eKtab
EN ع
جدارية سيدة العواصم
Read free sample

جدارية سيدة العواصم

by هشام إبراهيم الأخرس

Page 1
المقدمة
 
عمّان التي تسكن القلب والروح لها كل الذكريات في ثنايا القلب والبال، وهي مسقط الرأس والقلب معاً، وفيها قصصنا وحكاياتنا وفقرنا وأجمل أيام العمر التي التصقت بالروح وبقيت تتحكم في مشاعرنا إلى يومنا هذا برغم التقدم والتمدن والحضارة.
 
عمّان هي سيدة العواصم والمدن الكبيرة، وستبقى عمّان الأم الحنون والمدينة التي تحنّ علينا في بردنا وفقرنا.
 
لها الحب
 
ولها المجد
 
والخلود
 
هشام
Page 2
جدارية سيدة العواصم
 
بلا بحر يا عمّان، وعطشى يا سيدة العواصم والمدن الكبيرة, ولا يعرف عمّان جيداً إلا من وقف على أبواب السفارات هارباً منها وباحثاً عن الدولارات في كلفورنيا أو شيكاغو، حيث لا عشائر تتبرع بالدم هناك، ولا رفيق يقرضك وقت حاجة ولا أصدقاء, عمّان يغضب منها سائق تكسي في أزمة سير ويصالحها في المساء, لا شيء أخضرَ في عمّان سوى القلب الذي التصق بآخر شجيرات أزالها صاحب البستان كي يبني عمارة ويؤمّن مستقبل أطفاله ويبخل على عمّان, وعمّان لا تنام وعند هدوء شرقها يتراقص غربها وتزدحم الأماكن وتمل شوارعها من فوضى المركبات التي تتكاثر كما الذباب وتأخذ حصة من الأرصفة المتعبة.
 
عمّان لا تأبه بعواصم تحاول أن تغيظها وتقف لتفاخر الدنيا بمسرح الرومان، وشعبٍ يحملها على الأكتاف، ومغترب يبكيها ويبكي سهرة على طرف شارع، ويبكي طعم الفلافل والمناسف، ويبكي على مشاجرة فاتت ولم يحضرها مع الأصحاب، وكان قد حلها رئيس المخفر بالميانة, وعمّان تتوسد الروح مثل عشق اليافعين، وعمّان سر جمالها بفوضى اللون المزركش مثل حبل غسيل لعائلة مستورة, وعمّان هي عمّان التي تملكنا كما نحن نملكها وتوزع العدل بين الجوامع والكنائس، ووحدها تملك سر التمسك بالأرض وتلفظ بائعيها الغرباء.
 
عمّان بشرى الفقراء الطيبين وذكرى الأغنياء وقصة إصرار يصنعها عامل وطن على شوارع مليئة بأعقاب السجائر وأكواب القهوة التي تباع كما العصائر على جنبات الطرق, وعمّان تمحو تعب الجسد بفرح الروح وتغطي مريضها بأهدابها، وفيها ارتباط الناس بالناس منذ أن ذوبت حرارة الحب برودة الأجواء، وتصاهر النابلسي مع الشيشاني والعبادي مع الشركسي، ومنذ أن حضنت عشائر البلقاء الأسى في عيون ضفاوية.
 
عمّان، وهذا السواد ليس تلوثاً ولا انبعاث العوادم، إنه شالها الأسود والذي يخفي جمالها عن الأقمار التي تتجسس على الحب والتمدن وتكنولوجيا التفاهم على توزيع الأرزاق.
 
عمّان انبهار السياح الأجانب الذين يحملون كاميراتهم لتصوير جمالها، ويمشون سيراً على الأقدام في شارع طلال للبحث عن أشياء تحكي عن تراثنا، ومكتوب على طرفها صنع في الصين, وعلى عملات قديمة صكها الشباب في القرن العشرين وتعتقت بالغش والطمع.
 
عمّان وحكاية لرب أسرة مل من ضوضائها، وساق نفسه لرحلة استجمام بعيدة فلم تصبر الروح على بعدها وعاد متأثراً والقلب يعتصر ألماً من فراقها.
Page 3
عمّان تحكي قصصاً لأطفال يبيعون البالة في أسواقها وطفلة تمسح الحزن عن زجاج سيارة فارهة على إشارة عبدون، وامرأة تحمل رضيعها وتتلقط رزقه من دكاكين عتيقة في شارع طلال.
 
عمّان هي فوضى الأفراح وحفلات التخرج وسهرات النجاح وبيت فرح أقامه شاب على طريق عام، وعمّان صباح الإذاعات والشكاوى التي تنتشر عبر الأثير في فضاءات جرح، وعمّان زنبقة بيضاء على رصيف فيلا في عبدون يحرسها اثنان من الحرس خوفاً عليها من الأغنام التي ما زالت تسرح قرب السفارة الأمريكية برغم التمدن والحضارة، وعمّان بسطات للخضار على جنبات الطرق وبائعة للبيض على طريق المطار، تبيعه منذ عقدين ونيف، وعمّان أسرار الليل في قلب فتاة تنهي عملها قبل الفجر لتلحق بركب المصلين جماعة، وكانت تغني أغاني الشوق قبل قراءة القرآن، وعمّان باصات ما ملت تنقل الركاب وتخالف القانون في وضح النهار و(كنترول) يضع في أذنيه السماعات ولا يسمع صراخ راكب أراد النزول وراكب شيخ كبير يتأفف من هول المنكرات ورائحة السوابق في جسده.
 
وعمّان طلاب جامعة يافعين قد دخلوا للتو كلياتهم وأطلق عليهم من سبقوهم (سنافر)، دخلوا وبأيديهم قلم ومسطرة وقنوة، ولهم حكايات حب ومشاجرات على إثبات الرجولة والنسب.
 
عمّان شتاءً، سيول تجري في الشوارع وإعلان طوارئ وعمال أمانة كبار في السن ويتعكزون على مجارفهم وانقطاع كهرباء وأزمة على المخابز ومحطات الوقود ومناهل للصرف الصحي تصرف مكنوناتها على شوارعها وسيلها المختبئ في أحشائها.
 
عمّان ربيعاً، عشبة تشق بلاط الرصيف ورحلات لطريق المطار ورائحة جميلة تسرح بالأفق وختيار سبعيني يقول :
 
( الحمد لله عمّان إنغسلت )
 
عمّان صيفاً، أزمة سير، أزمة مشاجرات، أزمة مرونة وحياة تسير على عجل وسيارات لشرطة النجدة تحرس مدارس البنات من عبث الطلاب الهاربين من على أسوار المدارس, ومغتربين يكتظون في أزقتها ويشترون كل أشيائها الجميلة لتحرسهم في غربتهم عنها.
 
عمّان سيدة العواصم والمدن الكبيرة تستقبل الضيوف من بواباتها فتحرس الزرقاء شرقها وتحرس السلط غربها وتحرس جرش شمالها ويتكفل البدو الطيبون في جنوبها حيث المطار ومخيم بعيد يحكي قصة انتظار.
Page 4
عمّان شمس العواصم ودرة المدن الكبيرة وعمّان على أطلالها غنت فيروز وكتب حيدر أشعار عشق وجمال وعمّان تعشق ذاتها وتطلق عنانها بآهات عشق وزغرودة على لسان امرأة في الأربعين وبحة في صوت إمام مسجد كبير كان قد صلى في الناس على صوت السماعات.
 
عمّان وفتاة تدرس الكيمياء، وتعمل منذ الصباح في مطعم لبيع الوجبات السريعة، وتحدثت عنها جاراتها غيبة ونميمة، وشاب بيده آلة حاسبة ويحسب تكاليف زواجه ويلعن الحظ والوقت (ألف ذهب, ألف غرفة نوم, خمسمائة لطقم الكنب, ألف كسوة, ألف صالة, غسالة ثلاجة تلفزيون غاز) ويصرخ في أمه الحنون (لماذا خلفتموني).
 
عمّان لها شوق في قلوب الغائبين وعمّان لوحة سريالية يصعب حلها ولغز في فم بدوي من الطراز القديم، وعمّان عمرها ألف عام وأمانتها احتفلت بمئوية فقط, إنهم يريدونها عروساً وهي تعتقت في الشيب منذ سبيل الحوريات وجرار الماء على أطراف السيل وفيلادلفيا وأهل الكهف ومربع لخطوط التجارة بين الشام والعالم.
 
عمّان تحرسنا وعلى أكتافها تعب السنين وتعطي كل مواطنيها الحصانة.
 
عمّان تسمعنا
 
عمّان تجمعنا
 
عمّان تصنعنا
 
عمّان توزعنا كل صباح
 
عمّان ترافقنا حيث اتجهنا
 
وتمسح عن جباهنا حبات العرق
 
وتنشر في أفقنا الألق
 
وعمّان تستودعنا الله دائماً وتحن بأكفها علينا
 
فنكتب في مدارسنا وعلى كراستنا
 
عمّان أم المكارم
 
عمّان سيدة العواصم
 
عمّان سيدة العواصم والمدن الكبيرة
Page 5
في اللويبدة رائحة الياسمين
 
كنت صغيراً عندما قررت وصديقي زيارة اللويبدة ذات صيف, حيث قال صديقي إن كبار عمان يقطنون هنا، كنت أناظر البيوت العتيقة وأسترق السمع لصديقي عندما قال جملته فوجدتني أسرح بمخيلتي وكأني أشاهد كبار عمان وبيوتهم وسياراتهم وحياتهم وحديقتهم، فتكونت لدي صورة عن جبل اللويبدة منذ عشرين عاماً ولم تتغير.
 
جبل اللويبدة حيث كان يسكن الأغنياء وحيث كنت تشاهد البنات الجميلات وشباباً كانوا يمشون ويحملون كتباً ومجلات حيث كانت تباع في الدكاكين هناك، وثمة شاب وحبيبته يلتصقون على جدار لوزميلا، وآخرون يمرحون في حديقة عليها حارس ستيني لطيف، وشاب يافع يصعد درج البلد وبيده مسطرة تشير إلى جامعته.
 
مشينا، وقال صديقي هنا كانت دار كلوب باشا، ذاك الذي طردناه على حين ثورة, وقال إن في اللويبدة عاش وزراء وزعماء وقادة، وقال هناك بيت زيد الرفاعي، وكان الحرس دائماً ما يعطوا آباءنا خبز الجيش، وفي الأفق هناك سكنت أميرة، وهنا زار الحسين رفاقه، ومن هنا مرّ عرار، وهنا تغنى في أفق عمان مؤنس الرزاز.
 
في اللويبدة رائحة الياسمين وبيوت قديمة توزّع الجوري على أسوارها ودار للفنون اشتراها شومان للمبدعين هناك وبلكونة مطلة على السواد الذي ينبعث من فوضى عمان ووسط البلد وعلى رائحة عرق العمال المتعبين.
 
في اللويبدة التقيت وسميح القاسم، وهناك كان قد ألقى ما جاد به من ألق، وغنى لفلسطين، وقال: تقدموا تقدموا, وهناك شاهدت لأول مرة رسمات كان قد أبدعها ناجي العلي قبل أن يموت على ورق صحف اغتالته قبل الممات.
 
في اللويبدة قلب عمان القديمة ومسكن التجّار والسياسيين والمثقفين قبل أن يغادروها إلى عبدون التي تعجّ بالمال وفوضى المولات والكتب التي استبدلوها باللاب توب والبلاك بيري، وللوحات تشكيلية استبدلوها بفن المكائن من صنع الصين.
 
لا زالت اللويبدة ترسم على صباح عمان الألق، وتنثر عبير ياسمينها المعتق في سمائها، وتعج بالأحاسيس التي تولد هناك وتموت حيث ننوي مغادرتها إذ ما نوينا التوقف عن متعة الروح عندما تلتقي بالروحِ وسط غيابها.
 
للويبدة مكانة وسط قلوب أهل عمان وزوّارها وسيّاحها منذ الرفاعي وسليمان النابلسي وحسني فريز إلى يومنا حيث ستبقى قلب عمان وقلب الوطن النابض عشقاً وحباً وثقافة لا تموت.
Page 6
ضوضاء في أزقة عمّان
 
عمان ترخي جدائلها فجراً، وتستيقظ مبكرةَّ، ويصحو على أصوات الجوامع فقراؤها المتعبون، ومن لا يملكون زجاجاً عازلاً للصوت ومن لا يسمعون موسيقى بيتهوفن تصدح في غرف نومهم، ويطلبون الرزق مبكرين, وتبدأ الطرقات بالازدحام ويختلط الجميع بالجميع وتبدأ حكاية عمانية جديدة.
 
يبدأ بائعو الخضار المتجولون بالصراخ في أزقة أنهكها الزمن، وتأتي لنفس الأزقة سيارة الغاز وأخرى للدجاج الرخيص والطاعن في السن وأزرق الجنبات, وثمة بائع كعك متجول، وآخر يبيع الحليب وينادي بصوت عال (حليب بقر طازة) وكأن البقرة في سيارته ويحلبها للتو.
 
تبدأ الأزقة ذاتها بالذهول، وتصاب بتخمة الضوضاء، ولكنها تطلب المزيد لعل بائعاً آخر في الجوار كان قد استراح للتو في ظل شجرة زرعتها أمانة عمان منذ الروابدة أو ممدوح، وآخر قد خبأ أغراضه في متوضأ المسجد القريب وأرخى جسمه المنهك على بلاطه البارد أو سجاده المزركش بقطع تبرع فيها صاحب بقالة في الجوار ليطهر بها رفع أسعاره ذات صيف.
 
أزقة في حارتنا تنام عند نوم آخر شاب كان قد وصل للتو من سهرة في مقهى زهران مع رفاق الزهر والعجمي وثمة آخر عاد من بيت صديق بعيد كان قد قال لوالده إنني أدرس معه كيمياء المرحلة.
 
في تلك الأزقة مواسرجي الحارة وكهربجي الحارة ومصلح الثلاجات الذي ما دعوناه لثلاجتنا ذات خراب إلا وزاد الطين بله, وفيها مصلح الراديوهات واسمه أحمد ترانزستور، وفيها صاحب البك أب الذي دائماً ما كان يتحمل فقرنا ذات رحيل، أو عندما نشتري طقم الكنب من الجورة, وفيها صاحب البقالة وهو دكنجي الحارة وسمّانها وهو الذي يشتري من أمهاتنا علب "التوفي والناشد" عندما تأتينا في مناسبة عابرة ويستغل كثرها ويقلل سعرها، وأذكر أن حَجة من حارتنا قد أعادت للبقال علبة توفي بالخطأ وعندما فتحها البقال وجد بداخلها دفتر العائلة وفواتير الكهرباء والماء ووصولات لمستشفى البشير وصورة شخصية لرب الأسرة كان قد أخذها أمام الجامع الحسيني ذات يوم.
 
على أسوار أزقتنا هناك ملصقات لمرشحين غابرين منذ زمن، وإعلانات لبيت للإيجار أو شيخ يعمل الحجامة ويطلب الدعاء، وخرابيش لمراهقين قد بلغوا سن الحب للتو، وجدران مرهقة وزركشة طبيعية كونتها أحبال الغسيل على بلكونات تطل عليها.
 
أرواحنا قد تعلقت بعمان وشوارعها وسكنت قلوبنا وتعشعشت في ذاكرتنا إنها المدينة الأجمل والأروع والأحلى، ولا زالت أزقتها تنادي أن يا رفاق الضوضاء لا تبتعدوا عن المكان حيث إن ضوضاءكم صفاء الروح.
 
وعبق المكان
 
و قربكم حياة