eKtab
EN ع
في نشأة الكون والحياة والإنسان
Read free sample

في نشأة الكون والحياة والإنسان

by حميد زناز

Page 1

كلمة المترجم

وفي البدء كان السؤال
كيف بدأ كل هذا؟ ومتى؟ هل كان هناك مادة قبل ظهور الكون أم لا شيء كان؟ بل هل هناك بالأحرى 'ما قبل' أم كل شيء كان موجودا منذ الأزل؟ هل للكون بداية ونهاية؟ هل نتج هذا العالم المحسوس الذي نرى عن إرادة ما، عن مهندس ما؟ أم هو مجرد نتيجة لمصادفات وضرورات وتطورات لا متناهية؟

كيف نظر الإنسان القديم إلى مسألة نشأة الكون؟ وما هي أهم الروايات التي حيكت في هذا الشأن؟ وكيف ينظر علماء اليوم إلى تلك النشأة؟ وكيف يفسرون ظهور الحياة على سطح الأرض؟

في ثنايا هذا الكتاب عناصر إجابة على تلك الأسئلة المطروحة، ولكن تبقى الإجابة علمية، بمعنى غير قطعية، يقدمها علماء انتروبولوجيا، علماء مصريات وأشوريات، مؤرخون، فلاسفة، علماء فيزياء ذرية، وكيمياء وبيولوجيا وعلم فلك... في حوارات عميقة وواضحة وممتعة في آن.

Page 2

مصر وكلّ حيّ من الماء آت

جون بيار كورتيجياني عالم مصريات، كان أمين مكتبة ثمّ مكلّفا بالعلاقات العلمية والتقنية بالمعهد الفرنسي لعلم الآثار الشرقي بالقاهرة. من مؤلفاته: "مصر القديمة وآلهتها" سنة 2007.

ما يلفت الانتباه لأول وهلة حينما نتفحّص نظريات نشأة الكون المصرية، هو ذلك العدد المعتبر من الحكايات عن الأصول والتي تتعايش ضمن الدين الواحد.

تتناسب هذه الوفرة مع صورة ذلك الدين الذي تتعدّد فيه الآلهة، إذ تعود لانهائية الآلهة والأساطير في الديانة المصرية إلى الظروف التي ظهرت فيها هذه الحضارة. في البدء، مع نهاية ما قبل التاريخ كانت تتعايش قبائل مستقلة متعددة على طول نهر النيل. وكان لكل قبيلة آلهتها ومعتقداتها الخاصة. وحتى لما انتهت في فجر التاريخ إلى الانصهار في دولة واحدة بقيت العبادات المحلية قائمة. وفي ما يخص الأساطير التي تريد تفسير أصل العالم على وجه التحديد، فكل معبد كان ينـزع إلى الرفع من شأن إلهه وجعله هو الخالق. ولكن سرعان ما أخذت بعض المراكز الدينية الموجودة في الحواضر الكبرى أهمية أكبر من مثيلاتها وفرضت أساطيرها على البلد كافة. أربع نظريات كبرى حول نشأة الكون كانت الأكثر تأثيرا في الديانة المصرية: بدون أدنى شك كانت نظرية هليوبوليس الأقدم والأكثر أهمية، وكذلك نظرية ممفيس والأشمونين وطيبة.

كما يمكن أن نذكر أيضا بعض نظريات نشأة الكون الثانوية كنشكونية (نشأة الكون) إسنا وإدفو وإيليفنتين.

ورغم تنوعها يجمع بين هذه الروايات نقاط مشتركة معينة..

أوّل وأهمّ تشابه هو تلك الفكرة التي مفادها أن الحياة تنبثق بشكل منتظم من محيط رئيسي كان في البدء يغطّي كلّ شيء. ولأن العدم مفهوم مجرد كثيرا بالنسبة للفكر المصري الذي هو بالأحرى فكر برغماتي، فالكون لم يخلق انطلاقا من العدم وإنما انطلاقا من بحر لا محدود، جامد يغطيه ظلام دامس مطلق ودائم. ومع ذلك ففي هذا "النون" كما يسمّيه المصريون مجموعة معيّنة من العناصر كأنّها ذائبة منها تولد الحياة. ومن أجل ذلك، يجب أن تطفو هضبة جوهرية من مياه النون. وهنا النقطة المشتركة الكبرى بين كل الروايات الأسطورية: ظهور حسب الوضع هضبة أو ربوة أو منصة إلى الهواء الطلق لتسمح بالخلق وتعطي فرصة الخروج من الماء للإله الصانع، ليرتكز ويستريح قليلا. وبعد ذلك تختلف الحكايات حسب التقاليد:

بالنسبة لقساوسة هليوبوليس، فالشمس المسماة آتون هي التي تحط على هذه الهضبة المركزية، وآنذاك تخلق الكون بدءا بأوّل الآلهة ثم عناصر المادة والبشر. أما في ممفيس وحسب حكاية انتشرت إبان حكم الأسرة الخامسة، حينما كانت المدينة عاصمة البلد، فقد كان تصوّر عملية الخلق أكثر أصالة وتجريدا وعقلانية: الخالق هنا هو بتاه، الإله المحلي هو الذي يخلق العالم عن طريق الكلمة بعدما يكون قد صمّمه فكريا. وهكذا يعطي الحياة للكائنات والأشياء عن طريق التلفظ بأسمائها.

الإشارة في كل الأحوال إلى ذلك المحيط الجوهري كمنبع للحياة هو تأكيد على مكانة الماء المركزية في الحضارة المصرية.

Page 3

بطبيعة الحال، نظريات نشأة الكون تلك، هي في الحقيقة تعبير أسطوري عن واقع موسمي إذ أنّ فكرة المحيط العظيم الذي يغطي كل شيء فكرة واردة ببساطة من ملاحظة فيضان النيل والذي كان يغرق كل الوادي قبل بناء سدّ أسوان. وحينما تبدأ المياه في العودة إلى مجاريها كانت تظهر ألسنة أرض ورمل هنا وهناك سرعان ما تعجّ عليها حياة نباتية وحيوانية، نظرا للخصوبة العجيبة للطمي الذي تتركه مياه النهر. وألسنة الأرض تلك التي تبرز على سطح النيل هي التي أوحت من جهتها بأسطورة الهضبة العظمى. وفي كل عام تحدث أمام أعين المصريين معجزة تذكرهم بأسطورة الخلق التي تقدم بشأنها نظرياتهم حول نشوء الكون مقاربات مختلفة.

ولكن كان يعاد النظر في تلك المعجزة باستمرار..

بالفعل، كان لدى المصريين وعي بوهن الحياة ويترجم ذلك في أساطيرهم بعدم زوال المحيط العظيم بعد الخلق. فقوى السديم أو كل ما هو غير مخلوق هو مرميّ فقط في المحيط الخارجي للعالم المنظم. حينما تنتهي الشمس في رحلتها اليومية إلى المغيب في "الأفق الغربـي للسماء" ينبغي عليها أن تصارع طول الليل ضدّ الحية أبوبيس التي تجسد قوى الشر بامتياز والتي تحاول منع تقدّم المركبة التي يبحر عليها ري. وفي كل صباح تنتصر الشمس على الثعبان وتتمكن من البزوغ من الشرق. ومع ذلك تبقى قوى الهدم مهددة الخلق دوما. والعالم الذي أراده الصانع في وهن. لقد أبعد هذا الأخير قوى الشرّ تلك ولكنه لم يقض عليها تماما وهي لا تنتظر سوى العودة من جديد. يعلن فصل مهم من "كتاب الأموات"، وهو الوحيد الذي يكتسي طابعا خلاصيا أنّ هذا "السائل الجامد"، سيغطي العالم من جديد في نهاية الزمن، حينما يهدم الخالق ما بناه ويتحوّل هو ذاته إلى أفعى.

هذا التهديد الدائم هو الذي يفسر العلاقات التي يقيمها المصريون مع آلهتهم؟

هو كذلك في جانب كبير، وفي هذا المعنى ينبغي فهم القرابين المقدمة للآلهة، والعبادات الدينية في مصر القديمة عموما. ومن خلالها يتأكد البشر ويطمئنون أن الآلهة تلعب دورها على أحسن وجه في المعركة المستمرة من أجل المحافظة على النظام في العالم. ولكن هنا على الأرض، يعود هذا الدور الواقي إلى الملك لأن طبيعته الإلهية هي التي تؤهله لإقامة مراسيم عبادة لنظرائه الآلهة أما الكهنة فلا يتصرفون إلا بتفويض. علم أنساب الآلهة الذي يجعل من ملوك مصر العليا والسفلى منحدرين مباشرة من الآلهة، هو الذي يقلد الحاكم دور الضامن أمام الهباء (الكاوس). الحاكم الملك هو الذي يديم معجزة الخلق المستمرة، ومن أجل هذا السبب على وجه الخصوص كانت المؤسسة الفرعونية هي أساس الحضارة المصرية لمدة أكثر من ثلاث ألفيات.

المصدر:

Jean – mmmPierre Corteggiani

Jean-Pierre Corteggiani

Le nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011, L’origine du monde

أجرى الحوار شارل جيول

Page 4

في البحث الأبديعن الفردوس الضائع!

جون دوليمو، مؤرخ شغل في الكوليج دو فرانس كرسي "تاريخ الذهنيات الدينية في الغرب الحديث"، اختصاصي في تبلور الوعي الديني الأوروبـي في عصر النهضة أساسا، عضو الأكاديمية الفرنسية. من مؤلّفاته الغزيرة "تاريخ الجنّة" في ثلاث أجزاء، و"الكاثوليكية من لوثر إلى فولتير"، وآخرها "في البحث عن الفردوس" سنة 2010.

نظرت الديانات التوحيدية خلال فترة طويلة إلى بداية التاريخ الأرضيّ على أنّها حالة فردوسية. كانت تهيكل المجتمع رؤية متفائلة للغاية؟

نعم وقد حاولت أن أتابع هذا الحنين إلى الفردوس على المدى الطويل وهي الفكرة العزيزة على المؤرخ بروديل. في مرحلة أولى، كانت البداية تُتصوّر وتُفهم على أنها سعادة. ويشمل سفر التكوين كلّ خلق العالم وفي النهاية خلق الإنسان. ويحدث ذلك في "جنّة" وهي كلمة تعني "حديقة" من حيث الاشتقاق في الفرنسية. فبلاد عدن هي في الواقع حديقة مثيرة للإعجاب يتمتع فيها آدم وحوّاء بجمال مثالي، ولا ينال التعب منهما مهما بذلا من جهد فضلا على أنهما يعيشان بلا خطايا وعلى مقربة من الله. لا يموتان، ويعبران إلى الحياة الأبدية دون مكابدة أو عذاب. ولكن ها هما يرتكبان الإثم ويطردان من الجنّة ويقدّر عليهما الموت. وهكذا إذن أوصدت أبواب الجنة بحائط من نار عظيم ومنع دخولها بسيف ملاك.

لئن استحال الوصول إلى بلد السعادة الأرضي المثالي، ماذا عن الاقتراب منه؟

بقي الرجاء مترسّخا جغرافيا لمدة طويلة. وهكذا انتشرت فكرة إبان العصور الوسطى تقول بوجود أراضٍ في مكان ما من الشرق على حافة الجنّة الأرضية. لا يمكن ولوج الجنة أبدا بيد أنه يمكن الاقتراب منها دون شك. وهكذا تم وضع أسطورة "مملكة الأب يوحنا" وهو اختلاق تاريخيّ إذ لم يوجد هذا الملك إطلاقا، لكنّه هو وبلده الأسطوري الرائع جعلا الناس يحلمون! وتحوّلت مملكته في مخيال الناس إلى بلد الخصب والنعيم حيث أنهارٌ آتيةٌ من الجنّة الأرضية تجرف في مسارها خيرات آتية بدورها من أعالي الأنهار. وقد ظلّ الناس يؤمنون بوجود مملكة الأب يوحنا حتى القرن السادس عشر الميلادي.

ألم يقلص اكتشاف أراض جديدة من حقل الخيال الفردوسي؟

لا بالعكس، أرى علاقة بين الحنين إلى الجنة الأرضية ورحلات الاكتشاف الكبرى. فنحن نعرف أن كريستوف كولومبس كان يريد الوصول إلى الهند والصين من الغرب فوجد نفسه في أمريكا. كان يأمل أن يجلب الخيرات من الشرق الأقصى لتكون المال الضروري الذي يعين ملك إسبانيا على استرداد مدينة القدس والأماكن المقدسة. بيد أنه حينما اكتشف مصبّ أورينوكو حيث تتجمّع كميات هائلة من المياه العذبة، ظنّ أنه قريب من الجنة الأرضية، والتي كانت مشهورة بكونها منبع كل مياه الكون العذبة! ومن هنا قوله الذي يؤكد أنه إذا استطاع أحدهم - بموافقة ربانية - أن يصعد الأورينوكو سيصل حتى الجنة الأرضية وخيراتها. وكان لأمريغو فيسبوتشي وهو أحد من ساروا على دربه نفس الشعور وهو يمرّ بمحاذاة السواحل البرازيلية إذ صرّح: "وأنا شخصيا أعتقد بأنني قريب من الجنة الأرضية". وقد سحرته في هذه الأماكن "الأشجار بعددها اللامتناهي وكثرة الطيور وتنوّعها". ومن بينها الببغاوات التي ستلقب قريبا بـ"طيور الجنة". وهناك سببان لتفسير مماثلة هذا الطير بحيوان فردوسي: أوّلا هو يُعمّر طويلا جدّا - يعيش أكثر من مالكه في أغلب الأحيان - وثانيا هو يتكلم. وفي الجنة الأرضية تتكلم الحيوانات.

تُبيّن في كتابك الأخير أن الجنة الأرضية قد حُدّدت تارة كمكان وأخرى كحالة مستقبلية.

نعم..الروايات المتعددة للعهد الذهبـي هي التي تصورت الجنة الأرضية على أنها ألف عام من السعادة في المستقبل. في اعتقادي كان من بين الأجيال المسيحية الأولى كثير من الألفيين (المؤمنين بعهد المسيح الذهبـي الذي يدوم ألف عام) خصوصا القديسة إيريني، ترتوليان ولا كتانس، معلم ابن قسطنطين. وبعد ذلك انفصلت الكنيسة عن "نظرية الالفية" تحت توجيهات القديس أوغسطين. ولكن عادت إلى الظهور مع جواكيم دو فلور، راهب عاش في جنوب إيطاليا في القرن الثاني عشر. والذي أعاد الحياة لتلك الفكرة القائلة بزمن سعادة على الأرض يكون بمثابة الوسيط بين تاريخنا المضطرب ونهاية العالم. ويحدد بداية مرحلة السلم التي تشهد مجيء السعادة التأملية والتي تشع فيها الروح والرحمة في قلوب كل البشر.

Page 5

وما هي التصورات الطبوغرافية الأخرى عن الجنة بغض النظر عن جنة عدن؟

عرف الفكر اليهودي- المسيحي مرحلة هاجرت فيها الجنة التي كانت في البدء أرضية نحو السماء شيئا فشيئا لاسيما من خلال الاعتقاد بوجود مكان وسط تستريح فيه الأرواح قبل البعث العظيم. ومن خلال هذه الإضاءة ينبغي فهم وعد المسيح للص الطيب الذي صلب في نفس الوقت معه: "ستكون اليوم معي في الجنة". ومعنى هذا الوعد الذي كثيرا ما فهم خطأ هو: ستكون اليوم بالذات في المكان الذي ينتظر فيه المنصفون ساعة البعث. وبعد ذلك يتحدث القديس يوحنا عن "السماء الثالثة". ولكن لن تتأخر العصور القديمة المتأخرة ثم القرون الوسطى في إدماج الجنة النهائية داخل نظرية نشأة الكون الموروثة عن أرسطو والمدققة من طرف الجغرافي اليوناني بطليموس (القرن الثاني قبل الميلاد). توجد الجنة في تصور القرون الوسطى في السموات العلى والتي هي بدورها متكونة من مجالات متتالية. وفي القمة، فوق كل المدارات، تتربع "جنة الخلد" حيث حصرت الميثولوجيات قديما مسكن الآلهة. ويصبح لدى المسيحيين "البيت الثابت للربّ والملائكة والمصطَفين." وحسب هذا التصميم بنى دانتي تصوره لـ"فردوسه".

ينبثق تصور الكون انطلاقا من هذه النظرة الدينية. فما تحت القمر، كانت كل المادة الجوهرية متكونة من أربعة عناصر: الأرض، الماء، الهواء والنار. وتشكل العناصر الثلاثة الأخيرة طبقات متحدة المركز حول الأرض. وكان كل الطوق المشكّل لما تحت القمر ميدانا للتغيرات والتعديل: كان العالم هنا عالما متحركا خاضعا للفساد. وعلى العكس فابتداء من القمر نصل إلى المجالات البلورية الشفافة وإلى عالم الصفاء الذي لا يعرف الفساد: هنا الحركة دائرية، وأقصد أنها مكتملة كالشكل الكروي.

هو ذلك التصوّر للآخرة الذي سيضعه كوبرنيكوس وغاليلو في مأزق؟

نعم، لقد حطما بشكل بسيط ونهائيّ كل منظومة الاعتقادات الكوسموغرافية (المتعلقة بمظهر الكون وتركيبته) والميتافيزيقية التي كانت مقبولة حتى ذلك الوقت! لقد كان الأمر بمثابة ثورة ثقافية حقيقية. أولا ذهب العالمان ضدّ الحسّ العامّ حينما قالا بعدم دوران الشمس حول الأرض وإنما العكس. إذا لم نعد نؤمن بما نرى، أليس من الحريّ بنا أن نشك في كلّ شيء؟ وبعد ذلك اكتشف غاليلو شوائب على الشمس وجوبيتر وفينوس. وإذن فالفساد يطال حتى المجالات العليا؟ وهكذا لم يعد موجودا ذلك الحدّ الذي اخترعته القرون الوسطى بين عالم أرضيّ وعالم سماويّ. فلم يعد هناك قطيعة بين دائرة الصفاء ودائرة الفساد وإنما بين عالم مرئيّ محسوس وعالم غير مرئيّ متخفِّ. وهذا يعني إعادة نظر في كثير من الأشياء! ودون أن ننسى أنّ نيوتن قد تمكّن من تفكيك الضوء بينما كان معتبرا كإشعاع من الله لا غير. وحينئذ أصبح كل البناء الجغرافيو-ديني للسماء محلّ إعادة تفكير.

ومع ذلك لا تزال فكرة الجنة تدور في الأذهان بعد غاليليو؟

أقول بالأحرى إن الأرض هي التي لا زالت تدور وليس الجنة إذ أصبح من الصعوبة تخيّلها. وقد سبق للوثر أن كتب: "مثلما لا يعرف الأطفال في بطون أمهاتهم إلا الشيء القليل عن مولدهم، فكذلك لا نعرف سوى القليل عن الحياة الأبدية". أما فيما يخص تعاليم مجلس ترينت فنقرأ: من المستحيل أن نفهم اليوم عظمة تلك الأمور (الجنة) إذ لا يمكنها أن تظهر لعقولنا. ينبغي أن نكون قد دخلنا في بهجة الربّ، وعند ذاك نكون كالمغمورين والمجللين من كل جهة بتلك البهجة وتكون رغباتنا قد تحققت كلها".

هل تجاوز تجسيد الجنة هو طريقة ما للتوفيق بين العلم والدين؟

بل هو السبيل الوحيد الممكن!

ثم استلمت ديانة التقدم المشعل...

ولدت فكرة التقدم في القرن الثامن عشر واتضحت معالمها مع الفيلسوف ليبنتز ثم سيطرت إبان القرن التاسع عشر. ومع تقدم التعليم والتثقيف والعلم سيأتي التقدم الأخلاقي الذي سيحسّن الحياة على وجهه هذه الأرض، كما نأمل. أتذكر أنّ بيار لورو، الرجل الذي نحت كلمة "اشتراكية"، قد كتب: "ستتحقق الجنّة على الأرض". وكان الوضعيون ينظرون إلى أنفسهم، هم أيضا، على أنهم من عوامل التقدم على الأرض وهو تقدم كان لديهم كشكل من أشكال الدين. وقد بشّرت الماركسية بدورها بالسعادة التي ستكتشفها الإنسانية بفضل المجتمع اللاطبقي. وفي النهاية ربما يكون الفكر المادي واحدا من التحولات المتعلقة بتصوّر الجنة الأرضية والحنين إليها.

المصدر:

Le Nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011

Jean Delumeau

Page 6

الغرب والله واينشتاين

حوار بين كلود آليغر عالم كيمياء الأرض واللاأدري الاتجاه ووزير التعليم العالي سابقا في فرنسا ومواطنه جان روبيرت-أرموغات، المؤرخ والقس الكاثوليكي.

لماذا كل هذا النـزاع بين العلم والمسيحية في مسألة أصل الكون والإنسان؟

كلود آليغر: أودّ أن أفصح عن رأي ربما سيكون عنيفا. أعتقد أن التوراة ستدخل رأسا في تناقض وصراع مع العلم إن لم تؤخذ مأخذ الاستعارة. سآخذ مثالا في مجال عزيز على قلبـي كثيرا: لقد أثبت علم كيمياء الأرض بدقة صارمة تاريخ تكوّن الأرض إذ عيّنه ما بين 5.4 و4.4 مليار سنة مضت. ماذا ينبغي أن نفعل في هذه الظروف أمام نص يرى أن الأرض قد خلقت منذ 4000 سنة فقط قبل عصرنا. لا مخرج إلا إذا اعتبرنا أنّ كلّ سنة توراتية تعادل في الواقع -وبشكل مجازيّ- مليون سنة من سنواتنا؟

جان روبيرت-أرموغات: أنا متفق معك إلا في تفصيل معين: قراءة التوراة ليست مجازية وإنما هي رمزية، وذلك أمر مختلف.

كلود آليغر: ليكن!

جان روبيرت-أرموغات: لم يبدأ أخذ رواية الخلق المقترحة في "سفر التكوين" بالمعنى الحرفيّ إلا في مرحلة تاريخية متأخرة جدا: منذ القرن الرابع الميلادي كان أوغسطين واعيا بالحدود الشكلية لمثل هذا الخطاب والصعوبات التي يمكن أن تنجرّ عنه. وبدل التسليم بهذا الرأي، وضع على عاتقه تقديم تأويل رمزي أو أخلاقي للرواية. ولكنّ كلّ شيء تغيّر في القرن السادس عشر، قرن الإصلاحات الدينية. حينما دعت البروتستانتية إلى عودة المؤمنين إلى النص المقدس وشدّدت على أهمية القراءة الحرفية للتوراة. وهكذا وجد الكاثوليك أنفسهم في ورطة! وبدل أن يتركوا لمنافسهم الاستئثار بالحديث عن التوراة، دخلوا في المنافسة: وراحوا هم أيضا يأخذون بحرفية النص المقدس، بينما في نفس ذلك القرن كان علم الفلك يعرف تطوّرات كبيرة مع كوبرنيكوس ثم كيبلر وغاليليو، ويُستبدل النموذج المركزي الأرضي العزيز على الكنيسة بالنموذج الشمسي المركزي. وهكذا، ففي الوقت الذي يقلع فيه العلم، يعرف الدين تقهقرا أكيدا. وهذا التقاطع هو الذي يفسّر عنف الصدام بين العلم والدين كما تبيّن بطبيعة الحال محاكمة غاليليو.

كلود آليغر: سعيد أن تذكر ذلك إذ أنني أعرف غاليليو جيدا. خصصت له كتابا وأحضّر في هذا الوقت بالذات نصا مسرحيا حول حياته. وما ينبغي التذكير به هو أنّ غاليليو نفسه كان مؤمنا بشكل عميق. واكتشاف قوانين الكون كان بالنسبة له وسيلة للتقرب من الله. وبهذا المعنى فلم يكن يطبّق سوى تعاليم توما الاكويني التي مفادها أن العقل والملاحظة يسمحان بالوصول إلى الله. والبابا أوربانيوس الثامن نفسه استقبل غاليليو سبع مرات على الأقل وأظن أنه انتهى إلى الاعتقاد بأنّ الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس. كان فقط يرغب أن لا يتم إعلان اكتشاف كهذا من طرف رجل عالم وإنما من الكنيسة نفسها. ولم يكن يرغب في الحكم على غاليليو لو لم يقف في وجهه أعيان الكنيسة الكاثوليكية الذين كانوا يحيطون به. من جهة أخرى فقد عيّن ابن أخيه رئيسا للمحكمة وكان طالبا سابقا في علم الفلك إلا أنّ الكنيسة كانت تشتغل كالمكتب السياسي السوفييتي الذي يفرض على المحكمة قانونه.

Page 7

جان روبيرت-أرموغات: بالفعل لقد اضطرّ أوربان الثامن الذي كان ينتمي إلى وسط متنوّر إلى الرضوخ أمام أغلبية الأحبار التي كانت تلومه على رخاوته تجاه الهراطقة وكذلك على حبّه ومناصرته للفرنسيين.

كلود آليغر: بالضبط..لقد ضحّى بصديقه لإظهار صرامته. وكانت الإدانة سياسية أكثر مما كانت فكرية. يبدو لي أننا متفقان بشأن غاليليو ولكنني أعود إلى مثالي الأولي: هل يثير لديك عمر الأرض الذي توصل إليه العلماء مشكلة؟

جان روبيرت-أرموغات: هذا لا يزعجني لا سيما وأن الكنيسة قد تخلّت تدريجيا وابتداء من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر عن الفكرة القائلة بأن الأرض قد خُلقت منذ 6000 سنة. لقد قبل رجال الدين أن أصل الأرض يعود في الواقع إلى عدة ملايين من السنين، كما أن أغلب الطوائف قد وافقت على هذا التأريخ دون معارضة.

كلود آليغر: بالمقابل لم تتوصل الكنائس البروتستانتية في الولايات المتحدة وعلى الخصوص الباتيستية (المعدانية) منها إلى قبول الأمر بعد. لقد طرد أحد زملائي، جورج ويذريل من كنيسته، لأنه رفض أن يُكذّب رسميا عمر الأرض الذي حدده علم كيمياء الأرض. ونفس الشيء حينما عيّن كلير باترسون عمر الأرض 4.55 مليار سنة، خرج الناس في مظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية ضده وتم قذفه بالبيض الفاسد! حسنا! أوّد أن أوافقك في أنّ الكاثوليك لم يتمادوا في الدفاع عن كرونولوجيتهم القصيرة فيما يخص تاريخ الأرض. بيد أنه حينما شرح مؤسس علم كيمياء الأرض الحديث السكوتلندي جيمس هوتن في القرن الثامن عشر أن الجبال قد تكونت عن طريق رواسب جاءت من داخل الأرض، وتآكلت بفعل الأمطار. وإذن وبكلمات أخرى فإنّ الخلق يأتي من مركز الأرض، مكان جهنم المفترض وهو هدمٌ للسماء. وهذا صدم الكنيسة وأغضبها كثيرا.

جان روبيرت-أرموغات: كان النقاش حماسيا عاطفيا في تلك المرحلة خصوصا. لأن ما يعرف بالنظرية "الكارثاتية" كان هو المسيطر إلى ذلك الحين وحتى بين الجماعات العلمية ذاتها. وهي نظرية تقول بأن الأرض قد تم تشكيلها تحت الماء أُثناء الطوفان. ولكن ومرّة أخرى لم يعاد النظر جذريا في نظرية الكارثة رغم التقدم الذي تدل عليه اكتشافات علم طبقات الأرض الحديث. لا تقع جهنم في مركز الأرض إذ هي ليست مكانا بمعنى الكلمة، هي مجمع أرواح. هناك رمزية تاريخية مفادها أن الأعلى كان دائما الأحسن والأسفل دائما هو المفجع. مثلما كان يعتبر اليمين إيجابيا واليسار مهلكة - لا ينبغي سحب ذلك على المجال السياسي!- لم تدّع السلطة العقائدية للكنيسة المسيحية مع توما الاكويني أبدا تحديد جهنم أو الجنة في أمكنة مادية.

كلود آليغر: إذن وللعودة إلى سؤالنا المركزي، ينبغي قراءة سفر التكوين قراءة رمزية؟

جان روبيرت-أرموغات: هي بالفعل واحدة من بين القراءات التي يمكن أن نقوم بها إذا ما اتبعنا مذهب اللاهوت المدرسي للمعاني الأربعة للنص المقدس والذي يشدد على أهمية التأويل الروحي والأخلاقي إلى جانب القراءة الحرفية. ولكن لكي أدافع عن التوراة قليلا أودّ قلب معنى النقاش وأشير إلى أن المخيال التوراتي في رأيي غير غريب عن التطور العلمي الذي شهده تاريخ الغرب ابتداء من عصر النهضة. فالإيمان بخالق وضع قوانين الطبيعة، والتفكير في طبيعة المسيح المزدوجة، ومن هنا حول الطبيعة الإنسانية.. كل هذا ساهم في تحديد تصاميم عقلية وأنسقة ساهمت جزئيا في تحديد عمل رجال العلم.

Page 8

كلود آليغر: أنت على حقّ. لقد قال اينشتاين: "إنه لمن الحظ أن يولد العلم في الغرب". ومن ناحيتي فأنا على يقين بأن الأمر لم يكن ضربة حظ: إذا كان العلم قد ولد في الغرب فذلك بفضل حضور الكنيسة الكاثوليكية. بإنشائها للجامعات - بمعنى تجميع عدة كليات، وحيث تدرس عدة اختصاصات - سمحت الكنيسة للفكر أن ينتشر. بكلمات مختصرة لقد تم طرح الأسئلة. وسقراط الذي اختير ليكون أساسا فكريا للكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى هو الذي أرسى قواعد المنهج التجريبـي حتى وإن لم تكن له الوسائل للوصول إلى استنتاجات دقيقة. ولكن كي أقوم بخطوة نحوك، ينبغي أن أقول ولو أنني أنتمي كليا إلى اللاأدرية، أننا يمكن أن نبرّر الإيمان بحجج علمية. تبدو القوانين الطبيعية موضوعة بطريقة جيدة للغاية إلى درجة يمكن أن أفهم القول الذي يرى استحالة وجودها عن طريق الصدفة. وهو ما اعتقده اينشتاين وهو المؤمن حينما قال: "إن الله لا يلعب النرد" وهو الدليل على أن الدين والعلم يمكن أن يتعايشا حتى في الأدمغة الأكثر تألقا. ولكن من الضروري أن يترك الدينُ العلمَ يتصرف بكل حرية.

جان روبيرت-أرموغات: لا أعتقد أنا أيضا أن المواجهة بين العلم والدين قدر محتم. فلا تعدو أزمات القرن السابع عشر التي ذكرنا ثم ما تلاها بعد ذلك مما هو متعلق باكتشافات داروين أن تكون سوى طوارئ تاريخية في نظري. والتعارض بين العلم والدين ليس جوهريا. ولكن هناك أوقات أزمة وهناك أوقات كانت مثمرة ومُخَلِّصة سمحت في النهاية للعلم والدين أن يفهما بأن ليس من مهمتهما الإجابة على مطلق الأسئلة. شخصيا يعزّز التطور العلمي قناعاتي الدينية. لقد رأيت دائما أنه ليس للكنيسة أن تخاف من الحقيقة وإلا كنت قد تركتها في الحال.

المصدر:

أجرى الحوار كارولين برون وشارل جيول

Caroline Brun & Charles Giol

Le Nouvel Observateur, Hors-série, Janvier-Février 2011

Page 9

كيف ظهرت الحياة؟

اندري براك مدير بحوث شرفي في المركز الوطني للبحوث العلمية (فرنسا). فلكي- وبيولوجي، يُدرّس أصل الحياة فيمركز البيوفيزياء الجزيئية في أورليون. والرئيس الشرفي للشبكة الأوروبية لعلم الاستروبيولوجيا وعضو شرفي أيضا في معهد النازا في نفس العلم. من بين مؤلفاته: "هل الحياة كونية؟" و"هكذا أصبحت المادة حية…" و"الحياة في الكون: بين الأساطير والحقائق".

هل يمكننا تأريخ ظهور الحياة على وجه الأرض بدقة؟

نتفق عموما على أن الحياة بدأت تدب في جزء من المادة في مياه المحيطات منذ حوالي أربعة ملايير سنة. ولكن يجب تفسير ما المقصود بـ"الحياة". في الحقيقة نعتبر "حي كحد أدنى" أنظمة جُزيئية مفتوحة - تتلقى مادة وطاقة - والتي تكون قادرة على التكاثر الذاتي والتطور. وهذه الجزيئات الأصلية الأولية هي بشكل ما آلات كيميائية ذاتية الحركة قادرة على توليد جزيئات أخرى على صورتها. وهكذا تزيد في إنتاج نفسها بنفسها. ومن المحتمل أنها كانت مبنية على هيكل من ذرات الكربون مضاف إليها ذرات هيدروجين وأوكسجين وأزوت وكبريت وفسفور، وهي جزئيات يصفها علماء الكيمياء بـ"العضوية".

لماذا اعتبار الماء أصل الحياة؟

لكي تتمكن الجزئيات من الالتقاء ينبغي أن تكون لها القدرة على الحركة. في حالتها الجامدة، لا تتمكن من الحركة، وفي الحالة الغازية يكون مجموع الجزئيات المتبخرة مختزلا جدا. تقدم مرحلة السيولة إذن أفضل محيط لانتشار وتبادل الجزيئات وهو الشرط الضروري لبروز الحياة. وقد لعب الماء هذا الدور الجوهري إذا كان وجوده على سطح الارض مبكرا جدا.

كيف كان حال الأرض حينما ظهرت الحياة؟

كانت الأرض البدائية عبارة عن مجموعة من المحيطات محاطة بأحواض من المياه قليلة العمق ولكنها ساخنة تتراوح درجة حرارتها ما بين 50 و80 درجة مئوية. كانت تشبه ايسلندا الحالية. ومقارنة بالكواكب الأخرى للأرض حجم جيد، وهي على مسافة جيدة من الشمس. لو كانت صغيرة الحجم كالقمر أو عطارد مثلا، لما كانت تمكنت من المحافظة على جو ضروري يبقي الماء سائلا على السطح. ولو كانت الأرض أكبر حجماً مثل زحل أو جوبيتر لكانت غازية ولكان وجود الماء مستحيلا أيضا. ونفس الشيء أيضا حينما يكون كوكب كثير القرب من نجمه فسترتفع حرارته تحت تأثير الإشعاع النجمي. يتبخر الماء ويشحن الغلاف الجوي بكميات هائلة من بخار ماءتساهم في حدوث الاحتباس الحراري والاحترارالمناخي. وتلك دائرة مغلقة تؤدي إلى تدمير الحياة. وعلى النقيض من ذلك فكوكب بعيد جدا من نجمه لا يستطيع أن يأوي ماء سائلا على سطحه إلا إذا استطاع أن يحتفظ باحتباس حراري دائم. ولكن يمكن للماء أن يؤدي إلى اختفاء نفسه بنفسه بتذويب غاز الاحتباس الحراري! حينما يذوب جراء المطر، يتحول ثاني أوكسيد الكربون إلى حجر جيري في قاع المحيطات. وهكذا تنقص شدة الاحتباس الحراري وتهبط درجات الحرارة إلى حد تحول كل المياه على جليد قوي على السطح.

Page 10

تقدم الأرض شروطا مثالية لظهور الحياة إذن؟

بالضبط! ولهذا يتخذ العلماء الذين يدرسون تطور الحياة في الكون من الحياة الأرضية منطلقا للبحث عن الحياة في مواضع أخرى. يحصرون ابحاثهمفي المكونات الأساسية للحياة على سطح الأرض والتي هي الماء والجزئيات "العضوية" وذلك ليس مجرد محاكاة لمسلك أناني ولكن لأن هذا الزوج (الماء والجزئيات العضوية) يتوفر على خصائص استثنائية مثبتة في المخبر.

كيف يتم المرور من جزيء عضوي إلى الكائن الحي المعقّد الذي نعرف، إلى الحيوان، إلى الإنسان...

داروين هو الذي اقترح أول سيناريو "عضوي" حينما كتب سنة 1871 إلى عالم النبات البريطاني جوزيف هوكر: "و لكن لو تمكنا من ابتكار في بركة ماء صغيرة ساخنة مختلف أنواع أملاح الأمونيوم والفوسفات، الضوء، الحرارة، الكهرباء، الخ. لفسحنا كيميائيا المجال لتكوّن مركب هيوليناتي (هولينات)." إنها نموذج لـ"حساء أساسي" طُوّر بشكل كبير من طرف أليكسندر أوباران سنة 1924 ثم جون هالدان سنة 1929. ومن ذلك الوقت حاول علماء الكيمياء معرفة أين وكيف تولدت الجزئيات العضوية انطلاقا من ثاني أوكسيد الكربون و/أو غاز الميتان، أبسط مصادر الكربون. ويتم البحث في ثلاث قنوات: الجو، تحت الماء، خارج الأرض.

هل تسمح بتوضيح النقاط الثلاث؟

كان مفترضا فقط أن الجزيئات ما قبل-الحياتية أو القوالب المبكرة للمادة الحية، قد تركبت في الغلاف الجوي للأرض البدائية ولكن تدعمت هذه الفكرة عن طريق التجربة سنة 1953 من طرف ستانلي ميلر الذي تحصّل على أربعة أحماض أمينية، العناصر المكونة للبروينات بتعريضه لخليط من غاز الميتان والهيدروجين والأمونياك والماء إلى شحنات كهربائية. ومع ذلك فحينما نعيد تجربة ميلر بالمرور تدريجيا من غاز الميتان إلى ثاني أوكسيد الكربون، المكون الغالب للغلاف الجوي البدائي يصبح تكوّن الأحماض الأمينية صعبا أكثر فأكثر. وإذن فمن الأرجح ألا يكون الغلاف الجوي البدائي هو مصدر المادة الأساسي الضروري لظهور الحياة الأرضية. تملك بعض النظم الحرارية المائية البحرية في المحيطات خصائص تؤهلها لتوليد جزئيات ما قبل - حياتية و لكن لا جزئية من تلك الجزيئات قد تم تحديد هويتها إلى اليوم. ومن جهة أخرى فقد سمح جمع وتحليل النيازك والميكروسكوبية منها على الخصوص التأكيد على أنها قد وهبت للأرض نسبة كبيرة من المادة الأولية المكربنة.

ما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من معرفة الحي البدائي؟ هل بمقدورنا خلق الحياة في أنابيب الإختبار؟

تشير عالمية الشفرة الجينية وأسلوب العمل الخلوي المستعمل من طرف كل النظم الحيوية الحالية أن الحياة قد ظهرت كخلية مصغرة. انطلاقا من جزئيات عضوية صغيرة، حاول إذن علماء الكيمياء جاهدين إعادة تكوين نماذج محدودة من غشاءات، بروتينات، إ.ر.ن وهو شكل من الحمض النووي (ا.د.ن) قائم على رد الفعل والذي يكون من المحتمل أنه كان سابقا لهذا الأخير في تاريخ الحياة. وتمكن علماء الكيمياء وفي ظروف تذكّر ظروف ما كانت عليه الأرض البدائية من إنشاء غشاءات وبروتينات مصغرة، ولكنهم لم يفهموا بعد كيف استطاعت اسلاف الـ أ.ر.ن الظهور تلقائيا في المحيطات البدائية والبقاء فيها على قيد الحياة. ونفس الصعوبة نصادفها فيما يخص العالم الحي المتعلق تكوينه بـا.ر.ن فقط، وهي المفترضة كأسلاف للفيروسات الحالية والتي يبدو أنها سبقت عالما خلويا حيا.ومن هنا باءت بالفشل وإلى حداليوم كل المحاولات التي أجريت بهدف خلق حياة بدائية في المختبر. وتبقى حظوظالكيميائيين في النجاح متوقفة على مدى بساطة سلسلة العمليات المُتصورة مستقبلا. إن اكتشاف أصل ثان للحياة يكون مستقلا عن الحياة الأرضية، سيقدم دليلا على بساطة الظاهرة ويبرهن على طابعها المتكرر.