Page 1
قطعتان معدنيتان
الضابط: أين فقدت بندقيتك يا سعيد؟
تلعثم لحظة، ثم تلفظ بكلام غير مفهوم·
العريف: هيا يا سعيد أخبر البيه أين فقدت البندقية؟
- لا أدري أين هي، آخر ما أذكره أنني وضعتها في خزانة السلاح·
- ألم تكن معك عندما ذهبت لزيارة الأهل بالديرة؟
- لا·
- يقول أحد الجنود إنه رآك في سوق الخميس· لماذا ذهبت إلى هناك؟
- ذهبت لشراء بعض ما يلزم العائلة· السوق قريبة من ديارنا·
فاجأهم رجل بدخوله إلى غرفة التحقيق مع أنه كان قد نبه من قبلُ على جندي الخفر بأن لا يسمح لأي شخص مهما كان بالدخول·
تقدم الرجل وأدى التحية العسكرية مع أنه في زي مدني· همس في أذن الضابط· أخرج الضابط قطعتين معدنيتين من النقود· ناولهما للرجل بعجالة، وقال له في شبه همس: اشتر ما يلزم· أدى الرجل التحية وانصرف·
يساعد الضابط في التحقيق عريف وكاتب يضبط المحضر· حضر التحقيق أيضاً، أحد مفتشي الأمن العام الذي وصل لتوه في ذلك الصباح إلى أبها قادماً من المقر الرئيسي بمكة المكرمة·
عندما وصل الرجل إلى باب الغرفة، قال له الضابط: سوف أحضر عند أذان الظهر·
- يا سعيد·· البيه سوف يصفح عنك إذا قلت الصدق· وأنت تعرف أن البندقية من ممتلكات الحكومة· وسوف نعثر عليها إن عاجلا أو آجلا· من الأفضل أن تخبرنا يا سعيد· هذه حلال الدولة، ولا بد من العثور عليها· أنت تعلم أن فقد السلاح يسبب مشكلة كبيرة ليس لك أنت فقط، وإنما للبيه وللقيادة ولجميع الأفراد· لو دللتنا عليها، سوف توفر المجهود علينا، وفي الوقت نفسه يتمكن البيه من الكتابة إلى المركز الرئيسي للصفح عنك·· حتى لو أنها ضاعت منك بأي شكل من الأشكال·
Page 2
الضابط: أريدك أن تفكر يا سعيد في الموضوع جيداً لأن هذا الأمر خطير، وعقوبة الجندي الذي يفقد سلاحه شديدة·
التفت إلى العريف: خذوه للتوقيف·
اقترب وقت أذان الظهر· لملم أوراقه واستأذن من المفتش لعدم تمكنه من مرافقته في ذلك اليوم بسبب أمر ضروري· أمر العريف بأن يتفرغ ليكون مع المفتش لتسهيل مهمته، وتلبية كل ما يطلب من مستندات، أو زيارات تفتيشية·
كاتب الضبط: يبدو أنه لن يعترف·
الضابط ( واقفاً ): لا يهم الآن·· ولكنه سوف يعترف في ما بعد·
المفتش: كم حالة فقد للسلاح واجهتم قبل هذه المرة؟
- هذه السابعة·
- وكم قطعة لم يتم العثور عليها بعد؟
- بندقيتان ومسدس·
كانت منطقة عسير الحدودية، في أواخر الخمسينيات الـهجرية من القرن الماضي، مسرحاً لتهريب المواد الغذائية والاستهلاكية· لكن أخطر ما كان يهرّب الأسلحة والقات و(الحُمِّي) وهو التبغ الذي يستعمل في الشيشة· ولحداثة انضمام الأفراد المحليين إلى الأمن العام، فلم يكن تخلي الجندي عن سلاحه وبيعه حالة فريدة· فقد نشأت سوق كبيرة غير مرئية من أجل ذلك·
كان توظيف الجنود يتم فوراً، عند الحاجة إليهم، من رجال مدنيين ليس لهم سابق تدريب عسكري، ولا استعداد فكري لهذه المهنة· وكان انتماء الفرد منهم إلى القبيلة أكبر بمئات المرات من انتمائه للدولة الفتية الحديثة التوحيد·
أخفى الضابط عن الجميع أنه عثر على البندقية المفقودة في إحدى الأسواق القريبة قبل بدء التحقيق، من أجل أن يتمكن من التوصل إلى الحلقة التي يدور فيها بيع وشراء وتهريب السلاح· كان يريد أن يعرف من هم الأشخاص الذين يديرون هذه اللعبة، سواء كانوا متاجرين أو وسطاء أو مهربين أو مستفيدين· كان يريد أن يعرف أيضاً أين يذهبون بها؟ ومن هم زبائنهم؟ وهل يتخلى الجنود فعلاً عن أسلحتهم أم أنها تسرق منهم؟ وإن كانوا يبيعونها هل ذلك من أجل مبالغ مالية كبيرة، أم بسبب ضغوط قبلية؟
ارتفع أذان الظهر من المئذنة القصيرة للمسجد المجاور للمركز عندما كان يمر إزاءه· نظر إلى أعلى المئذنة ثم إلى السماء التي توسطت الشمس كبدها· أنزل بصره إلى الطريق· لم يره كاملاً بل كان مثل خط أبيض يحف به الظلام من كل جانب· أظلم بعد ذلك كل شيء· أصبح يمشي في الطريق كأعمى لا يرى شيئاً منه، إلا أنه كان يحفظ كل انحناءاته وحفره·
Page 3
في الحزن·· لا يعبأ الناس
كان يحيى، الجندي ذو الزي المدني، مكلفاً بمساعدته وقضاء حاجيات المنزل الضرورية، من الأسواق وخلافها، واقفاً عند باب المنزل ينتظره·
- هل أحضرت كل شيء يا يحيى؟
- نعم يا بيه، ها هي·
تناول قطعة القماش المطويّة· بداخلها الأغراض الضرورية لغسل الميت وتكفينه· طلب من يحيى الانتظار· أخذ نفساً عميقاً· دخل إلى فناء المنزل في حركة نشطة· عندما أخرج الـهواء من رئتيه خرجت معه أنّةٌ عميقة مكبوتة· كان قد ترك ابنته الوحيدة، عند خروجه للعمل في ذلك الصباح، تعاني من حمى شديدة استمرت يومين· لم تنفع فيها أي وصفة للعلاج لتخفيض حرارتها المرتفعة· لم يكن في تلك البلدة طبيب أو ممرض يمكن أن يساعدهم على التغلب عليها· ولم تفلح الوصفات الشعبية المتوارثة في تخفيضها أيضاً·
كاد يطير عقله عندما همس له يحيى في غرفة التحقيق بأن طفلته التي لم تتجاوز السنتين إلا ببضعة شهور قد توفيت· تحامل على نفسه· وبرباطة جأشه التي اشتهر بها قائداً عسكرياً مميزاً، لم يظهر عليه أي تأثر· ردد في نفسه: إنا لله وإنا إليه راجعون· استمر في التحقيق· خشي أن تنحدر دمعة من عينه تكشف ضعفه· لم تنحدر· استمر في التحقيق غامراً كل عواطفه في بحر التفاصيل الطويلة المتعرجة دون أن يشعر الأربعة الحاضرون معه بأن شيئاً غير عادي قد حدث·
- ما أنت؟ من أي حجر صوّان أنت؟
كان دمعها يبلل خديها بغزارة· نشيجها يكاد يخرم طبلة أذنيه·
- اهدئي·· اهدئي·
- كيف أهدأ؟ ابنتك الوحيدة تموت، وتعلم بذلك ولا تأتي· تتركني هنا وحدي، لا أدري ماذا أفعل؟ ·· إن قلبي يتقطع عليها· وأنت لا يهمك شيء إلا عملك·
Page 4
- اهدئي واذكري الله· هو الذي أعطى وهو الذي أخذ·
- لا إله إلا الله· ولكني لا أستطيع تحمل هذه المصيبة· إنها قرة عيني· وحيدتي· يا رب كيف أتحمل فراقها؟
- قولي إنا لله وإنا إليه راجعون·
وقفت عند باب الغرفة التي فيها طفلتها الميتة· كانت تدفعه كلما هم بالدخول·
- يجب أن نغسلها·
- لا لن تأخذها·
- يا بنت الحلال اتقي الله·
- لا لن تأخذ ابنتي مني·
دفعها بقوة بها رفق·
سارع يحيى عندما فُتح الباب ليحمل الطفلة المسجّاة فوق ذراعي الضابط الممدودتين· طلب منه غلق الباب· لم يسمح له بحمل الطفلة· في الحزن لا يعبأ الناس بالتعب· في أحايين كثيرة يستعذبونه، لأنه يمنحهم شيئاً من التكفير عن تقصيرهم· وفي الفقد يريد الناس أن يفعلوا شيئاً قبل الفراق الأخير لترتاح ضمائرهم، حتى وإن لم يدر الفقيد ما فعلوا من أجله، ولا ما كانوا يقصدون!
بدا الطريق القصير بين بيته والمسجد، كأنما هو ميل طويل· مرّ بمركز الشرطة· استعرض في كل خطوة مئات الصور والأصوات والأيام· الألم يعتصره· تذكر كل شيء عن الطفلة· ولادتها· لعبها· ضحكاتها· مرضها الذي ماتت فيه· كان يحطم داخله تذكر تلقيه للخبر في المركز· تذكر رؤيته لزوجته في المنزل بعدها· تعجب كيف استطاع غسل الطفلة وتكفينها·
- يا لطول الطريق، وما أقصر رحلة الحياة!
بللت دموعه الغزيزة كفن الصغيرة· لم يتنبه لذلك إلا عندما سقطت دمعتان على ساعده· وضع جثمانها الطاهر أمام إمام المسجد· كبر الإمام لصلاة الجنازة، وكبر الناس·
Page 5
شيء من صنع يدك
كان شيخاً بهيَّ الطلعة من علماء الدين باليمن· كلما جاء إلى الحج أو مرّ في طريقه بمنطقة عسير، تأتي برقية من الجهات العليا، بتسهيل مروره وبحسن معاملته ووفادته· حُكيتْ عنه كثير من القصص والأساطير· اعتبره معظم الناس وليّاً من أولياء الله الصالحين ذوي الكرامات والوصول·
يروى أنه دخل مرّة على أحد الموظفين ذوي المراتب الصغيرة ليعقّب على معاملة له عنده· نهره الموظف وطرده دون أن يستمع إلى طلبه مشيراً بسبابته إلى خارج الغرفة وقائلاً له: إمشْ·
فردّ عليه الشيخ: لا مشيت·
شُلّ الموظف في مكانه، ولم يمش بعدها أبداً·
كان الضابط أسعد أفندي يجلُّ الشيخ كثيراً ويحسن معاملته· ليس لأنه ينفّذ التعليمات والأوامر العليا فقط، ولكنه يشعر بمحبة خاصة للرجل في نفسه، وبجاذبية جارفة نحوه· والأرواح تتجاذب وتتنافر دونما معرفة الإنسان للأسباب ودونما تفسير·
في آخر مرة التقاه فيها، دعاه إلى الغداء في منزله· قَبِل الشيخ الدعوة بعد إلحاح شديد، مع وعد أسعد أفندي بأن لا يتأخر الغداء حتى لا يعيق ذلك زيارة الشيخ لأقاربه في المنطقة·
عندما فرغ المجلس من زملاء العمل من الضباط والموظفين الذين حضروا الغداء، قال الشيخ: كرّمك الله يا أسعد أفندي· وأشكرك أن أوفيت أيضاً بوعدك باستعجال الغداء·
- الله يحيّيك يا شيخ· لقد شرفتنا بمجيئك·
- أحسن الله إليك· منذ متى وأنت بعيد عن مكة؟
- هذه هي السنة الرابعة·
Page 6
- وكل هذه المدة في أبها؟
- لا· ولكن المدة الأطول فيها·
- ما أشوف عندك >عُوال<· هل تعيش وحيداً؟
- بل أعيش مع زوجتي، وكانت عندنا بنت· توفاها الله منذ عام ونصف تقريباً؟
- سيعطيك الله إن شاء الذرية·
- الله كريم·
- هل عندك شيء من صنع يدك؟
- مثل ماذا؟
- أي شيء كنت صنعته·
- نعم·
- أحضره·
أحضر سبحة من اليُسر سوداء اللون من الغرفة الداخلية·
- هذه السبحة، يا شيخ، مصنوعة من عروق اليسر، وهو نبات يستخرج من البحر· كنا ننزل من مكة إلى جدة لنشتريه ثم نقوم بتقطيعه قطعاً صغيرة، ونصنع منه السبح· تلك كانت حرفة والدي وجدي· وكنت أعمل في ورشة والدي قبل أن أنخرط في الخدمة العسكرية، بعدما تخرجت في مدرسة الشرطة في عهد الشريف الحسين·
Page 7
- ما شاء الله·· إنها جميلة·
- كنت، على الخصوص، متفوقاً في صناعة أئمة وشواهد السبح، فهي تحتاج إلى مهارة، بالإضافة إلى الذوق في التصميم·
أخذ الشيخ يتفحصها بإعجاب كبير· بدأ يطويها صفاً فوق صف على قدر عرض راحة يده، ويقرأ في نفسه سرًّا·
ملأت السبحة يده اليمنى تماماً· وضع يده اليسرى على اليمنى· طلب أن يضع أسعد أفندي يديه متقاربتين تحت يديه المضمومتين على السبحة· ضغط الشيخ ضغطة هيّنة· بدأت قطرات الماء تنحدر إلى راحتي الضابط الذاهل·
- إغسل به وجهك·
غسل وجهه منفذاً أمر الشيخ كمن كان تحت تأثير تنويم مغناطيسي·
- سوف ترزق، إن شاء الله، بالذرية· وأوصيك· إذا جاءك ولد أن تسميه محمد·
- الله يستجيب لك يا شيخ·
أعاد له مسبحته· هبَّ واقفاً في حركة نشطة· اتجه إلى الباب·
- أسترخص الآن·
لما رأى شدة إعجاب الشيخ بالسبحة، أسر أسعد أفندي في نفسه، أن يهديها إليه تذكاراً، فحاول عند الوداع أن يجعله يقبلها· رفض الشيخ بتصميم شديد·
- لعل أحداً ينتفع بها يوماً ما يا أسعد أفندي!
Page 8
العودة إلى الورشة
كانت الحالة التجارية في مكة المكرمة راكدة نسبياً، عند دخول الملك عبد العزيز في عام 1343هـ، وفي العام الذي تلاه· تلك حالة طبيعية تحدث في أي مكان، عندما ينتهي حكم ويأتي غيره· ولأن مكة المكرمة كانت تعتمد كلياً على ما ينفقه الوافدون إليها من المعتمرين والحجاج، فلا عجب إن هي تضررت اقتصادياً، بسبب قلّة عدد القادمين الخائفين على أنفسهم، من الصراع السياسي والعسكري في الحجاز· وصناعة السُّبَح مثلها مثل الحرف الأخرى التي أصابها الكساد والركود·
كان أسعد أحد ضباط الشرطة في عهد الشريف الحسين· جمعهم ابنه الشريف علي بن الحسين في جدة· نبأهم بأنه سوف يغادر البلاد لعدم استطاعته الصمود أمام قوات الملك عبد العزيز الزاحفة، فعاد أسعد إلى بلده الذي يحب مكة، لينضم إلى أخيه عبد الإله وأخته أميمة فيها·
عبد الإله الذي يصغره بسنتين، كان رجلاً أمياً يعمل في صناعة السبح في ورشته الصغيرة التي كانت تزحم غرفة المقعد ببيته· رجل عاثر الحظ، قليل المال، مزواج· أما أميمة التي تكبر أسعد بثلاث سنوات، فقد ترملت بطفل وطفلة· كانت تصلها من حين لآخر بعض الإعانات الضئيلة التي يرسلها أهل زوجها المتوفى، فتُسيِّر بها أمورها في البيت القديم الصغير·
يقع البيت في منتصف طريق الصاعد إلى قمة جبل السبع البنات· ورث الطفلان البيت بمشاركة عدد من أقارب الزوج الذين وافقوا على ترك أميمة وأبنائها ليعيشوا فيه بمفردهم·
بُني البيت من ثلاثة طوابق على سفح الجبل دون تمهيد، مما جعل صخور الجبل تظهر في إحدى غرف الطابق الأرضي، وفي غرفة أخرى بالطابق الأول·
سكنوا في الطابق الأول والثاني· أما الطابق الأرضي فمكون من غرفة واحدة مهجورة يسمونها المخزن· ونادراً ما يخزنون فيها شيئاً لأن بابها خارج الجزء الذي يعيشون فيه، ومباشرة على الزقاق· فلو خزنوا فيها شيئاً، فعليهم الخروج من البيت إلى الزقاق، ثم ينزلون ثمان درجات من درجات الزقاق للوصول إلى بابها· ثم يأخذون ما يريدون أخذه، ثم العودة إلى السكن· وهذه مشقة على امرأة تعيش مع ابنها الصغير وابنتها الشابة في وقت مضطرب· بل في أي وقت كان·
Page 9
شعر أسعد أن الغرفة المهجورة المعزولة ستكون مسكناً مناسباً ليعيش فيه بمفرده بعد عودته من جدة، إلى أن يدبر أموره· طلب من أخته السماح له بذلك· وافقت فبدأ منذ يومين في تنظيفها·
قالت له وهما يرتشفان فنجانين من الشاي في عصر أحد الأيام:
- الحمد لله أنك رجعت إلى بلدك·
- يا رب لك الحمد والشكر·
- ماذا تريد أن تفعل؟
- أعود إلى الصنعة·
- صدق من قال: صنعة في اليد أمان من الفقر·
- نعم·
- لكن الحجاج لم يعودوا بالكثرة السابقة·
- كيف عرفتِ هذا؟
- لم يعد يأتينا المطوفون لاستئجار الغرف، كما كانوا يفعلون في السابق·
- في الحقيقة، الكساد يعم معظم الأشياء إن لم يكن كلها·
- ربنا، إن شاء الله، يحسّن الأحوال· هو اسمه الكريم·
- قولي لي، لماذا لا تلحقي ابنك يوسف بدار الأيتام ليخفف عليك من المصاريف، وفي الوقت نفسه ينفع نفسه، ويتعلم في مدرستها·
- وأتركه يعيش بمفرده هناك؟
- لن يعيش وحده· سيكون له زملاء في مثل سنه· وسوف يتوفر له الأكل الجيد، والملبس النظيف، فماذا تريدين أفضل من ذلك؟
Page 10
- والله لا أدري يا أسعد·
- هذا في مصلحة الولد· اسمعي كلامي، وسوف أدبر أمر التحاقه·
- إن رأيت أن هذا في مصلحته، فعسى الله أن يكتب له ما فيه الخير·
- على فكرة·· الفئران كثيرة في المخزن·
أجابت بقهقهة عالية: من كثرة المؤن! ها ها ها·
- ليس في المخزن مؤن لهم غيري، اليوم اشتريت ثلاث مصائد وكلها أدت وظيفتها بكفاءة·
- تعلم أنه مهجور منذ فترة طويلة·
- ومظلم ورطب·
- ما رأيك لو تسكن معنا هنا، وتجعل المخزن ورشة للعمل؟
- لا أريد أن أضيّق عليكم·
- تضيق علينا؟ أترك عنادك يا أسعد· الحمد لله البيت كبير، ويكفي لأن نخش رؤوسنا فيه جميعاً·
- ربنا لا يحرمنا من بعض·
- أين فنجانك؟
كانت قطع الزجاج وعلب الصفيح الملقاة على سفح جبل أبي قبيس تعكس عليهما أشعة الشمس المنحدرة للمغيب وهم في منزلهم بسفح جبل السبع البنات بأجياد· كانت كأنها نجوم لماعة على سفح الجبل القاحل المتجهم ذي اللونين الأسود والرمادي· لقد بعثت فيه شيئاً من نشوة الحركة والحياة قبل أن يموت الضياء الذهبي المؤنس·