eKtab
EN ع
في نظرية الأدب
Read free sample

في نظرية الأدب

by د. شكري عزيز ماضي

Page 1
مقدمة الطبعة الرابعة
 
دفعتني بواعث عديدة إلى إعادة نشر هذا الكتاب، وفضلاً عن أسباب مهمة من مثل: ضرورة معاودة النظر، وضرورة التطوير والإضافة، أود أن أشير إلى سبب موضوعي آخر، وهو أن كتاب في نظرية الأدب قد لقي ترحيباً من قبل الأساتذة والنقاد والباحثين تجاوز الأقوال الشفهية المشجعة أو المكتوبة، إذ تم اعتماده في التدريس في أكثر من ثلاثين جامعة عربية في مغرب الوطن العربي ومشرقه، وهو أمر ولد في نفسي مزيجاً من الإحساس بالسعادة والمسؤولية معاً· فقد سعدت حقاً بأن يقوم بتدريسه أساتذة ونقاد عرب لهم شأنهم وحضورهم· ولولا الخشية من الإطالة لذكرت أسماءهم واحداً واحداً، ولهذا - أيضاً- أود أن أشكرهم مجتمعين، فصنيعهم هذا منحني المزيد من الثقة، ودفعني إلى معاودة النظر، وتصحيح بعض الأخطاء الطباعية، وسدّ بعض الثغرات المنهجية·
 
ولم أكتف بهذا فقد شعرت بضرورة إضافة ثلاثة محاور هي: النظرية الطبيعية الأدب والتاريخ، ومصطلحات النظريات الأدبية وتحول النسق الثقافي، وهي محاور تتمم محاور الكتاب، كما قد توضح - ولا سيما محور المصطلحات - بعض قضايا الكتاب ومفاهيمه· وتبع هذا إضافة العديد من المصادر والمراجع العربية والأجنبية الحديثة لمزيد من القراءة، وإضافة عدد من النصوص الأساسية التي من شأنها مواكبة التطورات والتحولات في حقل النظرية التي شهدتها العقود الأخيرة من القرن العشرين·
 
ولا أود تكرار ما ورد بمقدمة الطبعة الأولى - وقد كتبت قبل ربع قرن- لكني أود أن أؤكد بأن هذا الكتاب يهدف - أساساً - إلى تقديم معرفة علمية إلى طلبة الأدب والنقد وعموم الباحثين والمختصين، وهي معرفة منضبطة إذ تتم باستقراء النصوص الأصلية، وبيان سياقها وأبعادها الثقافية والفلسفية، وما تجسده من رؤية للأدب والنقد واللغة والتاريخ والإنسان والعالم· ولهذا حاولت عرض القضايا واستنباط المفاهيم ومناقشة المواقف وإبراز السياق، بهدف ترسيخ مفهوم علمي للأدب، يمكن أن يسهم في رفد ثقافتنا بمعرفة منهجية منظمة لنسق تكويني مهم من أنساق الثقافة العربية المعاصرة·
 
أ· د· شكري عزيز الماضي
 
أستاذ نظرية الأدب والنقد المعاصر بعدة جامعات عربية
Page 2
مقدمة
 
هذا الكتاب مجموعة من المحاضرات التي ألقيتها على طلبتي في جامعة قسنطينة، ولعل ما دفعني إلى نشرها الشكوى المستمرة من قلة المراجع في مادة نظرية الأدب بالتحديد، وهي شكوى لها مسوغاتها، فالمكتبة العربية فقيرة في هذا النوع من الدراسات ولا يوجد باللغة العربية سوى كتاب نظرية الأدب لرينيه ويليك وأوستن وارين وقد ترجم في بداية السبعينيات، وهو في جوهره محاولة تأصيلية واعية لجهود مدرسة الشكليين الروس، وكتاب آخر بعنوان مقدمة في نظرية الأدب للأستاذ الدكتور عبد المنعم تليمة وهو محاولة رائدة استفدت منها كثيراً·
 
لهذا فقد توخيت في هذا الكتاب أن يكون سهلاً بسيطاً، وقد ابتعدت تبعاً لذلك عن الاستطراد في طرح الجانب الفلسفي لكثير من القضايا·
 
أما بعض القضايا التي لا تفهم إلا بالعودة إلى أساسها الفلسفي فقد آثرت عرضها بشكل مبسط مختصر· غير أني لم أشأ تقديم المادة إلى القارئ بشكل جاهز دون بذل أي جهد من جانبه لإيماني بأنه المحور الأساسي في أي عملية تربوية أو ثقافية·
 
وقد حاولت في البداية أن أبين التمايز والتداخل بين ميادين نظرية الأدب والنقد الأدبي وتاريخ الأدب، ثم عرضت للنظريات الأدبية ثم إلى نظرية الأنواع الأدبية وهو ما دفعني إلى الحديث عن قضية التطور في الأدب، وبعد ذلك عرضت لعلاقة الأدب بالأيديولوجيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع ثم أفردت محوراً للحديث عن البنيوية على اعتبار أنها تمثل اتجاهاً جديداً وتقدم فلسفة جديدة للأدب، مستندة إلى معطيات علم اللغة العام· وأخيراً كان لا بد من الحديث عن نظرية الأدب في التراث العربي·
 
غير أنني لا بد أؤكد هنا بأن محاور الكتاب تعرض لجهود الفلاسفة والنقاد في مجال نظرية الأدب، بدءاً من أفلاطون وأرسطو مروراً بووردزورث وكوليردج وبرادلي وكروتشيه وإليوت، وبليخانوف ولوكاش، وسيموند وسبنسر وبرونتيـير وفرويد ويونغ وأتباعهما وفيكو ومدام دي ستال وهيبوليت تين وتولستوي وإسكارابيه، وانتهاءً ببارت وتودوروف وسوسير وجولدمان، إضافة إلى جهود نقادنا القدامى أمثال الجاحظ والمعري وابن سينا والفارابي وقدامة بن جعفر وابن طباطبا وحازم القرطاجي وغيرهم، ولا شك بأن الوقوف عند قضية من القضايا المثارة أو عند علم واحد من هؤلاء الأعلام قد يتطلب مؤلفات بحالها، ولهذا فإن المحاور التي يتضمنها هذا الكتاب، والتي أقدمها بين أيدي القراء، ليست إلا إضاءات على هذه القضايا العديدة، وقد آثرت الاختصار في الموضع الذي رأيته يحتاج إلى ذلك ثم أسهبت قدر الإمكان في مواقف وقضايا أخرى·
 
وسيجد القارئ أنني لم أكتف بالعرض والترتيب والتنسيق والتوثيق (وهو جهد قد لا يقدره إلا من احترف الكتابة) وإنما حاولت التعليل والتعليق والربط والمقارنة كلما اقتضت الضرورة·
 
وقد أردفت محاور الكتاب بمحور تضمن نصوصاً في نظرية الأدب، وقد أكثرت منها متعمداً لعلّها تفيد في إلقاء أضواء على القضايا التي عالجها الكتاب، كما قد تكون معيناً للأساتذة في حصص التطبيق خاصة·
 
وأخيراً فإنني أقدم شكري وامتناني إلى طلبتي في جامعة قسنطينة للأعوام الدراسيـة 1982/ 1983/ 1984 الذين استفدت من محاوراتهم ومناقشاتهم وأسئلتهم· كما أتقدم بالشكر لكل الزملاء والأصدقاء الذين أمدوني بملاحظاتهم وكتبهم·
 
وأخيراً آمل أن يستفيد القراء والدارسون بهذه المحاور التي قمت بصياغتها على أمل أن تجيب عن بعض الأسئلة، وأن تفتح الباب في الوقت نفسه أمام تساؤلات كثيرة·
 
د· شكري عزيز الماضي
Page 3
نظريــة الأدب
 
حدودها، مهامها
 
 
 
يتصدى الدارس الأدبي، في بداية عمله، إلى تصنيف المادة الأدبية من غيرها، ويتم مثل هذا الأمر، في الأغلب بشكل آلي تقريباً، فهناك أعمال أدبية تفصح عن نفسها مثل الرواية، المسرحية·· إلخ أصبح لها حدود متفق عليها بشكل عام·
 
ولكن إذا حاول الدارس أن يسأل نفسه مثلاً أسئلة من نوع: ما الذي يميز الأدب عن غيره؟ وما الذي يجعل من العمل الأدبي عملاً أدبياً؟ فإنه سيواجه صعوبات ومشكلات متعددة· لأن الإجابة عن هذه الأسئلة البسيطة في ظاهرها المعقدة في جوهرها، تتباين من ناقد لآخر ومن مرحلة إلى أخرى· فهي تعني البحث عن الخصائص الخاصة للأدب ومصدرها ومهمتها·
 
فهل الذي يميز الأدب اللفظ أم المعنى ! ، الصورة أم الإطار الجمالي، الفكرة أم أسلوب العرض؟ أو أن العمل الأدبي محاكاة فنية لفظية؟ وإذا كان كذلك فما مفهوم المحاكاة وما هو موضوعها؟ هل هو محاكاة للظواهر الحسية أو للانطباعات الذهنية أم لكليهما؟ هناك من يقول بأن الأدب مرآة ويتردد مصطلح المرآة منذ أفلاطون وحتى أيامنا هذه، وتتباين وربما تتناقض آراء القائلين بهذا المصطلح، فهل هو مرآة للأشياء أم لعقل الأديب، أم لنفسه، أم مرآة للبيئة والوسط والمحيط أم للمجتمع؟ ثم هل المرآة مستوية أم محدبة أم مقعرة؟ وقريباً من مصطلح المرآة يردد آخرون بأن الأدب صورة، ونجد أنفسنا مرة أخرى أمام خلافات بينة، فهل هو صورة لفعل الشخصية أو صورة لحياة الأديب، أم لانفعاله، أم صورة من صور التعبير عن الخيال، أم صورة للعلاقات الاجتماعية؟ وبعيداً عن هؤلاء وأولئك هناك من يحاول تحديد ماهيّة الأدب من خلال ربطه بغيره من الظواهر فيصبح جزءاً من الفن بشكل عام، أو جزءاً من المعارف والعلوم الإنسانية، أو جزءاً من الأيديولوجيا، أو جزءاً من النظام الاجتماعي أي يعد ظاهرة اجتماعية، وربما ظاهرة حضارية·
 
وخلافاً لكل ما تقدم هناك من يحاول أن يعرف الأدب من خلال الأداة، فالأدب فن لغوي، أو لغة الخيال، أو كيان لغوي، أو جسد لغوي، أو مجموعة من الجمل (1) ·· إلخ وهناك من يرى أن الأدب شكل جمالي خالص، أو عمل فني بحت، أو نظام من الرموز والدلالات التي تولد في النص وتعيش فيه ولا صلة لها بخارج النص! وعلى عكس هؤلاء يرى آخرون أن الأدب تعبير بالكلمة عن موقف الأديب من العالم، أو أنه أداة تعبير طبقية، أو أنه صياغة لغوية لتجربة إنسانية عميقة، أو أنه استخدام خاص للغة لتحقيق هدف ما·
 
كل هذه الأسئلة والتساؤلات السابقة تعكس مدى الخلافات والصعوبات الناتجة عن محاولة الإجابة عن السؤال السابق، وقد يأخذ الدارس الأدبي برأي من تلك الآراء المتعددة، لكنه في محاولته البرهنة على صحة الرأي الذي اتخذه يجد صعوبات أخرى· أهمها المنهج المتبع في الإجابة، لتأكيد صحة ما ذهب إليه، فهناك من يحاول تأكيد وجهة نظره وصحتها من خلال تحديد منشأ العمل الأدبي أي نشأته ومصدره، وهناك من يتخذ وجهةً أخرى إذ يركز على وظيفة العمل الأدبي على اعتبار أن الوظيفة تحدد الماهية· وهنا وهناك نجد الآراء المتعددة المتباينة إلى حد التناقض·
 
فهل تتحكم بنشأة الأدب قوى خارجة عن الإرادة الإنسانية والطبيعة البشرية مثل الوحي والإلهام؛ أي ربة الشعر عند اليونان القدماء، وشيطان الشعر عند العرب في الجاهلية، أم قوى مرتبطة بالإنسان مثل غريزة حب النغم والإيقاع، أم الانفعال والنشاط العام للخيال، أم اللاشعور الفردي ومخزوناته من المكبوت، أم اللاشعور الجمعي، أم أنه صدى للأساطير القديمة؟ هناك من يقول بأن الأدب نتاج لعملية خلق حرة، وعلى عكس هؤلاء يرى آخرون بأن الأدب نتاج لفعالية اجتماعية· وهنا تبرز أسئلة أخرى: هل الأدب لعب أم عمل، صنعة أم تخييل، إبداع أم خلق؟
 
وهل وظيفة الأدب بعد ذلك إفساد الأخلاق، أم تطهير العواطف، أم إثارة العواطف وتمكين القراء من التعبير عن انفعالاتهم، أم إنه للمتعة الخالصة والتسلية البحتة والإحساس بالجمال الخالص؟ أم تراه يؤدي وظيفة تتمثل في الفرار من الواقع إلى عالم آخر هو عالم العدالة الشعرية، أم على العكس تكمن مهمته في دفعنا للالتصاق بالواقع في سبيل تخطيه وتجاوزه لبناء واقع أفضل؟
 
لعل كل هذه الأسئلة التي تعترض طريق الدارس الأدبي تتمحور حول قضايا ثلاث هي نشأة الأدب، وطبيعة الأدب، ووظيفة الأدب أي مصدره وماهيته ومهمته· ولا شك في أن البحث في هذه القضايا يستلزم مواقف محددة من الإنسان والحياة؛ لأن الحديث عن وظيفة الأدب مثلاً يفضي بنا بالضرورة إلى الحديث عن مهمة الإنسان وعلاقته بالبشر الذين يعيشون معه وحوله· وبعبارة أخرى إن البحث في تلك القضايا يتطلب الإيمان أو الاستناد إلى نظرية في المعرفة أو فلسفة محددة متكاملة حتى يوفر الباحث لأفكاره وأرائه درجة من القوة والاتساق والعمق أيضاً·
Page 4
وإذا ما وفر الباحث لعمله كل هذا وجد نفسه في ميدان متباين عن ميداني النقد الأدبي وتاريخ الأدب، هو ميدان نظرية الأدب·
 
فنظرية الأدب هي مجموعة من الآراء والأفكار القوية والمتسقة والعميقة والمترابطة، والمستندة إلى نظرية في المعرفة أو فلسفة محددة، والتي تهتم بالبحث في نشأة الأدب وطبيعته ووظيفته· وهي تدرس الظاهرة الأدبية بعامة من هذه الزوايا في سبيل استنباط وتأصيل مفاهيم عامة تبين حقيقة الأدب وآثاره·
 
لذا فإن كثيراً من الآراء التي تدور حول الأدب أو جانب منه لا ترقى إلى مستوى النظرية؛ لأنها لا تستند إلى فلسفة محددة أو تفتقد إلى القوة والاتساق·
 
غير أن العمق والاتساق والاستناد إلى فلسفة أو نظرية في المعرفة لا يعني بحال أن أية نظرية أدبية خالية من الثغرات أو نقاط الضعف، فكل نشاط ثقافي مرتبط بمرحلته الاجتماعية والحضارية، وكل نشاط في نظرية الأدب مرتبط أيضاً بالوضع التاريخي والأدبي الذي استند إليه في استنباط آرائه وأفكاره· ولا شك بأن مهام نظرية الأدب التي تتمثل في البحث عن نشأته وطبيعته ووظيفته، تعني الاهتمام بمقومات الأدب كحقيقة عامة في أي زمان أو مكان وفي أية لغة كتب بها· فالبحث في نشأة الأدب يعني بيان العلاقة القائمة بين الأديب والعمل الأدبي، كما أن البحث في طبيعة الأدب يعني بيان جوهر الأعمال الأدبية؛ أي خصائصها وسماتها العامة، وأخيراً فإن البحث في وظيفة الأدب يعني بيان العلاقة بين الأدب وجمهور القراء أي بيان أثر الأدب في المتلقين· ولا شك في أن الأديب والعمل الأدبي وجمهور القراء، أركان أساسية لوجود الأدب، وإذا انتفى ركن من هذه الأركان انتفى وجود الأدب·
 
لكن الاهتمام بهذه الأركان الثلاثة يدل بأن مهام نظرية الأدب تتداخل مع مهام النقد الأدبي وتاريخ الأدب كذلك· فالناقد على سبيل المثال قد يهتم بالمحاور الثلاثة كما قد ينصب اهتمامه على إبراز الوظيفة الاجتماعية للنص المدروس؛ بل لا بد للناقد من التسلح بمفوم ما للأدب عامة، أي لا بد له من الاستناد إلى نظرية في الأدب قبل تعامله المباشر مع النصوص الأدبية·· ففي نقدنا لعمل أدبي أو لأعمال كاتب أو مرحلة أو أدب قومي ما، نحتاج إلى نظرية أدبية كما أن المؤرخ الأدبي لا بد له من مفاهيم عامة للتمييز بين الأعمال الأدبية وغيرها (2)· بل إن نظرية الأدب، شأنها شأن النقد والتاريخ، لا يمكن أن توجد إلا بعد وجود الأعمال الأدبية· فكما أن لا وجود للناقد قبل وجود الشاعر أو القاص فلا وجود لمنظّر أو مؤرخ أدبي إلا بعد وجود الأديب·
 
غير أن هذا التداخل والتشابك والصلات القوية بين النقد الأدبي والنظرية وتاريخ الأدب لا ينفي بأن لكل منهم استقلالية في ميدانه الخاص· على الرغم من حقيقة تعاملهم مع النصوص الأدبية؛ إذ إن لكل منهم طريقة خاصة في التعامل مع الأعمال الأدبية يحددها الهدف المتميز لكل منهم· فالمؤرخ الأدبي يتعامل مع النص ليبين الظروف والملابسات التي أحاطت به وبصاحبه، والناقد يتعامل مع النص ليبين مواطن الجودة والرداءة وأسبابهما أو ليبين لنا مدى انفعاله به أو ليصدر لنا حكماً أو تقويماً له· أما المنظر الأدبي فإنه يهتم بجملة من النصوص لا لكي يصدر أحكاماً أو يصور انفعاله إزاء هذه الأعمال، وإنما لكي يستنبط مبادئ عامة شاملة تبين حقيقة الأدب وأثره كظاهرة عامة أيضاً· ولكي نوضح التمايز بين هذه الحقول والميادين يمكن أن نقول بأن الناقد إذا وصف النص بأن حققه ودرس ما حوله من عوامل البيئة والشخصية وعوامل الإيحاء، أي حقق الصلة بينه وبين منتجه وبينه وبين ظروف الحياة من حوله كان هذا تاريخ أدب وإذا حكم على النص حكماً، أي إذا وصف انفعاله به فطبق بعض الموازين عليه أو جال في فيافي الحياة والفن من خلال هذا النص - كما يقول أناتول فرانس معرفاً النقد - فكل هذا حكم ولعله تعليل للانفعال ليس إلا (إذ الحكم في حد ذاته تافه لا قيمه له إلا بحيثياته أي بانطباقه على موازين نقدية عامة أو موازين ذوقية ممتازة) فكل هذا نقد أدبي صرف أما إذا وصف الناقد الأدب عامة مبيناً كنهه وحقيقته وصفاته وآثاره خرج وصفه هذا إلى ما نسميه بنظريات الفن الأدبي (3) فتاريخ الأدب والنقد يهتمان بالنص ليصدرا أحكاماً، أما النظرية فإنها تتعامل مع حقيقة الأدب، فلا مجال هنا للانفعال أو إصدار الأحكام المتصلة بالجودة أو الرداءة، وعلى الرغم من هذا التمايز فلا بد من تأكيد حقيقة مهمة وهي أننا حين نعرض للنظريات الأدبية منذ ما قبل الميلاد إلى يومنا، فإننا نتوخى منها أن تعيننا في فهم الأعمال الأدبية وتحليلها ونقدها·
 
ومع أن النظريات الأدبية كلها قد أنتجها فلاسفة الغرب ونقاده ومفكروه فإنها تبدو لنا أكثر نفعاً من دراسة النقد الأوروبي في المجال الذي أشرنا إليه· ذلك أن النقد وتاريخ الأدب الأوروبيين - حسب التقسيم السابق - لا يمكن أن ننتفع بهما انتفاعاً مباشراً؛ لأنهما درس وحكم أو وصف وتذوق للنصوص الأدبية الأوروبية· وللاستفادة من هذين القسمين في النقد لا بد من معرفة هذه النصوص وفهمها فهماً صحيحاً في لغتها الأصلية· وقد تفيد الترجمة، ترجمة النصوص في هذا النوع من الدرس شرط أن يتاح لها المترجم الموهوب الذي لا يفقد النص في رحلة الترجمة الروح والرونق فيوصله إلينا ذاوياً خاوياً·· إلخ، أما القسم الثالث وهو قسم النظريات، فهو في رأينا الميدان الذي يجب أن نبدأ به، وهو أوسع الميادين أمامنا للإفادة منه· ذلك أنه خلاصة أحكام تنطبق على الفن عامة ولمحات من الحقيقة التي لا تتغير بتغير الآداب أو اللغات (4)·
Page 5
نظرية المحاكاة في القرن الرابع قبل الميلاد
 
ظهرت نظرية المحاكاة - أول نظرية في الأدب - في القرن الرابع قبل الميلاد، وقد صاغ مبادئها أفلاطون ومن بعده تلميذه أرسطو - وقبل هذا التاريخ بكثير نعثر على آراء متفرقة وأقوال متناثرة تدور حول طبيعة الأدب ووظيفته، فغاية الشعر عند هوميروس هي الإمتاع الذي يولده نوع من السحر أما هسيود فيرى أن وظيفة الشعر هي التعليم أو نقل رسالة سماوية والحقيقة أن الصراع بين الشعر والفلسفة كان قد بدأ منذ القرن السادس قبل الميلاد، وقد بدأ هذا الصراع بنقد الشعر والدفاع عنه على أساس أخلاقي· فالشعر مجاز لغز يحجب الحقائق العلمية والأخلاقية، ومن الممكن القول بأن كل هذه الآراء القديمة وهذا الصراع يشير إلى وجود آراء نقدية أخرى ربما لم تصلنا· غير أن كل ذلك، إضافة إلى أوضاع أثينا المنهارة، قد مهدا الطريق لظهور آراء أفلاطون حول الشعر والشعراء والفن عامة، هذه الآراء التي تعد البداية في تاريخ نظرية الأدب في العالم أجمع·
Page 6
أفلاطون 427- 347 ق·م
 
تحدث أفلاطون عن فن الشعر في كتاباته التي جاءت على شكل محاورات، وأهمها (أيون) (الجمهورية) (القوانين) ولم يخصص أفلاطون كتاباً مستقلاً يعالج فيه الظاهرة الأدبية الفنية· فآراؤه حول الأدب تستقى فحسب من هذه المحاورات· ومع أنه خصص جزءاً كاملاً من الجمهورية هو الكتاب العاشر، الذي يتحدث فيه عن الأدب والفن، فإن كل كتاباته حول حقيقة الأدب وأثره إنما كانت تأتي عرضاً وتهدف أساساً إلى تبيان أثر الشعر في سلوك المواطنين· ففي جمهوريته المثالية، حيث يصنف الناس ويحدد وظائفهم، كان لا بد من تحديد وظيفة الشعراء فيها ودور الشعر·
 
ولا خلاف بين المفكرين والنقاد بأن أفلاطون كان حكيماً وفيلسوفاً بارعاً، لكن آراءه التي تتصل بالأدب والفن ظلت محيرة ومثار تفسيرات عديدة عند الكثير من الكتاب والنقاد لقرون طويلة بعده·
 
يرى أفلاطون أن كل الفنون قائمة على التقليد (محاكاة للمحاكاة)· وينطلق في هذا من إيمانه واستناده إلى الفلسفة المثالية، التي ترى أن الوعي أسبق في الوجود من المادة· لذلك يرى أن الكون مقسم إلى عالم مثالي وعالم محسوس طبيعي مادي· والعالم المثالي أو عالم المثل يتضمن الحقائق المطلقة والأفكار الخالصة والمفاهيم الصافية النقية· أما العالم الطبيعي أو عالم الموجودات فهو - بكل ما يحتويه من أشياء وأشجار وأنهار وأدب ولغة ·· إلخ - مجرد صورة مشوهة ومزيفة عن عالم المثل الأول الذي خلقه الله، وبتعبير آخر إن العالم الطبيعي محاكاة لعالم المثل والأفكار الخالصة، لذلك فهو ناقص ومزيف وزائل· فالأشجار المتعددة في العالم الطبيعي مجرد محاكاة لفكرة الشجرة الموجودة في عالم المثل· وتعدد الأشجار في العالم الطبيعي علامة على عدم تطابقها مع تلك الفكرة، وعلامة على أنها ناقصة ومشوهة· والفنان أو الشاعر يحاكي العالم الطبيعي المحسوس فيصبح عمله محاكاة لما هو محاكاة أصلاً، وبالتالي فهو يبتعد عن الحقيقة (التي تكمن فحسب في عالم المثل والأفكار) بعداً شديداً·
 
وأفلاطون يوضح أفكاره ومواقفه من الأدب في الكتاب العاشر من الجمهورية من خلال الحوار الذي يجريه بين سقراط (الفيلسوف الذي ينقل أفكار أفلاطون) وجلوكون (الذي يمثل الإنسان العادي) ولننقل هذا الحوار بحرفيته لنطلع بشكل مباشر (دون وسيط) على آراء أفلاطون، من خلال هذا النص الذي يعد أقدم نص في تاريخ نظرية الأدب:
 
إذن فلنبدأ بطريقتنا المألوفة فنقول: كلما كان لعدد من الأفراد اسم مشترك، افترضنا أن لهم فكرة مقابلة أو قالباً مقابلاً، أتفهم ما أقول؟
 
- نعم أفهم·
 
- فلنتناول - أي مثل شائع: إن في العالم سرراً وموائد - عدد عظيم منها أليس كذلك؟
 
- نعم·
 
- ولكن ليس هناك فكرتان أو قالبان لهما - فكرة أو قالب للسرير، وفكرة أو قالب للمائدة·
 
- صحيح·
 
- وصانع كل منهما يصنع السرير أو المائدة لكي نستخدمه ونستخدمها وفقاً للفكرة - هذه هي طريقتنا في الكلام في هذا المثال وأشباهه - ولكن ما من صانع يصنع الأفكار نفسها ألا ترى هذا محالاً؟
 
- نعم، محال·
 
- وهناك فنان آخر، أحب أن أعرف رأيك فيه·
 
- ومن يكون هذا؟
 
- فنان هو صانع كل ما يصنعه سواه من الصانعين أجمعين·
 
- يا له من رجل فذ·
Page 7
- مهلاً فستجد أسباباً أخرى للإعجاب به، فهو لا يستطيع فقط أن يصنع الأواني من كل نوع، ولكن يستطيع أيضاً أن يصنع النباتات والحيوانات، أن يصنع نفسه وكل ما عداه، الأرض والسماء وما في السماء وما في بطن الأرض وهو يصنع الآلهة أيضاً·
 
- لا بدّ أن يكون ساحراً على وجه اليقين·
 
- إنك لا تصدقني، أليس كذلك؟ أتقصد أن مثل هذا الصانع أو الخالق لا وجود له، أم تقصد أن صانع كل هذه الأشياء قد يكون له وجود بمعنى من المعاني، وقد لا يكون له وجود بمعنى آخر؟ أترى أن هناك طريقة يمكنك بها صنع كل هذه الأشياء بنفسك؟
 
- أية طريقة؟
 
- طريقة سهلة في متناولك أو على الأصح أن هناك طرقاً عديدة يمكن بها تحقيق هذا العمل العظيم بسرعة وفي يسر، فليس هناك أسرع من إدارة مرآة في كل اتجاه، فبالمرآة (5) تستطيع على الفور أن تصنع الشمس والسماوات، وتصنع الأرض وتصنع نفسك، وتصنع الحيوان والنبات وكل ما عداها من الأشياء التي كنا نتحدث عنها منذ لحظة·
 
- قال نعم، ولكنها لن تكون إلا مظاهر فقط·
 
- قلت أحسنت فإنك تصل الآن إلى النقطة التي أرمي إليها·
 
والمصور أيضاً في تصوري مثل هذا الصانع تماماً: هو خالق مظاهر أليس كذلك؟ طبعاً ولكن أظنك قائلاً إن ما يخلقه زائف· ومع ذلك فبمعنى من المعاني فإن المصور يخلق سريراً أيضاً؟
 
- قال نعم ولكنه لا يخلق سريراً حقيقياً·
 
- وما أمر صانع السرير؟ إنه هو أيضاً لا يصنع الفكرة، التي هي في رأينا جوهر السرير، وإنما يصنع سريراً معيناً؟
 
- نعم، قلت هذا·
 
- إذن فما دام لا يصنع ما هو موجود فهو عاجز عن صنع الوجود الحقيقي وإنما يصنع فقط نوعاً من شبه الوجود· ولو أن أحداً قال إن عمل صانع السرير أو عمل أي صانع آخر له وجود حقيقي· فمن المتعذر الظن بأنه يقول الحق· أجاب: على كل حال فالفلاسفة قائلون إنه لا يقول الحق·
 
- إذن فلا غرابة أن يكون صنعه تعبيراً غامضاً عن الحقيقة·
 
- نعم، لا غرابة·
 
- افترض الآن أننا نبحث في ضوء ما تقدم الآن من الأمثلة، ما يكون هذا المقلد؟
 
- تفضل·
 
- عندنا إذن ثلاثة سرر: سرير موجود في الطبيعة صنعه الله، كما أعتقد أن في إمكاننا أن نقول، فليس غير الله يمكن أن يكون صانعه، أليس كذلك؟
 
- نعم·
 
- وهناك سرير آخر من صنع النجار·
 
- نعم·
 
- ثم أليس صنع المصور سريراً ثالثاً؟
 
- نعم·
 
- فالسرر إذن ثلاثة أنواع، وهناك ثلاثة فنانين يتولون صناعتها: الله والنجار صانع السرير والمصور؟
Page 8
- نعم هناك ثلاثة سرر·
 
- فالله إما باختياره أو بحكم الضرورة، صنع سريراً واحداً في الطبيعة، واحداً لا سواه، وهو لم يصنع قط في الماضي ولن يصنع قط في المستقبل سريرين أو أكثر من هذا السرير المثالي·
 
- وما السبب؟
 
- لأنه حتى ولو لم يخلق غير سريرين لظهر من ورائهما سرير ثالث يكون بمثابة الفكرة أو المثال لكل منهما، وهذا يكون السرير المثالي وليس السريرين الآخرين·
 
- قال: هذا عين الصواب·
 
- وقد عرف الله ذلك، وأراد أن يكون الصانع الحقيقي لسرير حقيقي، لا الصانع المعين لسرير معين، ولذا فقد خلق الله سريراً هو في جوهره وبطبيعته السرير الوحيد·
 
- هذا ما نعتقد·
 
- هل نتحدث عن الله إذن حديثنا عن الخالق أو الصانع الطبيعي للسرير؟
 
- أجاب: نعم ، بمقدار ما هو خالق هذا والأشياء الأخرى بعملية الخلق الطبيعية·
 
- وماذا نقول في النجار - أليس هو أيضاً صانع السرير-؟
 
- بلى·
 
- ولكن أتسمي المصور خالقاً وصانعاً؟
 
- قطعاً لا·
 
- ومع ذلك فإن لم يكن هو صانع السرير، فما علاقته به؟
 
قال: أظن أن في مقدورنا أن نسميه، ونحن منصفون، مقلد ما يصنعه الآخرون؟
 
قلت : هذا جميل· إذن فأنت تسمي الثالث في البعد عن الطبيعة مقلداً؟
 
قال: بالتأكيد·
 
والشاعر التراجيدي مقلد، ولذا فهو كسائر المقلدين، بعيد عن الملك (الله أو صفة من صفاته عند اليونان) وعن الحقيقة بثلاث درجات؟
 
- الأمر يبدو هكذا (6)·
 
هذا النص المهم - يوضح موقف أفلاطون الفلسفي والأدبي، فالله هو الذي يخلق الفكرة (فكرة السرير مثلاً وهي الحقيقة المطلقة الخالصة التي توجد في عالم المثل) والصانع أو النجار يحاول أن يحاكي تلك الفكرة؛ وبديهي ألا يكون التطابق كاملاً بينهما، لذلك يأتي عمل النجار فيصبح عمله محاكاة للمحاكاة ويبعد عن الحقيقة الخالصة بدرجات، وأفلاطون يرى أن عمل الأديب يشبه عمل المرآة، أي إن محاكاته للأشياء والظواهر آلية فوتوغرافية أي حرفية، ولذلك فهو لا يقدم سوى صور مزيفة لا حاجة لنا بها؛ لأن ما نحتاجه وينفعنا هو الأصل لا الصورة· أما إذا قام الشاعر بتصوير الظواهر بشكل غير حرفي كأن يزيد عليها أو ينقص منها فيصبح غير صادق فيما ينقل· فمن الناحيتين يصبح الشاعر مداناً، سواء كانت محاكاته حرفية أو إذا تصرف بالشيء المحاكى، ولكي يمعن في إدانته يضيف أفلاطون (في الجمهورية) بأن الشعراء لا يعرفون أصلاً أي معلومات عن الموضوعات التي يحاكونها فهومير يصف المعارك ولكنه لا يعرف شيئاً عن التكتيك العسكري والخطط الحربية، ويصف الطب لكنه لم يخلف لنا كتاباً عن مبادئ الطب··· إلخ·
Page 9
ويبدو أن أفلاطون لا يزال مصراً على تأجيج الصراع بين الشعر والفلسفة؛ إذ إن الأشياء التي تمثلها الفنون حقائق جوهرية يدركها العقل، والشاعر بعيد تماماً عن استخدام العقل وبالتالي بعيد عن الحقيقة التي يعدها أسمى الغايات (فعنده أسمى الغايات هي معرفة الحقيقة) ولذلك يتحدد مكان الفن والأدب عنده بمقدار ما يقدمه في مجال هذه المعرفة· والمعرفة أو الحقيقة عنده لا تلتمس من خلال الحواس؛ لأن المحسوس جزئي ووهمي وزائل شأنه شأن العالم الطبيعي الناقص المزيف· وتبعاً لذلك فإن أفلاطون يرفض الشعر والفن لأنه لا يعالج الحقيقة بل يكتفي بتمثيل معطيات الحواس، التي هي في حد ذاتها صورة ممسوخة للحقيقة وبعيدة عنها بثلاث درجات· فالحقيقة لا تلتمس عند الشعراء بل عند الفلاسفة؛ لأن الشعراء يخاطبون العاطفة أكثر مما يخاطبون العقل·
 
ويجد أفلاطون هنا مدخلاً آخر لإدانة الشعراء وهو مخاطبتهم للعواطف· فبدلاً من أن تكون مهمة الشعر تجفيف العواطف نراه يقوم بمهمة معاكسة؛ إذ يؤجج عواطف الناس ويلهبها، وبهذا يبعدهم عن استخدام العقل ويجعلهم أكثر عرضة للاستسلام للعواطف·
 
ولا يكتفي بما تقدم ليؤكد إدانته للشعر والشعراء، بل يتقدم خطوة أخرى ليدين من خلالها الطريقة التي يدرك بها الأدباء والفنانون أمثال تلك الحقائق· فهم لا يعتمدون على الطريقة البطيئة الواثقة بل على نشوة الوحي والإلهام· فالله أو ربة الشعر تلهم الشاعر، والشاعر يلهم ترجمانه، ومن خلاله يمر التيار المغناطيسي إلى الجمهور· فالشعراء كالنافورة تقذف بما قد صب فيها من ماء دون حساب· يقول في كتابه أيون فكل الشعراء المجيدين، شعراء الملاحم وشعراء الغناء على السواء، يؤلفون شعرهم الجميل لا عن فن أو حذق ولكن لأنه يوحى إليهم، ولأن روحاً تنقصهم ثم يمثلهم بالراقصين وقد تملكتهم نشوة الدين· ويصف الشاعر فيقول: إنه مخلوق خفيف محلق لا يخترع شيئاً حتى يوحى إليه فتتعطل حواسه ويطير عنه عقله، فإذا لم يصل إلى هذه الحالة فإنه لا حول له ولا طول ولا يستطيع أن ينطق بالشعر (7)· فالشعراء في نظره ليسوا فنانين متعقلين؛ لأنهم لا يمتلكون السيطرة على ما يقولون (بسبب الوحي والإلهام) لذلك لا يمكن اعتبارهم مرشدين للسلوك الصادق الأخلاقي· بل هم في الحقيقة مجانين ومعفون من المسؤولية·
 
لعل كل ما تقدم يبين أن بحث أفلاطون في ماهية الأدب، ووظيفته كان منصباً على بيان أثره في السلوك الإنساني، أي كان يدور حول الأخلاق والمعضلة الأخلاقية، لذلك فصل أفلاطون بين المتعة والمنفعة واهتم بالمنفعة وحدها· ومع ذلك فقد اعترف أحياناً بأن لدى الشعراء قدراً من الحكمة، كما اعترف في أحيان أخرى بفتنة الشعر وخطورة وظيفته الاجتماعية· وحول هذين المعنيين (الفصل بين المتعة والفائدة واعترافه بفتنة الشعر) يقول في الكتاب العاشر: ولكيلا تنسب إلينا ربة الشعر الغلظة أو قلة التهذيب، فلنقل لها إن هناك خصاماً قديماً بين الفلسفة والشعر·· ورغم كل هذا فلنطمئن صاحبتنا الجميلة ربة الشعر والفنون الشقيقات، اللواتي يعتمدن على التقليد أنها لو استطاعت أن تثبت لنا جدارتها بالحياة في حرم دولة مرتبة التنظيم، فإننا سنسعد باستقبالها فنحن أشد ما نكون يقظة إلى سحرها، ولكننا لن نخون الحقيقة بسبب سحرها علينا· وأعتقد أنك يا جلوكون لا تقل عني خضوعاً لسحرها ولا سيما كما تتجلى لنا في هوميروس·
 
- حقاً، إن سحرها علي عظيم·
 
- فهل أقترح إذن أن نسمح لها بالعودة من المنفى ولكن بشرط لا تتجاوز عنه وهو أن تدافع عن نفسها في شعر غنائي أو في أي بحر من البحور نختاره؟
 
- بالتأكيد·
 
- بل يمكن لنا أيضاً أن نأذن للمدافعين عنها من محبي الشعر، وإن لم يكونوا أنفسهم شعراء، أن يدافعوا عنها بالنثر، ولندع لهم المجال لا ليظهروا محاسنها فحسب، ولكن ليظهروا نفعها للدول وللحياة الإنسانية، ولسوف نصغي إلى قولهم بروح العطف، فلو أمكنهم أن يثبتوا ذلك، أقصد أن يثبتوا أن للشعر نفعاً كما أن فيه متعة لكان ذلك كسباً لنا·
 
- قال: بالتأكيد سوف نكون نحن الكاسبين·
Page 10
فإن عجزت في دفاعها يا صديقي العزيز، فليكن موقفنا منها موقف العشاق مع ما يعشقون حين يعتقدون أن رغباتهم منافية لمصالحهم· تراهم يكبحون جماح هواهم، وهذا ما ينبغي أن نفعله على غرار العشاق، فنتخلى عنها ولكن برغمنا كارهين· فنحن أيضاً قد ألهمنا حب الشعر الذي غرسه فينا نظام التعليم في الدول النبيلة، ولذا ينبغي علينا أن نجعل ربة الشعر تتجلى في أجمل حلة وفي أصدق حال· ولكن فلتكن حجتنا هذه، التي أقمنا عليها الدليل، بمثابة الرقية التي تبعد عنا سحرها طالما أن ربة الشعر عاجزة عن الدفاع عن نفسها، وهي رقية لا نفتأ نتلوها على أنفسنا كلما استمعنا إلى أغانيها حتى لا يستولي علينا العشق الأحمق لها، ذلك العشق الذي يخلب ألباب الكثيرين· ومهما يكن من أمر فنحن ندرك أن الشعر وهو على الحال الذي وصفنا، لا يمكن النظر إليه نظرة جادة على أنه طريقنا إلى الحقيقة ومن يصغي إلى كلام ربة الشعر، ينبغي عليه أن يحترس من إغوائها ما دام في قرارة نفسه يخشى على سلامة المدينة، وينبغي عليه أن يتخذ من كلامنا القانون الذي يسير عليه (8)·
 
فعلى الرغم من فتنة أفلاطون بالشعر واعترافه بهذه الحقيقة فإنه أدان الشعر والشعراء باسم الأخلاق مرة وباسم الحقيقة مرة ثانية، فالشعراء مفسدون للمثل العليا ولأخلاق الناس، لذلك طردهم من جمهوريته الفاضلة لكن حكمه هذا لم يكن مطلقاً، أي لم يشمل جميع الشعراء فقد أدخل بعضهم بشروط· فقبل بعض أنواع الشعر التي تتمثل بالقصائد التي تزجى بالأبطال والآلهة والعظام من المشاهير، كما وضع شروطاً أخرى، فلا يجوز للشاعر أن يكتب أية قصيدة تتعارض مع ما هو شرعي وخيّر، ولا يجوز له أن يطلع أحداً على قصائده قبل عرضها على القضاة وحراس القوانين·
 
لذا يمكن أن نقول بأن أفلاطون رفض فكرة الفن للفن ونادى بالفن الأخلاقي والملتزم بالشرعي شكلاً ومحتوى، فالقصائد التي يقبلها في جمهوريته هي القصائد الدينية· وقد فضل أفلاطون الملحمة، واعتبر الفن القصصي هو الأفضل لا الفن التراجيدي، لأن الملحمة على حد تعبيره تثير عاطفة الإعجاب بأبطالها، أما التراجيديا فإنها تثير عاطفتي الشفقة والخوف، وبالتالي تجعل الناس أكثر ضعفاً· أما رأيه الأخير في الشعر فيتمثل في أن الشعر يجب أن يقرأ كشكل فني وليس على أساس أنه ظاهرة علمية أولها علاقة بالحقيقة·
 
ويعد أفلاطون أول من ميّز بين النقد الأخلاقي والنقد الجمالي، وقد اهتم - كما رأينا - بالنقد الأخلاقي، أي بتأثير الفن والأدب على سلوك المواطنين، وقد اعتبر هذا التأثير غير صالح وغير خير بشكل دائم، لذلك اهتم بطرد الشعراء من جمهوريته أو على الأقل بضبط أعمالهم ومراقبتها، وللسبب نفسه لم يعط الشاعر مكانة كرجل الحكومة ورجل القانون·
 
وقد أثارت آراء أفلاطون - ولا تزال - مناقشات حادة، فهل الشاعر - كما يدعي أفلاطون - مقلد غير مسؤول؟ ولماذا ندينه إذن؟ وهل ينطق بالأكاذيب ويتكلم بشكل مزيف؟ ومن القادر على ضبط إلهامه ووحيه الخاص؟ وإذا كان الشاعر ملهماً فمن الذي يقوم بفعل الرقابة على أعماله؟ وهل علينا أن ندين الشعراء لأنهم يخاطبون العاطفة أكثر مما يخاطبون العقل؟ وهل يهدف الشعر إلى المتعة فحسب؟ أم أنه يجمع بين التسلية والفائدة والتوجيه، من خلال وسائل عدة كالكاثرسيس (التطهير) الذي يعتبره أرسطو السبب الوحيد لقبوله وجود فن الدراما؟!
 
إن هذه الأسئلة تتضمن الإشارة إلى التناقضات التي وقع فيها أفلاطون، وإضافة إلى ذلك فإننا نحظى بردود وتعليقات قديمة على آراء أفلاطون لعل أهمها رد سقراط بأن الفنان قادر على اختيار الموضوعات التي تقلد والربط بينها، وبذلك أكد قدرته على الخلق بالقوة إن لم يكن بالفعل· كما رد بلوتينوس (أفلوطين) بقوله إن الفنون لا تقف عند تقليد المرئي لكنها تعود إلى الأسباب التي تنبع منها· ثم إنها تخلق الكثير من ذاتها وتضيف إلى الناقص، لأنها بحد ذاتها تمتلك الجمال· أما أرسطو فقد رد على أستاذه بكتاب مستقل هو كتاب الشعر الذي يحتاج إلى وقفة مطولة·