eKtab
EN ع
في ذكرى الغبار و ((شانيل))
Read free sample

في ذكرى الغبار و ((شانيل))

by صادق عبد الحق

Page 1
فصيح يتيم
 
كيف؟ كيف بوسعه أن يستعيد تلك اللحظات؟ كامل تلك اللحظات، بتفصيلاتها الجميلة؟؟ هل يمكن تسجيلها بالصورة والصوت والكلمة؟ بالمذاق؟ كيف؟ ما كان أجملها لحظات! لا تصدق!: وردة المبتسمة، الطيّعة، هي العصيّة، الموافقة - بل والمتلهفة كما بدت -·· ولكن كيف تم ذلك؟ ولماذا كان؟ وما الذي جاء بها الآن؟··· أم أن الأمر هو تمامًا كما يقول كاريل في هذه الصفحات الماثلة بين يديه - على صدره ليس بنو البشر مادة صالحة للبحث العلمي ربما أو أن الأمر جاء بسبب هذا الانقطاع الطويل وراء هذه الروابي في مزرعته المنتئية هذه؟ من العجيب أنه منذ البداية ذكر لها هذه المزرعة، واقترح عليها مباشرة أن يأتيا إليها معًا··· واصفًا إياها بـ المزرعة الحديثة أو هو ربما سماها المجهزّةكانت تستمع ضاحكة وموافقة··· بل هي استفسرت قائلة: صحيح؟؟ إعلانًا عن موافقتها، بل في الحقيقة ولهفتها ما كان أجمل ذلك!!
 
- الريح والمطر هما ذا يجوحان في الخارج، وليلة الفصـح المجيد هي ذي تقصـفـها العاصفة العجوز··· هل كان لليلة الفصح علاقة بما حدث؟!··· بمجيئها بعد كل ذلك التيه الحزين؟ بعد ذلك الموات؟···· كانت سعيدة سعيدة فيما يذكر، وعندما قبلها كان ريقها شهيًا ومشتهيًا··· كان نفَسها ساخنًا··· ما أجمل ذلك!!··· أين كان لقاؤهما؟··· اللقاء الذي فاجأه تمامًا!!لعله كان طريقًا عشبيًا يمضي صعدًا على نحو ما···· كانا وحيدين! هل كانت عائدة إلى··· أين؟ و··· وهو لم كان هناك؟··· ربما كانت كلمته الأولى لها: هل تدرين؟··· إني أحببتك طيلة تلك السنوات؟ -         أيتها العزيزة الغالية؟ هل تدرين؟··· ولعلها أجابت (ويا للعجب!)··· أدري، يا لروعة مجهولية إنسان كاريل!··· إذن فهي كانت طيلة كل تلك المدة··· أيضًا تحبه! ولا تبوح؟!··· بعد ذلك تأكد له على نحو قاطع أنها معه··· بجسدها الحبيب، تمشي قربه مبتسمة تلك الابتسامة الأميرية - مرحة سعيدة - فجرؤ واقترب وقبلها، بل هو ربما تشممها أولاً - وأحس بنفَسها الساخن (بل وربما المتشهي) - ثم قبلها فبادلته ذلك بشوق!! ذهل أنه قبلها - وصاحت أعماقه العطشى: كيف؟ كيف؟··· بعد كل تلك السنوات··· ليس فقط أنها معه أخيرًا، يصارحها بحبه وتعترف له بحبها··· بل هـو ذا يـقـبلها وتـقـبله: يشرب ريقها ونفسها الشهي الساخن··· وتكون ضاحكة سعيدة بالاعتراف!! وفي البدء ظل يقول: كيف كنا بعيدين طيلة تلك السنين؟! وإذ توقف لحظة··· قالت: أنا سعيدة سعيدة وإذ زلزلت أعماقه بذلك زلزالاً سعيدًا اقترب وقطف قبلته الأولى (ما أجملها!!) والتي لعلها كانت أولاً مقتضبة، ثم وإذ استقبلتها ذلك الاستقبال السماوي بقبلة معانقة، تشجع فاقتطف أخرى وثالثة، بل ولعله بعد ذلك مباشرة كان اقتراحه أن يلتقيا في المزرعة··· هنا··· وراعى أن لا يبدو متهورًا فيه، وعندما ذكر لها أن المزرعة مجهزّة، تساءلت: صحيح؟ معلنة موافقتها أو ربما لهفتها··· ولكن كيف كيف تمّ ذلك؟! وهل يتعلق الأمر على نحو ما (لاشعوريًا مثلاً!) بليلة الفصح هذه التي تتميز هي بالاحتفاء الخاص بها؟ ربما ربما، كان اللقاء واضحًا وجميلاً وصحيحًا!··· كانا وحيدين··· وكانا سعيدين··· وكانا هما هما: البنت (بل هي الست الكاملة الآن) التي ليست نحيفة ولا ممتلئة، ولا ذات عيون خضراء ولا طويلة ولا قصيرة ولا مسنة كبيرة ولا شقراء ولا سمراء··· بل كانت هي، هي وردة هي التي أجمل من كل ذلك··· كانت هي بابتسامتها، بشعرها الأسمر الأليل، ببشرة بلون قمح السنبلة عند هذا الحصاد القريب، باكتناز الشفتين الحبيبتين··· بملفوف القوام الأخ··· هي هي الحبيبة منذ الثلاثين عامًا··· ولم يكن يحلم··· لقد تساءل بخوف: هل هو في حلم؟؟! أبدًا لم يكن يحلم··هي ذي وردة مشيتها بجانبه··· هو ذا المرج عصرًا(أو ضحى) تلمس نفسه··· بلل بشفتيه آثار ريقها الذي ارتشفه للتو؛ تأكد له أنه لم يكن يحلم·· وسعدبالنتيجة؛ بل هو يذكر أنه مضى هاتفًا:(وأخيرًا هو ذا يلتقي بحبيبته فعلاً فيجدها تحبه أيضًا)··· فلقد كان حبه لها إذًا طيلة تلك السنوات (ومنذ الجامعة) ليس مجرد خيال وأوهام بل لقاء تَجسُّدًا: بمشوار وقبل وريق حلو و نفس ساخن؛ وبزلزال من السعادة؛ فكيف يكون حلمًا؟!
 
نعم ظل يخشى أن يكون كل ذلك حلماً··· تلمس جسده·· تحرك·· لا لا·· هل كان في حلم؟! حرام أن يكون كل ذلك؛ كل تلك السعادة حلمًا··؛ تلك القبلات؛ الأنفاس الشهية؛ الرضى والسعادة باللقاء··· يا إلهي لا تجعل كل ذلك حلمًا··· لا تجعله حلمًا··· لماذا يكون حلمًا؟ لم لا يكون هو ذلك الواقع الحبيب··· لم لا يكون؟ 
 
ماذا يقول أليكس كاريل؟ عاد للسطر الذي كان تركه يسقط على وجهه: ليس بنو البشر مادة صالحة للبحث العلمي  بل ربما لم يكن ذلك بسبب ما كان يقرأ (ولا بسبب الطعام والشراب!) ماذا أكل؟ ماذا شرب؟ ماذا كان آخر ما سمعه في التلفزيون؟·· إن تلك السعادة التي عاشها مع وردة للتو لم تكن سعادة جنسية؛ كانت فقط سعادة باللقاء بطعم الريق الزكي؛ والنفس المشتهى، لم يكن هناك جنس مباشر·· نعم هو تشممها··· لكن ما كان ذلك جنسًا فماذا كان إذًا؟: أن يحتفظ لنفسه - وهو على أبواب السبعين - بكل ذلك الحب لـوردة دون بوح مباشر ولو لمرة واحدة··· إلا ما كان قبل قليل (يا للخسران) وحيدًا هنا قرب نواح العاصفة العجوز، في هذا الليل النيساني الصاخب فوق هذا الجبل النائي·· وراءهذه العتمة··· والفجر القريب، وعواؤهما ينهش عقبيه وعمره·                                 
 
سامتا (عجلون)  2008
Page 2
خاطر سليمان المجروح
 
- كانت الشمس قد ارتفعت وحَمِيَتْ حين وصل العريف نبوي إلى كشك خفارة سليمان، تعانقا··· ثم جلسا خارج الكشك يتبادلان الحديث:
 
- ها·· ما قلتليش أخبار البلد
 
- الحمدلله كله بيسلم·· بيسلموا عليك كلهم وبيسألوا إمتى رايح مصر النوبة الجاية؟، عارف يا سليمان همه بيقولوا إيه علينا؟ الحج علوان أول إمبارح كان بيقول إيه؟
 
- الحج علوان؟ إزايه؟··· بقالي زمان·· زمان ما شفتوش··· بيقول إيه الحج علوان؟
 
- كان بيقول - بعدما سألني عنك وعن محمد وعن الجماعة هنا كان بيقول إنت - يعني إحنا - خلاص ما بقاش لنا لازمه··· ما همه الخواجات أهُمْ رافعين علمهم أبو نجمة في نص مصر
 
 وبيقول: يعني إنتو هناك في راس محمد ولا في شرم الشيخ ولا وين ما كنتو حتحموا مين؟ ومن مين؟ تصدق بالله يا سليمان أد إيه تغميت من الكلام ده··· أصل أنا دايمًا كنت أقول في ذات نفسي لازم أنتقم لعبد المولى وحسنين ولابن الحاج سليمان قبل ما أموت آخد بثارهم·· أقلها ثلاثة من اليهود·· يعني ثلاثة بثلاثة·· فاكر عبد المولى؟ بالذمة يتعوض بأي حاجة؟
 
- أيوه فاكر يا نبوي··· أمال·· أنا فاكر قوي··· فاكر وفاكر وفاكر··· لكن انت تقدر تاخذ بثارهم برضه·· أنا ماقلتلكش إني حلفت على المصحف قدام العقيد مصطفى لما جه يعزي بحامد؟ أنا ساعتها قمت جبت المصحف وحطيته في ايد العقيد مصطفى وقلت له امسك يابيه·· تلبك شوية يمكن ما كانش على وضو ولاّ حاجة·· قلت امسك بس، مسكه وحطيت ايدي اليمين ده على المصحف وحلفت إني لازم آخد بثار حامد ولو في آخر يوم قبل ما اموت··· والغريب·· قبل ما تفوت علي دالوقت ده كنت بفكر بعيد·· عارف كنت بفكر في إيه؟ شايف الستات والخواجات اللي هناك·· معاهم باين مصريين مننا·· دول من صباحية ربنا وهمه بيلعبطوا في الميه وبيغنوا وبيهيصوا·· وقبل شوية لموا حاجتهم وحطوها في السيارتين اللي معاهم وخلوها تمشي في سكتها وهمه باين جايين ناحيتنا·· الناحية ده مَشْي· شوف ولاد الكلب عاملين إزاي·· بالزلط كده·· خد بالك كل دول يهود إسرائيليين أيوه كانوا زمان بيداروا ويسموهم فرنساويين ولاّ إنجليز ولاّ أمريكان إنما دول دلوقت يهود رسمي·· شوف بالذمة بيمشوا إزاي مبسوطين آخر هيصة ومجدعة·· معقول يا ناس، معقول أشوف اليهودي ماشي قدامي فوق تربة مصر ولا كأنِّ فيه حاجة، شوف المشكحة·· شوف
 
كانوا أكثر من سبعة رجال ونساء بلباس خفيف فوق الركبة بعضهم بالشورت والمايوهات·· ثلاثة منهم على الأقل يحملون راديوهات ولاّ كاميرات ولاّ حاجات زي كده·· الحاصله· انسحب العريف نبوي إلى موقعه خلف التلة التي يقع فيها كشك خفارة سليمان·· فيما بقي سليمان يرقب الفوج الذي اقترب منه كثيرًا صاعدين إليه ولا يعرف لماذا؟ سكة السيارات من الناحية الثانية ما بتعديش من عنده··· إنما!··· عندما وصلوا وَعِيَ على أحدهم كان في الظاهر يتحدث إليه·· يسأله بـ عربية ثقيلة لكن مفهومة:
 
- دي الوقت أقل لك يا مصري يا جدع شالوم يعني بالعربي سلامو عليكم·· مش كده احنا حبيبي ما فيش بينا وبين بعض حاجة، عبد الناصر بتاع زمان هو اللي كان عامل مشاكل·· عامل البلاوي زي ما بتقولوا مش كده برضه؟
 
- كان بقية أعضاء الفوج يستكملون وصولهم ويستمعون وتلعلع ضحكاتهم، 
 
- سليمان لا يذكر أنه خرج من فمه إلا كلمة أو كلمتـين:
 
 - ما تعدي يا ابن الأفندي·· ما تعدوا يا خواجة عدوا خلاص·
 
- تبادل أفراد الفوج ضحكات ساخرة· أحدهم بقامة ضخمة ومتينة في الأربعين كان يتحدث بما يشبه الأوامر ابن الستة وستين وبلغة ركيكة:
Page 3
- انته اسم ايش؟ لم يجب سليمان فعاد السائح اليهودي يسأل - مين إنته أحسن: ناصر بتاع حرب ولاّ ريس بتاع السادات·· بتاع شلوم يعني بيس؟ ولم يجب· كان المرافق الذي مع الفوج قد اقترب من سليمان أكثر فقال بعربية مصرية متقنة بعد أن كرع بقية ما احتوته العلبة التي في يده، في جوفه وقذفها إلى الوراء في المنحدر:
 
معلش··· سيبه··· قل لهم خلاص··· إحنا خلاص ما فيش حاجة اسمها ناصر··· إحنا النهارده سلام يعني شلوم ناصر ده كان زمان··· لسا فاكر···  أمُّ عبد الناصر
 
- في ثوانٍ ارتدَّ سليمان إلى الوراء وعاد وأخذ يطلق زخات رشاشه على الجميع وكيفما اتفق·· من تحت لفوق ومن يمين لشمال وكان يصرخ بهياج: يا ولاد الكلب··· هي حصَّلت يا ولاد المجرمين تقولوا عليه كمان··· لأجلك يا جمال لأجلك يا ريس·
 
- في الزنزانة بعد أسابيع كان صحافيان يصطحبان معهما خواجا يسألون سليمان ويطمئنانه ويستسرّونه ويعيدون السؤال:
 
- لكن إنته فعلاً ليه أطلقت الرصاص؟ إحنا عارفين حكاية الجنون ده كلام فارغ· يعني علشان إيه يعني؟ إحنا طبعًا لا بوليس ولا مخبرين ولا حاجة··· إنت عارف وما بتغيبش عنك حاجة زي دي
 
أجاب سليمان باقتضاب: - خدت بتار حامد
 
ردّ الصحافيان معًا بذهول: حامد مين فأضاف: -حامد أخويا اللي قتلوه اليهود في سينا ولحد دلوقت ما لقيناش منه حاجة!
 
- آه إحنا متأسفين·· بس ما حدش قال الكلام ده··عمومًا طيب·· طيب بس كان معك حد·· يعني ما حدش دفعك، أمَرَكْ؟ 
 
 باقتضاب أيضًا عاد سليمان يقول - ما معاييش حد·· ولا حد أمرني اللي أمرني هو ربنا وجمال عبد الناصر··· بس
 
- في الصباح التالي وُجد سليمان خاطر في زنزانته معلّقًا؛ ودون أن يصل الخبر لفوق، صدر أمر قيادي تاريخي سري لإدارة التوجيه بإعلان انتحار سليمان خاطر مع عدم الخوض في الموضوع··· خالص·
 
فمنهم من قضى (كعبد الناصر في مثل هذا اليوم 28/9) وكسليمان خاطر وأحمد وكغيرهما في كل صباح ومساء) ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا·  
 
28/9/1991
Page 4
عصفور هرم
 
استيقظ مبكرًا·· مبكرًا جدًا بالنسبة ليوم جمعة· الكل نائمون· جرَّ بقايا نومه عبر الممر باتجاه الصالون لكنه ارتد إلى المطبخ· ألقى نظرةً ولم يدخل، ثم مضى إلى الصالون فالبراندا· أزاح الستائر وربطها بقدر الإمكان على النحو الذي لا يتعارض مع تعليمات زوجته؛ فأطلّت عليه عبر الزجاج وجهًا لوجه ثلة حمراء من الورد الجوري مشرئب الأعناق، ومن الجهة الشرقية بدت ظلال بيت الجيران والبيوت التي تليه تحجب أي شعاع مباشر للشمس التي في الأرجح خرجت من وراء الأفق، وكذلك تُرى السيارة في داخل الكراج (الأمر الذي يعني أن حسان قد استعملها خلال الليل كثيرًا أو قليلاً· الله أعلم إذ أن رفعة عندما عادت بها مساء أمس تركتها (بالطبع) خارجًا· الكل نيام لا زالوا ولا حركة في الشارع للسيارات أو لباصات المدارس أو للمارة شأن الأيام العادية في مثل هذا الوقت· السكون مستتب والصبح داكن يتنفس بلا صخب·
 
مضى إلى غرفة سمير تلك التي اصطنعها لنفسه مؤخرًا كغرفة خاصة بدلاً من مخزن الشتوي واستقل بها عن حسان وعوني وجده مستغرقًا في النوم· أحبَّ كثيرًا أن يقبله لكنه خشي إيقاظه وفكر أن يتمدد إلى جانبه ولو بحذر لكن من الواضح أن الفراش لن يتسع وستوقظه الحركة بالتأكيد·
 
عاد إلى الصالون وأشرعَ دفتي بابه الواسع على البراندا وكذلك أشرعَ كليًا النوافذ ثم جلس يستمع لنشرة أخبار السابعة وأقوال الصحف:
 
حفل استقبال في البلازا بمناسبة مرور 47 عامًا على قيام دولة الرب بعد أن تأخر قيامها 3 آلاف سنة ثم - ويا لعجائب الصدف- تقوم وتتحقق فقط في حياته هو!! لماذا؟ [ وفي الافتتاحيات: ]تواتر على أن المسؤول والحواريين قد تلقوا الوحي (ونقلت الصحف ذلك الوحي حرفيًا) فإذا هو وحي واكتشاف وتدبير لا مثيل له، وإذا هو وضعٌ للنقاط الحائرة على الحروف النافرة[·
 
وفي أخبار ما وراء البحار أن الجعجاع العجوز ذو الوجه المعجوني يرى أنه لا بد من تفوق نوعي لدولة الرب على جميع دول المنطقة· لماذا؟ لأن حفظ السلام يقتضي ذلك··· نعم  وأخبار أخرى متفرقة·
 
لا بد له، إذن، من فنجان قهوة بالحليب· اتجه إلى المطبخ فإذا زوجته (يا للعجب) تجلس في المقعد الموالي لمدخل المطبخ وكأنما هي تنقِّب النوم عن عينيها لا زالت أو كأنها مُقَطَّره شعر بتعاطف خفيف لا يخلو من الحزن·· وفكر: أم لعلها كانت تظن أنه خرج أو كان سيخرج حالاً··· يخرج بالسيارة ويغيب طيلة النهار وأينما شاء بينما تظل هي حبيسة الدار والأولاد؛ فبادرت للإعلان عن يقظتها· لم يجد مناصًا رغم كل ما بينهما من صمت من:- صباح الخير· ولا يدري إن هي أجابت أم لا، لم يتأكد· دخل إلى المطبخ وحضّر فنجانًا من القهوة، ولأن مقتضيات الذوق - وبصرف النظر عن أنهما متخاصمان منذ الليلة الماضية (أو منذ الأزل) لا تسمح له بعمل فنجان قهوة واحد فيما هي على بعد مترين منه دون أن ياخذ ذلك في الاعتبار فقد زعم لنفسه أنها لا تحب القهوة بالحليب صباحًا ولذلك وضع لها فنجانًا وترك غلاية القهوة على النار الخفيفة وأعلن: - إذا أردت قهوة بلا حليب·
 
ومضى إلى البراندا يكمل سماع نشرة الأخبار وأقوال الصحف·
 
أول من جاء إليه في البراندا كان سمير الذي دسَّ نفسه إلى جانبه على الصوفا الطويلة متسائلاً أو متابعًا تساؤله منذ الليلة الماضية فيما إذا كان لا زال مصممًا على رحلة بيروت في عطلة الصيف، وهل هو سيختار رحلة فندق الـ 3 نجوم من أجل توفير 40 دينارًا؟ وكيف هي بيروت في الصيف، وهل سيكون الفندق على البحر؟ وكم بقي على الموعد؟ وألا يمكن تقريبه؟· قبّله واستعذب حضوره الجميل فوق جمال الورد الجوري··· إلا أنه سرعان ما فكر بأن سمير ما كان يجيء ويندس بجانبه أولاً لولا حديث وهاجس الرحلة المرتقبة، وربما كان سيظل قرب أمه طيلة فترة تثاؤبه الصباحي هذا··· لماذا هذا العكروت لا يندفع إليه إلا عند الحاجة بينما هو يلتصق بأمه في كل حين أولاً·
 
بعد قليل ظهرت سيقان عوني وشعره المتطاير بلباسه الداخلي·ألقى تحية الصباح فردَّ عليه· عوني محب ودود يأتي دائمًا ويلقي التحية راغبًا بل يبادره بقبلة رغم أنه لم يعد صغيرًا· ردَّ عليه متبرمًا من احتمال إصابته بالبرد مع هذا الرداء الخفيف ولسعة الصبح، ومن أنه لا يسمع الكلام بل وينام بالملابس التي عاد بها من اللعب ليلاً··
Page 5
من بعيد في عتمة الداخل لاح خيال حسّان يعبر إلى المطبخ متجنبًا بالطبع اضطراره لإلقاء تحية الصباح على والده ومتجنبًا المواجهة·
 
ثم جاءت رفعة - يا للغرابة - التي نادرًا ما تجيء إليه من عالم غرفتها ودراستها ومشاويرها وشؤونها؛ على أن الغرابة سرعان ما تـبـددت حـين بـادرتـه بالسـؤال: إن كان سـيحتاج السيارة اليوم؟ وكأنها لم تشطب أمس كامل يومه وعمله ومواعيده عندما خرجت هي والأم بالسيارة طيلة النهار ولم تعودا قبل نشرة أخبار الثامنة مساءً؛ دمدم محتجًا وفي أعماقه سخطٌ: أن هذا غير معقول وأن ليس بوسعه أن يقدم برنامجًا يوميًا عن متى سيحتاج السيارة ومتى لا يحتاجها، وأن هذا كثير، وأنهم في الحقيقة لا يأبهون بغير حاجاتهم ومواعيدهم وشؤونهم، أما هو وعمله فلا يهمهم بشيء ويؤكد أنه لو ترك لهــم السيارة وفوضهــم بقبض دخله ما فطنوا إلى الحاجة إليه
 
أحس بأن هذا الجو الملبد لا يناسب يوم عطلة للراحة أبدًا والجو لا يسمح أن يقترح على زوجته قضاء العطلة خارج البيت، أما أن يذهب وحده فليس أمرًا صحيحًا ولا مفيدًا لعملية السلام البيتي وهل ينتظر أن تهطل حلول سحرية خلال النهار فيعم الأمن والسلام بدل هذا التوجس والتنافر··· كأن تبادر مثلاً زوجته أو ابنته رفعة باجتراح إفطار شهي في الحديقة ثم تتقدم منه - كما كان يفعل هو مع والده في غابر الأزمان - تتقدم معتذرةً عن تعطيل أموره وعن قلة الأدب في مخاطبته وعن الطلبات التي لا تنتهي وعن عدم وجود قميص واحد مكوي وجاهز في أي يوم من الأيام وعن فوضى الصرف على آلاف الأحذية التي تتكسر نصالها على نصالها هباءً منثورًا· الخ···
 
ولأن ذلك مستحيل، وكحل مؤقت وبسيط خرج الآن لاحضار الجريدة الصباحية وعاد·
 
بعد قراءة الجريدة أدرك على وجه اليقين أن هناك اصطدامًا محتمًا سيقع مع حسان بشأن خروجه بالسيارة في منتصف الليلة الماضية وبدون رخصة قيادة ضاربًا بعرض الحائط كل تحذيراته وتهديداته وأيمانه، وبشأن رائحة الدخان التي تعشش في قماش الأغطية من حوله والتي لكثرتها لم تتبدد بعد، رغم انقضاء الليل بكامله، وأدرك أن الود مفقود حتى مع سمير وأنه لا يقبل بكسل عوني وروان وتلهيهما بكل شيء ما عدا تحضير واجباتهما المدرسية والاستعداد للامتحان الوشيك، وأدهى ما هناك هو تربص (رفعة) بالسيارة وتربص أمها وتربص (حسان) الأمر الذي يجعله في الواقع غير قادر على ممارسة أي حرية بسيارته طيلة النهار بل هو سيكون مهددًا في كل لحظة بأن يتلفت حوله فلا يراها أو هو سيطلق الاحتجاجات فيلقى صدودًا فوق صدود وفي النهاية ربما تشكلت السخرية الصامتة الواضحة من هذا الأب المتذمر·
 
فكّر: ماذا لو ذهب إلى بيت والدته وأمضى النهار كله؟ ولكن ماذا يعني ذهابه وحده بدون الأولاد؟ والأولاد لا يبادرون (بل ولا يرغبون) بالذهاب معه بغير أمهم··· ثم ماذا يفعل طيلة النهار بمواجهة الوالدة؟ إن ساعة معها عادة تكفي لإطفاء أشواق (أو واجبات) أسبوع كامل، ثم··· لقد أعلنت رفعة وانتهى الأمر بأنها ستحتاج السيارة بعد الظهر؛ فكيف سيبرر غيابه عن البيت (ويحتفظ بالحد الأدنى من الذوق السليم والديمقراطية وعملية السلام البيتي على رأي ولسان حال رفعة وأمها والجميع) رغم هذا الإخطار المسبق المعلن؟ أم تراه يذهب للمزرعة وحده؟ وهي أيضًا بعيدة وموحشة الآن وتحتاج لنهار كامل ومشروع معد سابقًا··· ثم··· ها هي الساعة تقترب من الحادية عشرة دون أن تبدر أي بادرة ما على أن هناك إفطارًا··· وهو في الحقيقة جائع ويكاد يتفجر غيظًا أنه ما لم يقم بنفسه بمبادرة للإفطار فإنه - لا سيما عندما يكون الجو ملبدًا كما هو اليوم - لا أحد يقوم بهذه المبادرة، لا الزوجة فذلك يا للعجب ليس من أولوياتها (اللهم إلا عندما كانت هناك خادمة فكانت تشارك في الاحتفال المراسمي للإفطار) ولا رفعة بالطبع لأنها فيما يبدو لا تعتبر نفسها - وعلى رأي أمها - إلا ضيفة (بانتظار العريس) ولا حسان بالطبع ما لم يتعلق الأمر باستعمال السيارة والإتيان بحركات للفطور من الخارج (وتحديدًا إحضار الحمص والفول من المطعم) ولا بقية الأولاد بالطبع· وأن يقوم هو دائمًا بالمبادرة للوصول إلى عملية إفطار منضبطة وسارّة فضلاً عن أنها كانت ولا تزال عادة سيئة أو تعويدًا منه لزوجته وأولاده، وبرغم أنها وعلى كل حال صارت عادة منذ ما لا يذكر إلا أن اعتبار ذلك قدرًا بهذا الوضوح أمرٌ لا يحتمل وها هي الساعة تصل الحادية عشرة وغيظه المعوي لا يطاق·
 
فليذهب ببساطة إلى مكتبه: يقرأ الجرائد الأخرى، يطلب إفطارًا··· يتصل بـ مهرة فلعلها تأتي ويتحدثان أو يذهبان في مشوار، إنها ترسل البنتين اليوم إلى أبيهما وتظل وحيدة بعد العاشرة أو لعله هو يذهب إليها··· وبصرف النظر عن احتمالات حدوث نتائج إيجابية أو الاقتصار على قبلات ثقافية فإن مهرة خيار ممتاز·
Page 6
دون تردد··· خرج بلباسه البيتي وحرك سيارته إلى المكتب·
 
 في الطريق أدار الحوار السابق مع نفسه من جديد: أم تراه يذهب إلى بيت والدته؟ لقد مضى على آخر زيارة لها أكثر من شهر؟ فماذا ستقول إن جاء وحده دون الأولاد؟ ستحقق معه وسيكون الأمر محتاجًا للتوضيح· أم تراه يذهب إلى المزرعة؟ في آخر الدنيا ويعود وحده؟! تنك بنزين كامل بلا هدف محدد···لا، هل يذهب إلى بيت أخيه ناصر؟ سيقول هو وستقول إمرأته ما الجديد؟ لـماذا يأتي اليوم؟ وهو لم يـفعل ذلك منـذ شـهـرين؟ ماذا حصل تُرى بينه وبين زوجته مجددًا؟! سينكأ جروحًا أو سيوحي بأن جروحه العائلية توشك على الانبعاث؟! أو تراه يذهب لبيت علي لا·
 
هل يتصل بمروان؟ أو بخالد؟ كلاهما اليوم مقيم في البيت مع أولاده شأن كل عباد الله الصالحين··· يوم عطلة مع الأولاد والزوجة أو ربما في نزهة··· لا···· يذهب إلى المكتب فعلاً ويتصل بتلك النمرة العتيقة الذكية مهرة؛ ستتساءل ماذا حصل؟ يوم جمعة·· هي ترفض - كما تقول - أن تكون احتياطًا إن هذه مشكلتها الأزلية معه· ستدرك أن دعوته لها اليوم تقع في باب اللجوء لهذا الاحتياط ومن يدري إن هو ذهب إليها أو اتصل بها أن يكون (رضا) قد جاء لأخذ البنتين فيكون قد أوقع نفسه مع (رضا) في شراك شبهات لا طاقة له باحتمالها·
 
وصل إلى المكتب، تصفح الأسبوعيات··· طلب إفطارًا من المطعم القريب، شرب الشاي وشعر بالاكتفاء· اتصل بها· لم يجدها بل لم يرد أحد على الهاتف· اتصل ببيت أخيه ناصر لم يجدهم· اتصل ببيت والدته فجاءه الجواب أنهم يستعدون للذهاب إلى مزرعة ناصر وأنهم كانوا يظنونه هناك·
 
حاول أن يكتب شيئًا ما في (روايته) التي لا تنتهي··· لم يجد بعد وجبة إفطار الفول والحمص خيالاً أو قدرة على الكتابة·
 
هذه هي المرة الثانية أو الثالثة التي يأتي فيها إلى المكتب ويكون وحده في المبنى كله·· لا أحد حوله وكل المكاتب الأخرى مغلقة بما في ذلك مكتب (الإعلان) المجاور· لقد سبق له في المرة الماضية التي جاء فيها إلى المكتب في يوم العطلة أن وجد سكرتيرة المكتب المجاور تعمل (ولا يذكر لماذا كانت هناك وحدها ذلك اليوم)·
 
وقد شربا يومذاك القهوة ودخنا معًا، وكان بوسعه أنذاك أن يعقد صفقة من الصداقة المفيدة رغم فارق السن بينهما فلم يكن انطباعه عنها أنها تمانع في أي نوع من الصداقة أما اليوم فلم يكن في الطابق كله وربما في المبنى بطوابقه الست، أحد غيره·
 
نظر عبر النافذة إلى الشارع العريض والمدينة الجاثمة العارية إلا من البقعة الكبيرة الخضراء الداكنة حول المدينة الرياضية··· كان صمتًا كبيرًا يلف المدينة رغم ملاحظته حركة السيارات· فتح زجاج النافذة فانفتح عليه صوت المرور دون صخب·
 
بعد قليل طفق صوت عال لا يشوبه شك أو خوف أو حيرة يهدر بالمؤمنين أن يثوبوا إلى الله· فكر: أين يثوبون؟ وكيف؟ وأن يغتنم كل منا شبابه قبل هرمه، وصحته قبل سقمه، وغناه قبل فقره···الخ
 
قبل أن يغلق النافذة أعاد الاتصال بها فأجابه صوتٌ رجوليٌّ ما·· ليس هو صوت (رضا) على كل حال· أقفل السماعة بهدوء، وحضّر لنفسه فنجانًا من القهوة وأخذ يتصفح أوراقه وينتظر حلول الساعة (2) ليعود إلى البيت قبل أن يحين موعد رفعة لأخذ السيارة·
 
حين نهض لإغلاق النافذة قبيل المغادرة، فوجىء بوجود عصفور كبير نسبيًا يركن إلى الزاوية الرخامية الخارجية لصق النافذة كأنما مكبًا على شيء ما·· مبلولاً أو كأن ريشه كان مبلولاً وجف·· لا يبدو جريحًا ولا مقصوصًا ولا مضروبًا· مدّ إليه يده؛ فلم ينفر أو يهرب وظن أنهما تبادلا النظر على نحو اعتيادي· تعجّب أنه لم يتفلّت إلى الطيران· ولم يدر ماذا يفعل به؟ هل يطلقه من يده ليطير؟ لو فعل لسقط - في الأرجح - إلى الأرض· هل يحتفظ به لسمير؟ يحتاج الأمر لقفص وهو على كل حال عصفور كئيب فيما يبدو وليس رشيقًا البتة··· بل يلقي به من النافذة من هذا الارتفاع فيضطره للطيران··· شكّ في ذلك وبدا له أنه لو قام بالقائه فعلاً فسيظل هابطًا إلى الأرض حتى يصطدم بها ويموت· ثم وجد أن خير ما يفعله أن يعيده حيث وجده تمامًا على حافة الرخام لصق النافذة من الخارج ثم يغلق زجاج النافذة بهدوء وليفعل بعد ذلك ما يشاء أو يقدر·
 
28/4/1995
Page 7
(شانيل)
 
إلى جبرا، وإليها محبة للحياة
 
المفروض أن تتصل·· لعلها اتصلت قبل الآن فلم يجبها أحد بالطبع، يعرض التلفزيون مسلسلاً، لا رنين للهاتف، لا رنين من ع، ولا رنين من لـ، ولا من خ··· م أيضًا لا يتصل ماذا عساه يفعل؟ الساعة تجاوزت العاشرة ماذا يفعلون؟ لا ليس هذا مسلسلاً، دي كليرك؟ أين خصمه الأفريقي العتيد؟ ماذا يفعلون؟ هي ماذا تفعل؟ لماذا لا تتصل؟ هل اتصلت؟ هل هي استمتعت بليلة أول أمس؟ هل ترغب في تكرار ما حصل؟ كيف حصل ما حصل؟ لعله النبيذ الأبيض؟ لعلها زاوية الليجيري وطليانيته، لعله الليل والوحدة، كانت شموصًا تمانع في كلمة غزل··· ما الذي حدث؟ هي من طلبتْ··· طلبت توصيلها للبيت، هي من طلبت أن تدخل··· هي من طلبت أن تتريث قليلاً·· هي التي أشعلت الشمعة·· هي التي خلعت·· هي التي قادت إلى السرير، هي التي·· هي التي·· هي التي·· ما الذي حدث؟ كيف حدث؟ هل كان هو النبيذ الأبيض؟:
 
- الولد المتطلين كان يدرك من حوار الأيدي أن الزبونين الخمسينيين وقعا في براثن النبيذ الأبيض وسيغادران خلال نصف ساعة· صدق الولد المتطلين·· البنت الخمسينية المتفلسفة تتسرب يدها إلى يد الولد الخمسيني الملعون، النادل المتطلين يراقب، الساعة تجاوز الثانية عشرة، النبيذ الأبيض يفعل أفاعيله البيضاء الحمراء الليلية، تمتد الأيدي تتماسك، تتعانك  تتفاصل، تتساءل، تتخابث تتمادى، تتسارع تتراعن، الأيدي المشتبكة تتكلم بلغة الكون الكلي·
 
- الحساب
 
- بوناسيرا، بونانوتي،أري في دي رشا، ······· ما الذي حدث عندئذ؟
Page 8
-  ها·· دي كليرك على الشاشة، زعيم المؤتمر الأفريـقـي تـركته امرأته· لماذا تركـته؟ ما اسمه الأول؟ زعيم المؤتمر الوطني الأفريـقـي ابـن كذا وسـبعـين عامًا·· ابن كذا وعشرين عامًا في السجن·· تتركه امرأته؟ أية مخلوقات عجيبة تلك النساء؟ ماذا فعل؟ ماذا عساه لم يفعل؟·· هل لم يعد فحلاً؟ زعيم المؤتمر الأفريقي ما اسمه الأول؟ ليس باتريس ذلك لومومبا! تلك قصة قديمة، لماذا يذكر دي كليرك ولا يذكر اسم زعيم المؤتمر الأفريقي؟عجيب ولا اسم زوجته المتنكره له؟ ما الذي حدث بينهما؟ هل لم يعد فحلاً؟ أم لماذا؟
 
- كانت الثانية عشرة على الأقل، وكان برد صغير يقــرص·· وكانــت عمــان وكانت سخافات ليلة الثلاثاء·· ما الــذي حــدث؟ كانت رئيسة المؤتمر العشرين لاتحاد كذا وكذا وكذا عصيــة علــى: أنــت حســنة ٌ هــذا المســـاء، كانــت عصيةً على: أنت وحيدة، وأنا كما ترين وحيد وعمان المشاغبة لا زالت بلا قصص، والليل، والنبيذ الأبيض، وزاوية الليجيرو، وذلك الفتى المتطلين، بوناسيرا يا أيها الولد المتطلين، بونانوتي يا أيها السيد الخمسيني المتخابث ويا أيتها السيدة العجيبة، أرِّفي ديرشي وسنراكم قريــبًا·
 
- تنمحق المسافات في دقائق·· فإذا هما على باب العش النسوي العماني في منتصف الليل·
 
- خُشْ يا عجبًا، هي التي ترسم الطريق، مهرة ٌ تدلف إلى باحة الصالون، مهرةٌ توارب في الدخول إلى غرفة النوم، مهرةٌ تشعل الشموع، مهرةٌ تجيءُ نحو القبلة المرحِّبة··· مرحبا·
 
- فلماذا لا تتصل؟ أمس واليوم·· هل أمتعها؟ هل طعمه تحت أسنانها كطعمها تحت أسنانه؟ لماذا لا تتصل؟ عرامها النسويُّ، سواؤها الأنثوي، لماذا لا تتصل؟ ولمذا لا يتصل س؟ لماذا لا تتصل ع؟ و م أيضًا لا يتصل!
 
- هذا (ذلك) العطر؟ هل هو  شانيل؟ نعم هو شانيل: ناعم أنثوي مصفى رائق تدخل إليه (يدخل إليك) كدخولك في نسائم الماء، شانيل سأهديها شانيل في عودتي من باريس تلك المهرة الخمسينية الطروب·
 
عمان 29/4/1993