتوحا لنبتعد عنه، لكنه كان يغلقه دائما بعد صياحه. وسمعنا زوجته كثيرا تنصحه بتركنا نلعب شوية، فكان يصيح فيها أيضا: «حاقطّعها». مرة اندفعت الكرة نحو الشباك حتى ظننا أنه سينفتح من قوة اصطدامها به. وتوقفنا عن اللعب. ومِنّا مَن اختبأ في مداخل العمارات الأخرى في انتظار أن يطل علينا ويشتمنا. لكن لم يحدث شيء. وظننا أنه ليس موجودا وأكملنا المباراة. وما إن اقتربت الكرة من باب العمارة حتى خرج من مخبئه مسرعا، وقبض عليها ودخل بها إلى شقته. انتظرنا أن يتراجع عن قراره، ويفتح الشباك ويلقيها لنا بعد توبيخنا كما يفعل ساكنو الأدوار الأرضية في شارعنا. لكن الكرة لم ترجع. ولم ينفتح الشباك. أعادتها إلينا زوجته في اليوم التالي. وصرنا نعرف حينما يغيب صياحه، أنه يختبئ وراء الباب في انتظار القبض على الكرة. لم يشكُ أبدًا لأهالينا. حصر الموضوع بيننا وبينه فقط. كأننا صرنا جزءا من انشغالاته بعد خروجه إلى المعاش. كما صار هو جزءًا من لعبنا.

Page 2

كان عم محمود يعيش بمفرده. تزوره ابنته مرة في الأسبوع. تطبخ له طعاما يكفيه حتى زيارتها التالية. رفض الذهاب للعيش معها. وجد إلحاحها الدائم على أن يأتي معها مجرد كلام. لو كانت بالفعل تريد انتقاله إلى شقتها لحضر زوجها معها بسيارته، وأصرا على عدم التحرك من مكانهما إلا إن غادر معهما. لكنها دائما كانت تلح عليه بنبرة توحي بـ«تعالى معايا ويحصل اللي يحصل». كانت هي صاحبة الاقتراح بأن يوارب الشباك المطل على الشارع ليستطيع أحد القفز وفتح الباب له حينما ينسى المفتاح. اضطر لتنفيذ اقتراحها بعد تكراره كسر شُرّاعة الباب وشراء زجاج لها في كل مرة. رفض تثبيت قطعة كرتون مكان الزجاج المكسور. كان يتحجج دائما باحتمال أن يسافر أو ينتقل إلى الإقامة مع ابنته. ماذا ستفعل قطعة كرتون في غيابه؟ منذ أن وارب الشباك صار يحس كلما خرج لشراء شيء أو لزيارة أحد الجيران أو لصرف معاشه بأنه سيعود ليجد الشقة مسروقة. لم ينشغل بتحديد أي الأشياء في شقته يدعو للسرقة. شقة بالدور الأرضي لا أحد فيها، وشباكها موارب لا ينقصها سوى أن يقفز شخص داخلها ويسرقها. لم يقتنع جيرانه ولا ابنته بهذا الكلام. طمأنوه بطريقة جعلته يشعر باستهانتهم بمحتويات شقته، فازداد قلقه وثقته في إمكانية سرقتها بأكملها دون أن يحس الجيران. وأحيانا كان يعود قبل أن يكمل مشواره ليتأكد من عدم حدوث شيء. ويلمحه من يقفون في البلكونات وهو عائد بسرعة، والمفتاح في يده، وعينه مُصوَّبة نحو شباكه ولا ينتبه لمن يسلم عليه. صارت كلمة مفتاح هي التي تخطر في بال الكثيرين عندما يرونه سواء كان خارجا من بيته أو عائدا إليه، وقد يتحسّس أحدهم جيبه فور أن يراه ليتأكد من وجود المفتاح معه أو يحكم قبضة يده على ميدالية المفاتيح.

تكرر نسيانه المفتاح، وتكرر النداء عليّ لأتولى مهمة القفز داخل الشقة وفتح الباب له. كان معتادا على أن ينادي على أحد أخويّ، ومنذ أن وصلت لأقضي إجازة الصيف معهما كلفني أخي الكبير بتلك المَهمة. وأعطاني عدّة الشغل: كرسي بلاستيك أرفعه إلى أعلى وأنا نازل السلم، ثم أقف عليه وأدخل يدي بين الضلفتين لأرفع المزلاج، وأثب لأجلس على قاعدة الشباك ثم أقفز داخل الغرفة.

Page 3

في كل مرة كان يناديني فيها كنت أتخيل نفسي إما أحد الأبطال الذين يُسرعون لنجدة شخص يستغيث بهم أو لصًّا يتسلل إلى الشقة في خفة، ويقضي على من يعترضون طريقه بضربات سريعة قاتلة. كنت أتقمص أحد الدورين فور سماعي نداءه. وأنزل السُّلم وأنا أصيح الصيحات المناسبة لكل دور، لكنها في الحقيقة كانت صيحة واحدة «يا. يا. يااااه» وأنا الوحيد الذي يعرف إن كان قائلها البطل أو المجرم. وحينما أدخل وأفاجأ بكثرة أعدائي كنت أتأخر ثواني في فتح الباب، ويعلو صوته: «فيه حاجة؟» فأُسرع بفتح الباب له وأنا أجهز على آخر شخص. وفي مرة إثر ضربة قوية من يدي، كادت زهريّة بها ورود بلاستيك أن تتهشم لولا التقاطي لها ووضعها في مكانها وأنا أراها كأس الانتصار. قال لي إنني على عكس ابن الجيران الذي كان يستعين به حينما يكون أخواي في الجامعة، فقد كان دائما يكسر أو يوقع شيئا كلما قفز داخل الشقة. تخيلت ابن الجيران وهو لا يقضي على خصومه بسهولة، واضطراره للاستعانة بشيء ليزيح عنه من يحاول خنقه أو قتله. خروجه من الشقة كان يعني أن أستعد لأؤدي مهمَّتي فور عودته. وكنت أشعر بالضيق حينما أجده لم ينس المفتاح ولم ينادِ عليّ. قال لي إنني أسرع من أخوي اللذين يحتاجان إلى أن يكرر نداءه. ويظل واقفا أمام الشباك في الشارع حتى ينزل أحدهما. وقال إنه سيأتي يوم لن يستطيع فيه دخول شقته التي عاش فيها معظم عمره. رددت عليه أن كثيرين من أبناء الجيران يتمنون لو نادى عليهم ليقفزوا، وفي أسوأ الأحوال يستطيع أن يكسر باب الشقة. ضحك «ياريت الحياة تبقى دايما سهلة» أحسست أنه يقصد معنى آخر لم أفهمه، وقلت له إنه لا توجد شقة لا يمكن دخولها إلا إذا كانت بلا نوافذ ولا أبواب، فرد علي وقد اشتد ضحكه «ودي الشقة اللي حاسكنها في النهاية» قالها وهو يحدّق في عينيّ كأنني حللت لغزا مستحيلا دون أن أدري. ودفعتني كلماته إلى تخيُّل نفسي وأنا اقتحم مكانا بلا نوافذ ولا أبواب دون أن أحطم أي جزء من جدرانه.

Page 4

انشغالي بشقته جعلني أيضا أول من يشم رائحة الغاز. وأُسرع في النزول وأظل أدق على بابه حتى يفتح لي، وأصرخ فيه: «ريحة غاز»، فيسرع ليغلق البوتاجاز وقد بدأ بعض الجيران ينادونه ليحذروه. كنت أطرق بابه وفي نفس الوقت أتمنى ألا يفتح. أتمنى أن تتاح لي فرصة القفز والاندفاع داخل الشقة دون قلق من وقوع أي شيء أو انكساره بسبب ضرباتي القاتلة، فمهما كانت الخسائر فإن الجميع سيفهمون أنها نتيجة اندفاعي لإيقاف تسريب الغاز. كانت أمي تتوقع أن أملّ بسرعة من الإجازة مع أخوي في القاهرة، فهما مشغولان بأصدقائهما ونادرًا ما أخرج معهما. وكلما سألتني في التليفون إن كنت أحب الرجوع... كنت أجيبها أن المكان هنا جميل جدا، وهناك أولاد كثيرون ألعب معهم، ولم أخبرها بحكاية المفتاح.

في مرة ناداني. وقفزت بسرعة كالعادة داخل الغرفة من الشباك وانهمكت في قتل وضرب أعدائي. وكانت ضرباتي يومها أقوى من المعتاد لأعوض الفترة الطويلة التي مرت ولم ينادني فيها. فتحت باب الغرفة المفضي إلى الصالة وفي نفس الوقت كنت أوجه ضربة بقدمي لمن يترصدني خلف الباب وينوي أنّ يهشم رأسي. نجحت ضربتي لكن سمعت صرخة مازلت أسمعها حتى الآن. في هذا اليوم لم ينس عم محمود المفتاح فقط بل نسي أن ابنته موجودة في الشقة. واستقرت ضربتي بكل قوتها أسفل بطنها وظلت تتأوه وهي مكومة على الأرض وسبَّتني أنا واللي جابوني، بينما في الخارج عند باب الشقة كان عم محمود يضحك بعدما ظن أن ابنته صرخت فزعا من وجودي، وظل يردد بصوت عالٍ: «أنا نسيت إنك جوه». أسرعت بفتح الباب له وأنا أتخيل الدماء ستتفجر من جسدها. واندفعت أصعد السلم وصرختها تدوي في أذني كأنها صرخات كل من وجهت لهم ضرباتي من قبل ولم يكن يسمعها غيري.

Page 5

وصف الشقة

حاول أبي كثيرا إقناع أمي بشقة الدور الأرضي، لكنها ظلت ترفض، فهي لا تتخيل أن تطل من الشباك فتجد الإسفلت قريبا منها. عدّد أبي المزايا التي يعرف أنها تستهوي أمي: شقة أكبر من التي كنا نسكن فيها، أربع غرف، والمطبخ واسع، وسيسمح صاحب البيت لنا باستخدام غرفة جوار الشقة لنخزن فيها ما نريد.

لم يدافع أبي عن هذه الشقة كل هذا الدفاع إلا بسبب خوفه من المستقبل، فقد استحوذت عليه صورته حينما يشيخ ولا يستطيع صعود السلم. لم تقنعه إمكانية اختيار عمارة فيها أسانسير. ارتبط الأسانسير لديه فقط بالمشاكل التي يثيرها أكثر من أنه عنصر راحة. فقد يتعطل في أي وقت، ويظل محبوسا في الشقة لا يستطيع النزول أو يعاني الأمرّين أثناء الصعود. لم يكن وقتها يشكو من أي آلام في ساقيه أو ركبتيه، لكن إصراره على الدور الأرضي صار بالنسبة إليه تدبر أمر المستقبل قبل أن تباغته أمراض مختلفة. وصار أي كلام يسمعه عن أنه في أحسن صحة ثقة في الزمن لا مبرر لها.

كنا نسكن وقتها في المنيا، وبعد أن التحق أخواي بجامعة القاهرة ازداد قلق والديّ عليهما من أن يظلا يعيشان بمفردهما. فسافر أبي ليبحث عن شقة ننتقل إليها. وكان أبي في كل مكالماته مع أمي، وبعد أن يسهب في وصف شقة الدور الأرضي، يتعجل موافقتها حتى يلتئم شمل الأسرة قبل بدء الدراسة. لم يذكر أبي لها أي شيء عن لقاءاته مع صاحب البيت. وكيف أنه يشبهه في حكي الحكايات وتذكر أيام زمان، ولا يمل من استرسال أبي في الحكي مهما طال الوقت. بالإضافة إلى إصرار صاحب البيت على أن يلتقيا دائما بغض النظر عن مسألة إتمام تأجير الشقة. عرفت أمي كل ذلك من أخي الكبير الذي كان يرافق أبي في رحلة البحث عن شقة. وفي إحدى المكالمات فاجأت أبي وأمليت عليه عنوان عمارة بأسانسير أعجبت أخي، وفيها شقة في الدور الخامس. صاح فيها غاضبا من أنها تثق في ذوق واد عيل، على الرغم من أن أخي كان في السنة الثانية في كلية الحقوق، وأعاد تذكيرها بأن شقة الدور الأرضي ليست قريبة من الأسفلت بل يمكن اعتبارها «دور أول واطي شوية».

استقر الأمر في النهاية على شقة في الدور الثالث بمنطقة العمرانية بالجيزة. من شرفتها كنا نستطيع رؤية قمم الأهرامات والغيطان المتناثرة في المنطقة. وبمرور السنوات ارتفعت العمارات المواجهة لنا، واختفى الفضاء الواسع، وحلت مكانه شبابيك الجيران المواجهة لشقتنا، بعدما ضموا البلكونات الى الداخل لتوسيع مساحة الشقق.

وفي يوم تذكرت أمي الأيام التي كانت شقتنا فيها تطل على الدنيا، فأشار أبي نحو الشارع، وقال لها إن العمارات التي تختنق بها المنطقة صارت كلها كأنها دور أرضي.

Page 6

صداقة

ربما لأن النزول أسهل من صعود السّلم. وربما لأن شقة عم سعيد في الدور الأرضي فيطرق أبي بابها بعدما يكون قد اشترى ما يريد ويجلس معه يتبادلان الحكايات. وكثيرا ما اضطرت أمي إلى إنزال السَّبَت ليضع فيه أبي ما اشتراه لمعرفتها بأنه سينسى نفسه في الجلوس تحت. مرات قليلة هي التي صعد فيها عم سعيد إلى شقتنا في الدور الثالث. وكان السبب غالبا مرض أبي أو أحد أفراد الأسرة. وأثناء صعوده المتمهل يظل يتنحنح ويسعل، كأن صعوده النادر يستحق الإعلان عنه. وإذا قابل أحد السكان فلابد أن يذكر له أنه كبر على الصعود والنزول. ويعلم كل من في العمارة أنه كان سيصعد دائما إلى شقتنا التي أراد استئجارها لولا اختلافه مع صاحب البيت على قيمة الإيجار، وتراجع عن موقفه في اليوم الذي وقع فيه أبي العقد.

لم يتضايق أبي من نزوله الدائم، وإن لم يبرر أيضا عدم صعود صديقه سوى بأنه يتعب دائما من أي سلم. وصارت جملة أبي «أنا نازل تحت» لا تعني سوى شقة عم سعيد، يقولها بصوت عالٍ كأنه يخبر صديقه بقدومه. وكان من السهل أن يسمع الجيران معظم ما يقولانه، فالاثنان يتشابهان في تحدثهما بصوت عالٍ وإن كان ضحك أبي أقوى. وكثيرا ما سمعت أمي وهي تقول كأنهما يكلمان الشارع كله. وبالفعل لو كنت تمر في الشارع سيضطرك صوتاهما المرتفع إلى الالتفات إلى شباك عم سعيد، و ستظن لوهلة أن هناك اثنين يتشاجران وتتوقع سماع صوت صراخ أو شيء يتكسّر. طلبت أمي من أبي أن يخفض صوته أثناء وجوده تحت، فرد عليها ضاحكا «وفيها إيه لما الناس تسمع؟». لم يكن واضحا في رده هل هو متضايق من طلب أمي وضِمنيًّا من طلب الجيران غير المعلن أم أنه لا يستطيع أن يخفض صوته؟

Page 7

وحينما يحتد الخلاف بين الصديقين ويتمسك كلاهما برأيه، تصير قوة صوت كل منهما سلاحه في الحوار، ويقاطع أحدهما الآخر ويكرران حججهما أكثر من مرة. وقد يكون كل هذا الخلاف حول أيهما أفضل المعاش المبكر أم الذي يأتي في موعده. على الرغم من أن الاثنين خرجا إلى المعاش بعد أن أتمّا الستين. وكان عم سعيد منحازا إلى الخروج المبكر، وسينصح به أي شخص دون تردد، لأنه سيكون أمام الإنسان وقت ليجرب عملا جديدا أو ليركز في عمله الإضافي الأكثر دخلا، أما أبي فكان يرى أن أفضل شيء أن يتم الإنسان عملا بدأه، بالإضافة إلى عدم وفرة فرص العمل. وقد تضحك إحدى الجارات الجالسة مع أمي بعد أن صمتتا لحظة اشتداد الخلاف أكثر من المعتاد، وتقترح على أمي المناداة على أبي حتى تفض المعركة. وقد تنادي عليه بالفعل فيخرج أبي إلى المنور وهو مازال يكمل رده على صديقه:

ـ فيه ايه؟ أنا اشتريت كل حاجة

فتشير إليه أمي بأن يخفض صوته فيهز رأسه موافقا ويدخل.

وأحيانا يطل أحد أصدقائهما من الشباك. ويتساءل كأنه غاضب «إيه الدوشه دي؟»، فيدعوانه إلى الدخول. فيخبرهما أنه ذاهب لشراء شيء. لكنه يظل واقفا في الخارج يضحك معهما على علو صوتيهما وخلافهما الذي لا ينتهي. ويكرران الدعوة له للدخول بدلا من أن يظل يتحدث من الشارع. فيعدهما بالمرور عليهما وهو راجع.

وحدث كثيرا أن وضع حدا للخلاف إبراهيم الساكن في الدور الأول، خاصة عندما يكون أبواه خارج البيت، وذلك بأن يزيد من علو صوت التليفزيون. فيخرج أحدهما إلى المنور ليصيح فيه بأن يخفض الصوت، فلا يجيبهما، فيخرج أحد الجيران من الأدوار الأخرى صائحا:

ـ والله حرام الدوشة اللي تحت دي

فتنخفض الأصوات كلها، وإن علا صوتاهما مرة أخرى يودع أحدهما الآخر عند باب الشقة.

بعد فترة، لاحظ كل الجيران الفتور الذي انتاب علاقتهما، فلم يعد أبي ينزل أو يمر بشقة عم سعيد أثناء رجوعه من الخارج. ونفى كل منهما وجود أي خلاف بينهما. ولم تنجح أمي في معرفة السبب. واكتفى أبي بتكرار:

ـ مش فرض إننا نقعد مع بعض على طول

لكن كعادتهما، منذ سنوات وحتى توفي أبي، ظل كل منهما في شقته يرفع صوته وهو يتلو القرآن في الفجر، وعندما يسهو أحدهما فيخطئ أو ينسى كلمة في التلاوة، يجد صوت الآخر يرتفع بقوة مصححًا له رغم أنه يتلو سورة أخرى.

Page 8

شطرنج

كنا أنا وياسر نلعب أدوارنا الأولى في الشطرنج في الغرفة المطلة على الشارع. تعلمناه من أخيه الكبير الذي علمنا أيضًا خطة نابليون. تلك الخطة التي لو تمّت فإن الملك يموت في أربع خطوات. وعلى الرغم من أننا تعلمناها معا، لكن كلا منا كان يبدأ بها متمنيًا غفلة الآخر أو نسيانه تحريك قطعة واحدة: عسكري أو حصان أو وزير كي تموت الخطة في مهدها. ولم نستطع تنفيذها إلا مع أصحابنا الذين علمناهم الشطرنج وأخفينا عنهم تلك الخطة، ولم يكتشفوا كيف يواجهونها إلا بعد عدة هزائم.

عندما أتذكر تلك الأدوار الأولى، أجد أنني خسرت الكثير منها بسبب تركيزي في سماع الأصوات الآتية من الشارع، والتي يستحيل أن أسمعها من شقتي بالدور الثالث. المسافة لا تذكر بين الدور الأرضي والثالث، وكنت أقطعها صعودا أو هبوطا في لمح البصر، لكن الفرق بين الدّورين كبير في وضوح الصوت. اثنان يتحدثان وهما يمشيان في الشارع فأسمع بوضوح وأنا جالس في الغرفة صوت أقدامهما المسرعة، كما أسمع اختلافهما على وقت الموعد «لسه ناقص نص ساعة»، «هو قال الساعة عشرة يعني دلوقتي». وكانت تشدّني أكثر الكلمات المتطايرة من سيارة مسرعة، أسمعها واضحة رغم هدير الموتور.

Page 9

في الألعاب الأخرى مثل الكوتشينة والطاولة، كانت سرعة إيقاعها وصخبنا ومشاجراتنا لا تسمح لي بالتركيز في تلك الأصوات. لكن في الشطرنج كنا نتمهل أكثر من اللازم لنقلد الكبار وهم يلعبون، ولنحس بأننا نفكر بعمق مثلهم، على الرغم من أننا كثيرا وبعد طول تفكير نكتشف ما إن نحرك قطعة أننا أخطأنا. هذا التمهل أتاح لي أن أصغي إلى الأصوات وأترقب ما سيأتي منها. وصرت أتخيل الشارع غرفة كبيرة ملحقة بشقتهم. وكلما ازدادت الأصوات وتتابعت كانت هزيمتي مؤكدة. وكانت علاقة ياسر بتلك الأصوات سببا آخر لهزيمتي. مرة وقد حل الصمت على الشارع سمعت صوتا خفيضا لشيء يتم سحبه على الأسفلت. ظننت في البداية أنها ورقة يحركها الهواء بشكل متواصل. وكان عليّ الدور في اللعب. طللت من الشباك. رأيت قطة تسحب دجاجة ميتة من جناحها إلى مدخل البيت المواجه لنا. وكان رأس الدجاجة مطروحا إلى الوراء وجفناها انسدلا بارتخاء على عينيها. ناديت على ياسر ليرى، فوصف لي ما أراه دون أن يرفع عينيه عن رقعة الشطرنج. وصاح فيّ:

ـ دورك

تابعت القطة وهي تعبر الشارع كأنها تنفذ وصف ياسر إلا أنها توقفتْ فجأة، ونظرت ناحيتي ثم شدت مسرعة الدجاجة وتوارت خلف الباب. لم تكن أول مرة أرى مشهدا كهذا، لكن تعرف ياسر السريع عليه دون رؤيته جعلني أحس بوجود شيء في المشهد لم ألمحه ولم أسمعه من قبل.

Page 10

ثقته وهو يصف لي كانت عكس تردده الدائم في تحريك قطع جيشه. لدرجة أنه كان يكرر طلبه بإعادة قطعة حركها مع وعد بأن يسمح لي بالمثل. وكنت أرفض في البداية لأطيل فترة تظاهري بالقوة وبأنني صرت أسبقه بخطوات. فهمت يومها بأنني لا أستطيع أن أكون مثل ياسر في التعرف على الشيء من صوته إلا إذا سكنت معه في شقته. ولما كان هذا مستحيلًا لم يعد أمامي سوى أن أرهف سمعي أثناء لعبنا الشطرنج محاولا تبييُّن العلامة المميزة لكل صوت، خاصة الأصوات التي تبدو متشابهة. لم أجده أبدا متفاخرا بهذه القدرة رغم أنه أثبتها أكثر من مرة ودائما كان واثقا. نسمع صوت ركض في الشارع فيقول: «كلب الواد علي» وأَطل من الشباك فأجده هو بالفعل وليس كلبا آخر من كلاب الشارع. يعلو صوت إغلاق باب عربة فيقول: «الأستاذ حسين رجع بدري النهارده». كان يتعامل مع قدرته هذه على أنها ليست شيئًا غريبًا. ولم يكن ينتظر مني أي تأكيد وأنا أسرع نحو الشباك لأرى ما عرفه قبلي. ومن ناحيتي لم أُظهر أي اندهاش، ولم أعلق بكلمة كلما نجح في التعرف على شيء دون أن يتحرك من مكانه أمام الشطرنج. وعندما أعود إلى مكاني وصوته يتعجلني لأستأنف اللعب، أظل مشغولًا بدقة تعرفه على الصوت، وعدم قدرتي على أن أكون مثله فأخطئ في تحريك جيشي. ومرة لم أنتبه إلى أنه نصب لي خطة نابليون فارتفع صوته:

ـ كش مات.