eKtab
EN ع
في ظلال رسائل النور
Read free sample

في ظلال رسائل النور

by د. مأمون فريز جرار

Page 1
بسم الله الرحمن الرحيم
 
المقدمة
 
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحابته المكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
 
أما بعد؛
 
فهذه مقالات كتبتها في سلسلة ما أكتبه من مقالات في جريدة الدستور الأردنية منذ عام 1999م،وألقيت في برنامج: طريق النور في إذاعة القرآن الكريم التابعة لإذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، وهي منشورة في مدونتي
 
mamofj.maktoobblog.com/
 
وقد رأيت أن أطبعها في كتاب لعلها تصل إلى من لم يطلع من قبل على ما نشر في الجريدة أو بث في الإذاعة، ولم يطلع على المدونة.يستثنى من هذا المقالان الواردان في القسم الأول من الكتاب فقد قدم أحدهما: دروس من حياة الأستاذ النورسي إلى مؤتمر: رسائل النور وتجديد الخطاب الديني المعاصر "الذي عقد في القاهرة عام 2009 م،وألقي الآخر في الندوة الثالثة للأكاديميين الشباب في إسطنبول في العام 2011م، وقد رأيت أن أجعلهما في بداية الكتاب لكونهما يعرفان بالأستاذ النورسي، رحمه الله وبرسائل النور.
 
ولا يخفى أن عنوان الكتاب (في ظلال رسائل النور) يدل على أن محتواه ليس أكاديميا يقوم على البحث العلمي بجمع ما قاله آخرون، أو تحليل النصوص تحليلا وفق مناهج معينة، بل محتوى الكتاب دعوي أنطباعي يأخذ بيد القارئ إلى بساتين رسائل النور، ويسعى إلى البوح بما يفتح الله تعالى من المعاني، مع الحرص أحيانا على نقل نص طويل من كلام الأستاذ سعيد النورسي، رحمه الله، لإشراك القارئ في ما تجلى من المعاني، أو أفاضت النصوص من الأنوار أو أثارت من المشاعر.
 
والأمل أن يؤدي هذا الكتاب ما أريد له من المقاصد وأهمها تقريب رسائل النور إلى القراء، ودفعهم إلى قراءتها مباشرة. وكم سمعت من يشكو أحيانا من أنه يجد من عمق الرسائل ما يحول بينه وبينها. وأنا أستذكر هنا قولا للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، رحمه الله،الذي أحس بذلك فشبه حال من يقرأ الرسائل بحال من يدخل بستانا، فإن كان من قصار القامة نالت يده ما دنا من الثمرات، وإن كان طويل القامة امتدت يده إلى الثمرات التي على الأغصان العالية، ولا يخرج أحد من بستان رسائل النور من غير أن يناله من خيراتها بإذن الله.
Page 2
وسأسعى لوضع هذا الكتاب في مواقع متعددة ليكون الاطلاع عليه ميسرا بإذن الله من غير حواجز أو عوائق. كما أن إعادة طباعته متاحة لمن شاء في أي مكان شاء.
 
ولعل الله تعالى يعينني على إنجاز ما بدأته من:
 
"اللؤلؤ والمرجان من حكم بديع الزمان "
 
تلك المقتطفات الملتقطة من رسائل النور، التي لقيت القبول من جمهرة القراء الذين يتابعونها في جريدة الدستور منذ شهر رمضان عام 1432 هـ، ثم صارت تنشر بعد شهر رمضان في مقال أسبوعي كل يوم جمعة في جريدة الدستور الأردنية وفي مدونتي وفي صفحة الفيسبوك: رسائل النور لبديع الزمان النورسي، التي تشرف عليها ابنتي وفاء، وفي صفحتي على الفيسبوك كذلك. وآمل أن تسهم هذه السلسلة في تعريف الناس برسائل النور وتقربها إليهم، وعسى الله تعالى أن يعين على نشرها في كتاب بعد اكتمال عقد اللؤلؤ والمرجان من الرسائل كلها.
 
وأسأل كل من قرأ هذا الكتاب أو بعضه دعاء في ظهر الغيب، وغض العين عن كل عيب، فما كان لي من أرب في تأليفه أن أنال به عرض الدنيا، ولا مجاراة الأقران في الكتابة عن الرسائل، بل أسال الله تعالى أن يصلح النية ويقبل العمل، ويجعلني من خدم رسائل النور حتى يعم نورها إلى أبعد مدى ممكن، وحتى ينتفع بها أكبر عدد مقدر.
 
وفي الختام أحمد الله تعالى على ما أعان من تسجيل رسائل النور بصوتي، وأسأله تعالى أن يتقبل العمل، على ما فيه من بعض الزلل الذي كنت أتمنى ألا يكون، من بعض الأخطاء الجلية أو الخفية، لو تمت مراجعة التسجيل أولا بأول، وذلك ما لم يحدث، ويمكن استدراك ذلك بتلقي الملاحظات ممن يستمع إليها لعل نسخة مصفاة من الشوائب توضع من بعد بين أيدي محبي الرسائل بإذن الله تعالى. ويمكن الاستماع إلى ذلك التسجيل الصوتي على الموقع الآتي:
 
www.nur.org/ar
 
والله المستعان، وعليه التكلان، وإليه المصير وهو على كل شيء قدير.
 
والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا.
 
خادم رسائل النور
 
د. مأمون فريز جرار
Page 3
القسم الأول
 
• دروس من حياة الأستاذ النورسي
 
• وقفات مع رسائل النور
 
دروس من حياة الأستاذ النورسي
 
الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله شخصية متميزة بين دعاة الإسلام في عصرنا، شخصية كان لها من الأثر في بلاد الخلافة العثمانية السابقة ما لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وسيأتي على الناس زمان يدركون أثر هذا العالم المجدد على حقيقته.
 
ومن الغريب أن عالما بقامة بديع الزمان النورسي رحمه الله يظل مجهولا في عالم العرب، لا بين العامة فحسب بل بين خاصة العلماء، ولا أدري إن كان ذلك تقصيرا من تلاميذ النور أم هو من تقصير المسلمين بالتواصل في ما بينهم. لقد سمعنا منذ منتصف القرن الماضي وما بعده بعلماء ودعاة من مختلف بلاد الإسلام: أبو الحسن الندوي، من الهند، وأبو الأعلى المودودي، من باكستان، ومحمد ناصر، من أندونيسيا ولكن لم يبدأ ذكر النورسي بالتداول بصورة تلفت النظر إلا منذ عقدين من الزمن، مع أنه من العلماء المعاصرين، وليس من زمن غابر.
 
أقول هذا وأنا أنظر في حياة هذا العالم المجدد،فأجده كما قال الأستاذ فتح الله كولن: داعية العصر،وأجده كما صنفه بين كبار علماء هذه الأمة عبر عصورها،فأنت أمام شخصية غير عادية، شخصية سخرها الله تعالى لخدمة دينه،ودحض أمواج الظلمات التي أقبلت من كل حدب وصوب لتلقي ليلا ثقيلا على ديار الإسلام، فكان نورا في هذه الظلمات،وليس من باب المصادفة أن يسمي ما جرى به قلمه: رسائل النور!!
 
في حياة هذا العالم دروس تكتب بماء الذهب، وتملأ كتبا، ولو أن كل واحد من تلاميذه المقربين سجل ما كان له مع الأستاذ النورسي من المواقف، وما أخذه منه من الدروس لكان بين أيدينا مجلدات، ولعل ذلك كان مما ليس لي به علم في اللغة التركية( ). هذه الدروس منها ما هو متوجه إلى الدعاة خاصة، ومنها ما هو موجه إلى كل مسلم.
 
أول درس من حياة النورسي يتجلى لي هو: أثر العناية الإلهية في حياته، هذه العناية التي تصطفي من يشاء الله تعالى لخدمة دينه، من أنبياء ومن دعاة وأولياء، وقد صرح الأستاذ النورسي رحمه الله بذلك في سيرته، وبين أن حياته سارت على غير ما كان يرغب أو كان له من طبيعة، فقد اتجهت حياته نحو العزلة، وكان يحب الأنس بالناس، ولو تتبعت مسار حياته من طفولة متميزة، وذكاء خارق، وعلم فاق به الأقران، ثم ما كان من جهاد قاده إلى الأسر، ثم ما كان من إفلات من الأسر ثم تعيينه في دار الحكمة الإسلامية، ثم بدء التحول لديه بنذير الشيب، وانكشاف حقيقة الحياة، والبحث عن أقرب طريق إلى رضوان الله، وما جرى بعد ذلك من أحداث ساقته إلى الغربة عن موطن صباه، وفرض الإقامة الجبرية عليه، وسوقه إلى المحاكم، كل ذلك كانت آثار العناية الإلهية بادية فيه ليقوم بدور في هذا العصر لا يقوم به سواه.
Page 4
الدرس الثاني: هو إدراك حاجات الأمة ووعي قضاياها، وهذا ما كان من النورسي رحمه الله منذ وقت مبكر، ففي صباه سعى إلى إقامة مدرسة الزهراء، وهي في الحقيقة فكرة جامعة إسلامية تسعى إلى إصلاح التعليم الديني الذي أصابه الذبول والانكماش والانعزال عن الحياة، وفي هذا الإدراك تنبه إلى أهمية التعليم في نهضة الأمم. ولما وصله قول جلادستون بشأن القرآن الكريم أدرك أهمية الكشف عن أنوار القرآن وخدمته، فكرس حياته لذلك، وفي مرحلة تالية وجد أن إعصارا هب على تركيا والعالم الإسلامي على تفاوت في شدته، فوجد أن إحياء الإيمان في القلوب هو أهم شيء في هذا الزمان، وأنه البذرة التي ينتج عنها كل خير في مجالات الحياة كلها فاتجه إليه وكرس حياته لهذا العمل الجليل من خلال رسائل النور.
 
الدرس الثالث: العزة، عزة الداعية وعزة المؤمن الذي لا يقبل المساومة، ويحذر الاستدراج، ويعلم أن كيد أعداء الإسلام كيد تكاد تزول منه الجبال، ولذلك يؤثر البعد عنهم حتى لا يكون أداة في أيديهم وقناعا حسنا لوجوههم البشعة يتزينون به أمام الناس حتى ينفذوا مخططاتهم وهم في مأمن من غضبة الأمة. وقد تجلى هذا الدرس حين رفض الشيخ النورسي رحمه الله ما عرضه عليه كمال أتاتورك من منصب وامتيازات وذلك حين أدرك أتاتورك أثر الأستاذ النورسي رحمه الله في الناس، وخطره على المخططات المرسومة ضد الإسلام فعرض عليه عروضا يسيل لها لعاب طلاب الدنيا، ومن يمكن أن يتخذوا ذرائع تحقق مطالبهم الذاتية باسم المصلحة العامة، كان يدرك حقيقة الدور الذي يقوم به مصطفى كمال وكان جريئا صريحا في مواجهته من غير مواربة، ولذلك لم يرض بالعروض التي قدمها له مصطفى كمال بأن يكون الواعظ العام للولايات الشرقية براتب ثلاثمئة ليرة، وأن يكون نائبا في مجلس المبعوثان، وفي رئاسة الشؤون الدينية، مع بقائه عضوا في دار الحكمة الإسلامية التي تضم كبار العلماء. وربما يقول قائل: أليس قبوله لهذه المناصب سيكون بابا إلى فعل الخير ودفع الشر؟ والجواب قد يكون ذلك حين تصفو النوايا ويكون الأمر من باب وضع الإنسان في المكان الذي يستحقه، لكن النورسي أدرك أن كل ما عرض عليه هو لجام من مناصب عليا ورواتب مغرية يراد بها أن يسكت عن قول الحق وينطفئ النور الذي اتقد في قلبه وعلى لسانه، فوجد أن عزة المؤمن، وكرامة الداعية تأبى أن تجعله يساوم على دينه، فرفض تلك العروض، ودفع ثمن ذلك الرفض بلاء امتد حتى نهاية حياته. ولم تكن عزة النفس مقصورة على التعامل مع أصحاب السلطة بل كان منهجه في حياته كلها ألا يأخذ من أحد شيئا وألا يقبل هدية، وله في ذلك حكمة، أن له منهجا في الحياة، ولو فتح هذا الباب من بعد لوجد أطنانا من الهدايا تنهال عليه من تلاميذ النور وممن عرف فضله من الناس، ولكنه لم يرد الدنيا ومتاعها، ولم يرد أن يكلف الناس شيئا، كما أن من عزة النفس أن عليك أن تهدي كما أهدي إليك، وحياته لم يكن فيها من السعة ما يمكنه من التهادي، فقد عاش حياته كلها على مال قليل ادخره من أيام شبابه، فأغلق ذلك الباب واستراح.
Page 5
الدرس الثالث: الصبر والاحتساب، وحياة الأستاذ النورسي رحمه الله كلها بعد رفضه المساومة على دينه ورفض المناصب التي عرضت عليه، حياته كلها نموذج للصبر، وحين نقرأ الأخبار عن حياته، وأكله وشربه وعلاقته بالدنيا نجد أنه كان من الزاهدين الصابرين على القليل من متاع الدنيا رغبة في ما عند الله تعالى من الأجر، ونجده يصبر على النفي والسجن والإقامة الجبرية والمحاكمات الظالمة، يصبر وهو يحس بالظلم، ولكنه يستشعر النعمة في المحن، ويسمي السجن: المدرسة اليوسفية، وفي هذه التسمية مجموعة دلالات وإشارات، فيوسف  مظلوم وهو مظلوم، ويوسف  جاءه الفرج بعد المحنة وكذلك كان من شأنه، ويوسف  أعلى الله تعالى ذكره على الرغم من التشويه الذي تعرض له بسبب امرأة العزيز، وكذلك كان مع الأستاذ النورسي رحمه الله الذي أعلى الله ذكره، وسخر له من التلاميذ من يحوّل الرسائل التي يكتبها في منفاه وسجنه إلى شلالات نور تطارد الظلام في كل مكان، ولئن عاش الأستاذ النورسي رحمه الله حياة صعبة، ولم تكن له زوجة ولا ولد فقد يسر الله تعالى له من أبناء النور من يدعو له أكثر مما يدعو ولد لوالده بعد موته.
 
الدرس الرابع: التفكر والتدبر في آيات القرآن وآيات الكون، وقد سلك الأستاذ النورسي رحمه الله في رسائل النور مسلكا فريدا فهي من جانب تفسير للقرآن الكريم، ومن جانب آخر نجد فيها الحديث عن كل شيء بلغة العصر، ومعالجة لمشكلات المسلمين في هذا الزمان، مع تدبر لا نظير له في آيات الله المنظورة، فهو يحملك على أجنحة التفكر إلى أفاق الكون لتحلق معه في آيات الله العلوية إلى المجرات بل إلى أعماق عالم الغيب كأنك تراه، ويحملك على أجنحة التدبر إلى أعماق الذرات لتنظر بديع صنع الخالق وتجليات أسمائه الحسنى، وأنت مع الأستاذ النورسي رحمه الله في رحلة دائمة دائبة مع آيات الله المسطورة القرآن الكريم ومع آياته المنظورة في الكون تجعلك ترى تجليات الأسماء الحسنى في رحلة تفكر وتدبر لا تنتهي، تشعرك بالجلال والجمال والحكمة والقدرة المبدعة.
 
الدرس الخامس: الثبات على الحق، وحياة الأستاذ النورسي رحمه الله كلها دروس في الثبات على الحق ومعاندة الباطل ومقاومته مقاومة أولي العزم من الرجال، وقد وهبه الله تعالى في هذا المجال جلدا يندر أن تجده عند العاملين للإسلام، فلا مساومة ولا مهادنة، ولو كان الثمن السجن والنفي والإقامة الجبرية ومحاولة الاغتيال بالسم أو التقديم إلى مشنقة الإعدام، فالحق عنده فوق كل شيء، وفيه للدعاة نموذج قل من يرتقي إليه، فكثيرا ما نجد من الدعاة من يبحث عن التقية في مواجهة العنف الرهيب لأهل الباطل، ولهم في ذلك سند من الكتاب العزيز والسيرة النبوية، لكنه لم يأخذ بالرخص وأخذ بالعزيمة وضرب للدعاة في هذا العصر المثل في ذلك ليمضوا في طريق الحق مستأنسين بمن سبقهم عليه .
Page 6
الدرس السادس: البحث عن الحق وإيثاره على كل شيء، وقد تجلى هذا في سعي الأستاذ النورسي رحمه الله إلى الخلاص من حالة القلق العميقة التي عاشها، والتي يدرك من يقف عليها نوع من الدوار وهو يتابع وصف الأستاذ النورسي رحمه الله لآثارها، لقد سعى إلى الحق المبين، ولم يتمسك بما نشأ عليه أو ألفه من طرق ومناهج، وكانت له رحلة طويلة عريضة مع العلماء من أئمة الهدى كالجيلاني والرومي والإمام الفاروقي وغيرهم ولكنه لم يسلم قياده لأحد منهم طلبا للسلامة وإيثارا للراحة بل اجتهد حتى وصل إلى توحيد الوجهة وكان القرآن الكريم هو المخرج له من تلك الأزمة، واختار طريقا إلى الله تعالى مختلفا عما هو متعارف عليه في الطرق الصوفية، طريقا يرى أنه أقصر وأسلم وأكثر مناسبة لعصرنا.
 
الدرس السابع: التواضع ونكران الذات، والأستاذ النورسي رحمه الله في هذا المجال نموذج قل نظيره، فلم يكن من منهجه الحرص على اجتماع التلاميذ من حوله، وما ينتج عن ذلك من التمجيد والتكريم والتفاني في الخدمة، ولم يكن همه أن ينال الاستحسان في ما يجري به قلمه من النور في رسائل النور، كان يربط تلاميذه برسائل النور و لا يربطهم بنفسه، بل إنه كان يرى نفسه أداة لتبليغ رسائل النور، ويعلن حاجته إليها واستفادته منها كأي تلميذ من تلاميذ النور، ولو أن رغب في ما يرغب فيه.بعض العلماء وأصحاب الطرق من تمجيد واحتفاء لنال الشيء الكثير ولكنه رجل نور الله قلبه فآثر ما عند الله وضرب في ذلك للناس النموذج الكريم. ولعل من أنصع الأدلة على هذا رغبته التي تحققت بعد وفاته بألا يعرف الناس مكان قبره، لأنه يعلم طبيعة الناس فلم يرد أن، يتخذ الناس قبره محجا ومقصدا بل أرادهم أن يتعلقوا بالنور الذي أشرق في رسائل النور.
 
الدرس الثامن: ضرب النموذج العملي لا القولي، لم يكن هم الأستاذ النورسي أن يكون خطيبا، مع إتقانه الخطابة، ولا مؤلفا، مع براعة تأليفه، وغزارة علمه، بل كان همه أن يكون داعيا إلى الله تعالى يحيي الإيمان في القلوب ورأى أن ذلك أهم شيء في هذا الزمان، وهذا أمر لا يتم بالقول بل بضرب النموذج لتقوم على الناس به الحجة، وقد لا يستطيع الناس احتذاء النموذج كاملا ولكن يستطيعون السير على الدرب كل على قدر وسعه واجتهاده ونعمة ربه عليه، فمنهجه في الحياة قائم على البساطة والرضى بالقليل، ومنهجه في العبادة والذكر، والتفاني في حب الله وطاعته، والدعوة إليه، وتكريس طاقته وكل ما أوتي في سبيل ذلك، مع حفظ الجوارح من أن تتلوث: اللسان بالغيبة، والقلب بسوء الظن، والعين بالنظر الحرام باستثمار الوقت كله في أمر نافع، والجلد في الدعوة والعبادة، والتزام الكتاب والسنة، والاقتصاد في أمور الحياة، وحسن الظن والتواضع، كل ذلك أعطى لتلاميذه ولمن يأتي بعده على درب الدعوة نموجا يجعله يستصغر من العمل مهما يقدم لأنه يحس بالتقصير حين يوازن بين ما يقدم وما رآه من الأستاذ النورسي رحمه الله،فيمضي على درب الحق مجدا.
Page 7
الدروس المستفادة من حياة الأستاذ النورسي رحمه الله تعالى كثيرة، وهذا ما أعان الله تعالى عليه، وأسأل الله تعالى أن ينفعنا بما ورد في رسائل النور وأن يعيننا على أن نكون نورا في الأرض بفضله ورحمته وتوفيقه، والحمد لله رب العالمين.
 
وقفات مع رسائل النور
 
لعل مما يلفت النظر في التاريخ البشري أن عدد من مر على هذه الأرض لا يحصيه إلا الله تعالى، حالهم كحال المليارات من النباتات الصغيرة المتشابهة التي لا تلفت النظر أو حبات الرمل أو الحجارة الصغيرة المتناثرة على وجه البسيطة، ولكن هناك من البشر من هم كالشجر الضخم المتميز أو كقمم الجبال العالية الشامخة التي تشد الأنظار وتحفر صورتها في العقول وتزرع الهيبة في القلوب.
 
وذاكرة البشرية عامرة بأسماء أئمة البشر في الخير والشر، أولئك لم يكونوا كغيرهم من البشر المعتادين بل كانوا شيئا مذكورا في ميدان الهداية أو مجال الضلال.
 
ومن هؤلاء المذكورين المشهورين في ميدان الخير: الأنبياء والمرسلون الذين جاؤوا الناس بالهدى ودين الحق وسعوا إلى بيان الصراط المستقيم الذي يحيا من سلكه حياة طيبة، وينقلب إلى خير منقلب في رحمة الله وجنته.
 
يضاف إليهم من كان معهم من حواريين وأصحاب ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ممن كانوا من أئمة الهدى ودعاة الخير، وأخص منهم من حملوا لواء تجديد أمر الدين للناس من حين إلى آخر حين يملأ الضباب الطريق وتتغبش الرؤيا ويحتاج الأمر إلى دليل.
 
أئمة الهدى هؤلاء حفظ التاريخ أسماءهم وتبعهم من طلاب الهدى أجيال يخلف بعضها بعضا مع تعاقب المصلحين وتتابع المجددين.
 
هؤلاء المجددون مثلهم كمثل مولدات الطاقة التي تمد الناس بما يحتاجون إليه من نور وحرارة وحركة وأسباب حياة.
 
هؤلاء المجددون لم يصنعوا أنفسهم،ولم يكن في حسبانهم أن يكونوا كما كانوا بل تم اجتباؤهم واصطفاؤهم ليكونوا في الموقع الذي تبوؤوه، ولعل غيرهم ممن عاصرهم كان يتوق إلى أن ينال ما نالوه ولم يتحقق له ذلك على ما كان عليه من علم وفضل،فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
Page 8
والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله من هؤلاء المجددين الأعلام فقد أحيا الله به الدين في تركيا بعد أن أصابه إعصار مدمر في نهاية الربع الأول من القرن العشرين،والأستاذ النورسي داعية حين يذكر الدعاة،وولي صالح في صحبة زبدة الأولياء،وفيلسوف حين يعد الفلاسفة،ومفكر حين يذكر المفكرون، ومفسر للقرآن الكريم في عداد المفسرين،وفقيه حضاري حين يحصى فقهاء الحضارة، وعبقري فرد حين يتجلى العباقرة في أفق الإنسانية، وداعية من دعاة نهضة الأمة وباحث في أسباب تأخرها،ومحام بليغ في الدفاع عن الحقيقة وإنسانية الإنسان، ومع ذلك كله تجده يتوارى وراء ما سال على قلمه من العلم والحكمة في "رسائل النور" ولا ينسب لنفسه فضلا، بل يرد الأمر للذي علم الإنسان ما لم يعلم، في ربانية مخبتة، وإخلاص عميق.
 
صلتي برسائل النور
 
لا أدري بالضبط متى سمعت برسائل النور وباسم بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله،ولكن الذي أذكره أنني التقيت الأستاذ إحسان قاسم الصالحي أكثر من مرة،وكان لنا لقاء في المغرب في واحد من ملتقيات الأدب الإسلامي،كما عقد في عمان عام 1997 مؤتمر في عمان حول رسائل النور،وتكرر بعد ذلك اللقاء بيننا في القاهرة، وفي هذه اللقاءات أهدى إلي بعض رسائل النور من الرسائل المفردة لا في المجلدات، وأصدقكم القول أنني لم أقرأها يوم وقعت في يدي،ولعل منها رسالة الطبيعة، ولم أكن أعلم من هو بديع الزمان ولا أعلم ما رسائل النور، بل إنني بعد حضوري المؤتمر الذي عقد في عمان واستماعي إلى محاضرين من بلاد شتى، لم تنفتح لي نوافذ كافية تشدني إلى رسائل النور،ولا أدري هل كان الطابع الأكاديمي للدراسات غير مغر ولا جاذب أم أنني لم أكن بعد مهيأ لاستقبال نور رسائل النور؟.
 
ولعل صلتي الحقيقية بدأت برسائل النور بعد أن حضرت ندوة عن الرسائل والأسلوب الأدبي فيها في مقر رابطة الأدب الإسلامي في القاهرة عام 2005 م، وفي تلك الندوة دار حوار بيني وبين الأستاذ إحسان حول رسائل النور، وقلت له: لقد وفرت رسائل النور في مكتبة دار المأمون للنشر والتوزيع للقراء، وذلك رغبة مني في نشرها بين الناس ليطلعوا عليها، وكانت دار النشر حديثة العهد، فقال كلمة كانت الحافز لي للإقبال على الرسائل قراءة وتدبرا، قال: ذلك لا يكفي نريدك أن تقرأها وتكتب عنها.
Page 9
وكانت تلك الكلمة الشرارة التي أوقدت صلتي الحقيقية بالرسائل،فمنذ عام 2005 بدأت أقرأ فيها وأكتب عنها،ومن ذلك أنني قدمت برنامجا إذاعيا في إذاعة حياة إف إم قرأت فيه مقتطفات من الرسائل في برنامج بلغت حلقاته 106حلقات كما أذكر، وكتبت في صحيفة الدستور الأردنية سلسلة طويلة من المقالات قدمت فيها محتويات الجزء التاسع من الرسائل "سيرة ذاتية" للقراء، ليعرفوا من هو بديع الزمان رحمه الله وما رسائل النور،وقدمت برنامجا من وحي رسائل النور في الإذاعة الأردنية بعنوان "طريق النور" امتد عدة دورات إذاعية تحدثت فيه عن كثير من المحاور والقضايا المستمدة من الرسائل، وكنت قد نشرت عددا من حلقات هذا البرنامج من قبل في جريدة الدستور الأردنية في شهر من أشهر رمضان المبارك حيث اعتدت منذ عام 1999 أن أكتب مقالا أسبوعيا فيها ومقالا يوميا في شهر رمضان المبارك،ولكن كانت المقالات مختصرة وتم توسيعها في البرنامج والزيادة عليها ولعلها تصدر قريبا في كتاب بعنوان: "في ظلال رسائل النور"، وها هو الكتاب بين يدي القراء ولله الحمد.
 
وفي عام 2009 شاركت في مؤتمر عقد في القاهرة بترتيب مشترك بين جمعية رابطة الأدب الإسلامي ودار سوزلر للنشر وقدمت بحثا في ذلك المؤتمر بعنوان "دروس من حياة النورسي" وفي هذا المؤتمر دعوت الله دعاء صادقا وأمن من كان حاضرا ومما قلت في ذلك الدعاء: "اللهم كما يسرت لإحسان قاسم الصالحي ترجمة رسائل النور إلى العربية فيسر لي تسجيل رسائل النور بصوتي" وأحمد الله تعالى أن ذلك الدعاء قد استجيب فقد قاربت على إتمام الجزء الثامن من الرسائل وبقي الجزء التاسع وأسال الله أن ييسر تسجيله قبل قدوم شهر رمضان المبارك،وما طمعت في هذا الأمر في عاجل منفعة بل احتسبته عند الله ورجاء أن أجد من طلاب رسائل النور دعاء بظهر الغيب كلما استمعوا إلى صوتي ما بقي الصوت يتردد في الأسماع. وقد أنجز التسجيل وصار بين أيدي المستمعين ولله الحمد.
 
وإن مما يحيرني أن العالم العربي (والأردن مثال على ذلك) ما يزال غائبا عن رسائل النور، بل ما يزال محروما من نور رسائل النور،على الرغم من الجهود الحثيثة للتعريف بها،تلك الجهود التي تسهم فيها دار سوزلر للنشر في القاهرة،التي نذرت نفسها لخدمة رسائل النور بنشرها ونشر الدراسات التي تكتب حولها، وكذلك المؤتمرات العلمية والندوات التي تعقد حولها سواء في إسطنبول أو في البلاد المختلفة بالتنسيق بين مؤسسات من تركيا ومؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم ومؤسسات محلية في العالم العربي،رغم كل ذلك ما زال الجمهور العربي يجهل رسائل النور، بل أقول: إن كثيرا من علماء الشريعة والدعاة لا يعرف رسائل النور وربما لم يسمع بها وإذا سمع بها فمن مكان بعيد ومن وراء حجاب.