Page 1
هذه الخواطر والمقالات
تقديمالحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه وبعد.
فما كنت أخطو خطوة على بلاط المسجد الأقصى وفي ساحاته إلا تملكتني خواطر جمة، من ورائي ومن بين يدي، ومن عن يمينٍ وعن شمالٍ، من فوق رأسي ومن تحت أخمص قدمي: وكان لهذه الخواطر مذاقات وطعوم، فمنها اللذيذ ومنها الشهي،ومنها المر ومنها الصعب المذاق، ولا أبالغ إذا قلت إنه كان لها ألوان، فمنها الشهي ومنها البهي، ومنها الأصفر الفاقع ومنها الأسود الحالك.
ولا زالت هذه الخواطر تتملكني إلى اليوم، وإن بعد العهد وصار وطء تلك الديار علينا حراماً محرماً.
ذلك أن بيني وبين تلك المدينة المقدسة مودة، وقد زرعت في القلب، منذ أن بدأ يرى النور منذ الطفولة الأولى، وظلت هذه المودة تنمو فيه كلما تجددت علائق الارتباط والاتصال المباشر.
وحول كلمة البلاط يقول أحد المؤرخين ”كثيراً ما أشارت الأشعار إلى فلسطين باسم البلاط، والبلاط لفظة لاتينية، استعارها الغرب من لفظة بالارتيوم“ (لي سترانج، فلسطين في العهد الإسلامي، ص96).
وعلى الرغم من أنني لم أتشرف بأن أكون من مواليدها، إلا أنني كأنني كنت كذلك، حينما هيء لي بأن أعيش في بعض دورها، حول حرم المسجد الشريف، أربع سنوات كاملات، كنت فيها أتلقى العلم في إحدى مدارسها العريقة. ومنذئذ وإلى يومنا هذا:
شهد الله لم يغب عن جفوني
لحظه ساعة؛ ولم يخل حسي
كما يقول أحمد شوقي عن وطنه، وقد حيل بينه وبينه، ونفي عنه إلى اسبانيا، أثناء الحرب العالمية الأولى.
واليوم، وقد صارت:
ترى عيني مرابعها
ولا تسعى لها قدمي
كما يقول شاعر أردني عن أرض فلسطين. وصارت لنا ذكرى وصار حديثنا عنها خواطر وآمالاً، فوق أنها صارت آلاماً وأشجانا، وصرنا نفكر بصوت عال ونحن نذكرها ونجيل النظر في حاضرها وحاضرنا، ومستقبلها ومستقبلنا، واليوم أحاول أن أقيد ذكرياتي حولها وخواطري نحوها، فيما يشبه الحديث مع النفس والحديث عن النفس في وقت معاً.
سنستخرج، في القسم الأول، مما في قاع ذاكرة الطفولة حول المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة المشرفة وساحاتها، ثم نطالع ما حولها من فضاءات وفضائل، ونتشمم ما في أديمهما من روائع التاريخ ومعالم المجد والعراقة، ونقرأ ما سطر الشعراء والكتاب في أحوالهما من نديّ العبر وساخن العبرات.
ثم نضيف، في القسم الثاني، المقالات التي سمعناها على أديم الصحف والمجلات منذ أواسط الثمانينات، قد دارت كلها حول مدينة القدس والمسجد الأقصى في التاريخ الإسلامي عامة وعصر الحروب الصليبية خاصة، وحول مجموعات شعرية أدارها أصحابها حول مدينة القدس والأقصى.
إن هذه الخواطر والمقالات، لم تنشأ لتكون إسهاماً ثقافياً يضم إلى غيره في الجهود التي أعدت بمناسبة الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية في هذا العام، 2009م.
فالقدس، بعد أن عشنا فيها بضع سنين عاشت فينا منذ ما يزيد على الستين عاماً، وصارت جزءاً لا ينفصل من تفكيرنا وأفكارنا وواقعنا وأحلامنا. فقد شرفنا الله تعالى بأن رأينا النور في إحدى ضواحيها الغربية في منطقة باب الواد، على طريق يافا، فعرفناها أطفالاً بأحلام الصغار، ثم تعلمنا في إحدى مدارسها القديمة الساهرة- ولم تزل – على بال الساهرة، فتوثقت علاقة القلوب بأروقة المسجد الأقصى ومحرابه وجنباته وساحاته وبمسجد قبة الصخرة المشرفة وهندسته الحسية والروحية، حتى غدا جزءاً منا، لا ينفصل عنا، وازداد ترسخاً وعلوواً حينما أبعدنا عنه
فتلفتت عيني، فمذ خفيت
عنّي الطلول، تلفت القلب
وصرنا نسمع ونرى أن أهالي مدينة بيت المقدس صاروا لا يستطيعون أن يؤدوا في مسجدها شعائر صلاتهم اليومية! فضلاً عن أشكال الحفر حول المسجد وتحته، والكيد له والتغول في اقتحامه والتهديد باقتسامه تمهيداً لتنفيذ مكايدهم الكبيرة فيه.
وفي البعد ومع السنين صرنا نقاتل عن المسجد الأقصى بالأيدي، التي ليس في يدها إلا الأقلام، فقصَدّت القصائد ودبجت المقالات، ثم أضيفت أحاسيس الذكريات وخواطرها ومعالم صدى السنين. وها نحن نهتف للمسجد الأقصى عن بعد.
إنما الأقصى عقيدة
ليتني كنت شهيده
ونقول مع القائلين في العواصم العربية- وما أكثر القائلين – نقول معهم ولا نبرح مكان الهتاف: بالروح، بالدم، نفديك يا أقصى! وصدق الله العظيم في قوله للناس من أهل المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) الأنفال: 7.
وتبقى الشهادة في سبيل الله، التي ظفر بها المدافعون عن المسجد الأقصى، هي العمل الأروع، أما وأننا لم نستطع أن نكون منهم فلا أقل من أن نقدم هذه الخواطر التي عشناها في ظلال المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة المشرفة.
ربنا! فاجعلها، شيئاً مما يمكن أن يكون في حسناتنا يوم القيامة، فقد دعوتنا لمثل هذا في قولك: (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الصف: 11، وكنا أفقر من الجهاد بالأموال وأحقر من الجهاد بالنفس.
آمين يا رب العالمين
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
Page 2
القسم الأول
الخواطر
من قاع الذاكرة
وربما كانت الوقفة الأولى، التي أقف فيها على بلاط المسجد، تعود إلى أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، حينما كان والدي، رحمه الله تعالى، يصطحبني معه إلى الصلاة في المسجد الأقصى، فلم أستطع أن أستوعب كيف أن المصلي يفقد الاتصال بمن معه من الأطفال، عند الشروع في الصلاة، ويصير اتصاله بشيء لا يدركه الطفل، حيث يحس بالوحدة والغربة، قبل أن يعود إليه والده، من الصلاة.وكان الكبار فينا يأخذوننا إلى عمودين حجريين، أقيما داخل المسجد في غرفة صغيرة على يمين المحراب، ليقولوا لنا: انظروا هذه (مصارين) الكذاب! فتأخذنا الرهبة من الوقوع في زلة الكذب. فالعمودان مصنوعان على شكل جديلتين من الحجر، بمهارة النقش والحفر، فيفهم الصغير أن أمعاءه تتلوى وتعصر عصراً شديداً، إذا وقع في هذه الآفة، بعد اليوم. إنه توجيه أخلاقي ذكي.
وعلى مبعده قصيرة من هذين العمودين، يأخذك الكبار في المسجد الأقصى، إلى عمود ثالث ليقال لك: انظر إلى صورة صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر هذا المسجد من الاحتلال الصليبي، أين الصورة؟ ليس على العمود صورة، حدَقْ في القشر الرخامي، ثم حدَقْ أكثر لتجتمع لديك صورة واضحة لصلاح الدين، بلحية كثة وشاربين، في وجه تطفح منه التقوى والحزم والعزم، إن ذلك مرسوم بيد صناع، على وجه الرخام ويخفى ويدق عليهن حتى لكأنك تراه ن فوق سطح مائي شفيف صفيق! إنها المهارة الهندسية الفائقة.
أمر ثالث أذكره، هناك، ولكن على الصخرة التي أقيم عليها مسجد قبة الصخرة. إن الناس كانوا يحدثوننا أن الصخرة التي عَرَجَ عليها رسولنا الكريم، عليه الصلاة والسلام، غير مستقرة على الأرض، ملتصقة بها مثل سائر الصخور، ولكنها منذ زمن المعراج إلى اليوم طائرة في الهواء، تعلقاً به،( ، وتعشقاً، بالله! كيف يمكن لصخرة كبيرة أن تنفصل عن الأرض التي هي جزء منها، وترتفع عنها وتهم بالطيران إلى الأعلى؟ وعندما شاهدناها، ومن جهاتها الأربع، ومن غرفة في أسلفها، قيل أنها مبتدأ العروج، وجدنا أنها مطمئنة إلى أرضها راسية عليها مثل سائر الصخور.
إن الذهنية الشعبية تميل إلى التجسيم وجعل المتخيل في صورة محسوسة.
ولا أنسى المزولة المثبتة على درجات الصعود إلى مسجد قبة الصخرة من كأس المتوضأ بين يدي المسجد الأقصى، وقد ثبت لمعرفة أوقات الصلاة في النهار، من انعكاس نور الشمس وما يكون في ظل القضيب معدني تحيط به أرقام الساعة.
لقاء رابع تم على بلاط المسجد الأقصى، بيني وبين الوالد رحمه الله، دون اتفاق، وذلك في أثر رحلة مدرسية قامت بها مدرسة بيت محسير الابتدائية إلى البحر الميت، وهو، على الأغلب في عام 1944م. وكنت واحداً من طلبة هذه المدرسة، نذهب للدراسة فيها أنا وزملائي من قريتنا ساريس مشياً.
والطريف في أمر هذه الرحلة أننا حُملنا في حافلة لشحن الأثاث والحصباء! وعند دخولها مدينة القدس، من الجهة الغربية، اصطدمت بسيارة شحن لجيش الانتداب البريطاني في فلسطين. ولولا الوقوف المفاجئ للشاحنتين لتضرر بعض طلبة الرحلة! فقضينا سائر يومنا في مدرسة لفتا الإعدادية، وأتممنا الرحلة في جنبات المسجد الأقصى، صلاة واطلاعاً وفرجة. ولا أدري كيف برز أمامي والدي دون بوابة مسجد قبة الصخرة الغربي، هل سمع بأنباء الرحلة المدرسية، أم أنه جاء يصلي في المسجد؟؟؟
ومما يتمم صورة المسجد الأقصى صورة شخصية لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، رأيتها معلقة على نافذة بيتنا الشمالية، حينما فتحت عيني على المشاهدة، وكنت أسمع الناس ينشدون: سيف الدين الحاج أمين!
وللمفتي عند الناس في قرى القدس وفي مدينة القدس وفي فلسطين عامة احترام وتقدير.
السباحة على بلاط المسجد الأقصى
لم أعرف في حياتي، حتى الآن، لحظات من السعادة والحبور، سعدت بها نفسي وغمرت بها روحي، أكثر من تلك اللحظات التي كنت أعيشها، إذا تمشيت على بلاط ساحات المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، خارج المسجدين وداخل المسجدين.
Page 3
في التوجه للصلاة في الحرم القدسي
فإذا اقترب موعد الصلاة، وأخذ الشيخ عبد الله يوسف، رحمه الله تعالى، يتلو من كتاب الله العزيز آيات بينات، واتجهت نحو باب الحرم الشريف أحسست أن للرخام، من تحت قدميك، زهوا يكاد يكون مسموعاً، وفرحاً يكاد يكون منظورا! وأن لحفيف أشجار الحرم غناء سماوياً يتجاوب مع ما تسمع من آي القرآن الكريم جذلاً ورواء، وتسمع للطيور من على أفنان الأشجار زقزقة وحبورا وانتعاشاً، فيجتمع لك من كل هذه اللوحات المرئية والصور والأحداث المسموعة، والروائح ينفح شذاها الأروقة، يجتمع لك من كل هذا وذاك تسبيح لله تعالى واستغفار وعبادات،وإذا أنت وكأنك في عالم روحاني، يرتقي عن عوالم الناس، وإذا أنت على الأرض وكأنك تسبح في بحر متلاطم، يسير بك في موكب روحاني، يتجه نحو بيت من أكبر بيوت الله تعالى على الأرض، حتى إذا ما أظلتك أروقة الحرم من الداخل واستمعت للشيخ القزاز، رحمه الله تعالى، يرفع الأذان لله تعالى، وارتقى الشيخ جميل الخطيب، رحمه الله تعالى المنبر بطيلسانه المهيب وبيده الصولجان الرهيب، واستمعت لقول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فإذا أنت ترتقي، بروحك، في أجواء روحانية عليا، تعاهد الله تعالى فيها، وأن تعمل على الحفاظ على هذا المسجد، بكل ما لديك ولدى الأمة من قوة، المسجد الذي هو قبلة المسلمين الأولى وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين.في شرف المجاورة
ولا يحس بما أحسستُ من السعادة في ولوج المسجد الأقصى للصلاة الأمن عاشها وسعد بها، وقد قيل: ”لا يعرف الشوق إلا من يكابده“. وإني لأشكر الله تعالى شكراً كثيراً أن أتاح لي، فوق ذلك، أن أجاور المسجد الأقصى وأعيش في أكنافه سنوات الدراسة في المرحلة الثانوية، في المدرسة الرشيدية، خارج سور القدس القديم.إن القدس الشريف كان محط رحال الحجاج والمعتمرين، تكملة لحجهم وعمرتهم، وكذلك علماء المسلمين ورحالتهم، فقد جاور فيها الليث بن سعد، وأبو الدرداء، وأبو حامد الغزالي رحمهم الله تعالى. وقد سكن فيها الصحابي عبادة بن الصامت وأبو ريحانة. وممن زارها من الصحابة أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب وبلال بن رباح وأبو ذر وأبو هريرة وسلمان الفارسي وكعب الأحبار.
وقد أتيح لي أن أنال شرف مجاورة المسجد الأقصى، كما قلت، فيما بين عامي 1952- 1956م، وأسكن في حي باب السلسلة، أحد الأبواب الداخلية للحرم من الجهة الغربية، في بيت من بيوت آل سرندح الكرام، من المقادسة الطيبين. وسكنت أيضاً في باب حُطة، أحد أبواب الحرم الداخلية، التي تفضي لها من الجهة الشمالية من باب الساهرة. وذلك بحكم تلقي العلم في المدرسة المذكورة الثانوية مقابل باب الساهرة من أبواب سور القدس، من جهة الشمال.
الشيخ عبد الله يوسف
ولله ما أمتع لحظة انتظار مدفع الإفطار في القدس الشريف، والشيخ عبد الله يوسف، رحمه الله، يقرأ القرآن في رمضان، وأمام الواحد منا صحن من اللبن الرائب، وعليه شيءٍ من فلفل الشطة! ثم الصلاة في المغرب، في المسجد الذي كرمه الله تعالى، وربطه بالمسجد الحرام! إنها لحظات لا تكاد تنسى.فأكثر ما يعلق منها بنفسي، تلاوة هذا الشيخ لآي القرآن الكريم. فكأن تلاوته كانت تؤثر في الحجر والشجر، في الجماد وفي البشر، إنها تبعث الخشوع لله تعالى في المستمعين. وكثيراً ما تذكرني تلاوته بتلاوة الشيخ محمد رفعت، رحمه الله، الذي قال عنه الدكتور مصطفى محمود: "أنه كأنه يقرأ القرآن الكريم بين يدي الله تعالى جهرة!". وأذكر أنه قدم إلى عمان بعد أحداث نكسة السابع والستين، وحينما أخذ بتلو القرآن في المسجد الحسيني الكبير انخرط جميع المستمعين في المسجد في البكاء!.
وفي حي باب السلسلة الذي جاورت فيه المسجد الأقصى كانت المكتبة الخالدية، بما فيها من مخطوطات قديمة، وفيها ماء سبيل، لله تعالى. وفيها مركز للمؤتمر الإسلامي العالمي، الذي كان يوزع التمر على فقراء الناس أوائل الخمسينيات.
علال الفاسي
وفي باب حطة سكنت أيضاً مجاوراً للحرم من الناحية الشمالية، وفي الغرف الشمالية للحرم كانت تنعقد دروس في الدعوة الإسلامية، أذكر من علمائها الداعية المغربي المشهور علال الفاسي، رحمه الله تعالى، ومن عمان يأتي للدعوة إلى الله تعالى محمد نمر وهبة ومنصور الحياري رحمهم الله.ولله در الشاعر القائل:
أُهيم بساح القدس ما هبت الصبا
فتلك ربوع الأنس في زمن الصبا
وما زلت في شوقي إليها مواصلا
سلامي على تلك المعاهد والربى!
Page 4
المدرسة الرشيدية (الساهرة على باب الساهرة)
ومن الذاكرة استخرج أياماً لا تنسى قضيتها في طلب العلم في المرحلة الاعدادية والثانوية فيما بين عامي 1952- 1956م في المدرسة الرشيدية في القدس.لقد بنيت المدرسة هذه عام 1908م، في عهد الخليفة العثماني محمد رشاد، ولذلك عرفت بالرشادية ولا أدري كيف تحول الأسم إلى الرشيدية. بنيت خارج سور الحرم القدسي، قبالة أحد أبوابه المشهورة، من جهة الشمال، وهو باب الساهرة.
يتألف البناء الأول من طابقين كبيرين، في كل طابق ثماني غرف صفية متقابلة، تتسع الواحدة لخمسين طالباً، ثم أضيف إليها بعد عام 1948 مبنيان أخران، على الجانبين، أحدهما غرف صفية والأخر للمختبرات العلمية ولتدريس المواد المهينة التطبيقية.
وكانت المدرسة الثانوية الكبرى في مدينة القدس فضلاً عن مدارس رام الله وأريحا. ويرشح للدراسة فيها من كان متفوقاً من الطلاب في الصف السابع الابتدائي، من القدس، ومن القرى المحيطة بمدينة القدس.
ولقد كانت هذه المدرسة تعّج ممثلي الحياة الحزبية النشيطة بمختلف انتماءاتها، من معلمين وطلاب، كما هو معرف في الخمسينات في الأردن وفلسطين.
وأنني لأشعر بكثير من الفخر والاعتزاز حينما أعيد على الذهن أسماء إدارة المدرسة وأعضاء هيئتها التدريسية. لقد كانوا جميعاً أكفياء في العلم، وفي التدريس، والتربية والتعليم والتوجيه، وبعد أن أمضى الواحد منهم عدداً قليلاً من السنوات في التدريس فيها، صاروا مديرين في مديريات التربية والتعليم في منطقة القدس الكبرى. وإنني أفخر بأن أعرض للتاريخ أسماءهم، وأرجو الله تعالى، أن يثيب كل واحد منهم بالرضا والقبول في الجنة، جزاء وفاقاً لإخلاصهم في أداء مهنتهم المقدسة.
المدير: الأستاذ توفيق أبو السعود، خبرة طويلة في إدارة التدريس معمقة وناجحة.
مساعد المدير: أحمد عبد اللطيف، مدرس مادة الرياضيات ومساعد المدير، وقد صار مديراً فيما بعد، ويساعده فيها الأستاذ بشارة حنحن، وغاب عني معلم ثالث، وقبلهم جميعاً أستاذ متميز في تدريس علم الهندسة وهو كمال نجم، وآخر كان يأتي يومياً من رام الله وربما كان اسمه جمال صالح.
مدرسو التربية الإسلامية: الشيخ عبد اللطيف مريش، والشيخ بدر سمرين.
مدرسو اللغة العربية: الأستاذ يوسف جلاجل، والأستاذ محمود شحادة، والأستاذ أحمد صالح الطيب، والأستاذ عبد اللطيف البرغوثي، والأستاذ غالب عبد الفتاح.
مدرسو اللغة الإنكليزية: الأساتذة جورج خميس، د. عباس الكرد، محي الدين الحسيني، وديع خوري.
مدرس الأحياء: الأستاذ خضر عبد اللطيف.
مدرس الكيمياء: الأستاذ توفيق الرابي- وقد فقد إحدى عينيه في المختبر، وقد أصبح فيما بعد مديراً لها.
مدرس الفيزياء: الأستاذ جورج خوري (عمي جورج).
وللرياضة الأستاذ العطاري.
إنني لأعتذر لسائر أساتذة هذه المدرسة العريقة الذين لم أستطع أن أتذكرهم جميعاً.
وأنني لأذكر من زملائي الطلبة عدداً كانوا من المتميزين في الدراسة وصاروا بعد التخرج في الثانوية العامة بدرجات عليا أكاديمية وتعليمية وتجارية وطبية.
فمن خريجي المدرسة الرشيدية:
- الأستاذ الدكتور عبد الحي زلوم، وهو خبير عالمي في موضوع النفظ والتجارة العالمية.
- الدكتور محمد الفتياني الصيدلاني الكبير مدير عام دار الدواء في الأردن.
- الدكتور رمضان الشعافي العبقري في العلوم الرياضية ويعيش بعلمه في أمريكا.
- الدكتور عثمان يحيى طبيب العيون المشهور في عمان – رحمه الله.
- المهندس داود شحادة كبير مهندسي الجامعة الأردنية ووزير الأشغال في احدى الوزارات.
- الدكتور هشام الخطيب وزير التخطيط في عدة وزارات في الأردن.
- الداعية الكبير الأستاذ عيسى منصور والمحاسب القانوني.
- الداعية المهندس الكبير إبراهيم غوشة الناطق الرسمي باسم حماس سابقاً.
- الداعية الكبير أسامة العريان.
- الداعية المشهور والصيدلاني الناجح عز الدين العريان.
Page 5
والأطباء
- عبد الكريم الريماوي
- إبراهيم نعواس
- محمد راغب أبو ارميلة
- ياسين القاضي (طبيب العيون).
- رجائي صبيح. طبيب الأسنان - الذي صمد في عمارة هندية – في باب العمود.
- عز الدين أبو ميزر (طبيب أسنان) بدأ في أريحا.
- القاضي الشهير تيسير الريماوي. وكان عمله في الخليج وهو شقيق عبدالله الريماوي رحمه الله.
والزملاء
- سمير مطاوع - وزير الدولة فيما بعد.
- راجح سعادة، وسعيد جمجوم.
- أمين شومان، وعثمان الطويجي.
- مصطفى عساف.
- ربحي عساف.
- لبيب عبد ربه- رحمه الله.
- خالد حسن عواد.
- أحمد الحاج علي – اللواء في الجيش الأردني فيما بعد.
- نبيه عبد ربه- الداعية الرياضي الشهير - رحمه الله.
- عبد العزيز أبو سنينة.
- زكريا موسى.
- علي ذيب سالم.
- معتصم البرغوثي.
- شاكر سحويل – رحمه الله.
- عبد السلام سحويل.
- سليم أبو غوش.
- يوسف أبو غوش.
- محمد موسى الشاعر- رحمه الله.
- محمد عبد المجيد الشاعر.
- توفيق نجم.
ومنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر، فكانوا وكنا كما قال شوقي عن دارسي الدفعة الواحدة في النهاية:
إلى أن فنوا ثلة ثلة
فناء السراب على السبسب
إن هذه المدرسة تستحق أن يقام لها حفل كبير، بمناسبة بلوغها المئة عام (1908- 2008)، وينبغي أن يشكل لها نادٍ للخريجين، أسوة بكل كلية جامعية أو جامعة ناجحة.
- عبد الكريم الريماوي
- إبراهيم نعواس
- محمد راغب أبو ارميلة
- ياسين القاضي (طبيب العيون).
- رجائي صبيح. طبيب الأسنان - الذي صمد في عمارة هندية – في باب العمود.
- عز الدين أبو ميزر (طبيب أسنان) بدأ في أريحا.
- القاضي الشهير تيسير الريماوي. وكان عمله في الخليج وهو شقيق عبدالله الريماوي رحمه الله.
والزملاء
- سمير مطاوع - وزير الدولة فيما بعد.
- راجح سعادة، وسعيد جمجوم.
- أمين شومان، وعثمان الطويجي.
- مصطفى عساف.
- ربحي عساف.
- لبيب عبد ربه- رحمه الله.
- خالد حسن عواد.
- أحمد الحاج علي – اللواء في الجيش الأردني فيما بعد.
- نبيه عبد ربه- الداعية الرياضي الشهير - رحمه الله.
- عبد العزيز أبو سنينة.
- زكريا موسى.
- علي ذيب سالم.
- معتصم البرغوثي.
- شاكر سحويل – رحمه الله.
- عبد السلام سحويل.
- سليم أبو غوش.
- يوسف أبو غوش.
- محمد موسى الشاعر- رحمه الله.
- محمد عبد المجيد الشاعر.
- توفيق نجم.
ومنهم من قضى نحبه ومن من ينتظر، فكانوا وكنا كما قال شوقي عن دارسي الدفعة الواحدة في النهاية:
إلى أن فنوا ثلة ثلة
فناء السراب على السبسب
إن هذه المدرسة تستحق أن يقام لها حفل كبير، بمناسبة بلوغها المئة عام (1908- 2008)، وينبغي أن يشكل لها نادٍ للخريجين، أسوة بكل كلية جامعية أو جامعة ناجحة.
Page 6
فضائل بيت المقدس
من التراث في فضائل بيت المقدس
نعدد أولاً أبرز ما كتب حول فضائل المسجد الأقصى، في كتب التراث، على الرغم من أننا لا نريد أن يكون بحثنا هذا أكاديمياً تاريخياً بحتاً:1) فضائل بيت المقدس- ابن الجوزي
2) الجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى – ابن عساكر.
3) كتاب الأنس في فضائل القدس- ابن هبة الله الشافعي.
4) باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس- ابن الفركاح.
5) مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام- أحمد بن محمد المقدسي.
6) الروض المغرس في فضائل بيت المقدس- الحسين بن أحمد الحسيني.
7) الأنس الجليل بتاريخ القدس الخليل- مجير الدين العلمي الحنبلي.
وقد قامت النية على أن ينعقد الحديث عن المسجد الأقصى في هذا البحث على واقعه المعاصر، وما يستوحى من مستقبله المجهول، الذي لا يعلم إلا الله متى سينهض المسلمون لاسترداده وتحريره، كما حرره المجاهدون من الفرنجة وصلاح الدين الأيوبي بعد احتلال دام واحداً وتسعين عاماً.
اختيار رباني خاص
ورأس ما يقال في هذه المدينة المقدسة أنها من اختيار الله تعالى، شرّفها بالمسجد الأقصى، كما شرف مكة المكرمة بالبيت الحرام، فكما أوحى إلى إبراهيم، عليه السلام، أن يقيم الكعبة على أساس قديم كذلك أوحى لدواد وسليمان أن يقيما المسجد الأقصى – الأبعد- على أساس قديم.ومن إرادته تعالى أن جعل يوم تحريرها على يد صلاح الدين وجنده في السابع والعشرين من شهر رجب عام 583م. والمعروف أن حادث الإسراء والمعراج قد تم أولاً في 27 رجب (من السنة التاسعة لبعثته عليه السلام)! أليس ذلك تذكيراً من الله تعالى للمسلمين بأن تظل القدس إسلامية؟؟.
في حديث رسول الله
وفي حديث رسول الله (، ما ينبيء بذلك.* قال عليه السلام أن أول ما بني من المساجد المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى وبينهما أربعون عاما. (صحيح مسلم 1/370 الحديث 520).
* وعن ميمونة مولاة النبي، (، قلت: يا رسول الله، افتنا في بيت المقدس، قال: ارض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه (سنن ابن ماجه 1/451 الحديث 1407).
* وعما أصاب المسجد الأقصى ونصيبه من كيد الأعداء يقول عليه السلام: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".
* بل إن حديثاً أخر عن رسول الله عليه السلام، يؤكد حتمية هزيمة اليهود في فلسطين في نهاية الأمر. قال عليه السلام: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود أنتم شرقي النهر وهو غربيه، حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي خلفي تعالى فافتله". وقال عن شجر الغرقد شيء يشبه هذا الحديث.
Page 7
المرجعية الأولى
ويمكن اعتبار أحاديث الرسول، عليه الصلاة والسلام، هذه، بما فيها حديث الإسراء المعراج، هي المرجعية الثانية في تثبيت منزلة بيت المقدس في التاريخ وفي الإسلام. أما المرجعية الأولى فهي التي قدمت بها هذه الفقرة من البحث، من أن الله تعالى هو الذي اختارها فكانت في هذا المكان.وقد كان سيدنا يعقوب، عليه السلام، أول من أقام هذا المسجد الأبعد عن مكة- ولذلك سمي الأقصى- كما ورد في حديث رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وربما مرت عليه أقوام آخرون فلم يعتنوا به، وربما ألقوا عليه القاذورات، لكن الرسول، عليه السلام، قد أعاد إليه الإحترام، حينما ذكر أن فيه صلى بالأنبياء، قبل رحلة المعراج، ووصفه لهم بعد العودة إلى مكة، وحينما تسلم عمر، رضي الله عنه، مفتاح القدس من الأب صفر ونيوس، بحث عنه وتعرف عليه من حديث المصطفى، ).
إن فيها قوماً جبارين
ورد في القرآن الكريم أن قوم موسى عليه السلام، تأبَوا عليه، فرفضوا دخول الأرض المقدسة (فلسطين)، وقالو ”إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها ما داموا فيها“، كما ورد في القرآن الكريم.وتروي كتب التاريخ أن الإثني عشر نقيباً الذين أرسلهم موسى، عليه السلام، إلى الأرض المقدسة لقيهم عوج بن عنق فيها، فجعلهم في حجزته، حول وسطه، وعلى رأسه حمل حطب، وانطلق بهم إلى امرأته وقال لها: انظري إلى هؤلاء الذي يزعمون أنهم يريدون قتلنا، فطرحهم بين يديه فقال: ألا أطحنهم بقدمي؟ قالت:لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا“.
وكانت العصابة منهم تجتمع على عنق الرجل من الجبابرة حتى يستطيعوا قطعها. فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: إن أخبرتم قومكم بما رأيتم فإنهم سيرجعون عن نبي الله، ولكن اكتموا وأخبروا النبي فقط، فانطلق عشرة منهم فأخبروا الناس، وكتم الخبر رجلان، ثم قام يوشع خليفة موسى باقتحام فلسطين، عن طريق امرأة في أريحا، وهدم البيوت على رؤوس أصحابها، وأحرقها عليهم.
في وصف بيت المقدس
جاء في كتاب ”أحسن التقاسيم“ للمقدسي الذي كتبه عام 375هـ: ”بيت المقدس ليس في مدائن الكورة (المنطقة) أكبر منها. لا شديدة البرد وليس بها حر، وقلما يقع بها ثلج، وسألني قاضي الحرمين عن الهواء بها فقلت: سجسج، لا حر ولا برد، قال: هذه صفة الجنة، بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه ولا أتقن من بنائها ولا أعف من أهلها ولا أطيب من العيش بها ولا أنظف من أسواقها ولا أكبر من مساجدها، ولا أكثر من مشاهدها، عنبها خضير وليس لمعتقها نظير، ومنها كل حاذق وطبيب، وإليها قلب كل لبيب، ولا تخلو كل يوم من غريب“.في صفة الجنة
وقال: كنت يوماً في مجلس القاضي، ابن يحيى بن مهران بالبصرة، فجرى ذكر مصر، إلى أن سئلت أي بلد أجل؟ قلت: بلدنا، قيل: فأيهما أفضل؟ قلت: بلدنا.قيل: فأيهما أحسن؟ فقلت: بلدنا. فتعجب أهل المجلس من ذلك، فقلت: أما قولي أجل فلأنها جمعت الدنيا والأخرة، فمن كان من أنباء الدينا وأراد الأخرة وجد سوقها، ومن كان من أبناء الآخرة فدعته نفسه إلى نعمة الدنيا وجدها، وأما طيب الهواء فإنه لا سم لبردها ولا أذى لحرها. أما الحسن فلا ترى أحسن من بنياتها ولا أنظف منها ولا أنزه من مسجدها. وأما كثرة الخيرات فقد جمع الله تعالى فيها فواكه الأغوار والسهل والجبال، والأشياء المتضادة كالاترجَ واللوز والرطب والجوز والتين والموز، وأما الفضل فلأنها عرصة يوم القيامة، وفيها المحشر والمنشر، وإنما فضلت مكة والمدينة بالكعبة والنبي عليه السلام، ويوم القيامة تزفان إليها فتحوي الفضل كله. "وإما الكبر فالخلائق كلهم يحشرون بها" فأي أرض أوسع منها. (المقدسي ص 172).
Page 8
على قمة جبل
القدس مشيدة على قمة جبل، وإنها محاطة بسور، وعليها بوابات حديدية، زراعتها بعلية، وميزاتها كثيرة وخاصة زيت الزيتون حيث يملك أرباب عائلتها خمسين ألف مَنٍّ من زيت الزيتون (والمنَ يقدر بأربعة لترات) الذي يحفظ في الآبار ويصدر إلى الخارج، إن بها أسواقاً جميلة وأبنية عالية وعدد سكانها، عام 438هـ، عشرون ألف رجل، وبها مستشفى عظيم عليه أوقاف طائلة (ناصر خسرو- سرنامة ص18).وجاء في كتاب "فلسطين في العهد الإسلامي”على الرغم من أن الرملة كانت عاصمة المنطقة الجنوبية من بلاد الشام ودمشق عاصمة المنطقة الشمالية، إلا أنها كانت أشهر من الرملة، وتضاهيها لعظميتها وجمالها“.
أخصب بقاع الأرض
كانت القدس من أخصب بقاع فلسطين وبنيانها من الحجر، ولا يوجد اجمل منها، ولا يوجد أطيب من أهلها، ولا شيء أحلى من مأكولاتها، ومسجدها من أكبر المساجد ولا يوجد مكان إلا الأماكن المقدسة أكثر منها، عنبها كثير، والسفرجل لا مثيل له، وفيها جميع أنواع العلماء والأطباء، لذا تهفو إليها قلوب الأذكياء، لا تخلو شوارعها من الغرباء على مدار العام، ويقول المثل من القدس فريدة من نوعها في المدن، هي المدينة التي تجمع بين محاسن هذا العالم والعالم الآخر. كل واحد من أبناء هذا العالم تواق للعامل الآخر، يجد فيها سوقاً رائجة بضاعته، وكل من يبغي العالم الأخر بينما روحه متعلقة بمتاع هذا العالم، يجد في القدس أيضاً ما تصبو إليه نفسه. وهي من ألطف الأماكن مناخاً، فلا يقرص بردها ولا يلفح حرها، حليبها متوفر وعسلها وسكرها، يكفيها عظمة أنها ستكون أرض الميعاد ليوم الحساب، حيث يجمع الخلق وينصب الميزان. نعم لمكة والمدينة مركزهما الديني السامي بسبب الكعبة والنبي، ولكن في الحقيقة سيأتي سكان المدينة إلى القدس يوم الحساب. والقدس من أوسع المدن حظاً لما تستجمع فيها جميع المخلوقات. فأي مكان على الأرض يمكن أن يكون أوسع منها؟!.ويقول ناصر خسرو الذي زارها عام 1047هـ، إذا لم يستطع سكان المناطق التي حولها أن يذهبوا إلى مكة فـأنهم يزورون القدس في وقت معين.
تتبع للقدس الأراضي التي حولها ضمن دائرة نصف قطرها أربعون ميلاً من القدس. وبذا يتبعها كثير من القرى، وعلى بعد اثني عشر ميلاً إلى الشرق تربض شواطئ البحر الميت، وعلى بعد خمسة أميال جنوباً توجد الصحراء، وفي الشمال تتصل بحدود منطقة نابلس. هذه هي الأرض التي باركها الله، جل جلاله. الأرض التي تكثر الأشجار على تلالها والتي لا تحتاج سهولها إلى إرواء أو إلى ماء الأنهار، موقع القدس على قمم التلال يحيط بها الأودية العميقة من جهات ثلاث. القدس مدينة عظيمة.
عشرون ألفا عام 1047م
وحين زيارة (ناصر خسرو 1047هـ) كان عدد سكانها عشرين ألف نسمة، جميع شوارعها مبلطة بقطع الحجارة التي يقطعها السكان ويجعلونها مستوية يجري المطر إليها بسرعة وتغتسل أرضها وتتركها نظيفة. وبهذه المناسبة- أقول أنا كاتب هذه الأسطر أنني عشت فيها أربع سنوات ولم أجد أن نقطة مطر قد بقيت في فصل الشتاء على سطح أرضها، فماء المطر يتسرب إلى القنوات التحتية فيها.المتحف الإسلامي
ويلحق بالمسجد الأقصى متحف إسلامي يقع غربي المسجد، ويلاصق سوره الغربي بجانب بابه المفضي إلى حارة المغاربة. وقد قيل أن محتوياته قد نقلت إلى المتحف البريطاني- المشهور- والذي يقع خلف المدرسة الرشيدية خارج باب الساهرة.وقد أطلعت على الآثار الإسلامية في هذا المتحف أثناء فترة الدراسة
(52-1956م) وهي آثار غنية ناطقة عن الحياة التي كان يعيشها الناس في زمن الفاطميين وزمن الأيوبيين.
وأطرف ما رأيت برنامج دراسة أسبوعي لمدرسة في زمن صلاح الدين الأيوبي، وقد وزع البرنامج على أيام الأسبوع جميعها ومنها الحساب والفلك والجبر والعربية والنحو وغيرها، على سبورة خشبية معروضة على قوائم خشبية.
إن هذا يدل على انتظام العملية التعليمية في المدارس في العهد الأيوبي في بلاد الشام.
Page 9
عروبة بيت المقدس
ليست مدينة داود
1) يزعم اليهود أن داود، عليه السلام، هو من بنى مدينة القدس فصاروا يسمونها مدينة داود، إنها بنيت منذ ثلاثة آلاف سنة، بناها اليبوسيون – نسبة إلى يبوس، واليبوسيون كنعانيون اتخذوها عاصمة لهم، حتى أن نبي الله، إبراهيم، عليه السلام، عرّج على ملكهم وهو مارّ بفلسطين، وكان ملكهم هذا موحدا كسائر الموحدين، واسمه ملكي صادق، من أهل البلاد الأصليين، والكنعانيون موجة من الموجات العربية المهاجرة من الجزيرة العربية، واليبوسيون فرع منهم.فلما احتل داود القدس وأقام فيها دولة وخلفه عليها ولده سليمان، وكانت لهم في نابلس ولاية ثانية لم تدم أكثر من سبعة عقود. ولم يكن يتبع حكمهم غير مدينتي القدس ونابلس. وهنا يقول أستاذ الانثروبولوجيا الشهير حسن ظاظا في كتيب عن القدس، يقول هي مدينة الله وليست مدينة داود فحسب.
2) حائط البراق – يزعم اليهود أن النبي سليمان، عليه السلام، قد ينى لهم هيكل للعبادة وقد هدم وخرب. ولم يثبت ذلك على التاريخ. وما هي إلا اختلاقات وتزييف على التاريخ. وحينما استعر الجدال حول هذا الجدار أعربي هو أم يهودي، كلفت بريطانيا الدولة المنتدبة علىفلسطين عام 1929م، على أثر مذبحة صارت هناك كلفت لجنة شو، ولجنة عصبة الأمم عام 1930م بدراسة الأمر بشكل علمي، فكان رأي اللجنة أن الجدار إسلامي ليس لليهود فيه حق .
واليهود أصلا ليسوا من تركيبة القدس بل هم دخلاء. والغريب أن المعاهدة التي عقدت بين اليهود والعهد الأردني عام 1949م قضت بأن يهيأ لمن يرغب أن يصل إلى هذا الجدار من اليهود وألا يمنع من ذلك، لكنهم استطاعوا أن يمتنعوا من ذلك العام إلى عام 1967م حينمااحتلوا الضفة الغربية ومنها بيت المقدس. أن أهدافهم فيه سياسية وليست دينية, فضلا عن أتباع ناطوري كارتا اليهودية لا ترتاده أبدا.
3) عكف اليهود على الحفر تحت المسجد الأقصى, منذ احتلاله عام 1967م، بأشراف كاتلين كيونن وموشي دايان, لكنهم بعد الحفر الشاق الطويل لم يعثروا إلا على أثار الأمويين!.
الخلافة الأموية وعمارة المسجد الأقصى
وقد كشف الحفر الذي إجهد فيه اليهود أنفسهم عن وجود قناة هيرودوس، بما فيها من أنفاق لنقل الماء إلى الجهة الجنوبية من الحرم، بواقع أن الوليد بن عبد الملك قد بنى القصور الأموية ودار الحكمة ودار الضيافة في تلك الجهة الغربية الجنوبية من الحرم .واليوم في 6/4/2009م يختطف اليهود ثلاثة حجارة ضخمة من الآثار الأموية ويضعونها أمام الكنيست الإسرائيلي- في القدس الغربية- وذلك في حكومة نتنياهو الجديدة .
وفي عام 1967م هدم اليهود حارة المغاربة وهي وقف إسلامي منذ زمن الملك الأفضل.
والحق أن عهد الخلافة الأموية ينسب له الفخر في الآثار الإسلامية في فلسطين. فعبد الملك بن مروان وابنه الوليد بن عبد الملك هما اللذان شيدا المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة كما هي الآن.
وعندما قام البناءان لم يكن في القدس كنيس واحد لليهود، وربما كان ممن ساعد في بنائهما بعض عمال اليهود، لكنهم لم تسمح لهم بالبقاء في بيت المقدس، باستثناء من بقي للتكنيس والتنظيف في المسجدين.
وكان اليهود قد حرموا من الإقامة في هذا المكان منذ دخول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، بيت المقدس وإجراء العهدة العمرية.
وتذكر كتب التاريخ أن معاوية بن أبي سفيان أول الخلفاء الأمويين طلب البيعة إليه من القدس، وبنى مسجدا يتسع لثلاثة ألاف مصل، ولكن ليس من البناء الحجري، بل من الدعامات الخشبية، وسك قطعة نقدية بهذه المناسبة بأسم (فلسطين) عام 41هـ وخصص للقدس أموالا .
وعبد الملك بن مروان كان يرسل أبنه الوليد للأشراف على تزيين مداخل المسجد النبوي في المدينة المنورة، أما المسجد الأقصى فكان هو يشرف على بنائه مباشرة.
وسليمان بن عبد الملك ترك أخاه في عرين الخلافة في دمشق، وجاء إلى القدس، وكان يريد أن يجعلها عاصمة الخلافة الإسلامية في عهد بني أمية .
وما زال الوليد بن عبد الملك يحث المهندسين والبناة على تجميل مسجد قبة الصخرة حتى غدت مفخرة الهندسة المعمارية الأولى في العالم الإسلامي.
وأذكر أنني قرأت عن أحد خلفاء بني أمية أنه كان يرى الرملة ليست أحق من بيت المقدس بالمركز الذي كانت تتمتع به المدينة الساحلية في ذلك الوقت.
Page 10
جهاد شعب فلسطين
لقد قاوم أبناء الشعب الفلسطيني قدوم اليهود إلى فلسطين منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي إلى أيامنا هذه.وهذه المقاومة، نعرض لها باختصار:
1. في الربع الأخير من القرن التاسع عشر أّجلي الفلاحون من أهالي الخضيرة وملبّس عن أراضيهم، التي اشتروها من بعض العائلات الثرية القادمة من خارج فلسطين فثار هؤلاء الفلاحون عام 1886م، وهاجموا المستعمرات التي أقيمت على هذه الأراضي.
في 24 أيار من عام1891 قدم محامون ورجالات من فلسطين لرئيس الوزراء التركية، تحذيرا من خطورة هجرة اليهود إلى فلسطين، وطالبوا بتحريم استملاكهم للأرض، وأيدتهم في ذلك أقلام سياسية ( محمد رشيد رضا ويوسف الخالدي، ومحمد طاهر الحسن) وصحف محلية (الكرمل وفلسطين والمنادي)، ولم يزد اليهود عن 8% من السكان وليس لهم إلا 2% من أرض الوطن.
في عام 1919م أنشئت جمعية «الفدائية»، وصار لها فروع في أكثر مدن فلسطين، ورئيسها في البداية محمد الدباغ ثم محمود عزيز الخالدي، وكان يخطط لها في السر سعيد الخطيب وأمين الحسيني وحسن أبو السعود ومحمد يوسف العلمي، وشكل أعضاؤها مادة انتفاضة النبي موسى. وفي هذه الأثناء هاجم أهالي الجليل الأعلى مستعمرات المطلة وما حولها.
2. انتفاضة موسم النبي موسى- القدس – نيسان 1920. الأهالي في القدس وأثار فيهم الحمية كل من الحاج أمين الحسيني وعارف العارف وموسى كاظم الحسيني، وحدث أن اعتدى يهودي على العلم في الخليل، فهب الناس للرد، وقتل خمسة من اليهود وجرح أكثر من مائتين، واستشهد من أهالي القدس عدد مثل ذلك، وجرح سبعة جنود بريطانيون.
3. انتفاضة يافا 1921 في عيد العمال- أول أيار 1921 أطلق اليهود النار على المسلمين في حي المنشية في يافا وعلى المارة، فرد أهالي يافا بمهاجمة البيت الذي أطلقت منه النيران وقتلوا 13 يهوديا وجرحوا ضعف هذا العدد.
وخارج يافا هاجم ثلاثة ألاف مقاتل عربي مستعمرة بتاح تكفا، وساعدت اليهود مجموعة من الخيالة من حكومة الانتداب البريطاني، كما ساعدهم الطيران البريطاني الذي حمى مستعمرة الخضيرة من الحريق، وكذلك صدوا هجوما عربيا على مستعمرة رحويوت. وقتل من اليهود نحو خمسين ومن العرب مثلهم، برصاص الجنود البريطانيين أولا واليهود ثانيا.
مظاهرة القدس 1921
في ذكرى وعد بلفور 2/12/1921م قامت مظاهرة في القدس قتل فيها خمسة من اليهود واستشهد ثلاثة من الأهالي.وفي 20/3/1924م احتفل اليهود بعيد المساخر وأشركوا في مساخرهم زي العلماء المسلمين، مما أثار حفيظة المسلمين، فقتل يهودي، واستشهد مسلم، وفي 25/3/1925 أضربت فلسطين إضرابا شاملا بمناسبة وعد بلفور.
ثورة البراق أب 1929
أول تصعيد خطير وقع في 23/11/1928، حيث حاول اليهود تحويل حائط البراق إلى ما يشبه الكنيس. فأسس المسلمون في 30/11 مسجدا في المكان، بأشراف لجنة الدفاع عن البراق الشريف وعقدت مؤتمرا إسلاميا شاركت فيه دول عربية وإسلامية.وفي 15/8/1929 حدث تصعيد أخر، حينما نظم اليهود مظاهرات في القدس، اتجهت إلى حائط البراق، ورفعوا العلم الصهيوني، وأنشدوا نشيدهم الوطني، وشتم خطباؤهم رسول الله، وهاجموا الإسلام والمسلمين، فقام المسلمون بمظاهرة مضادة في المسجد الأقصى، ثم حدثت صدامات بعد صلاة الجمعة 22/8، ثم عمت المظاهرات جميع أنحاء فلسطين.
وفي 24/8 وقع صدام في مدينة الخليل بين العرب واليهود، فقتل من اليهود أكثر من ستين وجرح مثلهم، وحالت الشرطة دون المزيد، وقتل من الأهالي عشرة.
وفي 29/8 هاجم العرب الحي اليهودي في صفد وقتلوا منهم عشرين وجرحوا مثلهم.
وفيما بين 24/8-20/9 هاجم العرب المستعمرات اليهودية، ودمروا ستة منها، وهوجم اليهود في يافا وبيسان، وصارت فلسطين ساحة قتال، ولم يوقف الصدام إلا التعزيزات العسكرية البريطانية. وكانت النتيجة أن قتل من اليهود 133، وجرح نحو أربعمئة، واستشهد من الأهالي 116، وجرح مئتان على يد الشرطة والجيش، وقد حوكم 1300 رجلا من الجهتين أكثرهم من العرب، وأخذ مسئول العدالة في فلسطين بنتويتش يطلق سراح اليهود المخضبة أيديهم بدم الفلسطينيين، حيث حاولوا اغتياله فيما بعد وجرح، ونفذ حكم الإعدام في عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي في 17/6/1930 في سجن عكا، وخضب الزير وجمجوم أيديهم بالحناء، وغنت فلسطين على جراحها.
يا ظلام السجن خَيِّمْ
إننا نهوى الظلاما
ليس يعد الليل إلا
فجر مجد يتسامى
وكان الحاج أمين الحسيني هو الموجه الأساس لهذا الثورات.
ثورة الكف الأخضر 29-1930
بدأت بسبعة وعشرين ثائرا من شمال فلسطين ( صفد وعكا) ممن نجا من مطلوبي ثورة البراق، وتعاطفت معهم الناس وازداد عددهم، قادهم احمد طافش.انتفاضة أكتوبر 1933
قررت اللجان الشعبية في فلسطين الإضراب العام في 13/10/1933، وطالبت الناس في المدن والقرى بالإضراب، بعد أن يئست من عدل دولة الانتداب البريطاني، وخرجت مظاهرة من المسجد الأقصى فرقّتها الشرطة بالقوة.وفي 27/10 خرجت مظاهرة كبيرة من يافا بقيادة اللجنة التنفيذية، وصدتها الشرطة البريطانية بالرصاص، فقتل أربعة عشر ثائرا، وجرحت العشرات منهم موسى كاظم الحسيني.
وبعد هذه المجزرة خرجت المظاهرات من حيفا ونابلس والقدس، واستشهد غيها خمسة وثلاثون وجرح العشرات.
وقد حاول المندوب السامي أن يهدئ الأوضاع فقال له أحدهم:«ليس لدينا ما نخسره، لقد فقدنا الثقة بالحكومة (البريطانية) فقدنا كل شيء ولن نبالي بما سيحدث لنا»
ثورة الشيخ عز الدين القسام 1935
بعد عشر سنوات من التنظيم والإعداد السري الجهادي قرر الشيخ عز الدين القسام الثورة في 11/1935. فخرج إلى القرى وحض الناس على شراء السلاح والثورة، وتحصن في الجبال في شمال فلسطين مع نفر من رفاقه، وكان ينوي مهاجمة مستعمرة «بيت ألفا» فبوغتت بقوات كبيرة من الجنود البريطانيين، فقاتل الشيخ إلى النهاية، حتى استشهد مع بعض رفاقه، وأسر آخرون. وخسر البريطانيون خمسة عشر جنديا.وباستشهاده أعلن الجهاد العلني في فلسطين، واشتعلت الثورة إلى جميع أنحائها، فقد كان كما قال، عود الثقاب الذي يشعل الثورة.