Page 1
تقديم
محمد شوقي الزين
بعد الكتاب الجماعي حول المفكر اللبناني علي حرب: علي حرب: النقد، الحقيقة والتأويل (الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف، 2010)، نقدّم للقارئ العربي هذا الكتاب الجماعي حول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في مباحث متنوّعة تخص مصطلح التفكيك ونقد الميتافيزيقا والتمركز الخطابي، وسؤال الشبحية والعلامة والتأويل، إلى جانب قضايا الحرية والسياسة والعقل وحقوق الإنسان والحيوان. حاولت هذه الدراسات الإلمام بالجوانب المترامية الأطراف لفلسفة دريدا.
يعرج بنا الأستاذ وليد عثماني عبر المبادئ والغايات للفلسفة التفكيكية بالوقوف عند أهم المحطات في التأثير والتأثّر: الألسنية، الأدب، البنيوية، التحليل النفسي، وغيرها من المعارف والمباحث التي أتاحت للتفكيكية بالتشكّل كإمكانية نقدية. ويناقش أهم المصطلحات التي تركّبها والتي نتداولها اليوم بشكل مكثّف: التمركز الصوتي والعقلي، علم الكتابة، الاختلاف، التشتّت وغير ذلك من الأساليب التقنية والنقدية التي برع فيها دريدا. ويختم الكاتب بالتلقّي الأمريكي والعربي للتفكيكية تبعاً لمستويات ثقافية ونظرية خاصّة بكل إقليم جغرافي وتاريخي.
بخصوص التلقّي العربي، يعالج المفكّر الراحل محمد أحمد البنكي غياب مبحث التفكيك وحضوره في الفكر النقدي العربي، ولا شكّ أنّه قام بملء هذا الفراغ من خلال كتابه الواسع والمتبحّر دريدا عربياً: قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي (وزارة الثقافة والإعلام والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، المنامة-بيروت، 2005)، ثمّ البنكي مفكّكا بعناية السيّدة رنده فاروق (وزارة الثقافة والإعلام والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، المنامة-بيروت، 2010). في هذه المقالة المقتضبة والمكثّفة يعود إلى بعض المشاهد العربية في التعامل مع التفكيك، التي يطبعها في الغالب النفور من جرّاء تراجع الابتكار الفكري والجامعي والتحفّظ من كل ما هو جديد على الصعيد النظري. لكن رغم ذلك، كانت هناك محاولات محتشمة وسجال طبع الساحة العربية دخل حلبته جابر عصفور وعبد العزيز حمودة وأحمد عبد الحليم عطية.
ولا شكّ أن العديد من المفكرين العرب وضعوا بصماتهم في التعريف بهذه الإمكانية النقدية وعلى رأسهم المفكّر العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم الذي يتحفنا في هذا المقام بدراسة جامعة ونافعة حول التفكيك مركّزا على البعد الخطابي منه، لأنّ الخطاب يقع على تخوم الكلمات والأشياء، أو يتوسّط البُعد اللغوي والبُعد الواقعي ليستقلّ بقوانينه في الإنتاج وتداعياته في المعرفة والسلطة. ويعرج بنا الدكتور إبراهيم على أهمّ المفاهيم التفكيكية للوقوف على حفرياتها الاشتقاقية وقيمها الجينالوجية والنظرية مثل مقولة "الاختلاف"، المقولة الأكثر تداولاً في الثقافة النقدية، والأكثر إشكالاً على صعيد الفهم الفلسفي والاستثمار الأدبي. ويناقش فكرة التمركز حول العقل كعنوان لميتافيزيقا الحضور وسطوة المعنى: وراء هذا النقض الدريدي هناك نقد العقل كأصل خالص وكآلية سلطوية.
من جهته، يقدّم لنا الباحث محمد بكاي قراءة حول أحد المفاهيم الرئيسية في تفكيكية دريدا والأقل دراسة واعتناءً ويتعلّق الأمر بما يسمّى بالشبحية أو الطيفية. إذ عمل دريدا على إيجاد صيغة نظرية في مقاربة النصوص والوقائع. ووقع اختياره على "الطيف" الذي هو "وسط" بين الواقع والمثال، أي لا هو الواقع ولا هو المثال، بل حيّز بينهما. كذلك فكرة الطيف هي كبديل عن المفهوم، فلا يتعامل دريدا مع أفكاره كمفاهيم وإنّما كأطياف "بينية" تحتمل هذه الفكرة وتلك في شكل تناغم أو انسجام. حتى وإن كان استقى دريدا فكرة الشبحية من التكنولوجيات الحديثة (السينما ، الراديو) بحكم أنّها تختزن أصواتاً أو ملامح أشخاص قضوا نحبهم، فإنّ فكرته هي امتداد للفكر العريق الذي كان يجد في الخيال خصباً أدبياً وفلسفياً فيما وراء الواقع والمثال. إذا كان الدرس الفلسفي قائماً على المفهوم والدرس الأدبي على الكلمة، أليس الطيف جمعاً هادئاً وخصباً موعوداً للكلمة والمفهوم، في سياق المبحث الدريدي الذي يجمع بين الأدب والفلسفة؟ هذا ما نستشفّه في هذا النص.
ولعلّ إحدى المحاولات الجادّة عند دريدا هي مقاربته بين الفلسفة والأنماط المعرفية الأخرى مثل التأويل الذي كانت لدريدا به علاقة معقّدة ولكنها مثمرة، بحكم نفوره من كلّ ما يتّسم بجلال في المعنى. يقوم الدكتور عبد الله بريمي بمحاولة رائعة في طرح السؤال التأويلي كمقاربة مع النهج التفكيكي. ويأخذ كمثال في هذه المقاربة أعمال بورس حول العلامة أو "السميوزيس". والإشكال هو معرفة إلى أيّ حدّ تتقاطع فيه أو تتوازى أفكار دريدا مع أفكار بورس. هل هناك أوجه تشابه واختلاف؟ هل تتلاقى إستراتيجية التفكيك واستراتيجية التأويل؟ ربّما الغالب في هاتين الإستراتيجيتين هو الطابع اللانهائي للعلامة التي تتبدّى في جملة التحوّلات والإحالات التي لا تنضب، وتتّخذ هذه التحوّلات شكل تشتّت دلالي أو تناقض تركيبي يطال النصوص والخطابات.
لكن كان لأمبرتو إيكو رأي آخر في المسألة، اعتنى الدكتور عبد الله بريمي بالإشارة إليها وعالجها الدكتور محمد بوعزة بإسهاب في محاولته التي اعتنت أيضاً بسؤال التأويل في مقاربة بين دريدا وإيكو. إذ يلجأ هذا الأخير إلى الربط بين لانهائية التأويل والتفكير الهرمسي الذي يعتبر العالم كنص مفتوح على كل التأويلات الاعتباطية والمترامية الأطراف. فهو يقرّ بالفكرة التي تعتبر أنّ التأويل له قوانين يخضع لها، وأنّ للنص قصدية مفتوحة وجدلية، ويحتمل الحقيقة. يجنّد الدكتور بوعزة قراءة واعية لمختلف التوجّهات النظرية التي تعاملت مع التأويل من زوايا مختلفة: الزاوية التفكيكية التي تضفي على الحقيقة نوعاً من النسبية، والزاوية التأويلية التي تضفي على النص دلالة تترجّح بين الأحادية بالنسبة إلى سياق النص، والتعددية بالمقارنة بالتفسيرات أو القراءات التي تتمتع هي الأخرى بسياقات مختلفة أو مقامات مغايرة.
وفي المنظار نفسه، تقوم الباحثة سعاد حمداش بقراءة نص دريدا «التوقيع، الحدث، السياق» الذي يطرح إشكاليات كانت في أوج السجال مع أنداد عصره ومن جملتها مسألة العلامة والتواصل. يطرح دريدا هذه المسائل في إطار قراءة تاريخية لأنظمة التواصل مع الوقوف على بعض النماذج مثل كوندياك. المبتغى هو النظر في السلوك التاريخي للكتابة والأشكال التي اتّخذتها العلامة في انتقالها من منغلقها الصوتي (العصر الإغريقي، الكتابات المقدّسة) إلى منفتحها الحداثي (اختراع المطبعة)، ثم في انعطافها المتعالي (ديكارت وهوسيرل) والتداولي (أوستين).
في سياق آخر يخص هذه المرّة أفكار دريدا في السياسة والحقوق، نجد قراءة الدكتور أحمد عبد الحليم عطية في الكتاب الذي اشترك دريدا في تدوينه مع إليزابيث رودينيسكو. يتعلّق الأمر بطرح جملة من القضايا تخصّ الإنسان المعاصر وذات علاقة بالسياسة والاجتماع والنفس والقيمة والوجود؛ وتخص أيضاً الحقوق البشرية (الإنسان، المرأة، الطفل، الأقليات الدينية والعرقية والجنسية) والحقوق الحيوانية والحقوق الطبيعية (البيئة). ويضع في صلب هذه الحقوق مسألة الواجب، أي السؤال الأخلاقي الذي طالما استرعى انتباهه، والذي يتعدّى دواعي الأمر والنهي، نحو سؤال الحرية والمسؤولية. ويرى الدكتور عطية أنّ دريدا طرح هذه المشكلات المعاصرة من وجهة نظر الفيلسوف وليس السياسي، وبالتالي يبقى النضال من أجل الحقوق في نطاق التداول الفكري أو العرض النظري ما دامت القرارات هي من اختصاص التمثيل السياسي والديمقراطي.
ويطرح الأستاذ رشيد بوطيب علاقة دريدا بلفيناس التي هي بمثابة علمنة دريدية للإرث الديني الليفيناسي. والسياسة عند دريدا هي امتداد للأخلاق عند لفيناس، تلك الأخلاق التي انحصرت في نقد مفهوم الحرية الذي يتعدّى الانهمام بالذات نحو الاهتمام بالآخر. إذ يتمّ الكشف عن عنصر الحرية في ظلّ الغيرية، أي في ظلّ المسؤولية. فلا يمكن التفكير أو الأداء إلّا في ظل وجود الآخر ليس كفكرة أو موضوع بل كمسؤولية، وهذه الغيرية هي سابقة على الحرية وهي لها بمثابة الأصل أو العين. يضع لفيناس كذلك الحقيقة في صلب الصراع لأنّ الحقيقة تعني أساساً القبض على شيء نعتبره حقيقياً وننافح عنه بالقوّة والعنف. لذا كاتت العلاقة بين الحرية والغيرية علاقة إلغاء للحقيقة كتسلّط. وهذه الفكرة ستؤسّس صلب الفلسفة الدريدية التي بدورها ستعمل على تقويض الحقيقة كسلطة عقلية ودلالية وسياسية تتجسّد في المؤسسات والمنظومات، أو في الأحكام والأعراف، أو في "التمركزات" المختلفة التي عالجها في عدّة مواطن المفكّر عبد الله إبراهيم.
وهو الأمر الذي وقفنا عليه في علاقة العقل بالسياسة ومعرفة درجة هذه العلاقة التي اكتنفها في التاريخ التواطؤ، إلى درجة أصبح معها العقل أداة أو آلية في القهر كما ذهب إلى ذلك أدورنو وهوركايمر. يلج دريدا صلب العقل الذي وإن كان يحمل غوايته في تاريخه، فإنّه لا انفكاك عنه في التفكير في المستقبل كأمر آتٍ؛ ولكن أيضاً كأمر آني في ارتحاله واختلافه، أي الحاضر في انفتاحه على المستقبل. يقف دريدا على العقل ليرى تجلّياته السياسية، وعوده، مخاطره، مجازفاته، انتصاراته، إخفاقاته. ويقف على وجه الخصوص على حدث الديمقراطية في العهد الإغريقي واستعمالاتها اللاحقة في الثقافة الرومانية ثم في الحضارة الغربية، تلك الديمقراطية التي تستند إلى العقل ولكن قد يغويها أيضا المكر العقلي تبعاً لما كان يسميه هيغل "حيلة العقل". هناك نوع من المقاومة في كل عقل سياسي، وفي كل سياسة عقلية، لأنّ العقل كما الديمقراطية مبنيان على "الدوران" (الاستدارة، الحوار، التحاور، إلخ)، وفي الدوران تتبدّى قيم التحوّل والمداولة وتداول السلطة؛ ولكن أيضاً إمكانية التيه والحيرة. وهي قيم تاريخية ونقدية عالجها دريدا بلغة نقدية في منتهى الإحكام والحصافة، وقد آثرنا متابعة أثرها والبناء عليها بشكل مختلف لا ينفكّ عن الإحالة والتحوّل.
في هذا الكتاب محطّات ثائرة ومثيرة حول أعقد الفلسفات المعاصرة وأروعها، من حيث القوّة البلاغية والمعالجة النظرية والكفاءة التقنية التي تحلّى بها دريدا، ليس في قراءة نص وتاريخ فحسب وإنّما أيضاً في ربط الزمن بالمكان، والحاضر بالمستقبل، والعقل بالسياسة، والأدب بالفلسفة، واللغة بالواقع، والإنسان بالمصير، والألم بالأمل.
محمد شوقي الزين
بعد الكتاب الجماعي حول المفكر اللبناني علي حرب: علي حرب: النقد، الحقيقة والتأويل (الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف، 2010)، نقدّم للقارئ العربي هذا الكتاب الجماعي حول الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في مباحث متنوّعة تخص مصطلح التفكيك ونقد الميتافيزيقا والتمركز الخطابي، وسؤال الشبحية والعلامة والتأويل، إلى جانب قضايا الحرية والسياسة والعقل وحقوق الإنسان والحيوان. حاولت هذه الدراسات الإلمام بالجوانب المترامية الأطراف لفلسفة دريدا.
يعرج بنا الأستاذ وليد عثماني عبر المبادئ والغايات للفلسفة التفكيكية بالوقوف عند أهم المحطات في التأثير والتأثّر: الألسنية، الأدب، البنيوية، التحليل النفسي، وغيرها من المعارف والمباحث التي أتاحت للتفكيكية بالتشكّل كإمكانية نقدية. ويناقش أهم المصطلحات التي تركّبها والتي نتداولها اليوم بشكل مكثّف: التمركز الصوتي والعقلي، علم الكتابة، الاختلاف، التشتّت وغير ذلك من الأساليب التقنية والنقدية التي برع فيها دريدا. ويختم الكاتب بالتلقّي الأمريكي والعربي للتفكيكية تبعاً لمستويات ثقافية ونظرية خاصّة بكل إقليم جغرافي وتاريخي.
بخصوص التلقّي العربي، يعالج المفكّر الراحل محمد أحمد البنكي غياب مبحث التفكيك وحضوره في الفكر النقدي العربي، ولا شكّ أنّه قام بملء هذا الفراغ من خلال كتابه الواسع والمتبحّر دريدا عربياً: قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي (وزارة الثقافة والإعلام والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، المنامة-بيروت، 2005)، ثمّ البنكي مفكّكا بعناية السيّدة رنده فاروق (وزارة الثقافة والإعلام والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، المنامة-بيروت، 2010). في هذه المقالة المقتضبة والمكثّفة يعود إلى بعض المشاهد العربية في التعامل مع التفكيك، التي يطبعها في الغالب النفور من جرّاء تراجع الابتكار الفكري والجامعي والتحفّظ من كل ما هو جديد على الصعيد النظري. لكن رغم ذلك، كانت هناك محاولات محتشمة وسجال طبع الساحة العربية دخل حلبته جابر عصفور وعبد العزيز حمودة وأحمد عبد الحليم عطية.
ولا شكّ أن العديد من المفكرين العرب وضعوا بصماتهم في التعريف بهذه الإمكانية النقدية وعلى رأسهم المفكّر العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم الذي يتحفنا في هذا المقام بدراسة جامعة ونافعة حول التفكيك مركّزا على البعد الخطابي منه، لأنّ الخطاب يقع على تخوم الكلمات والأشياء، أو يتوسّط البُعد اللغوي والبُعد الواقعي ليستقلّ بقوانينه في الإنتاج وتداعياته في المعرفة والسلطة. ويعرج بنا الدكتور إبراهيم على أهمّ المفاهيم التفكيكية للوقوف على حفرياتها الاشتقاقية وقيمها الجينالوجية والنظرية مثل مقولة "الاختلاف"، المقولة الأكثر تداولاً في الثقافة النقدية، والأكثر إشكالاً على صعيد الفهم الفلسفي والاستثمار الأدبي. ويناقش فكرة التمركز حول العقل كعنوان لميتافيزيقا الحضور وسطوة المعنى: وراء هذا النقض الدريدي هناك نقد العقل كأصل خالص وكآلية سلطوية.
من جهته، يقدّم لنا الباحث محمد بكاي قراءة حول أحد المفاهيم الرئيسية في تفكيكية دريدا والأقل دراسة واعتناءً ويتعلّق الأمر بما يسمّى بالشبحية أو الطيفية. إذ عمل دريدا على إيجاد صيغة نظرية في مقاربة النصوص والوقائع. ووقع اختياره على "الطيف" الذي هو "وسط" بين الواقع والمثال، أي لا هو الواقع ولا هو المثال، بل حيّز بينهما. كذلك فكرة الطيف هي كبديل عن المفهوم، فلا يتعامل دريدا مع أفكاره كمفاهيم وإنّما كأطياف "بينية" تحتمل هذه الفكرة وتلك في شكل تناغم أو انسجام. حتى وإن كان استقى دريدا فكرة الشبحية من التكنولوجيات الحديثة (السينما ، الراديو) بحكم أنّها تختزن أصواتاً أو ملامح أشخاص قضوا نحبهم، فإنّ فكرته هي امتداد للفكر العريق الذي كان يجد في الخيال خصباً أدبياً وفلسفياً فيما وراء الواقع والمثال. إذا كان الدرس الفلسفي قائماً على المفهوم والدرس الأدبي على الكلمة، أليس الطيف جمعاً هادئاً وخصباً موعوداً للكلمة والمفهوم، في سياق المبحث الدريدي الذي يجمع بين الأدب والفلسفة؟ هذا ما نستشفّه في هذا النص.
ولعلّ إحدى المحاولات الجادّة عند دريدا هي مقاربته بين الفلسفة والأنماط المعرفية الأخرى مثل التأويل الذي كانت لدريدا به علاقة معقّدة ولكنها مثمرة، بحكم نفوره من كلّ ما يتّسم بجلال في المعنى. يقوم الدكتور عبد الله بريمي بمحاولة رائعة في طرح السؤال التأويلي كمقاربة مع النهج التفكيكي. ويأخذ كمثال في هذه المقاربة أعمال بورس حول العلامة أو "السميوزيس". والإشكال هو معرفة إلى أيّ حدّ تتقاطع فيه أو تتوازى أفكار دريدا مع أفكار بورس. هل هناك أوجه تشابه واختلاف؟ هل تتلاقى إستراتيجية التفكيك واستراتيجية التأويل؟ ربّما الغالب في هاتين الإستراتيجيتين هو الطابع اللانهائي للعلامة التي تتبدّى في جملة التحوّلات والإحالات التي لا تنضب، وتتّخذ هذه التحوّلات شكل تشتّت دلالي أو تناقض تركيبي يطال النصوص والخطابات.
لكن كان لأمبرتو إيكو رأي آخر في المسألة، اعتنى الدكتور عبد الله بريمي بالإشارة إليها وعالجها الدكتور محمد بوعزة بإسهاب في محاولته التي اعتنت أيضاً بسؤال التأويل في مقاربة بين دريدا وإيكو. إذ يلجأ هذا الأخير إلى الربط بين لانهائية التأويل والتفكير الهرمسي الذي يعتبر العالم كنص مفتوح على كل التأويلات الاعتباطية والمترامية الأطراف. فهو يقرّ بالفكرة التي تعتبر أنّ التأويل له قوانين يخضع لها، وأنّ للنص قصدية مفتوحة وجدلية، ويحتمل الحقيقة. يجنّد الدكتور بوعزة قراءة واعية لمختلف التوجّهات النظرية التي تعاملت مع التأويل من زوايا مختلفة: الزاوية التفكيكية التي تضفي على الحقيقة نوعاً من النسبية، والزاوية التأويلية التي تضفي على النص دلالة تترجّح بين الأحادية بالنسبة إلى سياق النص، والتعددية بالمقارنة بالتفسيرات أو القراءات التي تتمتع هي الأخرى بسياقات مختلفة أو مقامات مغايرة.
وفي المنظار نفسه، تقوم الباحثة سعاد حمداش بقراءة نص دريدا «التوقيع، الحدث، السياق» الذي يطرح إشكاليات كانت في أوج السجال مع أنداد عصره ومن جملتها مسألة العلامة والتواصل. يطرح دريدا هذه المسائل في إطار قراءة تاريخية لأنظمة التواصل مع الوقوف على بعض النماذج مثل كوندياك. المبتغى هو النظر في السلوك التاريخي للكتابة والأشكال التي اتّخذتها العلامة في انتقالها من منغلقها الصوتي (العصر الإغريقي، الكتابات المقدّسة) إلى منفتحها الحداثي (اختراع المطبعة)، ثم في انعطافها المتعالي (ديكارت وهوسيرل) والتداولي (أوستين).
في سياق آخر يخص هذه المرّة أفكار دريدا في السياسة والحقوق، نجد قراءة الدكتور أحمد عبد الحليم عطية في الكتاب الذي اشترك دريدا في تدوينه مع إليزابيث رودينيسكو. يتعلّق الأمر بطرح جملة من القضايا تخصّ الإنسان المعاصر وذات علاقة بالسياسة والاجتماع والنفس والقيمة والوجود؛ وتخص أيضاً الحقوق البشرية (الإنسان، المرأة، الطفل، الأقليات الدينية والعرقية والجنسية) والحقوق الحيوانية والحقوق الطبيعية (البيئة). ويضع في صلب هذه الحقوق مسألة الواجب، أي السؤال الأخلاقي الذي طالما استرعى انتباهه، والذي يتعدّى دواعي الأمر والنهي، نحو سؤال الحرية والمسؤولية. ويرى الدكتور عطية أنّ دريدا طرح هذه المشكلات المعاصرة من وجهة نظر الفيلسوف وليس السياسي، وبالتالي يبقى النضال من أجل الحقوق في نطاق التداول الفكري أو العرض النظري ما دامت القرارات هي من اختصاص التمثيل السياسي والديمقراطي.
ويطرح الأستاذ رشيد بوطيب علاقة دريدا بلفيناس التي هي بمثابة علمنة دريدية للإرث الديني الليفيناسي. والسياسة عند دريدا هي امتداد للأخلاق عند لفيناس، تلك الأخلاق التي انحصرت في نقد مفهوم الحرية الذي يتعدّى الانهمام بالذات نحو الاهتمام بالآخر. إذ يتمّ الكشف عن عنصر الحرية في ظلّ الغيرية، أي في ظلّ المسؤولية. فلا يمكن التفكير أو الأداء إلّا في ظل وجود الآخر ليس كفكرة أو موضوع بل كمسؤولية، وهذه الغيرية هي سابقة على الحرية وهي لها بمثابة الأصل أو العين. يضع لفيناس كذلك الحقيقة في صلب الصراع لأنّ الحقيقة تعني أساساً القبض على شيء نعتبره حقيقياً وننافح عنه بالقوّة والعنف. لذا كاتت العلاقة بين الحرية والغيرية علاقة إلغاء للحقيقة كتسلّط. وهذه الفكرة ستؤسّس صلب الفلسفة الدريدية التي بدورها ستعمل على تقويض الحقيقة كسلطة عقلية ودلالية وسياسية تتجسّد في المؤسسات والمنظومات، أو في الأحكام والأعراف، أو في "التمركزات" المختلفة التي عالجها في عدّة مواطن المفكّر عبد الله إبراهيم.
وهو الأمر الذي وقفنا عليه في علاقة العقل بالسياسة ومعرفة درجة هذه العلاقة التي اكتنفها في التاريخ التواطؤ، إلى درجة أصبح معها العقل أداة أو آلية في القهر كما ذهب إلى ذلك أدورنو وهوركايمر. يلج دريدا صلب العقل الذي وإن كان يحمل غوايته في تاريخه، فإنّه لا انفكاك عنه في التفكير في المستقبل كأمر آتٍ؛ ولكن أيضاً كأمر آني في ارتحاله واختلافه، أي الحاضر في انفتاحه على المستقبل. يقف دريدا على العقل ليرى تجلّياته السياسية، وعوده، مخاطره، مجازفاته، انتصاراته، إخفاقاته. ويقف على وجه الخصوص على حدث الديمقراطية في العهد الإغريقي واستعمالاتها اللاحقة في الثقافة الرومانية ثم في الحضارة الغربية، تلك الديمقراطية التي تستند إلى العقل ولكن قد يغويها أيضا المكر العقلي تبعاً لما كان يسميه هيغل "حيلة العقل". هناك نوع من المقاومة في كل عقل سياسي، وفي كل سياسة عقلية، لأنّ العقل كما الديمقراطية مبنيان على "الدوران" (الاستدارة، الحوار، التحاور، إلخ)، وفي الدوران تتبدّى قيم التحوّل والمداولة وتداول السلطة؛ ولكن أيضاً إمكانية التيه والحيرة. وهي قيم تاريخية ونقدية عالجها دريدا بلغة نقدية في منتهى الإحكام والحصافة، وقد آثرنا متابعة أثرها والبناء عليها بشكل مختلف لا ينفكّ عن الإحالة والتحوّل.
في هذا الكتاب محطّات ثائرة ومثيرة حول أعقد الفلسفات المعاصرة وأروعها، من حيث القوّة البلاغية والمعالجة النظرية والكفاءة التقنية التي تحلّى بها دريدا، ليس في قراءة نص وتاريخ فحسب وإنّما أيضاً في ربط الزمن بالمكان، والحاضر بالمستقبل، والعقل بالسياسة، والأدب بالفلسفة، واللغة بالواقع، والإنسان بالمصير، والألم بالأمل.
Page 2
التفكيك الجينيالوجيا، المقولة، والمصطلح
وليد عثماني (1)
توطئة
تعد التفكيكية من أهم مداخل نظريات النقد المعاصر، حيث ظهرت كتيار نقدي جديد عرف بما بعد الحداثة اكتسح الساحة الفكرية والنقدية الأدبية معا. فأحدث ثورة على مستوى القيم الأدبية التي كانت سائدة آنذاك. وأقامت صرحا جديدا للوقوف على الدعائم الراسخة في الفكر الإنساني لتخلخل نسقيتها، ومن ثمة تفكك ما هو موجود وقار كمركز لا يجوز بأي حال خلخلته أو مسّ بنيته التحتية؛ باعتباره مقدسا اكتسب قدسيته بأقدميته. فكانت بداية هذه الاستراتيجية إثر أحداث مايو 1968 التي جرت في فرنسا قصد تغيير مسار النقد. إذ أوقفت اكتساح المد البنيوي؛بخروج طلبة الجامعة الفرنسية، مطالبين فيها بإسـقاط البنيوية. «لقد كان لأحداث أيار عام 1968 في فرنسا الأثر الحاسم في وقف المد البنيوي، ومضاعفة النقد، وبدء ثورة السيميولوجيا» (2) ومن ثمة توقفت هيمنتها بعد سيطرة دامت آونة ليست بالهينة تحققت من خلالها مراتب متعددة للنقد. كما تحددت وجهات رسمت مسار النقد؛ وذلك بخروجه من الإطار المتعدد السياقات الخارجية التي تنظر إلى النص وفق نظرة فوقية ومن البنية السطحية له.
وبعد هذه الثورة بدأت تتبلور فكرة منهج جديد يهتم بالعلامة بعد أن بشر به فرديناند دو سوسير (Ferdinand de Saussure) في بادئ الأمر من خلال محاضراته في الألسنية العامة ثم تطور هذا الدرس العلاماتي مع بيرس (Charles Sanders Peirce) فيما بعد وحمل تسمية (semiotics) .
وبالعودة إلى جهود دو سوسير نجده: «يذهب فعلا إلى التمييز بين نظامين متباينين من أنظمة الدلائل وهما اللغة والكتابة» (3) ومن خلال قضية الدليل نجده يقصي الكتابة، ويحط من قدرها، ويقيم صرحا دلائليا للغة المنطوقة على حساب المكتوبة؛ إذ حط من مكانتها وجعلها في مرتبة ثانوية أمام الكلام «ويتجلى ذلك في معالجة دو سوسير لموضوع الكتابة التي يعطيها مكانة ثانوية بالمقارنة مع الكلام، ويجعلها تستمد هذه المكانة من غيرها، فهدف التحليل اللغوي عنده ليس الأشكال المكتوبة، بل الأشكال المنطوقة فقط، أما الكتابة ما هي إلا وسيلة لتمثيل الكلام؛ وسيلة تقنية واسطة خارجية ولهذا فلا حاجة لأخذها بنظر الاعتبار عند دراسة اللغة» (4) وبهذا نجد دو سوسير يُحَجِّر الكتابة ويجعلها تابعة للكلام "وقمع الكتابة يكمن في المنهج الذي اقترحه دو سوسير، ويتجلى ذلك في رفضه النظر، أو دراسة أي شكل من أشكال التدوين اللغوي خارج الكتابة الأبجدية الصوتية للثقافة الغربية" (5).
من خلال هذا الطرح يتضح أن دو سوسير في تأصيله للدرس الألسني يستبعد كل الاستبعاد الجانب المكتوب من اللغة، ويحط من قدره. وحينها ما كان لصرح الألسنية أن يعلو ويرتفع لولا تأسيس دو سوسير درسه اللساني على النطق «إن الغرض الألسني لا يتحدد بتنسيق الترابط بين الكلمة المكتوبة والأخرى المنطوقة، وهذه الأخيرة تشكل وحدها هذا الغرض» (6). ومن خلال ما سبق ذكره يمكن طرح مجموعة من الأسئلة التي تتدافع بقوة مستفسرة عن سبب استبعاد الكتابة؟ وما دور الكتابة إذا كانت لا تساوي شيئا أمام الكلام؟ وما هي دوافع دو سوسير إلى إقصاء الكتابة؟
قام جاك دريدا (Jacques Derrida) بنقد كل من قال بقمع الكتابة على حساب الصوت باسم التمركز حول الصوت (phonocentrism) «إذ لاحظ أن الميتافيزيقا الغربية تمنح الكلام أفضلية على الكتابة فهي تعطي امتيازا خاصا للكلمة المنطوقة لأنها تجسد حضور المتكلم وقتصدور القول» (7). وبذلك مَنَحَ الفلاسفة منذ أفلاطون ودو سوسير وروسو وليفي شتراوس أولوية للكلام على حساب الكتابة، وأقاموا له صروحا من الدلائلية القوية، وجعلوا الكتابة مادة غريبة عن الكلام وقاتلة للدلالة. فما كان على جاك دريدا إلا أن قام بمناقشة هؤلاء الفلاسفة، محاولة منه للخروج من هذا المأزق المعرفي، ويوجه نقدا لاذعا لكل من ركز سلطة للصوت على حساب الكتابة. وكان على رأسهم دو سوسير الذي ثَّبَتَ الصوت كبنية قارة تمحورت حولها الدراسة اللسانية.
فقد لاحظ جاك دريدا أثناء تفكيكه لنصوص دو سوسير تمركزا تَمثل في إعلاء شأن الكلام على حساب الكتابة، وهي الفرصة التي ساهم فيها جاك دريدا بتفكيكاته ضمن مقولة التمركز حول الصوت (phonocentrism) هو كون الصوت مركز الثقافة الغربية منذ الأناجيل وتوصلمن خلال هذه الآلية إلى أن «سوسير قد اضطر مثل من سبقوه إلى النزول بالكتابة إلى مرتبة الشك، أو إن شئت فقل النزول بالكتابة إلى مرتبة ثانوية» (8) ومن خلال قراءة دريدا التفكيكية تبين أن هناك تسلطاً، وممارسة تمثلت في خصاء الكتابة، والحط من قدرها حيث أثبت:
1. «أن دو سوسير في نظريته عن علم اللغة إنما يحط من قدر الكتابة ويقلل من منزلتها بصورة منظمة.
2. أن هذه الإستراتيجية التي يتبعها سوسير إنما تلاقي وعلى غير توقع تلك التناقضات المكتوبة المتطورة.
3. أن المرء عندما يسير وراء مثل هذه التناقضات فإنه يترك مجال علم اللغة إلى مجال علم القواعد أو إن شئت فقل علم الكتابة وفنية النص بصورة عامة» (9).
وبهذا يكون جاك دريدا قد أخضع نصوص دو سوسير إلى التفكيك كما أخضع نصوص سابقيه مثل أفلاطون. وكشف التناقض الحادث في ذلك الفكر، ووقف على جملة التمركزات حول الصوت وذلك بإعطائه أولوية للصوت على حساب الكتابة.
وعليه فالتفكيكية إستراتيجية في قراءة النصوص ظهرت في نهاية الستينيات، وأخذت تتبلور وتنشأ كبديل عن الطرح البنيوي؛ حيث أخذت تتبلور أفكارها الأولى على أنقاض المنهج البنيوي إلا أنها لم تكتمل أصولها بعد. ولعل مرد ذلك إلى كون المنظرين للتفكيك هم رواد البنيوية. وعلى رأسهم رولان بارت (Roland Barthes) وجاك دريدا حيث كانت دعوة التفكيكية كاستراتيجية نقدية، لنقض وتقويض النصوص. معتمدة في دعواها على جملة من المبادئ أهمها:
1. عدم قصدية المؤلف في المعنى. وهذا ما يفتح الباب أكثر لتعدد القراءات، أو ما يسمى بلانهائية الدلالة، فاسحا المجال أمام التأويل، والهدم وإعادة البناء.
2. كما اعتمد أيضا على نسف الحدود القائمة بين النصوص، أو ما يعرف بالبينصية (Intertextualité) .
3. التشكيك في القيم والثوابت؛ إذ زعزعت النصوص بالشك ورفضت التقاليد والقراءات المعتمدة.
ومما لا شك فيه أن لكل منهج، أو نظرية أو إستراتيجية منطلقات ومسارات إبستيمولوجية معرفية حتى تتمكن من الوصول إلى الأهداف والغايات. وهذا ما اعترى التفكيك لكونه إستراتيجية ترعرعت في تربة غربية وهي أمريكا.
وبالتالي فللتفكيك سياق معرفي ومسار إبستيمولوجي يتحدد من خلال نقاط أربع:
1 أولاها: كون التفكيك اعتمد على نقده للبنيوية نتيجة فشلها الذريع في استيعاب جميع النصوص، ومن ثمة الضعف في تحقيق الممارسة المطلوبة، وكذا النفاذ إلى جميع التشكيلات النصية.
1 ثانيها: اعتماد التفكيك على الشك واليقين المساهمة في محاورة النص وكشف أغواره.
1 ثالثها: كون التفكيك تزامن مع نظرية التلقي فقد أثر كلاهما في الآخر؛ بحيث تلاقحا معرفيا، وتقاربا من حيث الاعتمادُ المطلقُ على القارئ/المتلقي بعده الرائد في صنع المعنى.
1 رابعها: انطلق التفكيك من الإقليم الفرنسي ليترعرع في إقليم آخر ـ أمريكي ـ نتيجة تناقضه كاستراتيجية تشكيكية، مقوضة، ثائرة على قيم تتنافى والمزاج الثقافي الفرنسي، ومن ثم كانت الانطلاقة الأولى لهذه الإستراتيجية، وأخذت في السير قدما نحو الأمام.
وليد عثماني (1)
توطئة
تعد التفكيكية من أهم مداخل نظريات النقد المعاصر، حيث ظهرت كتيار نقدي جديد عرف بما بعد الحداثة اكتسح الساحة الفكرية والنقدية الأدبية معا. فأحدث ثورة على مستوى القيم الأدبية التي كانت سائدة آنذاك. وأقامت صرحا جديدا للوقوف على الدعائم الراسخة في الفكر الإنساني لتخلخل نسقيتها، ومن ثمة تفكك ما هو موجود وقار كمركز لا يجوز بأي حال خلخلته أو مسّ بنيته التحتية؛ باعتباره مقدسا اكتسب قدسيته بأقدميته. فكانت بداية هذه الاستراتيجية إثر أحداث مايو 1968 التي جرت في فرنسا قصد تغيير مسار النقد. إذ أوقفت اكتساح المد البنيوي؛بخروج طلبة الجامعة الفرنسية، مطالبين فيها بإسـقاط البنيوية. «لقد كان لأحداث أيار عام 1968 في فرنسا الأثر الحاسم في وقف المد البنيوي، ومضاعفة النقد، وبدء ثورة السيميولوجيا» (2) ومن ثمة توقفت هيمنتها بعد سيطرة دامت آونة ليست بالهينة تحققت من خلالها مراتب متعددة للنقد. كما تحددت وجهات رسمت مسار النقد؛ وذلك بخروجه من الإطار المتعدد السياقات الخارجية التي تنظر إلى النص وفق نظرة فوقية ومن البنية السطحية له.
وبعد هذه الثورة بدأت تتبلور فكرة منهج جديد يهتم بالعلامة بعد أن بشر به فرديناند دو سوسير (Ferdinand de Saussure) في بادئ الأمر من خلال محاضراته في الألسنية العامة ثم تطور هذا الدرس العلاماتي مع بيرس (Charles Sanders Peirce) فيما بعد وحمل تسمية (semiotics) .
وبالعودة إلى جهود دو سوسير نجده: «يذهب فعلا إلى التمييز بين نظامين متباينين من أنظمة الدلائل وهما اللغة والكتابة» (3) ومن خلال قضية الدليل نجده يقصي الكتابة، ويحط من قدرها، ويقيم صرحا دلائليا للغة المنطوقة على حساب المكتوبة؛ إذ حط من مكانتها وجعلها في مرتبة ثانوية أمام الكلام «ويتجلى ذلك في معالجة دو سوسير لموضوع الكتابة التي يعطيها مكانة ثانوية بالمقارنة مع الكلام، ويجعلها تستمد هذه المكانة من غيرها، فهدف التحليل اللغوي عنده ليس الأشكال المكتوبة، بل الأشكال المنطوقة فقط، أما الكتابة ما هي إلا وسيلة لتمثيل الكلام؛ وسيلة تقنية واسطة خارجية ولهذا فلا حاجة لأخذها بنظر الاعتبار عند دراسة اللغة» (4) وبهذا نجد دو سوسير يُحَجِّر الكتابة ويجعلها تابعة للكلام "وقمع الكتابة يكمن في المنهج الذي اقترحه دو سوسير، ويتجلى ذلك في رفضه النظر، أو دراسة أي شكل من أشكال التدوين اللغوي خارج الكتابة الأبجدية الصوتية للثقافة الغربية" (5).
من خلال هذا الطرح يتضح أن دو سوسير في تأصيله للدرس الألسني يستبعد كل الاستبعاد الجانب المكتوب من اللغة، ويحط من قدره. وحينها ما كان لصرح الألسنية أن يعلو ويرتفع لولا تأسيس دو سوسير درسه اللساني على النطق «إن الغرض الألسني لا يتحدد بتنسيق الترابط بين الكلمة المكتوبة والأخرى المنطوقة، وهذه الأخيرة تشكل وحدها هذا الغرض» (6). ومن خلال ما سبق ذكره يمكن طرح مجموعة من الأسئلة التي تتدافع بقوة مستفسرة عن سبب استبعاد الكتابة؟ وما دور الكتابة إذا كانت لا تساوي شيئا أمام الكلام؟ وما هي دوافع دو سوسير إلى إقصاء الكتابة؟
قام جاك دريدا (Jacques Derrida) بنقد كل من قال بقمع الكتابة على حساب الصوت باسم التمركز حول الصوت (phonocentrism) «إذ لاحظ أن الميتافيزيقا الغربية تمنح الكلام أفضلية على الكتابة فهي تعطي امتيازا خاصا للكلمة المنطوقة لأنها تجسد حضور المتكلم وقتصدور القول» (7). وبذلك مَنَحَ الفلاسفة منذ أفلاطون ودو سوسير وروسو وليفي شتراوس أولوية للكلام على حساب الكتابة، وأقاموا له صروحا من الدلائلية القوية، وجعلوا الكتابة مادة غريبة عن الكلام وقاتلة للدلالة. فما كان على جاك دريدا إلا أن قام بمناقشة هؤلاء الفلاسفة، محاولة منه للخروج من هذا المأزق المعرفي، ويوجه نقدا لاذعا لكل من ركز سلطة للصوت على حساب الكتابة. وكان على رأسهم دو سوسير الذي ثَّبَتَ الصوت كبنية قارة تمحورت حولها الدراسة اللسانية.
فقد لاحظ جاك دريدا أثناء تفكيكه لنصوص دو سوسير تمركزا تَمثل في إعلاء شأن الكلام على حساب الكتابة، وهي الفرصة التي ساهم فيها جاك دريدا بتفكيكاته ضمن مقولة التمركز حول الصوت (phonocentrism) هو كون الصوت مركز الثقافة الغربية منذ الأناجيل وتوصلمن خلال هذه الآلية إلى أن «سوسير قد اضطر مثل من سبقوه إلى النزول بالكتابة إلى مرتبة الشك، أو إن شئت فقل النزول بالكتابة إلى مرتبة ثانوية» (8) ومن خلال قراءة دريدا التفكيكية تبين أن هناك تسلطاً، وممارسة تمثلت في خصاء الكتابة، والحط من قدرها حيث أثبت:
1. «أن دو سوسير في نظريته عن علم اللغة إنما يحط من قدر الكتابة ويقلل من منزلتها بصورة منظمة.
2. أن هذه الإستراتيجية التي يتبعها سوسير إنما تلاقي وعلى غير توقع تلك التناقضات المكتوبة المتطورة.
3. أن المرء عندما يسير وراء مثل هذه التناقضات فإنه يترك مجال علم اللغة إلى مجال علم القواعد أو إن شئت فقل علم الكتابة وفنية النص بصورة عامة» (9).
وبهذا يكون جاك دريدا قد أخضع نصوص دو سوسير إلى التفكيك كما أخضع نصوص سابقيه مثل أفلاطون. وكشف التناقض الحادث في ذلك الفكر، ووقف على جملة التمركزات حول الصوت وذلك بإعطائه أولوية للصوت على حساب الكتابة.
وعليه فالتفكيكية إستراتيجية في قراءة النصوص ظهرت في نهاية الستينيات، وأخذت تتبلور وتنشأ كبديل عن الطرح البنيوي؛ حيث أخذت تتبلور أفكارها الأولى على أنقاض المنهج البنيوي إلا أنها لم تكتمل أصولها بعد. ولعل مرد ذلك إلى كون المنظرين للتفكيك هم رواد البنيوية. وعلى رأسهم رولان بارت (Roland Barthes) وجاك دريدا حيث كانت دعوة التفكيكية كاستراتيجية نقدية، لنقض وتقويض النصوص. معتمدة في دعواها على جملة من المبادئ أهمها:
1. عدم قصدية المؤلف في المعنى. وهذا ما يفتح الباب أكثر لتعدد القراءات، أو ما يسمى بلانهائية الدلالة، فاسحا المجال أمام التأويل، والهدم وإعادة البناء.
2. كما اعتمد أيضا على نسف الحدود القائمة بين النصوص، أو ما يعرف بالبينصية (Intertextualité) .
3. التشكيك في القيم والثوابت؛ إذ زعزعت النصوص بالشك ورفضت التقاليد والقراءات المعتمدة.
ومما لا شك فيه أن لكل منهج، أو نظرية أو إستراتيجية منطلقات ومسارات إبستيمولوجية معرفية حتى تتمكن من الوصول إلى الأهداف والغايات. وهذا ما اعترى التفكيك لكونه إستراتيجية ترعرعت في تربة غربية وهي أمريكا.
وبالتالي فللتفكيك سياق معرفي ومسار إبستيمولوجي يتحدد من خلال نقاط أربع:
1 أولاها: كون التفكيك اعتمد على نقده للبنيوية نتيجة فشلها الذريع في استيعاب جميع النصوص، ومن ثمة الضعف في تحقيق الممارسة المطلوبة، وكذا النفاذ إلى جميع التشكيلات النصية.
1 ثانيها: اعتماد التفكيك على الشك واليقين المساهمة في محاورة النص وكشف أغواره.
1 ثالثها: كون التفكيك تزامن مع نظرية التلقي فقد أثر كلاهما في الآخر؛ بحيث تلاقحا معرفيا، وتقاربا من حيث الاعتمادُ المطلقُ على القارئ/المتلقي بعده الرائد في صنع المعنى.
1 رابعها: انطلق التفكيك من الإقليم الفرنسي ليترعرع في إقليم آخر ـ أمريكي ـ نتيجة تناقضه كاستراتيجية تشكيكية، مقوضة، ثائرة على قيم تتنافى والمزاج الثقافي الفرنسي، ومن ثم كانت الانطلاقة الأولى لهذه الإستراتيجية، وأخذت في السير قدما نحو الأمام.
Page 3
جينيالوجيا التفكيك المسار الإبستيمولوجي
والسياق المعرفيلاستراتيجية التفكيك
1 أولاً: التفكيكية نقد موجه للبنيوية
ظهرت التفكيكية كاستراتيجية جديدة للتعامل مع النصوص؛ إذ أخذت على عاتقها مهمة الارتقاء بالنقد، وتحقيق ما عجزت البنيوية عنه، وكدعامة أساسية لظهور التفكيكية قامت على نقدها للبنيوية، والوقوف على الهنات التي وقعت فيها. وبالتالي أرادت أن تحل محلها. لأن البنيوية «تطمح إلى تأسيس مذهب نقدي يعتمد في شرعيته على منهج علمي تجريبي» (10).
لكن قصور الآليات البنيوية على تصور مشروع كامل هو الذي شجع نخبة من المفكرين على هذه الثورة «فالتفكيكيون فعلا خرجوا من عباءة البنيوية لأن غالبيتهم بدأوا حياتهم كبنيويين، وحينما فشل المشروع البنيوي في تحقيق طموحاتهم في تقديم مشروع متكامل للتحليل تمردوا على البنيوية» (11) وبالتالي يكون هذا التمرد هو الذي فتح أمامهم أبواب التحول إلى مناهج أخرى «فبعضهم تحول إلى التحليل النفسي مثل لاكان وآخرون تحولوا إلى الفلسفة، والبعض الآخر تحول إلى دراسة فلسفة اللغة مثل دريدا» (12). وكذلك رولان بارت تنصل كلية من البنيوية ليتحول هو الآخر إلى مناهج عديدة، حيث عمل بنيويا، وتفكيكيا، وسيميولوجيا «ومن البنيويين الذين تنكروا للبنيوية بل عجلوا الدعوة إلى هدمها، والتخلي عنها جاك دريدا الذي هاجم ما فيها من تجريد، واختزال شكلي، وآنية ميتافيزيقية، وجوليا كريستيفا، ومجموعة (Tel Quel) التيدعت إلى سيميائية جديدة» (13).
ومن خلال ما تم ذكره نلاحظ أن بوادر التفكيك بدأت تظهر في أوج الأزمة البنيوية؛ حيث ظهرت العيوب النسقية التي وصلت إليها، وبذلك اتخذها روادها ذريعة للانسلاخ منها، والتجرد كلية منها إلى إنشاء إستراتيجية جديدة تساهم، وتمكن من قراءة النصوص لعلها تصبو إلى تحقيق ما عجزت البنيوية عن تحقيقه.
1 ثانياً: اعتماد التفكيك على الشك واليقين
أما ثاني هذه المرتكزات التي حددت مسار التفكيك اعتماده على الشك في نسف واقعية النصوص، والقراءات المقدمة لها «إنََّ إستراتيجية التفكيك تنطلق من موقف فلسفي مبدئي قائم على الشك، وقد ترجم التفكيكيون هذا الشك الفلسفي نقدا إلى رفض التقاليد، رفض القراءات المعتمدة، رفض النظام والسلطة من ناحية المبدأ» (14).
وبهذا يكون التفكيكيون قد أقاموا صرحا جديدا، واستحدثوا مسارا آخر في استنطاق النصوص؛ إذ بالتشكيك في أنسجة القراءات السابقة ودلالاتها، تنتفي المعرفة اليقينية الصحيحة. وهذا الشك ولَّد مرضا لا يمكن الشفاء منه في حدود تعبير هارولد بلوم (Harold Bloom)عنالتشكيكية بأنها: سقم لا يمكن الشفاء منه تماما؛ فكلما خرجنا من شك ندخل في شك آخر، وبالتالي نبقى ندور في دائرة مفرغة من الشك واللا يقين (15). فإحداثية "الشك واليقين" من أهم المرتكزات التي استند إليها التفكيك في قراءة النصوص «فالتفكيك إفراز عصر الشك الكامل الذي خيم على كل شيء فاستحالت معه المعرفة اليقينية، وفقد العالم محور ارتكازه» (16). وبهذا يكون العالم قد عرف دوامة كبيرة بين الشك واليقين، واليقين والشك، واللا شك واللا يقين... وفي الأخير لا يكون إلا الشك بعد أن كان اعتقادا جازما بأنه يقين. وهذا ما زُرع في النص حتى وُلد ما يعرف بالتفسير اللانهائي للدلالة وهي أمور تفسر لا نهائية الدلالة القائمة على استحالة المرجعية لأي سلطة خارجة ليست موجودة أصلا ونفي التفسيرات الموثوقة أو المعتمدة.
وبالتالي نسف الشك كل المعتقدات، والتفسيرات التي سبقته، وأتاح فرصا عديدة للعب الحر بالدوال على حساب المدلولات «إن التفكيك الذي أفرزه موقف شك كامل لا يثق في النسق باعتباره نظاما عاما يحدد طريقة أداء العلامات، ويعطي المدلول حرية اللعب الكامل منفصلا عن الدال، يبيح للقارئ أن يفسر العلامات بالمعنى الذي يشاء» (17).
إن الشك قد أحدث فوضى عارمة، وفتح جملة من اللاءات: اللاحقيقة، لا قصدية المؤلف، اللا يقين، لا نهائية الدلالة. وعلى إثر هذه الجملة عرف ما يسمى بـ: تعددية القراءة، وأصبحت كل قراءة تشكل إساءة قراءة، وفُتح الباب على مصراعيه للعب الحر، والمطلق بالمدلولات، وفسح المجال واسعا أمام التأويلات الكثيرة للعلامة.
والسياق المعرفيلاستراتيجية التفكيك
1 أولاً: التفكيكية نقد موجه للبنيوية
ظهرت التفكيكية كاستراتيجية جديدة للتعامل مع النصوص؛ إذ أخذت على عاتقها مهمة الارتقاء بالنقد، وتحقيق ما عجزت البنيوية عنه، وكدعامة أساسية لظهور التفكيكية قامت على نقدها للبنيوية، والوقوف على الهنات التي وقعت فيها. وبالتالي أرادت أن تحل محلها. لأن البنيوية «تطمح إلى تأسيس مذهب نقدي يعتمد في شرعيته على منهج علمي تجريبي» (10).
لكن قصور الآليات البنيوية على تصور مشروع كامل هو الذي شجع نخبة من المفكرين على هذه الثورة «فالتفكيكيون فعلا خرجوا من عباءة البنيوية لأن غالبيتهم بدأوا حياتهم كبنيويين، وحينما فشل المشروع البنيوي في تحقيق طموحاتهم في تقديم مشروع متكامل للتحليل تمردوا على البنيوية» (11) وبالتالي يكون هذا التمرد هو الذي فتح أمامهم أبواب التحول إلى مناهج أخرى «فبعضهم تحول إلى التحليل النفسي مثل لاكان وآخرون تحولوا إلى الفلسفة، والبعض الآخر تحول إلى دراسة فلسفة اللغة مثل دريدا» (12). وكذلك رولان بارت تنصل كلية من البنيوية ليتحول هو الآخر إلى مناهج عديدة، حيث عمل بنيويا، وتفكيكيا، وسيميولوجيا «ومن البنيويين الذين تنكروا للبنيوية بل عجلوا الدعوة إلى هدمها، والتخلي عنها جاك دريدا الذي هاجم ما فيها من تجريد، واختزال شكلي، وآنية ميتافيزيقية، وجوليا كريستيفا، ومجموعة (Tel Quel) التيدعت إلى سيميائية جديدة» (13).
ومن خلال ما تم ذكره نلاحظ أن بوادر التفكيك بدأت تظهر في أوج الأزمة البنيوية؛ حيث ظهرت العيوب النسقية التي وصلت إليها، وبذلك اتخذها روادها ذريعة للانسلاخ منها، والتجرد كلية منها إلى إنشاء إستراتيجية جديدة تساهم، وتمكن من قراءة النصوص لعلها تصبو إلى تحقيق ما عجزت البنيوية عن تحقيقه.
1 ثانياً: اعتماد التفكيك على الشك واليقين
أما ثاني هذه المرتكزات التي حددت مسار التفكيك اعتماده على الشك في نسف واقعية النصوص، والقراءات المقدمة لها «إنََّ إستراتيجية التفكيك تنطلق من موقف فلسفي مبدئي قائم على الشك، وقد ترجم التفكيكيون هذا الشك الفلسفي نقدا إلى رفض التقاليد، رفض القراءات المعتمدة، رفض النظام والسلطة من ناحية المبدأ» (14).
وبهذا يكون التفكيكيون قد أقاموا صرحا جديدا، واستحدثوا مسارا آخر في استنطاق النصوص؛ إذ بالتشكيك في أنسجة القراءات السابقة ودلالاتها، تنتفي المعرفة اليقينية الصحيحة. وهذا الشك ولَّد مرضا لا يمكن الشفاء منه في حدود تعبير هارولد بلوم (Harold Bloom)عنالتشكيكية بأنها: سقم لا يمكن الشفاء منه تماما؛ فكلما خرجنا من شك ندخل في شك آخر، وبالتالي نبقى ندور في دائرة مفرغة من الشك واللا يقين (15). فإحداثية "الشك واليقين" من أهم المرتكزات التي استند إليها التفكيك في قراءة النصوص «فالتفكيك إفراز عصر الشك الكامل الذي خيم على كل شيء فاستحالت معه المعرفة اليقينية، وفقد العالم محور ارتكازه» (16). وبهذا يكون العالم قد عرف دوامة كبيرة بين الشك واليقين، واليقين والشك، واللا شك واللا يقين... وفي الأخير لا يكون إلا الشك بعد أن كان اعتقادا جازما بأنه يقين. وهذا ما زُرع في النص حتى وُلد ما يعرف بالتفسير اللانهائي للدلالة وهي أمور تفسر لا نهائية الدلالة القائمة على استحالة المرجعية لأي سلطة خارجة ليست موجودة أصلا ونفي التفسيرات الموثوقة أو المعتمدة.
وبالتالي نسف الشك كل المعتقدات، والتفسيرات التي سبقته، وأتاح فرصا عديدة للعب الحر بالدوال على حساب المدلولات «إن التفكيك الذي أفرزه موقف شك كامل لا يثق في النسق باعتباره نظاما عاما يحدد طريقة أداء العلامات، ويعطي المدلول حرية اللعب الكامل منفصلا عن الدال، يبيح للقارئ أن يفسر العلامات بالمعنى الذي يشاء» (17).
إن الشك قد أحدث فوضى عارمة، وفتح جملة من اللاءات: اللاحقيقة، لا قصدية المؤلف، اللا يقين، لا نهائية الدلالة. وعلى إثر هذه الجملة عرف ما يسمى بـ: تعددية القراءة، وأصبحت كل قراءة تشكل إساءة قراءة، وفُتح الباب على مصراعيه للعب الحر، والمطلق بالمدلولات، وفسح المجال واسعا أمام التأويلات الكثيرة للعلامة.
Page 4
ثالثاً: تأثر التفكيك بنظرية التلقي
لم يكتف التفكيك بهذا فحسب، بل تعداه إلى التناص المعرفي؛ إذ بحكم تزامن إستراتيجية التفكيك ونظرية التلقي، فقد احتكا معاً. وتناص التفكيك مع أهم مبادئ التلقي «إن كلا من التلقي والتفكيك يلتقيان في أهم مبادئهما وهو إلغاء النص وقصدية المؤلف» (18). وبذلك نجد أن كليهما يركزان على القارئ/المتلقي. حيث يبين عبد العزيز حمودة مدى تداخل كل من التلقي والتفكيك بعد أن تطرق إلى رائد التلقي إيهاب حسن وجاك دريدا مبينا تزامن الرائدين في عصر واحد «وإن كان ذلك التزامن يؤكد في الوقت نفسه أن الرجلين ينتميان إلى جيل ما بعد الحداثة الثقافية بصفة عامة، لكنه أيضا يؤكد قدر التداخل بين نظرية التلقي وإستراتيجية التفكيك أكثر بكثير من كم الاختلاف» (19) وفي خضم حديثه عن العلاقة بين التلقي والتفكيك يقول: «التفكيك هو المشروع الأكبر الذي يمكن أن تندرج تحته نظرية التلقي» (20).
ومن خلال هذا الاحتكاك، يمكن القول إنه هو الوحيد الذي جعل التفكيك يأخذ من نظرية التلقي أهم مبادئها، ويوليها أهمية كبيرة، ويلحقها به، ويجعلها ركيزة أساسية من بين جملة ركائزه، وأصبح الاعتماد عليها بشكل محوري في العمل. وهذا المحور الرئيس هو القارئ/المتلقي؛ على الرغم من أن النص تتحدد ملامحه بالاعتماد على المحددات التالية؛ النسق، والنظام، والعلامة، واللغة، والمؤلف. إلا أن التفكيك يَقْصُرُ تحديد المعنى على القارئ/المتلقي وحسب، إذ هو الوحيد الذي يُحْدث، ويُحدد المعنى دون سائر العناصر «ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن أهم الأدوار في إستراتيجية التفكيك هو دور القارئ وليس المؤلف، أو العلامة، أو النسق، أو اللغة. والقارئ فقط هو الذي يَحدث عنده المعنى ويُحدثه، ومن دون هذا الدور لا يوجد نص، أو علامة، أو مؤلف» (21).
هذا هو إيمان التفكيك المطلق بدور القارئ/المتلقي كركيزة أساسية في قراءة النصوص، وإنتاج المعنى، وتحديد المدلولات انطلاقا من جملة الدوال، وما يتوقعه القارئ/المتلقي ويتطلع إلى أن يجده في النص.
«إن أي مناقشة للتفكيك لابد أن تبدأ بالقارئ، وتجربة التلقي لا يوجد قبل حدوثها شيء» (22). وبهذا التداخل والتقارب الحادث بين التلقي والتفكيك نجده قد خلق لحمة بينهما، أو وحدة انصهار "ظللنا لبضع سنوات نتحدث عن التفكيك باعتباره نظرية تلق مطورة" (23) ومن خلال ما سلف ذكره؛ نجد أن التفكيك بحكم تزامنه مع نظرية التلقي قد استعار منه أهم مبادئه (القارئ/المتلقي) وأصبح محركا لهذه الإستراتيجية.
رابعاً: انتقال التفكيك من فرنسا إلى أمريكا
أما فيما يخص حركة انتقال المصطلح من فرنسا إلى أمريكا فالفضل في ذلك يرجع إلى دريدا الذي زرعه في إقليم الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إن التربة الثقافية الفرنسية هي التي أفرزت التفكيكية، ثم لفظتها فيما بعد لأن «المزاج الثقافي الفرنسي قد شكلته قوى التجانس، والتوحد لفترة طويلة» (24).
وبما أن التفكيكية تقوم على محور أساس تعمل من خلاله في دراسة النصوص، ألا وهو الثورة على القيم، والتقاليد ورفضها؛ لكونها تحجب المعنى وتُغَيِّبـهُ. فقد لقيت هذه الإستراتيجية معارضة شديدة من قِبَل الثقافة الفرنسية وعلى إثرها جرى انتقال التفكيك إلى أمريكا. ويكون رولان بارت قد ارتبط بالتفكيكية أكثر من ارتباطه بالبنيوية. والتفكيكية كاستراتيجية نقدية تقوم على الشك، واللاثبات، وخلخلة جميع الأنظمة، والأنساق الموروثة «إن التفكيك بمعنى ما، يقوم على رفض المذاهب السابقة، ويُخَطِّئ كل المشاريع. بل إنه في جوهره يقوم على رفض تقاليد السلف التي يرى أنها تحجب المعنى وتكبته» (25)؛ ولما كانت الثقافة الفرنسية متجذرة في محيطها رافضة لمبدإ اللانسق واللاتاريخ، اصطدمت بالمقترح التفكيكي الذي يشكك في ثبات القيم وأصالتها. وتباشر استبعادها للقيم «حينما اكتُشِف أن التفكيك في حقيقته ينسف التوحد، ويلغي التجانس لأنه ينادي بالتعدد اللانهائي في تفسير النص» (26). ولا يتأتى ذلك إلا من خلال لانهائية الدلالة، وعدم قصدية المؤلف. وعلى إثر هذا الرفض، اضطر أصحابها إلى الهجرة إلى إقليم آخر غربي يؤمن بأفكارها المحورية، أو يتشاكل مع دعوتها... فكانت الانطلاقة مع جاك دريدا الذي خرج بها كنقلة نوعية إلى أمريكا قصد غرسها هناك.
وأول من استقطب التفكيك في أمريكا جامعة "ييل" "Yale" النقدية؛ إذ نظرت إليه نظرة حداثية يمكن أن تُؤْخذ كبديل عن البنيوية، فما أن لاح نجمها مع جاك دريدا حتى سارع كبار النقاد الأمريكان إلى استقطابها، وتبنيها كاستراتيجية نقدية جديدة أمثال: بول دو مان (Paul de Man) ، هارولد بلوم.
ج. هيلس ميلر (J. Hillis Miller) ، جيوفري هارتمان (Geoffrey Hartman) .
أما الجانب التنظيري فكان من شأن الأب الروحي لهذه الإستراتيجية جاك دريدا الذي نَظَّرَ لها في كتب أهمها:
1. في علم الكتابة (De la grammatologie)
2. الكتابة والاختلاف (L’écriture et la difference 1967)
3. هوامش فلسفية (Marges 1972)
وعلى نهج دريدا سلك النقاد الأمريكان طريق النقد التفكيكي، فأخرج بول دو مان كتاب التحليل الذاتي سنة 1975، وكتاب العمى والبصيرة.
وكخلاصة لفحوى السالف الذكر أن التفكيك لم يأت من العدم، بل له مرجعيات، ومسارات إبستيمولوجية. تبين أن ظهوره جاء نتيجة لعوامل كثيرة؛ فتارة ثورة على ما سبقه من مناهج نقدية، وتارة اعتماده على مركزية مميزة كالشك، وتارة أخرى خاصية مكتسبة نتيجة احتكاك، وتأثير وتأثر (احتكاكه بنظرية التلقي)، وتارة أخرى قفزة نوعية، ومرحلية جاءت نتيجة جدلية بين رفض، وصراع من أجل البقاء. وبالتالي فكل هذه المعطيات، وغيرها بلورت إستراتيجية التفكيك، وأفرزتها كإجراء يمكن تطبيقه على جميع الأشكال الأدبية مشكلة بذلك واقعا بديلا عن النقد الكلاسيكي.
لم يكتف التفكيك بهذا فحسب، بل تعداه إلى التناص المعرفي؛ إذ بحكم تزامن إستراتيجية التفكيك ونظرية التلقي، فقد احتكا معاً. وتناص التفكيك مع أهم مبادئ التلقي «إن كلا من التلقي والتفكيك يلتقيان في أهم مبادئهما وهو إلغاء النص وقصدية المؤلف» (18). وبذلك نجد أن كليهما يركزان على القارئ/المتلقي. حيث يبين عبد العزيز حمودة مدى تداخل كل من التلقي والتفكيك بعد أن تطرق إلى رائد التلقي إيهاب حسن وجاك دريدا مبينا تزامن الرائدين في عصر واحد «وإن كان ذلك التزامن يؤكد في الوقت نفسه أن الرجلين ينتميان إلى جيل ما بعد الحداثة الثقافية بصفة عامة، لكنه أيضا يؤكد قدر التداخل بين نظرية التلقي وإستراتيجية التفكيك أكثر بكثير من كم الاختلاف» (19) وفي خضم حديثه عن العلاقة بين التلقي والتفكيك يقول: «التفكيك هو المشروع الأكبر الذي يمكن أن تندرج تحته نظرية التلقي» (20).
ومن خلال هذا الاحتكاك، يمكن القول إنه هو الوحيد الذي جعل التفكيك يأخذ من نظرية التلقي أهم مبادئها، ويوليها أهمية كبيرة، ويلحقها به، ويجعلها ركيزة أساسية من بين جملة ركائزه، وأصبح الاعتماد عليها بشكل محوري في العمل. وهذا المحور الرئيس هو القارئ/المتلقي؛ على الرغم من أن النص تتحدد ملامحه بالاعتماد على المحددات التالية؛ النسق، والنظام، والعلامة، واللغة، والمؤلف. إلا أن التفكيك يَقْصُرُ تحديد المعنى على القارئ/المتلقي وحسب، إذ هو الوحيد الذي يُحْدث، ويُحدد المعنى دون سائر العناصر «ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن أهم الأدوار في إستراتيجية التفكيك هو دور القارئ وليس المؤلف، أو العلامة، أو النسق، أو اللغة. والقارئ فقط هو الذي يَحدث عنده المعنى ويُحدثه، ومن دون هذا الدور لا يوجد نص، أو علامة، أو مؤلف» (21).
هذا هو إيمان التفكيك المطلق بدور القارئ/المتلقي كركيزة أساسية في قراءة النصوص، وإنتاج المعنى، وتحديد المدلولات انطلاقا من جملة الدوال، وما يتوقعه القارئ/المتلقي ويتطلع إلى أن يجده في النص.
«إن أي مناقشة للتفكيك لابد أن تبدأ بالقارئ، وتجربة التلقي لا يوجد قبل حدوثها شيء» (22). وبهذا التداخل والتقارب الحادث بين التلقي والتفكيك نجده قد خلق لحمة بينهما، أو وحدة انصهار "ظللنا لبضع سنوات نتحدث عن التفكيك باعتباره نظرية تلق مطورة" (23) ومن خلال ما سلف ذكره؛ نجد أن التفكيك بحكم تزامنه مع نظرية التلقي قد استعار منه أهم مبادئه (القارئ/المتلقي) وأصبح محركا لهذه الإستراتيجية.
رابعاً: انتقال التفكيك من فرنسا إلى أمريكا
أما فيما يخص حركة انتقال المصطلح من فرنسا إلى أمريكا فالفضل في ذلك يرجع إلى دريدا الذي زرعه في إقليم الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إن التربة الثقافية الفرنسية هي التي أفرزت التفكيكية، ثم لفظتها فيما بعد لأن «المزاج الثقافي الفرنسي قد شكلته قوى التجانس، والتوحد لفترة طويلة» (24).
وبما أن التفكيكية تقوم على محور أساس تعمل من خلاله في دراسة النصوص، ألا وهو الثورة على القيم، والتقاليد ورفضها؛ لكونها تحجب المعنى وتُغَيِّبـهُ. فقد لقيت هذه الإستراتيجية معارضة شديدة من قِبَل الثقافة الفرنسية وعلى إثرها جرى انتقال التفكيك إلى أمريكا. ويكون رولان بارت قد ارتبط بالتفكيكية أكثر من ارتباطه بالبنيوية. والتفكيكية كاستراتيجية نقدية تقوم على الشك، واللاثبات، وخلخلة جميع الأنظمة، والأنساق الموروثة «إن التفكيك بمعنى ما، يقوم على رفض المذاهب السابقة، ويُخَطِّئ كل المشاريع. بل إنه في جوهره يقوم على رفض تقاليد السلف التي يرى أنها تحجب المعنى وتكبته» (25)؛ ولما كانت الثقافة الفرنسية متجذرة في محيطها رافضة لمبدإ اللانسق واللاتاريخ، اصطدمت بالمقترح التفكيكي الذي يشكك في ثبات القيم وأصالتها. وتباشر استبعادها للقيم «حينما اكتُشِف أن التفكيك في حقيقته ينسف التوحد، ويلغي التجانس لأنه ينادي بالتعدد اللانهائي في تفسير النص» (26). ولا يتأتى ذلك إلا من خلال لانهائية الدلالة، وعدم قصدية المؤلف. وعلى إثر هذا الرفض، اضطر أصحابها إلى الهجرة إلى إقليم آخر غربي يؤمن بأفكارها المحورية، أو يتشاكل مع دعوتها... فكانت الانطلاقة مع جاك دريدا الذي خرج بها كنقلة نوعية إلى أمريكا قصد غرسها هناك.
وأول من استقطب التفكيك في أمريكا جامعة "ييل" "Yale" النقدية؛ إذ نظرت إليه نظرة حداثية يمكن أن تُؤْخذ كبديل عن البنيوية، فما أن لاح نجمها مع جاك دريدا حتى سارع كبار النقاد الأمريكان إلى استقطابها، وتبنيها كاستراتيجية نقدية جديدة أمثال: بول دو مان (Paul de Man) ، هارولد بلوم.
ج. هيلس ميلر (J. Hillis Miller) ، جيوفري هارتمان (Geoffrey Hartman) .
أما الجانب التنظيري فكان من شأن الأب الروحي لهذه الإستراتيجية جاك دريدا الذي نَظَّرَ لها في كتب أهمها:
1. في علم الكتابة (De la grammatologie)
2. الكتابة والاختلاف (L’écriture et la difference 1967)
3. هوامش فلسفية (Marges 1972)
وعلى نهج دريدا سلك النقاد الأمريكان طريق النقد التفكيكي، فأخرج بول دو مان كتاب التحليل الذاتي سنة 1975، وكتاب العمى والبصيرة.
وكخلاصة لفحوى السالف الذكر أن التفكيك لم يأت من العدم، بل له مرجعيات، ومسارات إبستيمولوجية. تبين أن ظهوره جاء نتيجة لعوامل كثيرة؛ فتارة ثورة على ما سبقه من مناهج نقدية، وتارة اعتماده على مركزية مميزة كالشك، وتارة أخرى خاصية مكتسبة نتيجة احتكاك، وتأثير وتأثر (احتكاكه بنظرية التلقي)، وتارة أخرى قفزة نوعية، ومرحلية جاءت نتيجة جدلية بين رفض، وصراع من أجل البقاء. وبالتالي فكل هذه المعطيات، وغيرها بلورت إستراتيجية التفكيك، وأفرزتها كإجراء يمكن تطبيقه على جميع الأشكال الأدبية مشكلة بذلك واقعا بديلا عن النقد الكلاسيكي.
Page 5
I ـ التفكيك: المقولة
التفكيك في حقيقته هو ممارسة قام بها جاك دريدا من خلال عدة مقولات منها التمركز حول العقل، والتمركز حول الصوت، التشتيت، الاختلاف، الإرجاء، علم الكتابة، ليسائل به الفكر السائد ليقيم له صرحا جديدا خاليا من التمركزات التي تأسست منذ أمد بعيد ترجع أصوله إلى زمن أفلاطون وأرسطو.
1. نقد دريدا للتمركز "حول العقل" "Logocentrism"
من بين المقولات التي قام عليها التفكيك، ما اصطلح عليه جاك دريدا "Logocentrism" أي التمركز حول العقل، أو ميتافيزيقا الحضور «و "Logos" لفظة يونانية تعني الكلام، أو المنطق، أو العقل وبهذا فإن حقلها الدلالي متشعب... ودلالة المصطلح تتشظى إلى حضور، وتمركزالكلام، أو العقل، أو المنطق» (27).
والتمركز حول العقل أو "ميتافيزيقا الحضور في أبسط تعريفاتها تعني القول بوجود سلطة، أو مركز خارجي يعطي الكلمات، والكتابات، والأفكار، والأنساق معناها، ويؤسس مصداقيتها" (28). ومن ثمة غدا هذا التمركز، أو فكرة الحضور، أساسا لكل المقولات التي قامت عليها المركزية الغربية لما يربي على خمسة وعشرين (25) قرنا؛ أي منذ عهد أفلاطون (Platon) وأرسطو (Aristote) حتى هيدغر (Heidegger Martin) ولي؟ي شتراوس (Claude Lévi-Strauss) ودو سوسير.
إن هذا المسار الزمني ليس بالهين ليظل سلطة أو مركز واحد تُعْزَى إليه جميع الأفكار، والعقليات: «وهو الارتكاز على المدلول وتغليبه في البحث الفلسفي واللغوي، حتى عندما يحاول أولئك المفكرون عزل المدلول فإنهم يستعينون بمدلول بديل» (29).
وكإثبات لما ذهب إليه جاك دريدا، والمتمثل في التأكيد على ارتكاز الفلسفة الغربية على تمركز عقلي، غدا يفكك كتابات من سبقوه من الفلاسفة، حتى يكشف هذا التمركز، ويقف على التناقض الحادث في هذه الكتابات؛ حيث بعد تفكيكه لأعلام الفكر منذ العهد اليوناني كأفلاطون وأرسطو، ومرورا بهيدغر، وليفي شتراوس إلى دو سوسير وجد أن هذه النزعة العقلية قد هيمنت هيمنة مطلقة على الفكر الغربي، وأصبحت تشكل حَجَرَ قداسة تعزى إليه جميع الأفكار، والمنطلقات الفلسفية؛ و«في ظل هذه النزعة العقلية أصبح القياس العقلي المنطقي نموذجا معياريا تقاس في ضوئه كل النماذج الفكرية. ففرض بسبب ذلك هيمنته القصوى في مجال الفكر الفلسفي» (30) ومن خلال هذا المنطلق سعى دريدا إلى تفكيك هذا التمركز «وذلك من خلال نقد الأصل الثابت والمتفرد بالقوة لمفهوم العقل» (31).
ومن هنا وجب التساؤل: ما هو هذا الأصل الثابت الذي قام دريدا عليه، ساعيا من خلال تفكيكاته إلى هدمه وتقويضه؟
إن جاك دريدا من خلال سعيه التقويضي لبعض النصوص تمكن من الوقوف على بؤرة تمركزَ عليها العقل. وبالتالي عممها على جميع الفلسفة الغربية، وتتمثل هذه البؤرة في: الاعتماد على الكلام "النطق"، وإهمال الكتابة وذلك بإنزالها إلى الدرجة الثانية. لماذا؟
حينما يتكلم المرء يثبِّت وجوده، ويركز حضوره؛ ففي الكلمة المنطوقة نعرف ما نعني، ونعي ما نقول، ونقول ما نعني، ونعرف ما نقول. وهذا ما يتنافى مع الكتابة لأن الكاتب يصب أفكاره على الورقة فاصلا إياها عن نفسه، ومحولا إياها إلى شيء قابل لأن يُقْرَأ، ويُتَناقل بين قارئ وآخر (32).
وبالتالي فإن نقد دريدا لهذا المركز جعله يستنتج «أن أحد أكبر السبل تأثيرا التي نهض عليها التمركز حول العقل في الفلسفة الأوربية هو اهتمامه بالكلام على حساب الكتابة. فالتمركز حول العقل، والمنطق هو في حقيقته تمركز حول الصوت» (33). وبالتالي فالحديث عن المركزية العقلية تحيل لا محالة على المركزية الصوتية، لكون الكلام طغى في صورته السامية على الكتابة كما يمكن أن تتحدد اللوغومركزية في «أن المركزية الكلامية، أو المركزية الصوتية، بما هي مبدأ أساسي للميتافيزيقا الغربية، إنما هي على حد قول دريدا: سيطرة اللغة المحكية سيطرة الكلام أو الـ: "Phonè" المفروض أنه يضمن حضور المعنى. ذلك أن المقالات الفلسفية الرئيسية من أفلاطون إلى هيدغر تَنزِعُ إلى إعطاء الأولوية للكلام والحذر من الكتابة» (34). وبهذا نلحظ أن الحديث الدريدي عن المركزية العقلية، قد ألحقه بالحديث عن وجود مركزية صوتية. وقد اصطلح عليها بـ "Phonocentrism" .
وحصيلة النقاش الفلسفي عند دريدا، ارتكزت على مبدإ أساسي هو المركزية، سواء أكانت عقلية، أو صوتية... قد أَثْرتْ بحق المدونة الدريدية التي اتسمت بتتبع المسار الفلسفي الممركز في الحضارة الغربية، محاولة منه قصد الخروج من هذا المأزق الفلسفي.
2. نقد دريدا للتمركز حول الصوت
لم يكتف دريدا بنقده للتمركز حول العقل فحسب، بل تعداه إلى نقده للتمركز حول الصوت وذلك لأنه رأى أن التمركز حول العقل ما هو في حقيقة الأمر إلا نتيجة للتمركز حول الصوت، من خلال إعطاء الأولوية للكلام (النطق) على حساب الكتابة.
وقد بدأ بنقده للتمركز حول الصوت انطلاقا من أفلاطون، ومرورا بجان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) ليحط عند دو سوسير؛ حيث يعد هؤلاء الثلاثة ممن أقصوا الكتابة، وحَطُّوا من قدرها، ونزلوا بها إلى درجة ثانية بعد الكلام لأن الفلاسفة قد عبَّروا عن «كرههمللكتابة بسبب خشيتهم من قوتها في تدمير الحقيقة الفلسفية، التي يرون أنها حقيقة نفسية خالصة، وشفافة، ولا يُعبر عنها إلا بالحديث الذاتي، أو الحديث المباشر مع الآخرين» (35). وبهذا الطرح غدا دريدا ناقدا لهذا التمركز، وساعيا إلى قلب تلك الموازين، والتصورات رأسا على عقب، وذلك حينما «يتقدم بفكرته المناقضة للموروث الميتافيزيقي، وهي بدل تصور الكتابة على أنها مشتق طفيلي من الكلام، فإن الأمر الأكثر صوابا هو اعتبار الكلام مشتق من الكتابة» (36) مؤسسا دريدا بذلك فاعلية للكتابة على حساب الكلام من حيث الأخذ والرد، والتقديم والتأخير بين الكلام والكتابة.
التفكيك في حقيقته هو ممارسة قام بها جاك دريدا من خلال عدة مقولات منها التمركز حول العقل، والتمركز حول الصوت، التشتيت، الاختلاف، الإرجاء، علم الكتابة، ليسائل به الفكر السائد ليقيم له صرحا جديدا خاليا من التمركزات التي تأسست منذ أمد بعيد ترجع أصوله إلى زمن أفلاطون وأرسطو.
1. نقد دريدا للتمركز "حول العقل" "Logocentrism"
من بين المقولات التي قام عليها التفكيك، ما اصطلح عليه جاك دريدا "Logocentrism" أي التمركز حول العقل، أو ميتافيزيقا الحضور «و "Logos" لفظة يونانية تعني الكلام، أو المنطق، أو العقل وبهذا فإن حقلها الدلالي متشعب... ودلالة المصطلح تتشظى إلى حضور، وتمركزالكلام، أو العقل، أو المنطق» (27).
والتمركز حول العقل أو "ميتافيزيقا الحضور في أبسط تعريفاتها تعني القول بوجود سلطة، أو مركز خارجي يعطي الكلمات، والكتابات، والأفكار، والأنساق معناها، ويؤسس مصداقيتها" (28). ومن ثمة غدا هذا التمركز، أو فكرة الحضور، أساسا لكل المقولات التي قامت عليها المركزية الغربية لما يربي على خمسة وعشرين (25) قرنا؛ أي منذ عهد أفلاطون (Platon) وأرسطو (Aristote) حتى هيدغر (Heidegger Martin) ولي؟ي شتراوس (Claude Lévi-Strauss) ودو سوسير.
إن هذا المسار الزمني ليس بالهين ليظل سلطة أو مركز واحد تُعْزَى إليه جميع الأفكار، والعقليات: «وهو الارتكاز على المدلول وتغليبه في البحث الفلسفي واللغوي، حتى عندما يحاول أولئك المفكرون عزل المدلول فإنهم يستعينون بمدلول بديل» (29).
وكإثبات لما ذهب إليه جاك دريدا، والمتمثل في التأكيد على ارتكاز الفلسفة الغربية على تمركز عقلي، غدا يفكك كتابات من سبقوه من الفلاسفة، حتى يكشف هذا التمركز، ويقف على التناقض الحادث في هذه الكتابات؛ حيث بعد تفكيكه لأعلام الفكر منذ العهد اليوناني كأفلاطون وأرسطو، ومرورا بهيدغر، وليفي شتراوس إلى دو سوسير وجد أن هذه النزعة العقلية قد هيمنت هيمنة مطلقة على الفكر الغربي، وأصبحت تشكل حَجَرَ قداسة تعزى إليه جميع الأفكار، والمنطلقات الفلسفية؛ و«في ظل هذه النزعة العقلية أصبح القياس العقلي المنطقي نموذجا معياريا تقاس في ضوئه كل النماذج الفكرية. ففرض بسبب ذلك هيمنته القصوى في مجال الفكر الفلسفي» (30) ومن خلال هذا المنطلق سعى دريدا إلى تفكيك هذا التمركز «وذلك من خلال نقد الأصل الثابت والمتفرد بالقوة لمفهوم العقل» (31).
ومن هنا وجب التساؤل: ما هو هذا الأصل الثابت الذي قام دريدا عليه، ساعيا من خلال تفكيكاته إلى هدمه وتقويضه؟
إن جاك دريدا من خلال سعيه التقويضي لبعض النصوص تمكن من الوقوف على بؤرة تمركزَ عليها العقل. وبالتالي عممها على جميع الفلسفة الغربية، وتتمثل هذه البؤرة في: الاعتماد على الكلام "النطق"، وإهمال الكتابة وذلك بإنزالها إلى الدرجة الثانية. لماذا؟
حينما يتكلم المرء يثبِّت وجوده، ويركز حضوره؛ ففي الكلمة المنطوقة نعرف ما نعني، ونعي ما نقول، ونقول ما نعني، ونعرف ما نقول. وهذا ما يتنافى مع الكتابة لأن الكاتب يصب أفكاره على الورقة فاصلا إياها عن نفسه، ومحولا إياها إلى شيء قابل لأن يُقْرَأ، ويُتَناقل بين قارئ وآخر (32).
وبالتالي فإن نقد دريدا لهذا المركز جعله يستنتج «أن أحد أكبر السبل تأثيرا التي نهض عليها التمركز حول العقل في الفلسفة الأوربية هو اهتمامه بالكلام على حساب الكتابة. فالتمركز حول العقل، والمنطق هو في حقيقته تمركز حول الصوت» (33). وبالتالي فالحديث عن المركزية العقلية تحيل لا محالة على المركزية الصوتية، لكون الكلام طغى في صورته السامية على الكتابة كما يمكن أن تتحدد اللوغومركزية في «أن المركزية الكلامية، أو المركزية الصوتية، بما هي مبدأ أساسي للميتافيزيقا الغربية، إنما هي على حد قول دريدا: سيطرة اللغة المحكية سيطرة الكلام أو الـ: "Phonè" المفروض أنه يضمن حضور المعنى. ذلك أن المقالات الفلسفية الرئيسية من أفلاطون إلى هيدغر تَنزِعُ إلى إعطاء الأولوية للكلام والحذر من الكتابة» (34). وبهذا نلحظ أن الحديث الدريدي عن المركزية العقلية، قد ألحقه بالحديث عن وجود مركزية صوتية. وقد اصطلح عليها بـ "Phonocentrism" .
وحصيلة النقاش الفلسفي عند دريدا، ارتكزت على مبدإ أساسي هو المركزية، سواء أكانت عقلية، أو صوتية... قد أَثْرتْ بحق المدونة الدريدية التي اتسمت بتتبع المسار الفلسفي الممركز في الحضارة الغربية، محاولة منه قصد الخروج من هذا المأزق الفلسفي.
2. نقد دريدا للتمركز حول الصوت
لم يكتف دريدا بنقده للتمركز حول العقل فحسب، بل تعداه إلى نقده للتمركز حول الصوت وذلك لأنه رأى أن التمركز حول العقل ما هو في حقيقة الأمر إلا نتيجة للتمركز حول الصوت، من خلال إعطاء الأولوية للكلام (النطق) على حساب الكتابة.
وقد بدأ بنقده للتمركز حول الصوت انطلاقا من أفلاطون، ومرورا بجان جاك روسو (Jean Jacques Rousseau) ليحط عند دو سوسير؛ حيث يعد هؤلاء الثلاثة ممن أقصوا الكتابة، وحَطُّوا من قدرها، ونزلوا بها إلى درجة ثانية بعد الكلام لأن الفلاسفة قد عبَّروا عن «كرههمللكتابة بسبب خشيتهم من قوتها في تدمير الحقيقة الفلسفية، التي يرون أنها حقيقة نفسية خالصة، وشفافة، ولا يُعبر عنها إلا بالحديث الذاتي، أو الحديث المباشر مع الآخرين» (35). وبهذا الطرح غدا دريدا ناقدا لهذا التمركز، وساعيا إلى قلب تلك الموازين، والتصورات رأسا على عقب، وذلك حينما «يتقدم بفكرته المناقضة للموروث الميتافيزيقي، وهي بدل تصور الكتابة على أنها مشتق طفيلي من الكلام، فإن الأمر الأكثر صوابا هو اعتبار الكلام مشتق من الكتابة» (36) مؤسسا دريدا بذلك فاعلية للكتابة على حساب الكلام من حيث الأخذ والرد، والتقديم والتأخير بين الكلام والكتابة.
Page 6
نقد دريدا التمركز حول الصوت
أولا: مع أفلاطون
يعد أفلاطون حسب دريدا من الذين أقصوا الكتابة، وحطوا من قدرها، حينما أورد أفلاطون في فلسفته: أن الكتابة تمارس خطرا على الذاكرة، وبذلك وجب الحذر منها لأن ما من شيء يحفظ للذاكرة سلامتها، ويجعلها أكثر اتقادا غير الكلام. وبهذا حدثت مفارقة بين الكتابة والكلام ويُرجع التناقض بين وظيفة كل من الكتابة والكلام إلى كون الأولى غريبة عن النفس، فهي شيء طارئ، وخارجي ومجرد اصطلاح تقني. فيما الكلام صادر عن النفس ذاتها، باعتبارها مستوطَنته الأصلية. وكإيضاح لما ذهب إليه أفلاطون، فإنه يعتبر حسب زعمه أن لا تبليغ حادث في الأصل إلا إذا كان من إنسان إلى إنسان آخر؛ أي في تواصل مباشر يعتمد على الحضور الكلي لكلا الطرفين.
والتبليغ يحمل دلالة الكلام أكثر مما يحمل دلالة الكتابة. كما يرى أن هناك صعوبة معرفية في المقارنة بينهما وإذا أمكن «فإن نتيجتها لا تختلف عن كل النتائج التي تقوم حينما نقارن بين شيء حي وشيء ميت» (37). والذاكرة حسب الخطاب الأفلاطوني قسمان:
1. ذاكرة مستحبة بارزة ممأسسة على فاعلية الكلام.
2. ذاكرة مستهجنة ومنحطة متصلة بالكتابة وجب التخلي عنها وعدم اللجوء إلى هذا "الفارماكون" الذي يعد في ظاهره دواء ولكنه في حقيقة الأمر هو الداء.
حيث يقابل أفلاطون «بين ذاكرتين، الحسنة، والقبيحة: الـ "Mnème" والـ "Hypomnésis" الذاكرة الحية تَذكر، أو إعادة جمع، أو ذاكرة داخلية أو حضور أمام الذات؛ ومن جهة أخرى، ذاكرة خارجية، ميتة تحاكي المعرفة المطلقة، وتأخذ اسم الكتابة. فمن الأفضل الاستغناء عنالكتابة، بل من الأفضل عدم اللجوء نهائيا إلى هذا الفارماكون، هذا الدواء الذي أتى ليخفي ضعف الذاكرة الحسنة، ذاكرة الذات نفسها» (38).
ثانيا: مع جان جاك روسو
الملاحظ أن روسو يسير في ركب أفلاطون، في الحط من قدر الكتابة. حيث قسم الكتابة إلى قسمين؛ أحدهما حسن يتصل بعلم النفس الإلهي، أي يتصل بالروح، والعقل. وتدخل هذه الأخيرة في إطار المجاز لأنها تعد القانون الطبيعي الذي نقش على قلب كل إنسان بأحرف لا تَمَّحي، وهي لا تكف عن مناداته، وبالتالي تكون هذه كتابة مقدسة. أما الأخرى: فهي قبيحة، ومستهجنة وهي عنده تمثيلية، وساقطة، وثانوية. وبهذا يتضح أن روسو نهج طريق أفلاطون في إدانته للكتابة، وتقسيمها إلى قسمين، تنزع فيهما إلى مرجعية لاهوتية بحتة؛ إذ أَوْلَى الكتابة الإلهية أهمية بالغة على حساب الكتابة (التمثيلية). ولم يكتف روسو بهذا فحسب بل تعداه إلى تقسيم التعبير إلى ثلاثة أقسام: تعبير بالإشارة، وتعبير بالكلام، وتعبير بالكتابة. غير أنه يعطي أعلى درجات البلاغة للإشارة لأنها قالت كل شيء قبل الكلام، وذلك من خلال زيادة دقة المحاكاة مع الإشارة. وأما الصوت فدوره مقصور فقط على إشارة الاهتمام (39). ويؤكد روسو أن اللغة تنمو، وتتطور بقدر نماء الحاجات وتطورها، إذ بهذا الرقي تصبح اللغة أكثر عقلانية، وأقل عاطفية وحينئذ تصبح أشد ضبطا، ووضوحا.
ومن خلال هذا الطرح نجد روسو يرى «بأن الكلام هو الشكل الأصلي والأساسي كما أن الكلام أيضا هو أصح حالات اللغة، وأكثرها طبيعية وينظر روسو إلى الكتابة أيضا من منظور قلق غير مستقر بأنها مجرد شكل اشتقاقي من أشكال التعبير التي تثير الضعف والوهن بشكل أو بآخر» (40).
وتأسيسا على ما سبق؛ قسم روسو اللغة حسب تأديتها للوظيفة بالرسم، وحسب الاختلافات التي حددها وبذلك تظهر ثلاثة أساليب للكتابة وهي:
1. الأسلوب الأول: كتابة يكون فيها رسم الأشياء نفسها رسما مباشرا، مثلما يفعل المكسيكيون، أو غير مباشر كما فعل المصريون قديما. وبهذا تتوافق هذه الحالة مع زمن اللغة العاطفية، وهي تفترض أن المجتمع قد وُجد بعد، كما تفترض أن الأهواء قد ولدت بعد بعض الحاجات.
2. أما الأسلوب الثاني: فيكون بتمثيل القضايا بأحرف اصطلاحية، وهذا ما لا يتم إلا بكمال تكوين اللغة، وتحدث الشعب برمته في ظل هذه القوانين المشتركة. تماما كما حدث مع الصينيين. وذلك هو رسم الأصوات، ومخاطبة العيون.
3. في حين يكون الأسلوب الثالث: محوره تقطيع صوت المتكلم إلى عدد معين من الأجزاء الأساسية الصوتية؛ إذ يمكن تركيبها في كل متخيل من الكلمات، والمقاطع. وهذا أسلوب الجنس الأوروبي، ولا بد أن تخيلته شعوب تشتغل على التجارة، دعتها الحاجة إلى السفر إلى مختلف أصقاع العالم، إلى وضع حروف مشتركة بين اللغات وهذا ليس رسماً للكلام، وإنما هو تقطيع له. وبهذا ينتهي روسو إلى وضع فكرة تمركزه التي أشاعها منهج الوحدة، والاستمرارية القائلة إن اللغات تُعبر عن طبائع الشعوب، وأبنيتها الفكرية. ومفادها أن الأساليب الثلاثة في الكتابة تعبر حتما عن عقلية الشعوب وهي:
1 رسم الأشياء يناسب الشعوب المتوحشة.
1 علامات الألفاظ والقضايا تناسب الشعوب الهمجية.
1 والأبجدية تناسب الشعوب الحديثة (41).
أولا: مع أفلاطون
يعد أفلاطون حسب دريدا من الذين أقصوا الكتابة، وحطوا من قدرها، حينما أورد أفلاطون في فلسفته: أن الكتابة تمارس خطرا على الذاكرة، وبذلك وجب الحذر منها لأن ما من شيء يحفظ للذاكرة سلامتها، ويجعلها أكثر اتقادا غير الكلام. وبهذا حدثت مفارقة بين الكتابة والكلام ويُرجع التناقض بين وظيفة كل من الكتابة والكلام إلى كون الأولى غريبة عن النفس، فهي شيء طارئ، وخارجي ومجرد اصطلاح تقني. فيما الكلام صادر عن النفس ذاتها، باعتبارها مستوطَنته الأصلية. وكإيضاح لما ذهب إليه أفلاطون، فإنه يعتبر حسب زعمه أن لا تبليغ حادث في الأصل إلا إذا كان من إنسان إلى إنسان آخر؛ أي في تواصل مباشر يعتمد على الحضور الكلي لكلا الطرفين.
والتبليغ يحمل دلالة الكلام أكثر مما يحمل دلالة الكتابة. كما يرى أن هناك صعوبة معرفية في المقارنة بينهما وإذا أمكن «فإن نتيجتها لا تختلف عن كل النتائج التي تقوم حينما نقارن بين شيء حي وشيء ميت» (37). والذاكرة حسب الخطاب الأفلاطوني قسمان:
1. ذاكرة مستحبة بارزة ممأسسة على فاعلية الكلام.
2. ذاكرة مستهجنة ومنحطة متصلة بالكتابة وجب التخلي عنها وعدم اللجوء إلى هذا "الفارماكون" الذي يعد في ظاهره دواء ولكنه في حقيقة الأمر هو الداء.
حيث يقابل أفلاطون «بين ذاكرتين، الحسنة، والقبيحة: الـ "Mnème" والـ "Hypomnésis" الذاكرة الحية تَذكر، أو إعادة جمع، أو ذاكرة داخلية أو حضور أمام الذات؛ ومن جهة أخرى، ذاكرة خارجية، ميتة تحاكي المعرفة المطلقة، وتأخذ اسم الكتابة. فمن الأفضل الاستغناء عنالكتابة، بل من الأفضل عدم اللجوء نهائيا إلى هذا الفارماكون، هذا الدواء الذي أتى ليخفي ضعف الذاكرة الحسنة، ذاكرة الذات نفسها» (38).
ثانيا: مع جان جاك روسو
الملاحظ أن روسو يسير في ركب أفلاطون، في الحط من قدر الكتابة. حيث قسم الكتابة إلى قسمين؛ أحدهما حسن يتصل بعلم النفس الإلهي، أي يتصل بالروح، والعقل. وتدخل هذه الأخيرة في إطار المجاز لأنها تعد القانون الطبيعي الذي نقش على قلب كل إنسان بأحرف لا تَمَّحي، وهي لا تكف عن مناداته، وبالتالي تكون هذه كتابة مقدسة. أما الأخرى: فهي قبيحة، ومستهجنة وهي عنده تمثيلية، وساقطة، وثانوية. وبهذا يتضح أن روسو نهج طريق أفلاطون في إدانته للكتابة، وتقسيمها إلى قسمين، تنزع فيهما إلى مرجعية لاهوتية بحتة؛ إذ أَوْلَى الكتابة الإلهية أهمية بالغة على حساب الكتابة (التمثيلية). ولم يكتف روسو بهذا فحسب بل تعداه إلى تقسيم التعبير إلى ثلاثة أقسام: تعبير بالإشارة، وتعبير بالكلام، وتعبير بالكتابة. غير أنه يعطي أعلى درجات البلاغة للإشارة لأنها قالت كل شيء قبل الكلام، وذلك من خلال زيادة دقة المحاكاة مع الإشارة. وأما الصوت فدوره مقصور فقط على إشارة الاهتمام (39). ويؤكد روسو أن اللغة تنمو، وتتطور بقدر نماء الحاجات وتطورها، إذ بهذا الرقي تصبح اللغة أكثر عقلانية، وأقل عاطفية وحينئذ تصبح أشد ضبطا، ووضوحا.
ومن خلال هذا الطرح نجد روسو يرى «بأن الكلام هو الشكل الأصلي والأساسي كما أن الكلام أيضا هو أصح حالات اللغة، وأكثرها طبيعية وينظر روسو إلى الكتابة أيضا من منظور قلق غير مستقر بأنها مجرد شكل اشتقاقي من أشكال التعبير التي تثير الضعف والوهن بشكل أو بآخر» (40).
وتأسيسا على ما سبق؛ قسم روسو اللغة حسب تأديتها للوظيفة بالرسم، وحسب الاختلافات التي حددها وبذلك تظهر ثلاثة أساليب للكتابة وهي:
1. الأسلوب الأول: كتابة يكون فيها رسم الأشياء نفسها رسما مباشرا، مثلما يفعل المكسيكيون، أو غير مباشر كما فعل المصريون قديما. وبهذا تتوافق هذه الحالة مع زمن اللغة العاطفية، وهي تفترض أن المجتمع قد وُجد بعد، كما تفترض أن الأهواء قد ولدت بعد بعض الحاجات.
2. أما الأسلوب الثاني: فيكون بتمثيل القضايا بأحرف اصطلاحية، وهذا ما لا يتم إلا بكمال تكوين اللغة، وتحدث الشعب برمته في ظل هذه القوانين المشتركة. تماما كما حدث مع الصينيين. وذلك هو رسم الأصوات، ومخاطبة العيون.
3. في حين يكون الأسلوب الثالث: محوره تقطيع صوت المتكلم إلى عدد معين من الأجزاء الأساسية الصوتية؛ إذ يمكن تركيبها في كل متخيل من الكلمات، والمقاطع. وهذا أسلوب الجنس الأوروبي، ولا بد أن تخيلته شعوب تشتغل على التجارة، دعتها الحاجة إلى السفر إلى مختلف أصقاع العالم، إلى وضع حروف مشتركة بين اللغات وهذا ليس رسماً للكلام، وإنما هو تقطيع له. وبهذا ينتهي روسو إلى وضع فكرة تمركزه التي أشاعها منهج الوحدة، والاستمرارية القائلة إن اللغات تُعبر عن طبائع الشعوب، وأبنيتها الفكرية. ومفادها أن الأساليب الثلاثة في الكتابة تعبر حتما عن عقلية الشعوب وهي:
1 رسم الأشياء يناسب الشعوب المتوحشة.
1 علامات الألفاظ والقضايا تناسب الشعوب الهمجية.
1 والأبجدية تناسب الشعوب الحديثة (41).
Page 7
ومن خلال هذا الزعم من قبل روسو، يتضح أنه يحمل عنصرية إلى جانب تمركزه. عنصرية توحي بتمركز حول أفضلية الجنس الأوروبي التي جعلت منه جنسا متقدما، متمدنا، ومتشبعا بالحداثة والحضارة ما خوله أن يكون معلما للشعوب الأخرى المحتكة به. كما غدا يبين أن الكتابة تشكل خطرا على الكلام وتحجره وتقيده «وتخضعه لنظام صارم يقصي احتمالات التنوع الدلالي الذي يفرضه سياق الكلام، وحال المتكلم، وكل هذه السمات الحيوية ستقوم الكتابة بطمسها، وإقصائها، ولا يظل من الكلام إلا جانبه الأقل أهمية... إن الكتابة هنا تمارس قهرا بحق غزارة الكلام، وتدفقاته الذاتية، ونبراته المعبرة» (42). وعلى هذا الإقصاء الذي شهدته الكتابة من قبل روسو استخدمه «دريدا دليلا على أن روسو مازال ممثلا للطرح الأفلاطوني، باعتبار أن الكتابة سياق غريب يقتحم، ويسبب ضررا بالغا لسياق وجد أصلا للتعبير عن الحقيقة، وهو الكلام» (43).
وبهذا فإن تفكيك دريدا لروسو يكشف امتداد أفكاره لسابقه أفلاطون، ويبين مدى إقحامه للكتابة، والنزول بها إلى درجة ثانية بعد الكلام.
ثالثا: مع دو سوسير
تماما كما فعل دريدا مع أفلاطون وروسو، فكك أعمال دو سوسير ليكشف تمركزه حول الصوت، وإقحامه للكتابة مع إعطائه الأولوية التامة للكلام/النطق. بحيث نجد دو سوسير يذهب فعلا إلى التمييز بين نظامين متباينين من أنظمة الدلائل وهما اللغة والكتابة حيث قدم الكلام على الكتابة، وأولاه أولوية مطلقة لأن «الغرض الألسني لا يتحدد بتنسيق الترابط بين الكلمة المكتوبة، والأخرى المنطوقة، وهذه الأخيرة تشكل وحدها هذا الغرض» (44) وبقول دو سوسير هذا يتضح البعد الرئيس والكبير الذي يعتمد عليه الغرض الألسني في تحديد مساره. كما يسعى دو سوسير إلى توسيع الهوة بين الكلام والكتابة حيث يبين أن «الكلمة المكتوبة لتمتزج بالكلمة المنطوقة -التي هي صورتها- بشكل حميم حتى إنها تسلب منها الدور الرئيسي. إن كل ذلك يسوقنا إلى أن نولي تمثيل العلامة الصوتية أهمية مساوية إن لم تكن أكثر مما توليه العلامة ذاتها» (45).
وعليه سعى دو سوسير إلى توسيع الشرخ الحادث بين الكلام والكتابة بتقديم الكلام، وإعطائه أولوية على حساب الكتابة. شأنه في ذلك شأن سابقيه أفلاطون وروسو. بل إن دو سوسير قد تعداهما إلى اقتراح منهج يرفض دراسة أي شكل من أشكال الكتابة ما لم تكن منطوقة صيتة. ليثبت دريدا بذلك أن دو سوسير قد عمل هو الآخر على التمركز حول الصوت حين أهمل الكتابة، وركز على الأشكال المنطوقة فقط جاعلا من الكتابة «وسيلة لتمثيل الكلام، وسيلة تقنية، واسطة خارجية، ولهذا فلا حاجة لأخذها بنظر الاعتبار عند دراسة اللغة، وقد تبدو هذه واسطة غير مباشرة لتمثيل المعاني في أصوات» (46). ويبين دريدا خلاصة مشروعه التفكيكي في:
1. «أن دو سوسير في نظريته عن علم اللغة إنما يحط من قدر الكتابة ويقلل من منزلتها بصورة منظمة.
2. أن هذه الإستراتيجية التي يتبعها سوسير إنما تلاقي وعلى غير توقع تلك التناقضات المكتوبة المتطورة.
3. أن المرء عندما يسير وراء مثل هذه التناقضات فإنه يترك مجال علم اللغة إلى مجال علم القواعد أو إن شئت فقل علم الكتابة وفنية النص بصورة عامة» (47).
وانطلاقاً مما تبين؛ نجد دريدا يوضح في نقده للتمركز حول الصوت، أن الفكر الغربي عموماً أسس علاقة غير متكافئة بين الكلام، والكتابة، علاقة محكومة بالعنف. سُلط على الكتابة بإقصائها وجعلها ذيلا تابعا للكلام.
كما أن دريدا نقد التمركز حول العقل باسم الـ: "Logocentrism" فقد اجترح مصطلحا آخر فكك باسمه التمركز حول الصوت وهو الـ: "الغراماتولوجيا" أو ما يعرف بعلم النحوية. وقد أسس له في كتاب أصدره بفرنسا عام 1967 عنونه بـ: ( De la grammatologie) من خلاله رفض الإيمان المطلق بأن الكتابة تابعة للكلام، ومكملة له، ذلك الطرح الذي ولدته الميتافيزيقا. وذهب إلى أنها موازية، بل سابقة له. وبهذا تتجاوز حالتها القديمة، من كونها حدثا ثانويا يأتي بعد النطق، وليس له من وظيفة إلا أن يدل على النطق، ويحيل عليه. وبذلك تسبق الكتابة اللغة وتكون اللغة نفسها توالدا ينتج عن النص المكتوب. وتظهر بذلك الكتابة في محاورة مع اللغة سابقة ومتجاوزة لها. ومن ثمة فهي تستوعب اللغة فتأتي كخلفية لها بدلا من كونها إفصاحا ثانويا متأخرا. والكتابة إذاً ليست وعاءً لشحن وحدات معدة سلفا وإنما هي صيغة لإنتاج هذه الوحدات وابتكارها. وعلى إثر هذا التفكيك الذي أجراه دريدا يتبين لنا نوعان من الكتابة:
1 أولا: نوع يتكئ على مرجعية ميتافيزيقية تعتمد على التمركز المنطقي "Logocentrism" وتسمى الكلمة كأداة صوتية/أبجدية خطية. وهدفها توصيل الكلمة المنطوقة.
1 ثانيا: كتابة تعتمد على النحوية أو كتابة ما بعد البنيوية، وهي ما يؤسس العملية الأولية التي تنتج اللغة (48) و«الكتابة هنا تقف ضد النطق، وتمثل عدمية الصوت. وليس للكينونة عندئذ إلا أن تتولد من الكتابة، وهي حالة الولوج إلى لغة الاختلاف، والانبثاق من الصمت. أو لنقل إنها انفجار السكون» (49). وعليه؛ نجد دريدا قد سعى إلى تحطيم النزعة العنصرية المسلطة ضد الكتابة والتأسيس لنظرة جديدة تعيد إليها مكانتها ورونقها.
وكخلاصة لما قدمه دريدا في مشروعه التفكيكي من خلال مقولتي التمركز حول العقل والتمركز حول الصوت نجده يؤسس مبدئيا للاختلاف؛ بحيث «بدأ مشروع دريدا النقدي ضد المركزية من دعوة للاختلاف لأنه وجد أن الفكر الغربي يقول دائما بالمماثلة، ثم كشف أن المماثلة، إنما هي من نتاج الميتافيزيقا التي أقصت كل شيء إلا ما يتصل بالعقل» (50) إذ يثبت أن السلطة والهيمنة قد استأثرت بهما الميتافيزيقا وجعلت كل فكر وفلسفة خاضعين لها بناء على دعوتها إلى المماثلة والمشابهة بين الدلائل فتمركزت الرؤى، والتصورات حول هذه الركيزة -المفهوم- وحينما حفر دريدا في ظروف نشأة التمركز العقلي وطبيعته، وجد أن الأمر قد تم بناء على تمركز آخر هو التمركز حول الصوت والكلام. وهكذا بدت هذه الظواهر متشابكة، ومتداخلة، وكل واحدة منها تغذي غيرها بالقوة والصلابة. لهذا ثار على الموروثات ليبطل زعمها ويكشف هذا التمركز، ويبرهن على أنه غير صالح.
كما سعى إلى تأسيس معيار جديد وبديل عن ذلك الطرح «فجاء طرح مفهوم علم الكتابة ليمتص شحنة التمركز، من بين ثنايا تلك الظواهر. والدعوة إلى خطاب لا تمركز فيه، يكون سببا أو نتيجة لممارسة خالية من نزعة التمركز» (51). إذاً فهذا نقد دريدا للتمركز حول العقل، ونقده للتمركز حول الصوت، والثورة التي قادها، رافضا لتلك الموروثات القديمة، مع إعطائه لبدائل تؤسس لمنطلق جديد لمسار النقد يعتمد على مبدإ الاختلاف.
وبهذا فإن تفكيك دريدا لروسو يكشف امتداد أفكاره لسابقه أفلاطون، ويبين مدى إقحامه للكتابة، والنزول بها إلى درجة ثانية بعد الكلام.
ثالثا: مع دو سوسير
تماما كما فعل دريدا مع أفلاطون وروسو، فكك أعمال دو سوسير ليكشف تمركزه حول الصوت، وإقحامه للكتابة مع إعطائه الأولوية التامة للكلام/النطق. بحيث نجد دو سوسير يذهب فعلا إلى التمييز بين نظامين متباينين من أنظمة الدلائل وهما اللغة والكتابة حيث قدم الكلام على الكتابة، وأولاه أولوية مطلقة لأن «الغرض الألسني لا يتحدد بتنسيق الترابط بين الكلمة المكتوبة، والأخرى المنطوقة، وهذه الأخيرة تشكل وحدها هذا الغرض» (44) وبقول دو سوسير هذا يتضح البعد الرئيس والكبير الذي يعتمد عليه الغرض الألسني في تحديد مساره. كما يسعى دو سوسير إلى توسيع الهوة بين الكلام والكتابة حيث يبين أن «الكلمة المكتوبة لتمتزج بالكلمة المنطوقة -التي هي صورتها- بشكل حميم حتى إنها تسلب منها الدور الرئيسي. إن كل ذلك يسوقنا إلى أن نولي تمثيل العلامة الصوتية أهمية مساوية إن لم تكن أكثر مما توليه العلامة ذاتها» (45).
وعليه سعى دو سوسير إلى توسيع الشرخ الحادث بين الكلام والكتابة بتقديم الكلام، وإعطائه أولوية على حساب الكتابة. شأنه في ذلك شأن سابقيه أفلاطون وروسو. بل إن دو سوسير قد تعداهما إلى اقتراح منهج يرفض دراسة أي شكل من أشكال الكتابة ما لم تكن منطوقة صيتة. ليثبت دريدا بذلك أن دو سوسير قد عمل هو الآخر على التمركز حول الصوت حين أهمل الكتابة، وركز على الأشكال المنطوقة فقط جاعلا من الكتابة «وسيلة لتمثيل الكلام، وسيلة تقنية، واسطة خارجية، ولهذا فلا حاجة لأخذها بنظر الاعتبار عند دراسة اللغة، وقد تبدو هذه واسطة غير مباشرة لتمثيل المعاني في أصوات» (46). ويبين دريدا خلاصة مشروعه التفكيكي في:
1. «أن دو سوسير في نظريته عن علم اللغة إنما يحط من قدر الكتابة ويقلل من منزلتها بصورة منظمة.
2. أن هذه الإستراتيجية التي يتبعها سوسير إنما تلاقي وعلى غير توقع تلك التناقضات المكتوبة المتطورة.
3. أن المرء عندما يسير وراء مثل هذه التناقضات فإنه يترك مجال علم اللغة إلى مجال علم القواعد أو إن شئت فقل علم الكتابة وفنية النص بصورة عامة» (47).
وانطلاقاً مما تبين؛ نجد دريدا يوضح في نقده للتمركز حول الصوت، أن الفكر الغربي عموماً أسس علاقة غير متكافئة بين الكلام، والكتابة، علاقة محكومة بالعنف. سُلط على الكتابة بإقصائها وجعلها ذيلا تابعا للكلام.
كما أن دريدا نقد التمركز حول العقل باسم الـ: "Logocentrism" فقد اجترح مصطلحا آخر فكك باسمه التمركز حول الصوت وهو الـ: "الغراماتولوجيا" أو ما يعرف بعلم النحوية. وقد أسس له في كتاب أصدره بفرنسا عام 1967 عنونه بـ: ( De la grammatologie) من خلاله رفض الإيمان المطلق بأن الكتابة تابعة للكلام، ومكملة له، ذلك الطرح الذي ولدته الميتافيزيقا. وذهب إلى أنها موازية، بل سابقة له. وبهذا تتجاوز حالتها القديمة، من كونها حدثا ثانويا يأتي بعد النطق، وليس له من وظيفة إلا أن يدل على النطق، ويحيل عليه. وبذلك تسبق الكتابة اللغة وتكون اللغة نفسها توالدا ينتج عن النص المكتوب. وتظهر بذلك الكتابة في محاورة مع اللغة سابقة ومتجاوزة لها. ومن ثمة فهي تستوعب اللغة فتأتي كخلفية لها بدلا من كونها إفصاحا ثانويا متأخرا. والكتابة إذاً ليست وعاءً لشحن وحدات معدة سلفا وإنما هي صيغة لإنتاج هذه الوحدات وابتكارها. وعلى إثر هذا التفكيك الذي أجراه دريدا يتبين لنا نوعان من الكتابة:
1 أولا: نوع يتكئ على مرجعية ميتافيزيقية تعتمد على التمركز المنطقي "Logocentrism" وتسمى الكلمة كأداة صوتية/أبجدية خطية. وهدفها توصيل الكلمة المنطوقة.
1 ثانيا: كتابة تعتمد على النحوية أو كتابة ما بعد البنيوية، وهي ما يؤسس العملية الأولية التي تنتج اللغة (48) و«الكتابة هنا تقف ضد النطق، وتمثل عدمية الصوت. وليس للكينونة عندئذ إلا أن تتولد من الكتابة، وهي حالة الولوج إلى لغة الاختلاف، والانبثاق من الصمت. أو لنقل إنها انفجار السكون» (49). وعليه؛ نجد دريدا قد سعى إلى تحطيم النزعة العنصرية المسلطة ضد الكتابة والتأسيس لنظرة جديدة تعيد إليها مكانتها ورونقها.
وكخلاصة لما قدمه دريدا في مشروعه التفكيكي من خلال مقولتي التمركز حول العقل والتمركز حول الصوت نجده يؤسس مبدئيا للاختلاف؛ بحيث «بدأ مشروع دريدا النقدي ضد المركزية من دعوة للاختلاف لأنه وجد أن الفكر الغربي يقول دائما بالمماثلة، ثم كشف أن المماثلة، إنما هي من نتاج الميتافيزيقا التي أقصت كل شيء إلا ما يتصل بالعقل» (50) إذ يثبت أن السلطة والهيمنة قد استأثرت بهما الميتافيزيقا وجعلت كل فكر وفلسفة خاضعين لها بناء على دعوتها إلى المماثلة والمشابهة بين الدلائل فتمركزت الرؤى، والتصورات حول هذه الركيزة -المفهوم- وحينما حفر دريدا في ظروف نشأة التمركز العقلي وطبيعته، وجد أن الأمر قد تم بناء على تمركز آخر هو التمركز حول الصوت والكلام. وهكذا بدت هذه الظواهر متشابكة، ومتداخلة، وكل واحدة منها تغذي غيرها بالقوة والصلابة. لهذا ثار على الموروثات ليبطل زعمها ويكشف هذا التمركز، ويبرهن على أنه غير صالح.
كما سعى إلى تأسيس معيار جديد وبديل عن ذلك الطرح «فجاء طرح مفهوم علم الكتابة ليمتص شحنة التمركز، من بين ثنايا تلك الظواهر. والدعوة إلى خطاب لا تمركز فيه، يكون سببا أو نتيجة لممارسة خالية من نزعة التمركز» (51). إذاً فهذا نقد دريدا للتمركز حول العقل، ونقده للتمركز حول الصوت، والثورة التي قادها، رافضا لتلك الموروثات القديمة، مع إعطائه لبدائل تؤسس لمنطلق جديد لمسار النقد يعتمد على مبدإ الاختلاف.
Page 8
II التفكيك: المصطلح
1. علم الكتابة
يرتكز دريدا في إستراتيجية التفكيك على مرتكزات، ومقومات تسهل الولوج إلى عالم الأدب. ففي مواجهة ما يصطلح عليه دريدا بـ: ميتافيزيقا الحضور التي هيمنت على أنظمة الفلسفة الغربية، والتي تكونت بفعل التمركز حول العقل المستند إلى التمركز حول الصوت؛ يعتمد هنا على الغراماتولوجيا: والمقصود بهذا المصطلح: علم الكتابة. وهو عنوان أحد كتبه المهمة كما ذكرنا سابقا. ويذهب دريدا من خلال هذا الطرح مذهب المؤسس لنسقية جديدة، تدعو إلى الاختلاف، والتعدد خلاف سابقتها التي نحت منحى التمركز حول العقل. وعليه نلاحظ أن كبار الفلاسفة والمفكرين كأفلاطون، وأرسطو، وهيدغر، وليفي شتراوس، وروسو، ودو سوسير. ومن خلال تفكيكه لكتاباتهم، تنبه إلى أن النزعة الغربية قامت على ميتافيزيقا الحضور التي «لم تنجح في إنسائنا الكتابة، وبالتالي فرض المغالطة... وهي ربما كانت ممتزجة بهذا التاريخ الذي يجمع التقنية بالميتافيزيقا المتمركزة لوغوسيا، أو العقلانية، التمركز منذ ما يقرب ثلاثة آلاف سنة» (52).
وبهذا يتأكد طرح دريدا في نقض، ورفض هذا التمركز الذي ظل مسيطرا حينا من الدهر، وبنى للكلام على حساب الكتابة صروحا من الدلائلية تعالت أيما تعال، وبذلك غدت: «تسمية لغة تطلق على كل من الفعل والحركة، والفكر والتفكير، والوعي واللاوعي، والتجربة والعاطفة...إلخ. ونحن نواجه اليوم نزوعا لإطلاق تسمية كتابة على هذه الأشياء جميعا وسواها: لا لتسمية الحركات الجسمانية التي تستدعيها الكتابة الحروفية، أو التصورية، أو الإيديوغرافية فحسب، وإنما كذلك على كل ما يجعلها ممكنة» (53).
إذا فدريدا يقيم صرحا للكتابة على حساب الكلام، ويعطيها مجالا واسعا يتعدى الخط الكتابي إلى «كل ما ينشره هذا الخط في الفضاء غريبا على نظام الصوت البشري كأن يكون سينمائيا مثلا، أو رقصيا، أو نحتيا. إلخ... هكذا سنقدر اليوم أن نتحدث عن كتابة رياضية من الرياضة، وبثقة أكبر من كتابة عسكرية، أو سياسية، إذا ما نحن فكرنا بالتقنيات المتحكمة اليوم، بهذه الميادين... بهذا المعنى أيضا يتحدث عالم الأحياء البيولوجي عن كتابة، وعن برنامج عندما يريد الإشارة إلى السياقات الأكثر أولية للمعلومات الصادرة عن خلية حية» (54). هذا هو المجال الواسع بكل ما يحمله من دلالة، المجال المطلق الذي عمم به دريدا الكتابة. ونجده يميز هنا أيضا بين نوعين من الكتابة، كتابة تتكئ على التمركز المنطقي، وهي التي تسمى الكلمة كأداة مصوتة/أبجدية خطية، وهدفها توصيل الكلمة المنطوقة. وكتابة معتمدة على النحوية، أو كتابة ما بعد البنيوية، وهي ما يؤسس العلمية الأولية التي تنتج اللغة (55). وهي كتابة حداثية، بل ما بعد حداثية تعتمد على «عدمية الصوت، وليس للكينونة عندئذ إلا أن تتولد من الكتابة، وهي حالة الولوج إلى لغة الاختلاف، والانبثاق من الصمت، أو لنقل إنها انفجار السكون» (56).
2. الاختلاف
ومن جملة المرتكزات التي قام عليها دريدا في تفكيكيته أيضا ما اصطلح عليه بـ: الاختلاف "La Difference" ودلالته المعجمية تنبئ «بهضم فيه دلالات مجموعة من المفردات فثمة "To differ" ويدل على المغايرة والاختلاف وعدم التشابه في الشكل، "To defer" وهي مفردةلاتينية توحي بالتشتت والتفرق، "To difer" ويدل على التأجيل والتأخير والإرجاء والتعويق» (57). وبالتالي فإننا نلاحظ مدى تداخل هذه الدلالات في ملفوظ واحد؛ حيث اختزل كل هذه الدلالات في دلالة واحدة تنبئ بتعدد في المعنى. ينزع دريدا في هذا إلى صنع وابتكار كلمة جديدة في اللغة الفرنسية لم يستقها لا من المعاجم، ولا من القواميس، بل ركبها بنفسه حينما أدخل على كلمة "Différence" بدل حرف الـ "e" حرف الـ "a" لتصبح الكلمة بعد اصطناعها "Différance" . لنجد في آخر المطاف أن وضع دريدا لهذا المصطلح قد أفاد اللفظة بدلالتين بدل الواحدة:
1. أولاهما: قابليتها لتضمن معنيين لفعلين مختلفين: أحدهما بمعنى الاختلاف، والآخر بمعنى الإرجاء.
2. ثانيهما: هو الإفادة من تلاعب هذه اللفظة الجديدة بثنائية الصوت والكتابة؛ حيث تلفظ كلمة "Différance" بالطريقة الفونيتيكية نفسها التي تلفظ بها لفظة الاختلاف الدارجة بحرف (الـ e بدل الـ a ) ولا يتسنى التفريق بينهما إلا بالاحتكام إلى الكتابة (58). فما هي دلالة الـ "Différance" إذاً؟
يتساءل الكثير من الدارسين عن الاختلاف مع ليتش (Leitch) الذي نقل تعريف دريدا للاختلاف بقوله: إن الاختلاف ليس كلمة، كما إنه ليس مفهوما فما هو إذاً؟
فيجيب دريدا في كتابه الكلام والظاهرة : نحن نعني بالاختلاف الإزاحة التي تصبح بوساطتها اللغة أو الشعر (code) ، أو أي نظام مرجعي عام ذي ميزة تاريخية عبارة عن بنية من الاختلافات (59). ومن خلال هذا الطرح يؤسس دريدا من جديد مرتكزا آخر للتفكيكية كاستراتيجية في قراءة النصوص، والمتمثل في لا نهائية الدلائل. لأنه طريق الاختلاف في المعاني، والكلمات في النص هي اختلاف في الإشارات بين كلمة وأخرى، وبهذا الاختلاف تتولد دلالات مستمرة للمعاني. لا بسبب تقرير دلالاتها، وإنما من اختلافاتها المتواصلة مع المعاني الأخرى، ولما كانت هذه المعاني لا تعرف الثبات والاستقرار فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام الاختلاف (60). وبالاختلاف، والتأجيل تصبح دلالة الاختلاف تنتظم حول قطبين دلاليين أساسيين هما الاختلاف والتأجيل... لكن هذين القطبين لا يؤسسان لفكرة التوازي في منهج التفكيك، لكونه يهدف إلى تقويض الثنائيات التي أرستها الميتافيزيقا (61).
1. علم الكتابة
يرتكز دريدا في إستراتيجية التفكيك على مرتكزات، ومقومات تسهل الولوج إلى عالم الأدب. ففي مواجهة ما يصطلح عليه دريدا بـ: ميتافيزيقا الحضور التي هيمنت على أنظمة الفلسفة الغربية، والتي تكونت بفعل التمركز حول العقل المستند إلى التمركز حول الصوت؛ يعتمد هنا على الغراماتولوجيا: والمقصود بهذا المصطلح: علم الكتابة. وهو عنوان أحد كتبه المهمة كما ذكرنا سابقا. ويذهب دريدا من خلال هذا الطرح مذهب المؤسس لنسقية جديدة، تدعو إلى الاختلاف، والتعدد خلاف سابقتها التي نحت منحى التمركز حول العقل. وعليه نلاحظ أن كبار الفلاسفة والمفكرين كأفلاطون، وأرسطو، وهيدغر، وليفي شتراوس، وروسو، ودو سوسير. ومن خلال تفكيكه لكتاباتهم، تنبه إلى أن النزعة الغربية قامت على ميتافيزيقا الحضور التي «لم تنجح في إنسائنا الكتابة، وبالتالي فرض المغالطة... وهي ربما كانت ممتزجة بهذا التاريخ الذي يجمع التقنية بالميتافيزيقا المتمركزة لوغوسيا، أو العقلانية، التمركز منذ ما يقرب ثلاثة آلاف سنة» (52).
وبهذا يتأكد طرح دريدا في نقض، ورفض هذا التمركز الذي ظل مسيطرا حينا من الدهر، وبنى للكلام على حساب الكتابة صروحا من الدلائلية تعالت أيما تعال، وبذلك غدت: «تسمية لغة تطلق على كل من الفعل والحركة، والفكر والتفكير، والوعي واللاوعي، والتجربة والعاطفة...إلخ. ونحن نواجه اليوم نزوعا لإطلاق تسمية كتابة على هذه الأشياء جميعا وسواها: لا لتسمية الحركات الجسمانية التي تستدعيها الكتابة الحروفية، أو التصورية، أو الإيديوغرافية فحسب، وإنما كذلك على كل ما يجعلها ممكنة» (53).
إذا فدريدا يقيم صرحا للكتابة على حساب الكلام، ويعطيها مجالا واسعا يتعدى الخط الكتابي إلى «كل ما ينشره هذا الخط في الفضاء غريبا على نظام الصوت البشري كأن يكون سينمائيا مثلا، أو رقصيا، أو نحتيا. إلخ... هكذا سنقدر اليوم أن نتحدث عن كتابة رياضية من الرياضة، وبثقة أكبر من كتابة عسكرية، أو سياسية، إذا ما نحن فكرنا بالتقنيات المتحكمة اليوم، بهذه الميادين... بهذا المعنى أيضا يتحدث عالم الأحياء البيولوجي عن كتابة، وعن برنامج عندما يريد الإشارة إلى السياقات الأكثر أولية للمعلومات الصادرة عن خلية حية» (54). هذا هو المجال الواسع بكل ما يحمله من دلالة، المجال المطلق الذي عمم به دريدا الكتابة. ونجده يميز هنا أيضا بين نوعين من الكتابة، كتابة تتكئ على التمركز المنطقي، وهي التي تسمى الكلمة كأداة مصوتة/أبجدية خطية، وهدفها توصيل الكلمة المنطوقة. وكتابة معتمدة على النحوية، أو كتابة ما بعد البنيوية، وهي ما يؤسس العلمية الأولية التي تنتج اللغة (55). وهي كتابة حداثية، بل ما بعد حداثية تعتمد على «عدمية الصوت، وليس للكينونة عندئذ إلا أن تتولد من الكتابة، وهي حالة الولوج إلى لغة الاختلاف، والانبثاق من الصمت، أو لنقل إنها انفجار السكون» (56).
2. الاختلاف
ومن جملة المرتكزات التي قام عليها دريدا في تفكيكيته أيضا ما اصطلح عليه بـ: الاختلاف "La Difference" ودلالته المعجمية تنبئ «بهضم فيه دلالات مجموعة من المفردات فثمة "To differ" ويدل على المغايرة والاختلاف وعدم التشابه في الشكل، "To defer" وهي مفردةلاتينية توحي بالتشتت والتفرق، "To difer" ويدل على التأجيل والتأخير والإرجاء والتعويق» (57). وبالتالي فإننا نلاحظ مدى تداخل هذه الدلالات في ملفوظ واحد؛ حيث اختزل كل هذه الدلالات في دلالة واحدة تنبئ بتعدد في المعنى. ينزع دريدا في هذا إلى صنع وابتكار كلمة جديدة في اللغة الفرنسية لم يستقها لا من المعاجم، ولا من القواميس، بل ركبها بنفسه حينما أدخل على كلمة "Différence" بدل حرف الـ "e" حرف الـ "a" لتصبح الكلمة بعد اصطناعها "Différance" . لنجد في آخر المطاف أن وضع دريدا لهذا المصطلح قد أفاد اللفظة بدلالتين بدل الواحدة:
1. أولاهما: قابليتها لتضمن معنيين لفعلين مختلفين: أحدهما بمعنى الاختلاف، والآخر بمعنى الإرجاء.
2. ثانيهما: هو الإفادة من تلاعب هذه اللفظة الجديدة بثنائية الصوت والكتابة؛ حيث تلفظ كلمة "Différance" بالطريقة الفونيتيكية نفسها التي تلفظ بها لفظة الاختلاف الدارجة بحرف (الـ e بدل الـ a ) ولا يتسنى التفريق بينهما إلا بالاحتكام إلى الكتابة (58). فما هي دلالة الـ "Différance" إذاً؟
يتساءل الكثير من الدارسين عن الاختلاف مع ليتش (Leitch) الذي نقل تعريف دريدا للاختلاف بقوله: إن الاختلاف ليس كلمة، كما إنه ليس مفهوما فما هو إذاً؟
فيجيب دريدا في كتابه الكلام والظاهرة : نحن نعني بالاختلاف الإزاحة التي تصبح بوساطتها اللغة أو الشعر (code) ، أو أي نظام مرجعي عام ذي ميزة تاريخية عبارة عن بنية من الاختلافات (59). ومن خلال هذا الطرح يؤسس دريدا من جديد مرتكزا آخر للتفكيكية كاستراتيجية في قراءة النصوص، والمتمثل في لا نهائية الدلائل. لأنه طريق الاختلاف في المعاني، والكلمات في النص هي اختلاف في الإشارات بين كلمة وأخرى، وبهذا الاختلاف تتولد دلالات مستمرة للمعاني. لا بسبب تقرير دلالاتها، وإنما من اختلافاتها المتواصلة مع المعاني الأخرى، ولما كانت هذه المعاني لا تعرف الثبات والاستقرار فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام الاختلاف (60). وبالاختلاف، والتأجيل تصبح دلالة الاختلاف تنتظم حول قطبين دلاليين أساسيين هما الاختلاف والتأجيل... لكن هذين القطبين لا يؤسسان لفكرة التوازي في منهج التفكيك، لكونه يهدف إلى تقويض الثنائيات التي أرستها الميتافيزيقا (61).
Page 9
هذا هو تأسيس دريدا من خلال الـ "Différance" للاختلاف، والتباين، والتمايز، واللعب مع الدلالات باختلافها، وتأجيل، أو إرجاء معانيها. فما هي دلالة الاختلاف الـ "Différance" إذاً؟ إن Différance بكلمة هو بنية، وحركة لا يمكن تصورها على أساس التعارض بينالحضور والغياب فالـ "Différance" هو التبدِّي المنظِّم للاختلافات ولآثار الاختلاف» (62). ويعد الـ: "Différance" حسب وروده في المعاجم المصطلحاتية وفي تعريفاته البسيطة: «هو نظرية دريدا في كتابه مواقف (Positions) (1971) التي تزعم عدم وجود أيمعان محددة للكلمات، وأن أقصى ما تستطيع إدراكه هو الاختلاف فيما بينها وإرجاء المعنى إلى أجل غير مسمى وهو يرادف بين ذلك وبين مصطلح آخر هو (Gram) أي الكتابة» (63).
3. التشتيت أو الانتشار: (Dissémination)
ليقيم دريدا للتفكيكية صرحا متكاملا اعتمد على مصطلحات تؤسس لكل الآليات التي عمل بها في إستراتيجيته هذه. إذ نجده يجترح مصطلحا آخر يبين به مدى تناسل المعنى وانتشاره في النص «وقد ركز عليه دريدا في تقويضه للفكر الأفلاطوني. خاصة فيما يتعلق بمفهوم الكتابة في كتاب أفلاطون فايدروس وفيما يتعلق بنظرية المحاكاة في الجمهورية » (64).
وبوقفة مع ضبط لهذا المصطلح، يذهب محمد عناني في معجمه إلى «الانتشار، النشر، التناشر (Dissémination) مصطلح مستمد من كتابات دريدا، ويعني مقدرة المعاني على الانتشار إلى ما لا نهاية،... فهو بذور معان تتوالد إلى الأبد» (65).
من خلال هذا التعريف يمكن لخاصية الانتشار أن تداول «هذا التكاثر المتناثر ليس شيئا يستطيع المرء إمساكه، والسيطرة عليه، وإنما يوحي باللعب الحر (free play) الذي لا يتصف بقواعد تحدد هذه الحرية، بل هو حركة مستمرة تبعث المتعة، وتثير عدم الاستقرار، والثبات،ويتسم بالزيادة المفرطة» (66) وبهذا يؤسس دريدا لصرح لا متناه من المعنى، والدلالة، واللا تقيد في التدليل من خلال هذا المصطلح.
وقد أسس دريدا لهذا الطرح في كتاب وسمه"بالانتشار" ويتكون من مقدمة، وثلاثة مقالات:
1. المقال الأول: تطرق فيه إلى أفلاطون وعنوانه صيدلية أفلاطون حيث تطرق إلى الفارماكون ( Pharmakon) وانتشار معناه المزدوج إلى الكلمات التي تنتسب إلى الأصل نفسه مثل: العقار، ترياق الحب، العلاج، السم، طرائق الطبخ ومكوناته. وبهذا ينتشر المعنى بينها مما يجعل تحديد معناه أمرا صعبا؛ لأنه يُحدث علاقة نسب بين مفردات هذه العائلة.
2. المقال الثاني: المقامة المزدوجة ويعالج فيها دريدا قضية المحاكاة والنقد الأدبي وانفصاله أو اتصاله بالفلسفة.
3. المقالة الثالثة: عنونها بـ"التشتيت" إذ تحدث عن قضية المؤلف، وكيف ينتشر اسمه في نصه ليصبح نتيجة نصوصية.
وبهذا يتبين مع طرح دريدا كيفية ممارسة الانتشار السلالي.
3. التشتيت أو الانتشار: (Dissémination)
ليقيم دريدا للتفكيكية صرحا متكاملا اعتمد على مصطلحات تؤسس لكل الآليات التي عمل بها في إستراتيجيته هذه. إذ نجده يجترح مصطلحا آخر يبين به مدى تناسل المعنى وانتشاره في النص «وقد ركز عليه دريدا في تقويضه للفكر الأفلاطوني. خاصة فيما يتعلق بمفهوم الكتابة في كتاب أفلاطون فايدروس وفيما يتعلق بنظرية المحاكاة في الجمهورية » (64).
وبوقفة مع ضبط لهذا المصطلح، يذهب محمد عناني في معجمه إلى «الانتشار، النشر، التناشر (Dissémination) مصطلح مستمد من كتابات دريدا، ويعني مقدرة المعاني على الانتشار إلى ما لا نهاية،... فهو بذور معان تتوالد إلى الأبد» (65).
من خلال هذا التعريف يمكن لخاصية الانتشار أن تداول «هذا التكاثر المتناثر ليس شيئا يستطيع المرء إمساكه، والسيطرة عليه، وإنما يوحي باللعب الحر (free play) الذي لا يتصف بقواعد تحدد هذه الحرية، بل هو حركة مستمرة تبعث المتعة، وتثير عدم الاستقرار، والثبات،ويتسم بالزيادة المفرطة» (66) وبهذا يؤسس دريدا لصرح لا متناه من المعنى، والدلالة، واللا تقيد في التدليل من خلال هذا المصطلح.
وقد أسس دريدا لهذا الطرح في كتاب وسمه"بالانتشار" ويتكون من مقدمة، وثلاثة مقالات:
1. المقال الأول: تطرق فيه إلى أفلاطون وعنوانه صيدلية أفلاطون حيث تطرق إلى الفارماكون ( Pharmakon) وانتشار معناه المزدوج إلى الكلمات التي تنتسب إلى الأصل نفسه مثل: العقار، ترياق الحب، العلاج، السم، طرائق الطبخ ومكوناته. وبهذا ينتشر المعنى بينها مما يجعل تحديد معناه أمرا صعبا؛ لأنه يُحدث علاقة نسب بين مفردات هذه العائلة.
2. المقال الثاني: المقامة المزدوجة ويعالج فيها دريدا قضية المحاكاة والنقد الأدبي وانفصاله أو اتصاله بالفلسفة.
3. المقالة الثالثة: عنونها بـ"التشتيت" إذ تحدث عن قضية المؤلف، وكيف ينتشر اسمه في نصه ليصبح نتيجة نصوصية.
وبهذا يتبين مع طرح دريدا كيفية ممارسة الانتشار السلالي.
Page 10
دلالات التفكيك: (la Dé-construction)
التفكيكية ما هي إلا إستراتيجية وليست منهجا في قراءة النصوص، ولا يمكن في يوم من الأيام أن تحول إلى منهج (67). وبذلك تُحسب على أنها إستراتيجية للعب مع الدلالات، ويمكن إضافة كلمة الحر لتصبح اللعب الحر بالدلالات وذلك من خلال عدد من الاحتمالات، حيث يمكن أن نفكك التفكيك الـ: (Dé-construction) نفسه لنحصل على:
1 Dé قمع خياطة = نسيج = نص.
1 Dé زهرة النرد = لعبة = احتمال (الضرورة، والمصادفة).
1 Dé فعل الانشقاق، والانفصال (فعل يفيد العكس).
1 construction = الأصل، والبناء، والتأسيس.
وبالتالي نحصل من خلال هذا التفكيك كمصطلح على:
« Dé من Dé-construction هي نص كنسيج، ولعبة كاحتمال، وخلخلة، وإزاحة؛ تشابك المعنى، والعبارة، والإشارة. بالمعنى الجيولوجي، هو وجود طبقات (strates) مترسبة ينبغي نحتها، وإزاحتها؛ وبالمعنى الإستراتيجي إن هذه الطبقات منسوجة بحيث يتعذر الكشف عن لحمةالنسيج "trame" والسلسلة "chaîne" . فالنص هو نسيج مركب من إشارات، وتعبيرات، ودلالات متداخلة، ومتشابكة تستدعي التفكيك، والعزل لفحص بنيتها، وجذورها المتضاربة وفق دقة، وحذاقة» (68).
يسعى دريدا هنا إلى نقض هذا النسيج، وكشف الاحتمالات من خلال اللعبة، وكشف الطبقات من خلال الخلخلة والإزاحة. فكل هذه الأعمال تستهدف النص لتقف على أصوله، ومقوماته التي قام عليها حتى يتمكن من تفكيك مركزياته، ويعيد بناءها من جديد.
التفكيكية ما هي إلا إستراتيجية وليست منهجا في قراءة النصوص، ولا يمكن في يوم من الأيام أن تحول إلى منهج (67). وبذلك تُحسب على أنها إستراتيجية للعب مع الدلالات، ويمكن إضافة كلمة الحر لتصبح اللعب الحر بالدلالات وذلك من خلال عدد من الاحتمالات، حيث يمكن أن نفكك التفكيك الـ: (Dé-construction) نفسه لنحصل على:
1 Dé قمع خياطة = نسيج = نص.
1 Dé زهرة النرد = لعبة = احتمال (الضرورة، والمصادفة).
1 Dé فعل الانشقاق، والانفصال (فعل يفيد العكس).
1 construction = الأصل، والبناء، والتأسيس.
وبالتالي نحصل من خلال هذا التفكيك كمصطلح على:
« Dé من Dé-construction هي نص كنسيج، ولعبة كاحتمال، وخلخلة، وإزاحة؛ تشابك المعنى، والعبارة، والإشارة. بالمعنى الجيولوجي، هو وجود طبقات (strates) مترسبة ينبغي نحتها، وإزاحتها؛ وبالمعنى الإستراتيجي إن هذه الطبقات منسوجة بحيث يتعذر الكشف عن لحمةالنسيج "trame" والسلسلة "chaîne" . فالنص هو نسيج مركب من إشارات، وتعبيرات، ودلالات متداخلة، ومتشابكة تستدعي التفكيك، والعزل لفحص بنيتها، وجذورها المتضاربة وفق دقة، وحذاقة» (68).
يسعى دريدا هنا إلى نقض هذا النسيج، وكشف الاحتمالات من خلال اللعبة، وكشف الطبقات من خلال الخلخلة والإزاحة. فكل هذه الأعمال تستهدف النص لتقف على أصوله، ومقوماته التي قام عليها حتى يتمكن من تفكيك مركزياته، ويعيد بناءها من جديد.