eKtab
EN ع
في ذكرى رفيق
Read free sample

في ذكرى رفيق

by أحمد الفيتوري

Page 1

اذكروني

يا أحبائى شجانى بعدكـــــــــم حزن طويــــــــــل
أذكــرونى ، كلما لاح لكم وجـــــــــــــه جميـــــــــل
اذكــرونــى ،حينما يجمعكم ( فى الكيف ) ليـل
أنا ، ما زلـت على عهدكـمـوذاكالخليــــــــــــل
لست بالناسى ، لذكراكم ، وان شط الـرحيل!
كيف ! والقلب لديكم ، ما لـه عنكم بديــــــــل
فاذكرونى ، كلما لاحلكم ، وجـه جميـــــــــــــــل
***
ياأحباى ، وقد هـبت ، مـن الشـرق ، عليـل!
وذهبتم ، نحـو جليانة ، والـوقـت ، أصيــــــــل
وازدهاكم ، شـاطئ البحـر ، يحـاذيه النخيل
وجلـستـم ، عنـد تمـثال ، لـه ظـل ظـليـــــــــــل
وشـربتـم ، ذائـب العسجـد ،بالـدر يسيــــــل
فاذكرونى ، عل روحى ،يشتفى منها الغليـل
فـاذكرونـى ، كلما لاح لـكم ، وجـه جميــــــــل
أنا ، لاأنكر ، من طبـعى ، الـى الحسن أميـــل
تستبينى القـامة ، الهيـفـاء ، والخـد الأسيـل
طاهر الحب ، عفيـف النفــس ، والله وكيــل
يشهـد الله بأنـى ، ليس لـى قـصـد سفيـــــــــل
فليـقل مـن شـاء ، لا يزعـجنـى ، قال وقيــل!
ان حـب المـرء للحسن ، علـى الذوق ، دليـل
فـاذكرونـى ، كلما لاح لكم ، وجــــــه جـميــل
** *
صرت ، فى جيـحان ، كالمسجون ، سلواه العليل
ليـــــــــــس لـى خـل ، كأنـى بيـن أهليـها أبـيـــــــل!
مـن رآنـى ، قال مجنــــــــون ، غريـب ، أو علـيــــل
مـا لـه منـفـرد ! ليــــــــــــــــس لـه مـنا خـليــــــــــــل
قلت : هذى ، حال من كان له ، بخـت " رذيل"!
ان مـن يبلـى بتغريـب ، وان عـــــــــــــز ، ذليـــــــــل
فـاليكم ، يا أحبـاى ، وقـــــــــــد حـار " الدليـل "
اشتـكى حـزنا ، طويلا ، زادـه شوق طويــــــل!
رفيــــــق حداثة هوية أم هوية حداثة؟
Page 2

مفتتح أحمد الفيتورى

ولد من يكنى بـ ( شاعر الوطن ) ، فى وطن لم يكن وطنا فى زمن الوطن فيه هو الكون .. فى يناير 1898م . حين ولد احمد رفيق المهدوى تقول أوراقه إنه مواطن عثماني ، وإن والده قائم مقامبلدة فساطو فى إيالة طرابلس التى سوف يكون فيها شاعر الهوية ، الهوية/الوطن الذي سوف تخرطه المدافع و يسميه المرسوم الملكي الإيطالي/ صاحب المدافع :ليبيا ! .
أين هو أحمد هذا من يناير 1898م إلي يوليو 1961م "تاريخ وفاته"، أين هو من سجل مولده العثماني إلي جنسيته - القسرية - الإيطالية إلي لسانه العربي إلي شعريته الوطنية التى عرف بها ؟؟!!. هل هو المواطن الكوزموبولتى والشاعر المحلى؟ وهل حقا إنه لا توجد سيرة ذاتية إنسانية مقنعة وسط الصحراء؟ .
وإذا ما كانت السيرة الذاتية إشكال فهل يكون الشعر هو الهوية حيث إن الهوية وهم لابد منه ؟وإن احمد رفيق المهدوى هو شاعر الوطن حيث الوطن يكمن فى الشعرية أي مشروع مخيلة وفى اللسان حيث الشعر لغة ؟ أم أن الشاعر هو الذي لا يكون فى العالم رغم أنه موجود فيه ، هو الذي يكشف لنا أكثر الحقائق قوة دون أن يكون متأكدا منها؟.
إذا ما ذهبنا من هذا إلي غير هذا ، من نظرة الريبة بحسب منهج الدكتور نجيب الحصادى ، من السؤال فى الوجود أو فى معنى الكيان بحسب عبد الله القويرى إلي المنهج الاستقرائي ، بحس الانطباعي خليفة التليسىالذي يعد كتابه شاعر الوطن النقدي أهم كتاب نقدى حول شعرية رفيق فى الثقافة العربية بليبيا حتى الآن ، سنجده يبحث فى الوقائع لهذا الأشكال : من هو احمد رفيق المهدوى ، شاعر الوطن – و كما منحه الناقد كنية ! منحه هوية ، على الأقل ، على غلاف الكتاب – ونحن نقفل القوس لأن سيمياء الكلام أفصح : إنها علامة الاستفهام التى يطرحها الكتاب بين غلافيه حيث نجد أن الناقد خليفة التليسى ضمن حدود منهجه ومدرسته وفترةعمله ؛ المنتصف الأول من هذا القرن الغارب ،وكأنه يكشف عن شعرية لرفيق عارية من معطف عصرها ، وإذا ما كان الشاعر ليس فى الزمان فكيف يكون فىالمكان ؟ وفى هذا أيضا لا يألو الناقد التليسى جهدا بالكشف عن غياب لأنه وبجهد القارئ النصوص يكشف عن عريها أيضا من الشعر فهي فى المحصلة تناصات مع شعر كلاسيكي حديث ومشرقي وفى هذا الشعر تناص مع أضعف الشعر فيه .
فهل هو تناقض الناقد الذي يجمع بين منهج استقرائي وحس إنطباعى أم أن الأعمال النقدي الموضوعي هو الذي أتى بهذه المحصلة ، أم أن إفتراض الغلاف : شاعر الوطن ينقضه المتن ، أم أن أحمد رفيق المهدوى هوية للالتباس وبالتالي الشعرية هنا ضرورةللموضوع ، بشكل أوضح الشعر عند رفيق ؛ رفيق سفر أو سيرة ذاتية مستحيلة ؟ وعلى ذلك فإن خليفة التليسى - كما أنا وربما أنت - يخلق إلهه من عجين ليأكله حين يجوع ، أي يفترض الوطن وبالضرورة الشاعر ، ومدرسته ومدرسة كل الوطنيين والقوميين الرومانسية التى تفترض الشاعر نبيا، هي ذاتها التى تعلى من شأن الذات وهى صاحبة دعاوى الفطرة الأولى التى شعارها - أو الكوجيتو - : جيل بلا ريادة ! (لم تكن هناك تلمذة لهذا الجيل على ذلك الذي تقدمه ) كما يقول خليفة التليسى عن جيل ما ( بعد الحرب ) جيله .
هكذا يبدو احمد رفيق المهدوى عمودا ووجدانا لكيان يبحث عن معنى فى عالم تكشفت فيه نسبية كل شئ ، فصار الوجدان - بهذا - البصلة، وإن هذا الوجدان - الذى يبدى استعدادا لبيع نفسه لأية عاطفة يتأت بلغة بيرنديللو لغة العصر ولغة الحداثة !.
ويبدو أننا لن نبعد كثيرا فى حيرتنا حول : من هو احمد رفيق المهدوى ؟فرفيق يكمن فى البرزخ فى اللحظة ، اللحظة التى هى عند أرسطو الزمن ، ورفيق عند يوسف القويرى هو شاعر اللحظة البسيطة : ينتمي رفيق المهدوى – فى وقت واحد – إلي صفين مختلفين دون أن يفقده هذا الانتماء المزدوج صفته الأساسية كفنان له موقف .
والحق أن هذا الازدواج هو ميزة رفيق وربما كانت هذه المميزة هي التى دفعت به ليحتل مكان الصدارة فى الشعر الليبي كله .
Page 3
ما هذه المميزة المقرونة باللحظة البسيطة التى يمسك بها باءلمحية وبتدقيق الناقد يوسف القويرى، وباقتضاب أليست هي ما هوية رفيق التى تكمن فى شعريته والتى تبدو كما نتبين من قراءة يوسف القويرى مقتضبة أيضا وفى الهامش أي فى تهاميش متن رفيق ، أو الديوان فبدأ هذا الهامش يطل بعناد الشعرية ( التى تكشف عن أكثر الحقائق قوة دون أن تكون متأكدة منها ) التى هي صدق الشاعر فى أنه أقرب ما يكون من الآخرين وهو فريسة شياطينه الحميمة ويبدو لنا غارقا كل الغرق فى مكافحته لها أو أنه كما يقول يوسف القويرى : ( الفنان ، هذا الطفل العميق ، النزق القوى الملاحظة ، القادر على النفاذ إلى باطن الأشياء ، الذي لا يكف لحظة عن خلق العالم من جديد ، هذا الفنان القابع فى نفس رفيق اندفع بكليته نحو المياه الجديدة ليسبح فيها ، وبرغم ذلك الالتحام والغوص فإن رفيقا لم يولد مرة ثانية ، لقد ظل الجدار.. ) هو آخر كلام رفيق. وأن هذا الجدار يبرز جليا فى : ان التناقض الذي يكثفه رفيق الشاعر ويكشفه التليسى الناقد هو ما يلمسه الكاتب القويرى ، هو طاقة العصر التى تبدو للشاعر طاقية إخفاء لا تطال !! : حلم مبدد وطاقة مهدورة هو روح دانونزيو ، روح رفيق الشاعر البوهيمى الذي عنده الوطن مسألة من مسائله اليومية ، ولم يكن الشعر عنده شغلا يبحث فيه بل كان يلتقطه كما يلتقط النزوة على الشاطئ أو فى جولة عابرة أوفى اتكاءة فى مقهى( العرودى ) .
لهذا كان رفيق يتلقف الكلام ، الكلام العابر والقضايا اليومية ، وكان يشارك فى القضايا العامة فى شعره وبشعره وهو يلاعب ( النرد ) ، ولهذا تحول الوطن عنده إلى معنى من معان الذات أو حالة معايشة يومية . وصار الشعر وجدانه الفصيح وكان وجدانه عامياشعبيا يعيش اللحظة ، فكان الوجود عنده حسيا يعيش الشاعر فيه على اليومي سواء كان هذا اليومي لحظة سكر أو موقفا وطنيا أو ثقافة مشاعة تمثلت فى شعر شعبي ، أو فيما هو منتشر من أشعار الزهاوى وحافظ إبراهيم الشاعرين اللذين يردد الناس أشعارهما ، حيث الأول صاحب مفاهيم والثاني لسان الناس .
وبهذا يجد رفيق روحه - هذه الروح المتطلعة - فى ارتشاف الحياة والاستمتاع بها ، فالوطن هو سويعات على شاطئ جليانة أو الشاب الذي يلاعب النرد ، فالشعر عنده ما يستمتع بهفى هذه السويعات أو ما يرتشفه هذا الشباب ، ولذا لم ينشغل رفيق بقضايا الشعر بقدر ماأتخذ الشعر مطيته ، فرسه ! الذي دربه على أن يركبه بطريقته بأسلوبه وبنزواته ، فالشعر وسيلته ، وسيلته التحريرية فى التعبير عن الشفوي ، فكان الشاعر الشعبي الذي عاميته الفصحى ، والذي مشاعره حسية وسهلة وسلسة وقريبة قرب نفسه إلى لسانه وما يرتشفه هذا اللسان ، نواسى ومحدث عنده الحياة مذاق وليس معنى ، وهو صياد الشاطئ ولم يكن يتوغل فى أعماق النفس لأن نفسه هي هذا الشاطئ .
وحتى أنه وهو يناجى روحدانونزيو الشاعر النيتشوى كان يناجى روحه المتطلعة إلى ما يوحي به هذا الشاعر من معاني الانطلاق والتحرر ، وإن كان رفيق لا يعرف دانونزيو حق المعرفة فهو كان يعرفه كما يعرف القضايا العامة أو كما يعرف نفسه !، فما يهمه هو الدلالة النفسانية وما يثيره عنده هذا الاسم ، وقد كان رفيق يعيش فى مجتمعه الثقافي الذي فيه من تابع ويتابع وعايش الثقافة الإيطالية إن لم يعش روحها ، و ما يرمزه دانونزيو فى هذه الثقافة التى حتى وإن كانت ثقافة الآخر / المستعمر فإنها فى نفس الوقت ثقافة مجتمع حديث متطور متحرر وقومي وغالب وفى الغالب مآرب لنفس المغلوب ، ثقافة العصر / الحداثة .
ونقرا شعرية رفيق فى هذ القصيدة ، رفيق الذي لم يرث شيخ الشهداء البطل الوطني عمر المختار ! ، ورثى دانونزيو ؛ رثى نفسه ، النفس الشعر ، وإذا كان من رثاه يمجد القوة والروح القومية فإن رفيقا ماثله حيث مجد وطنه ؛ وطن الروح ، وروح المقاومة روحه ، وإذا كان دانونزيو- حتى من خلال المعلومات الأولية - شاعر الحس أو كما أورد الأستاذ خليفة التليسى عن الناقد فلورا : ان داننزيو صوت الإنسانية التى تعنى الجنس والمادة ، فإن رفيقا حسيا حد التصوف والصوفية هذه صوفية جسدانية فليس عنده ثنائية تضادية بين الروح والجسد بل إنها تظل صوفية جسدية تشتمل على الحواس جميعا فهي صوفية لا تنفى الجسد بل ترمى بجذورها فى الجسد ببعدها الشبقى وبغيره وكأن رفيق يقول أن فى كل شعر صوفية ما - فابن الفارض هو أبو نواس ، والروح هي الجسد- وأن المعاناة الشعرية والصوفية هما نفس المعاناة من كل وجه ، ولهذا ففي هذه المرثية يمدح هذه الصوفية التى تمزق الستر . وإن هذه الروح - الجسد - الكبيرة صاحبة نزوات ، رفرفة ، مرح ، وهى روح تجعل الموت وسيلة ومآرب لهذه النزوات حيث شهداء الحب والشعراء.
هكذا يبدو داننزيو عكازا ، عكازا التقطه رفيق من الشائع ليسبغ روحه بالدلالة ! فما داننزيو إلا الروح الوثابة التى تمتطى - أيضا- حصان الموت لتحقيق نزوتها . ووطن رفيق هو هذه الروح ؛ روحه الشاردة الشاذة وروحه الشعرية التى تعيش كل ما هو معط جاهز والذي يتغذى عليه فيكون هو لا أحد غيره .
وبهذا برز وهو الشاعر مشغولا عن الشعر بشعرية الحياة ، من حيث أن الشعرية هي القدرة على الاستمتاع باللذة فربما لذ عذاب لنفوس الشعراء أو كما قال ، لذة المفرد فم الجماعة ، شيطان اللحظة المنغمس حد التلاشي فى لذائذه ، وكأنه متشيعلا أدرى ، مذهبه قورينائىو لقد بنى أعضاء المدرسة القورينائية ، أصحاب مذهب اللذة ، مذهبهم على نظرية المعرفة والأخلاق ، وهى تقوم على الحكم داخل نطاق الانفعالات الباطنية وما يتصل بسلوك الإنسان ،وعلى كل ما يتعلق بما هو جميل . وكان فيلسوفها البارز أرسطيفوس وقف على مستوى يضارع ما وصل إليه أفلاطون ، واحتدمت بينهما المنافسة .
وألف هذا الفيلسوف ثلاث كتب فى تاريخ ليبيا، هذا بالإضافة الى كتب أخرى مثل " فى فسق القدماء" ..) اوكما قال عبد الرحمن بدوي.
وإن رفيقا الخارج بنفسه عن كل شئ ،عن كل قيد يراه هكذا حدث.
Page 4

وجود رفيق

الثقافة في بنغازي خلال فترة الاحتلال الإيطالي
وهبي البوري
لم تغير إيطاليا طيلة العهد الفاشستي سياستها أو عدلتها إلى الأفضل ، فقد ظل تعليم أبناء العرب مقتصراعلىالمرحلة الابتدائية وعلى ثلاث سنوات إعدادي لمن يرغب فى تعلم حرفة بمدرسة الصنائع ،ولم يكن سهلا على الناس إلحاق أبنائهم بمدارس خارجية باستثناء قلة من القادرين ، ومع ذلك فإن ليبيا كجزء من العالم العربى لم تنقطع أبدا صلتها بلغتها وتراثهاعبر القرون ورغم المتغيرات السياسية والاجتماعية التى عرفتها المنطقة .
ووجدت إيطاليا عند الاحتلال مدارس وصحفا ومعاهد دينية كما وجدت نخبة من العلماء والمثقفين الذين حافظوا على التراث العربى رغم ما مرت به البلاد من أحداث مؤلمة وحروب وضياع . غير أن الجيل الذى ولد وترعرع فى فترة الاحتلالالإيطالي تعرض لطغيان موجة الثقافة الإيطالية الجارفة والتى استهوته وتقبلها فى نفس الوقت يصارع من أجل الاحتفاظ بهويته ولغته وآدابها ، وقد وجد فى الجيل الذى سبقه فى التعليم من أمسك بيده وعزز ارتباطه بماضيه وفتح هؤلإ العلماء بيوتهم وقلوبهم لتعليم الشباب لغتهم وثقافتهم وأصول دينهم ، وكان من بين هؤلإ الخيرين الأفاضل : الشيخ رجب عثمان والشيخ أحمد مرسى والشيخ بوختالة والشيخ الصفرانى والشيخ خليل الكوافى وغيرهم .
ولاشك أن هذه المبادرات الفردية كان لها تأثيرها الإيجابي وشجعت على إحياء الثقافة العربية التى ظلت بسبب الاستعمار ومآسيه كالنار الخامدة تحت الرماد تنتظر من يحركها لتستعيد اشتعالها ، وفى اعتقادنا أن عدة عوامل قد ساهمت فى بعث الثقافة العربية والاهتمام بها :
أولا : دور المطبوعات المصرية التى كانت تصل بنغازى ، فقد أقبلت الفئة المتعلمة وخاصة الشباب على قراءة مجلات : الرسالة - الهلال – أبولو التى كان يكتب بها عمالقة الأدب العربى وكانوا يناقشون مقالاتها فى جلساتهم وسهراتهم ، وكان تأثيرهما عليهم كبيرا.
ثانيا : الرغبة فى العودة الى الأصل والتمسك بالتراث فى وجه الغزو الثقافي الإيطالي وسياسة التمييز العنصري .
ثالثا : صدور مجلة ليبيا المصورةفى أواخر عام 1935م التى أرادها المستعمر بوقا للدعاية لتحقيق أغراضه فتحولت تدريجيا الى مجلة عربية حافلة بالشعر والمقالات الأدبية والتاريخية والقصة الليبية. ووجد المثقفون فيها الوسيلة لنقل أشعارهم وأفكارهم إلى غيرهم من المواطنين وساهم فيها الكثير من الكتاب من طرابلس ودرنة وغيرها من البلاد الليبية .
رابعا :وجود رفيق قاعدة أساسية فى بناء النهضة الثقافية الحديثة فى ليبيا ، وقد بدأ دوره فى هذا الميدان عندما كان لا يزال فى مقتبل العمر وقد سر آنذاك بانتصار مصطفى كمال على اليونان ذلك النصر الذى هز العالم العربى والإسلامي ، فنظم قصيدته فى ذلك . وبالرغم من أن أحمد رفيقا اضطر إلى الابتعاد عن الوطن والإقامة فى تركيا مرتين : الأولى فى العشرينات والثانية فى الثلاثينات،إلا ان صلته بأصدقائه لم تنقطع وظلت أشعاره تصلهم حاملة معها حنينه وأشواقه للوطن ومشاعر الأسى والألم لفراقه . ومن المعتقد أن تأثير رفيق فى الحركة الثقافية ظهر بصورة أكثر وضوحا فى فترة الثلاثينات التى نظم فيها أجمل وأبلغ قصائده ، فقد وجد أمامه بوادر نهضة أدبية ووجد من الشبان المولعين بالشعر والأدب يلتفون حوله ويدفعونه الى المزيد من العطاء الفكري . لقد كان رفيق مدرسة قائمة بذاتها ، فقد جمع بين الشعر والأدب والوطنية وإباء النفس والشمم ، وأصبح مثلا وقدوة للشباب ، وكان الشعراء من درنة الى طرابلس على صلة به وفى مساجلات معه ، وعندما دعي لزيارة درنة أعجب بجمالها وبخلق أهلها وأنشد قصيدته الشهيرة التى مطلعها :
قلت لما رأيت درنة ما هذا
تباركت ربى أحسن الخالقين
وسهى رفيق خلال زيارته لدرنة عن زيارة شاعرها محمد عبد القادر الحصادىفأرسل إليه بقصيدة عتاب لإهماله زيارته ورد عليه رفيق بقصيدة إلا أنها لم ترق للحصادى وأتفق الطرفان على الاحتكام لشاعر ليبيا الكبير أحمد الشارف ليصدر حكمه فى النزاع .
وهذا مثل للجو الأدبي الرفيع الذى أوجده رفيق والذي شمل كل ليبيا والذي كان يدل على أن نهضة أدبية جديدة فى الأفق تنبثق من خلال الأنقاض التى خلفها العهد الإيطالي .
Page 5
وكانت قهوة البحر ( قهوة الشاطئ ) الواقعة فى آخر شارع عصمان ، ملتقى الشعراء الناشئينومحبي الأدب ، وكانت المكان المفضل الذى كان يقضى فيه رفيق جلساته مع أصدقائه ، والذي شاهد مولد بعض قصائده ، ووصف رفيق قهوة الشاطئ بعدة أبيات :
وقهوة الشاطئ ما أحلى الجلوس بها
بين الأحبة فى تلك العشيات
وكانت الحركة الأدبية البنغازية تتحرك فى جو سياسي معاد للغة العربية وآدابها ، وفى غياب جميع الوسائل أو التنظيمات التى تشجع على قيام مدرسة أدبية عربية تحافظ على اللغة والتراث العربى ، وذلك فى الوقت الذى كانت تتوفر فيه جميع الأسباب لنشر وتعميم الثقافة الإيطالية لمن أراد ذلك .
ولم تعرف بنغازى لا فى العهد التركي ولا فى العهد الإيطالي أية مكتبة يستطيع الباحثون والمثقفون الرجوع إليها عند الحاجة ، فى حين أنشأت الحكومة مكتبة إيطالية تضم عشرين ألف مجلد ومكتبة للآثار تضم أيضا عشرين ألف مجلد ، بالإضافة الى مكتبات البلديةالزراعة وغيرها ولم يعملوا على تأسيس أية مكتبة عربية ! .
غير أن بعض المثقفين والعلماء كانت لديهم مكتبات خاصةمثل: محمد بن عامر والحاج موسى البرعصى وعيسى بن عامر والشيخ خليل الكوافى وغيرهم من رجال الأدب والدين ، وكانت هذه المكتبات تتفاوت فى محتوياتها إلا أنها كانت توفر للباحث بعض ما يحتاجه وكان أصحابها لا يبخلون بها على أحد . وكانت المكتبة الوحيدة فى بنغازى لبيع الكتب والمجلات والصحف هى : مكتبة محمد على بوقعقيص الواقعة فى ميدانالحدادة ، وكانت مركزا ثقافيا يقصده المثقفون لشراء حاجاتهم من الكتب والمجلات أو للقاء زملائهموأصدقائهم ، وكان صاحب المكتبة يبذل جهدا وتضحيات ليوفر للمدينة ما أمكن من مطبوعات عربية ، وأدت هذه المكتبة خدمات جليلة لأدباء بنغازى ومثقفيها .
وأنشأ عوض زاقوب مكتبة أخرى بسوق الظلام ساهمت بدورها فى استيراد وتوزيع المطبوعات العربية التى تزايد عليها الإقبال .
وفى هذه الفترة تزايد انزعاج السلطات الإيطالية من نشاط أحمد رفيق المهدوى ومن آرائه وأفكاره وتأثيره فى الشباب ، فأمرت بإبعاده، وكان يوم رحيله عن بنغازى يوما حزينا مشهودا حيث جاءت جموع كبيرة من أهل المدينة لوداعه وكانت مظاهرة صامته ضد الإجراء الإيطالي. وودع رفيق وطنه بثلاث قصائد ،مطلع الأولى :
سكنته يوم الرحيل فهاجا
شوقا أثار المدمع الثجاجا
ومطلع القصيدة الثانية :
رحيلي عنك عز على جدا
وداعا أيها الوطن المفدى .
أما القصيدة الثالثة ، فكانت بالعامية ، وهذه مطلعها :
تبقى على خير يا وطننا بالسلامة
رانا ندامه
وظل تأثير رفيق ، بعد مغادرته للبلاد قائما فى كل ليبيا ! وظلت أشعاره تتداول فى كل مكان ، وظل اسمه على كل لسان، وكان من منفاه يشارك أبنا ء وطنه آلامهم وشجونهم ويغذى باستمرار لبنات الحركة الأدبية التى شاهد نشأتها وكانت قصيدة غيث الصغير التى نظمها فى منفاه ملحمة شعرية وطنية ألهمت الشعراء وألهبت حماس الناس بصورة عامة ، وكان لها وقعها وتأثيرها داخل ليبيا وبين المهاجرين فى الأراضي المجاورة .
Page 6

رفيق الذاكرة وشم الشعر

رجب الماجرى
* بنغازى فى 1- 10 -1949م
حضرة السيد النجيب رجب مفتاح الماجرى
حفظه الله
تحية خالصة من كل شائبة ،احتراما وتقديرا لأدبك الجم ، وبعد …
فقد أخذت كتابك المحتوى على تلك الأبيات الجميلة فأعدت قراءاتها مرارا متلذذا بحسن معانيها وصحة مبانيها غير أنى أعتذر الآن عن الرد عليها شعرا لأن الشعر كما تعلم إذا لم يجئ عفوا فلا يسلم من الركاكة . ولكنى أرد على رسالتك شاكرا لك رقة عواطفك وأدبك ، وأعلم أن المانع لك من لقائي هو الحياء الذى قال فيه النبي الكريم" الحياء خير خله " ، وليس هناك داع للاعتذار فاءننى أعلم كل ماأشرت إليه تلميح وماحصل لغيرك من التلاميذ فلا بأس بذلك .
وإن خير شئ فى الدنيا هو التسامح والعفو، لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب - إني أعذرك ولا أعد ابتعادك عنى جنبا بل هو حكمة لمثلك ولمن فى دور الدراسة.
* احمد رفيق المهدوى
كنت مداوما على المحاضرات التى تقيمها جمعية عمر المختار فى درنة والتى يرأسها الشاعر ابراهيم الأسطى عمر ، وكانت المحاضرات تقام كل يوم خميس .
ونظرا لتشجيعهم تجرأت شخصيا، عندما كنت فى نهاية المرحلة الابتدائية، و ألقيت فيها محاضرة عن احمد رفيق المهدوى ، وكنت فى تلك الفترة آي الأربعينات أحفظ جميع قصائده التى كانت تنشر فى جريدة الوطن لسان حال جمعية عمرالمختار وقوى المعارضة .
وأول قصيدة نشرتها كانت فى مجلة الفجر صاحبها ورئيس تحريرها المرحوم" صالح بويصير" ، بتاريخ 7 فبراير1947م وكان عمري وقتها حوالي (16) سنة .
ولقد كان لنشرها فى مجلة تكتب فيها أسما معروفة آثار كبيرة فى نفسي ، وقد حفزني لمزيد من القراءة والكتابة الشعرية،وخاصة أن الشاعر احمد رفيق قد علق على قصيدة " ثورة الخاطر" التى نشرت فى جريدة الوطن . وفى تلك الفترة أصدرت والصديقين عبد الرحيم النعاس وخليفة الغزوانى مجلة أسميناها الرأي ، وكنا نكتبها باليد فى أربعين نسخة ، ومن الجوانب الأدبية التى تناولنا كانت المعركة ما بين الشاعر احمد رفيق والشاعر محمد عبد القادر الحصادى بسب قصيدة الموز التى قالها رفيق يعاتب فيها أهل درنة لأنهم عند مجيئه إليهم لم يأكل عندهم الموز المشهورين به ،ولقد تحمسنا نحن للحصادى الذى رد على رفيق .
ثم نقلنا للدراسة بالمدرسة الداخلية ببنغازي بعد أن ألغت الإدارة البريطانية المدرسة الثانوية بدرنه إثر مظاهرة صاخبة قمنا بها فى يوم 8 مايو1948م .
فى مدرسة بنغازى كانت تقام مهرجانات للمتنبي وشوقي وبمشاركة الشاعر احمد رفيق التىكانت تلقى أثرا طيبا بالرغم من أنه لم يكن يحضر شخصيا ، فهو لا يحب أن يلقى شعره ولم تكن لديه رغبة فى مواجهة الجمهور، فهو بالرغم من كبر سنه وقيمته فقد كان كثير الحياء والخجل حتى أنه كان لا يحب أن يتحدث عنه فىحضوره.
Page 7

ولـم أكـن أعـرفـه

حسن السوسى
كنت فى سنة1946م فى بلدة الأبيار معلما بمدرسة قروية صغيرة حديثالتعيين ، وكنت بعد انتهاء عملي أعرج أحيانا على المديرية مديرية الناحية، وأقضى بعض الوقت مع السيد المدير ونائبه المرحوم إبراهيم الهونى . المدير رجل إدارة لا يمت الى الأدب أوالشعر بأدنى سبب ، تصله جريدة بنغازى آنذاك فنقرأها سويا ، فى يوم من الأيام قال لى : ان الشاعر الكبير أحمد رفيق المهدوى قد وصل بنغازى من مهجره أو من منفاه ، لم أفهم شيئا : من الشاعر أحمد رفيق المهدوى ؟قال إنه أكبر شاعر! من يهدر بشعره فى تدفق وانطلاق فيستولي على القلوب والألباب ..هذا معنى كلام المدير ، وقال إنه مثل شوقي فى مصر حتى أنه بعث - مرة - بقصيدة إلى ملتقى أو اجتماع فى مصر.. فوجدوها مطابقة لقصيدة شوقي أو هى قريب منها، وتعجبوا أن يكون فى ليبيا مثل هذا الشاعر الكبير ولا يعرفونه ! .
قلت - وكنت مازلت فى بداياتي الأولى فى كتابة الشعر- أنا لم أسمع به أبدا .. قال إنك ستراه وسوف يعجبك …بعدها كنت أتردد على بنغازى فوجدت ذلك الرجل الذى حدثني عنه المدير جالسا بمقهىالعرودى ومن حوله هالة من مريديه ، فأحي من بعيد حيث لا أعرف أحدا منهم ، ثم إنى كنت أرى نفسي صغيرا : أنا مجرد شاب مهتم بالشعر .. يحفظه .. يحاول تقليد الآخرين فى النظم ..من أنا حتى أتقرب من أحمد رفيق أو أجالسه إن الفرق شاسع بيني وبينه كذلك السن والثقافة .. كنت فى بداية الطريق وهو فى القمة .
بعد عودته بأقل من شهر قرأنا فى الجريدة قصيدته الأولى : " إذا ذهب الحمار بأم عمرو " ، ثم توالت قصائده الرائعة .. ومن أوليات تلك القصائد قصائده مع الشاعر المرحوم محمد عبد القادر الحصادى الموز التى بدأت مداعبة وانتهت مشادة ومهاترة … وتوالت القصائد الناقدة لكثير من التجاوزات من المسؤولين مثل سرقة العيد واحتكار الفحم والحطب .. وغيرها.كنا نتلقف هذه القصائد ونعجب بها وكذلك قصائده فى مهرجان شوقي وفى مهرجان المتنبي اللذين أقيما بمعهد المعلمين آنذاك.
وكانت قصائد هذه الفترة أكثرها انتقادية وسياسية ، وحين نقارنها بقصائده فى الفترة السابقة نجد ان القصائد الأولى كانت أكثر حرارة مثل قصيدة الوداع و رحيلىعنك كانت قمة فى الصدق والجودة وقصيدة معاهد لبلادي تحسر على مغادرة وطنه وتشوق وحنين .
وفى إحدى المرات - ربما سنة 1952م - زار الشاعر أحمد رفيق بلدة الأبيار ونزل بمنزل والد الأستاذ الشاعر راشد الزبير وأعمامه .. وكان قد حضر إلى الأبيار فى عمل خاص يتعلق بإرث لإحدى قريباته ربما زوجة المرحوم عمر فخري ، هذا الإرث هو : (بئر سماء ) آي صهريج لتجميع ماء المطر .. وكان بأرض إحدى قبائل الأبيار ، وقد وكل بشأنه بعض الناس لغرض بيع الماءفى الصيف لأصحاب المواشي ؛ وكان هذا شئ مألوف .. والى الآن .
هنا عرفته عن قرب وجالسته وتناولنا الطعام سويا . ومكث الأبيار يومين على ما أظن ، وكان بصحبته شخص آخر هو السيد عبد الحفيظ الخازمى صديقه .. بعد ذلك جلست إليه بمقهى البركة أمام مركز البركة ببنغازي ، فى ذلك الوقت شربت معه القهوة عرفني من قريب بعد زيارة الأبيار ، قبلها لم يكن يعرفني ، كنت أقابله فى شارع عمر المختار أو سوق الجريد فأحييه من بعيد ....
مرة وصلتني قصيدة منه وقد نسيت الذى أوصلهاالى ، كانت قصيدة غزلية مطلعها :
تغطرس ما يكلمنا … فما أسباب غضبته ؟ ..
ومعها معارضة لها من الشاعر المرحوم حسين الغناى .. والذي أوصلها الى يطلب منى معارضتها أيضا بطلب من صاحبها ، لم أعارضها ولكنني مططتها بمعنى أنى زدت عليها أبياتا ، 20 عشرون بيتا مزجتها بأبيات القصيدة الأصلية ، وبعثت بها إلى الشاعر وكان فى طرابلس ومعها مقطوعة عنوانها المنديل وبعد فترة وصلتني رسالة من الشاعر يبدى إعجابه بما كتبت ويقول : إنه قد نسخها على الآلة ووزعها على أصدقائه فى طرابلس ويطلب منى عدم ادعائها لأنها صارت له .. أعرف أن هذا كلام للتشجيع فقط والرسالة موجودة، وبعث لى بشطرة بيت طلب منى إتمامها .
ان رفيق قيمة أدبية ووطنية كبيرة ، صحيح أنه لم يكن بداية فى الشعر فى ليبيا فقبله بن زكرى والبارونى .. وغيرهم ولكنه يعتبر الشاعر الأكبر .. حتى الآن .
إنه أثرى الشعر الليبي بوطنياته وحنينه ونقده .. وجرأته التى لا تهاب أحدا فى الحق ، وحتى أنه فى شعره الإنساني كان رائدا فقد رثى الإيطاليين : داننزيو و ماركونى .. وغيرهما ، لم يكن متعصبا ولا متحامل أو مجاملا ، ولكنه كان شاعرا ، شاعرا يضع كل شئ فى مكانه الصحيح حسب رؤيته ….رحم الله رفيقا فقد أثرى ونشر الشعر الليبيى وعرف به وسيبقى خالدابشعره الرائع وبشيء آخر غير شعره هو مواقفه السياسية والوطنية والقومية التى هى قوام شعره ومادته .
Page 8

زيارة الشاعر

راشد الزبير السنوسى
لقد كانت الفترة الواقعة ما بين منتصف العشرينات ومطلع الستينات من هذا القرن مرحلة رفيق المهدوى . وبعيدا عن رفعه الى عنان السماء ، ومن حلق به دون ذلك ، فقد بقى شعره فى وجدان الأمة مرتبطا بنبضها ومرتهنا لمعاناة الوطن .وكان صوته الأقوى فى كل مناسبة وعباراته الأسرع إلى القلوب .
ولست فى محل الحكم على أسلوبه أو التعرض لأغراضه فذلك شأن تناولته الأقلام بكل استفاضة ولن أضيف جديدا إن خضت فيه ، ولكنني ونحن نستعد لمؤويته بما يليق به من تـكريم أحاول تجميع ما يخطر على الذاكرة من مشاهد عابرة ضمتها فترة ما بعد الطفولة وبداية الشباب.ولعل أول مرة أسمع فيها عن رفيق كانت سنة 1950م أو نحوها. كنت عندها فى الثانية عشرة من عمري أقطن قرية الأبيار على بعد ستين كيلو مترا من بنغازى .
فى تلك الفترة تفجرت أحداث أدت الى قيام تظاهرات اعتقل على إثرها بعض الأسماء التى كان لها نشاطها السياسي ومن بينهم شاعر الوطن أحمد رفيق .
أذكر زيارة قام بها الشيخ محمود دهيمش لوالدي فى الأبيار وهو صديق قديم ودائم الزيارة لنا ، وكانت الأحاديث فى ليل الأبيار الهادئ عما يدور من أحداث فى تلك الفترة متعة السمار ، وكنت أجلس غير بعيد أستمع إلى ما يدور من حديث متنوع هو لازمة من لوازم أجواء القرية المتسمة بالهدوء والصفاء وراحة البال ، وبينما كانت كاسات الشاى تدور يأتى صوت الشيخ محمود متأنيا وهو يردد بيتا من الشعر ينسبه إلى الشاعر أحمد رفيق أطلقه وهو يهم بدخول بوابة السجن . لقد ظل البيت ملتصقا بذهني منذ ذلك الوقت وحتى الآن:
إن تدخلوا السجن ما فى السجن من باس
فيـه الـكـرام وفيـه أحسـن النـاس .
ومرت الأيام وجاء عام 1952م عندها غادرت القرية باتجاه بنغازى لالتحق بالمدرسة الثانوية وحين عودتي فى إجازة نصف السنة، إن لم تخنى الذاكرة ، وجدت الشاعر الكبير ينزل فى ضيافة والدي بمنزلنا حيث جاء لقضاء عمل هناك . كنت أراه صباحا ومساء دون الاقترابمنه ؛ فقد كانت أول مرة يحل فيها ضيفا علينا لذلك لم أتمكن من مجالسته والاستماع الى ما كان يدور بينه وبين والدي وأعمامي ، ومع ذلك فقد شعرت بالغبطة وأنا أراه عن قرب لأن نظرة الكل إليه كانت تتسم بالود والإعزاز .
وخلال السنوات التالية وأنا أتابع دراستي الثانوية كنت أراه وهو يقطع ميدان البلدية متجها الى مقهى العرودى حيث يتخذ مجلسا قرب شباك المقهى المطل على الميدان ، ومجموعة اللاعبين بالزهر منهمكون فى لعبهم وهو يتطلع وقد أسند ذقنه على عصاه معتمرا غطاء رأسه المتميز والذي صار علامة مميزة يختص بها دون غيره .
لقد تشكل وجدان جيلنا ومن سبقه فى بوتقة أشعار رفيق ، وكانت شجاعته ونزاهته وطرافة أحاديثه معابر حاولنا أن ننفذ من خلالها إلى عالمه المسكون بهاجس اسمه الوطن بمعناه الواسع.
وكانت سمته البارزة الإسهام فى أغلب المناسبات العامة والخاصة بشعره ، وقد التقت عنده المشارب وألقت إليه بقيادها .
وقد حفلت فترة الأربعينات والخمسينات بنشاط أدبي مميز خصوصا فى مجال الشعر ، وحملت صحف : الوطن ، برقة الجديدة، الدفاع ، الزمان ، البشائر ، عبأ احتضان النشاط الثقافي فى بنغازى، وكانت هذه الصحف تصدر فى صفحة أو صفحتين على الأكثر ومع ذلك فلم تكن تتردد فى نشر القصائد فى صدر صفحتها الأولى تعبيرا عن تقديرها لهذا الفن . وكان رفيق يدخل فى الحوارات الشعرية إما طرفا فيها أو حكما كما حدث فى الحوار الشعري الذى اتخذ عنواناله " اخنق ونفس"، و فى كل الحالات فقد كان تواجده يعطى نكهة مميزة سواء كان طرفا أو حكما.ولعل قارئ شعره يحس صدقه فى أغلب مايكتبه فهو صادق شديد اللهفة على وطنه الصغير :
يا من على البعد نهواه ويهوانا
لشد ما شفنا شــوق فأضنانا
صادق حين يتوجه بالخطاب لمواطن الصبا وملاعب الذكريات :
ومن سوانا جديـــــر بالبكاء
على ذكر الفويهات والبركا وجليانا
وهو حاضر فى كل مناسبة لسانا صادقا وإحساسا مرهفا يهزه اندحار إيطاليا فى الحرب :
قد "انتلف" الحمار بأم عمرو
فلا رجعـت ولا رجع الحمار
ولاحظ استخدامه لكلمة ( انتلف ) وهى وان كانت عامية ذات أصول عربية لكنها تزاحم أكثر الألفاظ فصاحة فى دقة التعبيرعن الموقف المراد الحديث عنه .
إنه باختصار لا ينطق إلا حينما تهتز أعماقه فيأتي الشعر سهلا سلسا ، وحتى قاموسه العامي لا يطعم به شعره عن عجز ولكنه يوظف اختياراته ليزرعه فوق الثغور نغما يلهج الناس بترديده .
فتحية للشعر فى الذكرى المئوية لابرز شعراء ليبيا فى هذا القرن.
*بنغازى فى :10-3-1998م
Page 9

سـلام على رفـيق

على الرقيعى
ليس للأحرارفى الدنيا سوىخلع نير الذل أو لبس الكفن
هكذا قاللنا رفيق شاعر الحرية والكبرياء رفيق الذى أصبح يعيش فى قلوبنا أكثر من آي يوم مضى بكل ما فى أعماقنا من شوق الإنسان وحبه للحرية والكبرياء رفيق المعلم والأب الذى عاش وملء أعماقه صوت هادر لجيل بأكمله وفى وجدانه يتمثل نضال شعب تكالبت عليه قوى الشر والرجعية والاستعمار فى فترة من أحلك فترات تاريخه المرير حيث ارتبط إحساسه بحياة الجماهير الشعبية التى كانت تخوض هذا النضال ضد السياسة الاستعلائية الفاشية وضد الحكم الإرهابي الذى كان يعزل شعبناعن كل المجالات التى تحقق له حياة كريمة والتى تحرمه من ممارسة الـتـنفس فى أجواء نظيفة وأن يـأخـذ والفقر والجهل المجال الوحيد الذى يصطرع فيه شعبنا خلال هذه الفترة والذي لون الكثير من قصائد هذا الشاعر فجاءت تصويرا لمأساة تلك المرحلة وتعبيرا صادقا عن الألم والدموع وقوة دافعه من الأمل والرغبة في الانطلاق والخلاص من هذه القبضة السوداء .
لقد كان إيمان هذا المعلم بقدرة شعبنا الباسل هو الإلهام العميق الذىمده بكل حقائق العبقرية وكل ألوان الدفء التى اخصبته ورسخت قدميه فى تراب هذا الوطن حتى وهو بعيد يمدحه فى حرارة وأسف:
تبقى على خير ياوطنا بالسلامه
ورانا ندامه
وياعون من فيك كمل أيامه
وإذا كانت القيادة تنبع من آلام الجماهير ومن الحياة التى تكافح من أجلها الجماهير فلقد كان رفيق أحد القادة الذين كانت لهم القدرة الخالقة على الارتباط بهذه الآلام والتعبيرعنها تعبيرا دافقا بكل خصائص الدور الطليعي الذى قام به ومن هنا ظل شعره محتفظا بحرارته فى وجدان شعبنا الذى ظل يردده متفائلا به وبما يحمله من زخم وفاعلية ومباشرة فى تناول المشاكل التى عاشها ومر بها وبما تعمق فيه من شعور بالإباء وكره للقيود وحب للحرية والشجاعة وغيرها من القيم الشريفة التى فطرعليها شعبنا وأحبها وناضل فى سبيلها أعنف قوى عرفها تاريخه الطويل .
إن " ليبية " رفيق الأصيلة تنبع من احترامه وحبه الكبير لقيم الحق والصراحة والجرأة التى كان يتصف بها ويدعو الشباب الى التحلي بهذه الأخلاق العلية:
مقـالة الحـق جلجلهـا وإن جــرحــت
ولايهـمـك مـن فى نـفـسـه إحـــن
فـالجهـر بـالحق فخـر لا يفوزبـــه
فى مـأزق الهـول إلا الفــاتكآللســن
ومـا الشجاعة فى حـرب بأفضــلمـن
تصــريح حـر بحـق أهـــله وهنـوا
ومن هنا تعرفنا على مقدر النكهة المحببة التى خلفها لنا شعر هذا المعلم فى حياتنا الثقافية منهذه الدعوة التى تقرر بأن أقبح جريمة يمكن أن يرتكبها الأديب هى أن يجبن عن موكب الأحرار والا يقول الحق.
من هذه القيم الجمالية ومن الحياة الواسعة الرحبة تتغذى نماذج رفيق الحية الزاخرة بالتجارب الإنسانية التى تحقق خلود العمل الفنى وتأصله فى القلوب التى تؤمن بأن الفن أروع إنتاج حضاري وأرفع وسيلة تقدمية فى حياة الإنسان
ولذلك أدركنا نحن تلاميذه أهمية الفن الإنساني ودوره الكبير فى حياة شعبناالمناضل الذى بدأ يلتمس وجوده بعد تجاربه المرة التى خاضها ضد الاستعمار وقوى الرجعية.
وأدركنا نحن تلاميذه أيضا ـ كيف يمكن تطوير الإحساس المتبادل إلى التعبير عن القوى التحررية الجديدة التى تتفاعل مع حقيقة جماهير بلادنا ومع حياتها وانتصاراتها وأملها فى أن تبدع إضافات واسعة فى كياننا العريض لسد النقص الذى عشناه طويلا .
وأدركنا أيضا أن عبقرية هذا الشاعر لم تكن فى التزامه العمود الشعري التقليدي والقافية الواحدة وليست فى مقدرته كشاعر فقط ولكن فى فهمه العميق للأوضاع الاجتماعية والتناقضات الحادة التى كانت تعيشها بلادنا وفى مقدرة وعيه بهذه الأوضاع ومقدرته الفائقة على التعبير المكثف الذى يشرح المشكلة ويكشفها ويمد إليها بيده الضخمة الحانية ويمتصها قلبه الإنساني الكبير .
إن عبقرية رفيق تستمد جذورها وخصائصها من مسئوليته لا كشاعر كلاسيكي ولكنه كمواطن حر يعيش مأساة جيل بأكمله حتى وسائل " التكنيك " عنده كانت جزءا من هذا الوعي فإدخاله بعضا من الكلمات العامية فى شعره لم يكن اعتباطا أو نوعا من القصور كما يتصور البعض بل العكس تماما فإن الأسلوب المباشر الذى يستخدمه فى شعره يقتضي هذه الضرورة وهى دليل على مقدار الفهم الموضوعي عنده وحقيقة اللغة ووظيفتها فى التعبير عن الأفكار التى كان يعبرعنها.
ونظرا لطبيعة المرحلة التى كان يعيشها مجتمعه وما فيها من جدب ثقافي وانعزال عن المعرفة والإلمام بالثقافة الواعية هذا الى جانب ما يتمتع به رفيق من ذكاء فىانتقاء الكلمات التى تحمل فى ثناياها مضمونا يخدم قضية الشاعر ويتساوق مع آرائه وأفكاره ولما لها من صدى فى نفوس أبناء بلاده .ولذلك كان رفيق الشاعر الأول الذى استطاع أن ينفذ إلى قلب الجماهير وأن تردد شعره فى شغف وإقبال وأن يجد صدى كبيرا ليس فى برقة وحدها ولكن فى جميع أبعاد وطننا العريض بل فىالعالم العربى أيضا.
وإذا كان رفيق قلب الشعب الذى عبر عن آلامه ومآسيه فإنه هو أيضا قلب الشعب الذى غنى للحب والجمال بأرق القصائد وأشجاها وأغناها عذوبة وشفافية .والذي يقرأ قصائد رفيق الغزلية ليدرك فورا مقدار حيوية الشباب التى تشكل وجدانه من وفاء للحبيب وإخلاص له وتذوق للجمال والفن ونزوع إلى حياة الشباب النضرة المرحة وما فيها من مرح وشقاوة وانفعالات صافية وعميقة رغم تعديه مرحلة طويلة من العمر وهذا تأكيد قاطع على حبه للحرية والجرأة والشجاعة التى اتصف بها وعبرعنها فى قصائده أبلغ تعبير والتى لاتبرز حقيقتها إلا عند القلوب ذات الحيوية الشابة التى تزخر بقوة الحياة وزخمها الكبير.
وبعد : فإني لم أتكلم عن جميع الخصائص الفنية التى تمتاز بها شاعرية رفيق وهذه الكلمة ليست سوى انحناءة إجلال لروحه الخالدة فإن أحسن ما أود أن أكتبه لم أكتبه بعد ..
*- جريدة : طرابلس الغرب فى : 12-7-1961 م.
Page 10

رفـيق والأمـانى

فرج العربى
عندما قرأت أحمد رفيق المهدوى لأول مرة لم تستهويني كثيرآنصوصه، بل ان معظم قصائده كانت تحيل الى التجربة التى عرفناها عند شوقي ، الرصافى ، الزهاوى وغيرهم . حتى انى ظننت بأن رفيق لم يقرأ لغير هولاء أو أنه استفاد من شعراء الكلاسيكية الحديثة أكثر من غيرهم فلغة الزهاوى وشوقي وحافظ ابراهيم كانت تمثل النموذج الذى كتب على منواله قصائده، وهؤلاء الشعراء استعاروا نموذج القصيدة العربية القديمة : الشعر الجاهلي ، الأموي ،بل أنهم استعاروا حتى الأغراض القديمة للشعر، رفيق لم يتأثر بالأصل إنما اعتمد ما هو منسوخ عن الأصل .
الصافي ، شوقي ، البارودى ، الزهاوى ،… وغيرهم كانوا جميعا أمناء للغة التقليدية وبحورالخليل بن أحمد، ولم تتم المجازفة لرفض هذه اللغة الا باستبدال قاموس القديم ومفرداته بمفردات معاصره مثل الجمل بالسيارة ، السيف بالبندقية فيما بقت بنية اللغة عند هؤلاء بنية القصيدة السلفية آي أنه كان فهما سطحيا للغة .
وكانت كل المحاولات تدور فى نطاق ظاهر اللغة ( الوزن ، القافية ، البيان والبديع … ) ، وجبران خليل جبران وحده من الشعراء الرومانسيين الذى رفض التطابق القائم والمتناقل عبر التراث ، فلغة جبران تمثل منعطفا فارقا فى تاريخ " النص المزدوج " كما تسميهخالدة سعيد و التى تعنى بالنص المزدوج " كل الحركات الباطنية والصوفية التى تتألف من نص ظاهر ونص باطن باعتباره لغة الإشارة الى المعنى القائم وراء الظواهر " .
أحمد رفيق عاش تلك المرحلة التى عاشها جبران وابوالقاسم الشابى والريحانى وشعراء المهجر إلا أنه - شعريا - لم يستفيد من تجربة هؤلاء بل إنه اعتبر جبران مقلدا " لكلام الإنجليز ولهجتهم القصيرة الجمل ". ففي المقالة التى نشرت عام 1937م فى مجلة " ليبيا المصورة " بعنوان : " المتجبرنون" نجد رفيق يتأسف حين يتساءل : " لقد فكرت كثيرا ما سبب تقليد شبابنا لأسلوب جبران فلم أهتد لسبب".
لم يكن بإمكانات وعى رفيق أو ثقافته أن يهتدى للسبب لأنه لم يستوعب سر اسلوب جبران وعمقه بل اعتبر اسلوبه " مهيج مبالغ "، فبنية اللغة الشعرية عند جبران بالرغم من استفادتها من الثقافة الغربية إلا أن سر لغته يكمن فى علاقاتها الجوهرية بين الظاهر والباطن فىصوفيتها وابتهالها الفلسفى الذى يختلف عن لغة الرومانسيين الحالمة بما فيهم ابو القاسم الشابى .
الشابى عبر مع جبران والريحانى وشعراء المهجر عن انتقال اللغة من رصفها وتنظيمها ضمن القوالب الجاهزة كما عند شوقى ، البارودى ، الزهاوى .. وغيرهم ، هذا الانتقال الذى مثلته النصوص النثرية لجبران التى هى النواة للتغير الذى وصلته القصيدة العربية الجديدة .
رفيق رأى فى الأساليب العصرية ماهو خير من اسلوب جبران ويقول :" إذا تأملنا فى أساليب الكتابة العصرية أمكننا أن نقسمها بأوسع تقسيم الى اسلوب مصرى واسلوب سورى " ، ورفيق يفضل الأسلوب المصرى ويعتبره الأسلوب النموذجى وربما هذا ما يؤكد تأثره بشوقى وحافظ ابراهيم ، ولذا لم يكن رفيق يقرأ فى جبران الشاعر الذى نراه فى المستقبل .
وكتب رفيق اكثر من مرة داعيا الى ايجاد أوزان جديدة والتحرر من ربقة القوافى فقد كتب " إلآم نظل جامدين على وضعنا القديم مقلدين غير مبتدعين فى عصر ملك فيه الفكر حرية البحث " . لقد تأثر رفيق بدعوة مدرسة ابوللو للابتكار والتجديد غير أن رغبته فى التجديد ظلت أمنية كأمنية حافظ ابراهيم التى لم تتحقق ، وحت قصيدته التى يدعو من خلالها الى التجديد التى مطلعهايقول :
اما آن للشعر أن يستقل
ويخلص من ربقة القافية
ظلت هذه القصيدة ضمن الوزن . و ظلت بنية القصيدة ضمن الثوب التقليدى،وكانت لدي رفيق أمان طيبة فقط فيما يخص التجديد الذى يناقض نفسه فيه فى حديث لمجلة " هنا طرابلس الغرب ":…وأنا على خط مستقيم ضد من يحطم الأوزان والقوافى ، والموسيقى فى الشعر لابدمنها .
وتبقى أهمية موقف رفيق من التجديد دعوته الى التجديد لا التجديد فى حد ذاته وخاصة فى تلك المرحلة ، حيث لم يكن هناك هامش فى ليبيا للثقافة والآداب ، كان الشعراء عددهم محدودا .
وبالرغم من معاصرة رفيق لحركة التجديد التى تمت فى المشرق " السياب ، الملائكة ، بريكان .. " إلا أنه ظل أمينا للغة التقليدية الحديثة ، ولانجد أى تجاوب مع هذه الحركة فى نصوصه الشعرية ولكننا نجدها عند شعراء آخرين فى تلك الفترة مثل :على الرقيعى،على صدقى عبدالقادر…وغيرهما.