eKtab
EN ع
جغرافية الباز الأشهب - قراءة ثانية في سيرة الشيخ عبدالقادر الكيلاني
Read free sample

جغرافية الباز الأشهب - قراءة ثانية في سيرة الشيخ عبدالقادر الكيلاني

by د. جمال الدين فالح الكيلاني

Page 1
مقدمة
 
الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
(فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)
 
سورة الرعد:الأية- 17.
 
 
 
أدت عوامل متنوعة ، في العقود الاخيرة ، الى وجود اهتمام متزايد ،بالتاريخ ،قراءة وتفسيرا وكتابة ، وهو اهتمام تولد من احساس عام بضرورة ادراك جذور الظواهر العامة في حياة الامة ادراكا سليما ،فلم تعد التبريرات التاريخية السالفة، بكافية لتفوز بقناعة المثقف ، ولم يعد هو يرضى بها دليلا يسبر به غور جذوره في عمق ماضيه ، و ان اعادة البحث في الجذور ، يعني اعادة قراءة الماضي ، ثم كتابته، وفق منهج علمي رصين ، يجلي الحقائق ويثبتها ، ((لعملية فهم)) للتاريخ جديد ، تنير الحاضر والمستقبل .
 
تفاصيل لكنها مهمة
 
تفاصيل حياة الكبار كبيرة في حد ذاتها، لها دلالاتها في شخصية صاحبها، وربما في توجهاته الاجتماعية والفكرية، ومن المحتمل أن تؤثر مسألة صغيرة لا تبدو مهمة في سلوك عام لشخصية ما، فالبشر لا يعيشون في فراغ، ولا خارج الجغرافية، وإنما هم أبناء طبيعيون لبيئتهم الأولى التي ولدوا فيها أو نشأوا في أفيائها، ومن ثم يصبح البحث في جزئيات هذه البيئة مطلوباً لاستكناه طبيعة من هو موضوع البحث والدراسة، وشخصية فذة كشخصية السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني ،تحتاج من الباحث اليوم أكثر من وقفة ومن تأمل، فالرجل الذي عاش في عصر صاخب كثرت فيه الصراعات الاجتماعية، والاتجاهات الفكرية، حتى لاحته تلك الصراعات بأتونها، قدم إلى بغداد شاباً فتياً، فجاب محلاتها، ودرس على أيدي علمائها، وتأثر بأجوائها العامة، فلم يكن إذن إلا أحد أبنائها، بغدادياً في نشأته ودراسته وثقافته، وشيوخه وطلبته ووفاته ومدفنه، فلم تكن مسألة تحديد مكان ولادته وقضائه سني حياته الأولى تلقى من اهتمام الباحثين ما يذكر، وكان بعض المؤلفين قد ساق رواية تفيد بأن منشأه الأول في بلاد جيلان، في اقليم طبرستان، وأنه لهذا السبب نسب إليها، وذاع خبر هذه الرواية لدى من جاء من بعده من الكتاب والمؤرخين، إلا أن من الباحثين المتتبعين من لم يكتف عند حدود الرواية المذكورة، فأعلنوا شكهم فيها، على أساس وجود مواقع عدة في العالم ومنها العراق تحمل اسم جيلان، وجيل، منها بلدة تقع في جنوب بغداد ، نسبه اليها مؤرخون اخرون ولكنها لسبب ما بقيت في الظل ولم تأخذ مكانتها بل أنهم ربطوا بين منشئه هذا وبين ثقافته التي كانت منذ أول قدومه بغدادية في مفرداتها، أدباً وعلماً وشعراً ودرساً وتأليفاً ومحاضرة. والدكتور جمال الدين فالح الكيلاني من المهتمين بدراسة حياة السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني، فقد أولاه أكثر من دراسة وبحث وتحقيق، وعني بتتبع كثير من التفاصيل التي لم يولها السابقون من استحقاق و اهتمام، ووقف على مسألة موطن الشيخ الأول، وتتبع الروايات السابقة التي تناولت هذا الأمر، وقارن بينها، ورجع الى كتب البلدانيات الإسلامية، ورحلات الرحالين، وقد استغرق منه جهداً جهيدا ووقتاً طويلا، وخلص موفقا إلى تقرير ولادة الشيخ كانت في بلدة جيلان التي في العراق، وليس في جيلان الواقعة في المشرق الإسلامي.
 
وأنا على يقين من أن هذه المسألة كانت تستحق ما بذله الدكتور الكيلاني فيها من جهد ووقت، واطلاع على مختلف الروايات والمصادر والدراسات، لاهميتها التاريخية والجغرافية ،و هذا شأنه في الكتابة العلمية، و ما عهدته فيه منذ عهد بعيد، إن غيرته على الحقيقة، وحبه العجيب للتاريخ، وتأسيه بسير العظماء، وشغفه باحياء التراث الإسلامي، أمور يتميز بها ، وهي السبب وراء ما تحظى به بحوثه من تقدير، فبارك الله فيه وفي بحثه، وعسى أن يستمر في القاء الضوء على مثل هذه الشؤون التاريخية إن شاء الله تعالى.
 
دكتور/ عماد عبد السلام رؤوف
Page 2
كلمة الاستاذ الدكتور ماجد عرسان الكيلاني
 
ان تحقيقكم ، لمحل ولادة الامام المصلح عبد القادر الجيلاني ، مجهود مضني ، ومفاجأة سارة ، برفع الانقاض عن حادثة تاريخية ، بقيت مغيبة في الظل ، خصوصا اذا كنا لانعرف الكثير عن حياة الجيلاني المبكرة .
 
عملكم في نظري ، لؤلؤة تم جلوها ، كما يجلو الغواص لالئه ، حين يخرجها من اعماق البحر، لتاخذ مكانها الصحيح بين حقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا .رحم الله الحسن البصري، بقوله : من لم يكن له عقل يسوسه لاينتفع بكثرة روايات الرجال .
 
دكتور ماجد عرسان الكيلاني
Page 3
كلمة الاستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور
 
التاريخ الإسلامي ، متعدد الروايات ، لذلك ، أن مهمة المؤرخ والمحقق هي غربلة ما جاء في كتب التاريخ ومناقشته ومحاولة الوصول إلى الحقيقة ، إذ يجب أن يكون المؤرخ قاضياً عادلاً خصوصاً أنه يحكم على التاريخ
 
وعليه أن ينتصر للحقيقة فقط ،
 
تحقيقكم لمكان ولادة شيخ الاسلام عبد القادر ، صاحب الاسم المضيئ ، في تاريخنا ، هو انجاز علمي ، يعيد الى الاذهان ، اهمية فحص الروايات وعدم التسليم بها الا بعد التدقيق.
 
دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور
Page 4
كلمة الاستاذ الدكتور محي هلال السرحان
 
ان تحقيق تراثنا بطريقة علمية ، وتقديمه للناس ، مطلب حضاري ملح ، خصوصا وسط الكم الهائل من الروايات المختلفة للحدث ، وهذا يتطلب ، مؤرخين حرفيين ،يمتلكون ادواتهم ، واراك قد وفقت في بحثك عن ولادة سيدنا عبد القادر الجيلاني ، في العراق ، وقدمت لنا دراسة تستحق الاعجاب .
 
دكتور محي هلال السرحان
Page 5
كلمة الاستاذ الدكتور رشيد الخيون
 
الشيخ عبد القادر الكيلاني، سن سنة حسنة بإحاطة التصوف بروحيته، وجهده في إدامته، فاليوم حيث تجد القادرية ينتصب أمامك الشيخ عبد القادر ، الباز الأشهب، بنظرة واثقة مشجعة على السلم الاجتماعي بعيداً عن تسييس الدين وتحزبه، وللتصوف القادري دوراً مرموقاً في هذا المجال. ولي الشرف أن عشت ردحاً في أيام الدراسة مجاوراً لتربته.
 
كان جهد الباحث الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني ،المعروف بالدقة والموضوعية ، حفيد المحتفى به، بإعادة كتابة سيرة جده الشيخ ،وفق منهج البحث التاريخي، جهداً فيه الكثير من الوفاء والأصالة والرصانة ، وهو جزء من مهمة إحياء التراث الإسلامي، وما ينفع في مواجهة التشدد والتعصب، وما ترفع من رايات باسم الدين. آملين أن يصل الكتاب إلى قراء العربية، ويسد حاجة من احتياجات البحث.
 
دكتور رشيد الخيون
Page 6
كلمة الاستاذ الدكتور محسن مهدي
 
مما لايقبل الشك ان هذا الكتاب يعد اضافة متميزة للدراسات التاريخية وللنقد السيري ، في ان واحد فقد سعى الباحث الكريم د.جمال الكيلاني لدراسة سيرة جده دراسة اعتمدت نقد الرواية التاريخية نقدا خارجيا وداخليا وترجيح النص بمقارنته مع الوقائع والادلة الثابتة، ليميط اللثام عن حقائق مغيبة ، فكان هذا الكتاب بحق، يستحق الاشادة والتنويه لاصالته وجدته وقوة حجته واقناعه ، وفق الله الباحث لمزيد من الدراسات الجادة .
 
دكتور محسن مهدي
Page 7
كلمة الاستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد :
 
البحث يوصلنا الى الحقائق والعمل الجاد في البحث يوصلنا الى الابداع والتالق ،عكس الباحثين الذين يستسلمون للبحوث والكتابات والتصورات السابقة فتكون بحوثهم ميتة خالية من الابداع وانت ، بدراستك هذه كنت من المبدعين الجادين ، نتمى لك المزيد من الابداع .
 
دكتور كمال مظهر أحمد
Page 8
كلام للامام النووي
 
ما علمنا فيما بلغنا من التفات الناقلين وكرامات الأولياء أكثر مما وصل إلينا من كرامات القطب شيخ بغداد محيي الدين عبد القادر الجيلي رضي الله عنه , كان شيخ السادة الشافعية و السادة الحنابلة ببغداد وانتهت إليه رياسة العلم في وقته, وتخرج بصحبته غير واحد من الأكابر وانتهى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق وتتلمذ له خلق لا يحصون عدداً من أرباب المقامات الرفيعة, وانعقد علية إجماع المشايخ والعلماء بالتبجيل والإعظام, والرجوع إلى قولة والمصير إلى حكمه, وأُهرع إليه أهل السلوك من كل فج عميق. وكان جميل الصفات شريف الأخلاق كامل الأدب والمروءة كثير التواضع دائم البشر وافر العلم والعقل شديد الاقتفاء لكلام الشرع وأحكامه ، معظما لأهل العلم مُكرِّماً لأرباب الدين والسنة, مبغضاً لأهل البدع والأهواء محبا لمريدي الحق مع دوام المجاهد ولزوم المراقبة إلى الموت. وكان له كلام عال في علوم المعارف ، شديد الغضب إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى ، سخي الكف كريم النفس على أجمل طريقة. وبالجملة لم يكن في زمنه مثله رضي الله عنه .
 
الامام النووي
Page 9
كلمة الباحث :
 
لسيرة السيد الشيخ عبد القادر الجيلي(470-561 هـ/1077-1165م) أبعاداً مختلفة تهم الباحث في تاريخ الفكر العربي الإسلامي عامةً والمعني بدراسة الشخصيات الإسلامية المؤثرة في أواخر عصر الخلافة العباسية خاصة، لما له من دور كبير في عصره أثناء الحروب الصليبية إذ أدّى دوراً خاصاً في أعداد وتوجيه وتربية،جيل من الدعاة الذين أسهموا مع صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس الشريف.
 
أستأثرت سيرة الشيخ عبد القادر الجيلي بإهتمام عدد كبير من المؤلفين والباحثين في عصره وفي العصور التي تلته وما يزال موضوعاً قيماً للباحثين والدارسين في العالم الإسلامي.
 
 
 
لم ندخل لدراسة (مكان ولادة الشيخ عبد القادر الجيلي) بمنطق البراءة والدهشة التي وفرتها الكثير من المصادر التاريخية المتعددة والتي انساقت الى دور الخيال المؤدي الى صناعة الخرافات ودورها الحاسم في تفسير التاريخ ، لقد كان الشك دليلنا في تناول موضوع دراستنا (الملغز و المضبب)، لذا قد اطلعنا على الكثير من المصادر التاريخية والمعاصرة ،ولم يدهشنا اسم هذا المؤلف المشهور او ذاك ولا الاجماع المسبق على استنتاج معين بخصوص حادثة ما في التاريخ .
 
ليس حبا في الاختلاف فقط –رغم مشروعيته- ولكن لاعطاء الواقعة التاريخية حقها الكامل وبشفافية تضمن لها الصدقية .
 
وازاء الكم الهائل من المصادر والمراجع والدراسات والبحوث القديمة والمعاصرة ،بذلنا الجهد الوفير لرصد المعلومة من مختلف المصادر وتبويبها للوصول الى النتائج المناسبة وكتابة تسويات تأريخية ،ولسنوات عدة كان الصبر دليلنا .
 
ومن اجل استكمال هدف دراستنا الموضوعي والجاد ،تجنبنا الانسياق وراء العاطفة والحماسة الزائدة والتي كانت فخاخا وقع فيها بعض الباحثين في ملاحقة الاحداث ،مكتفين بما قدم لهم من روايات في متون ومراجع التاريخ اللامعة والاثيرة لديهم .
 
وبعد،فأن غايتي في كل ماكتبت هو الوصول الى الحقيقة مجردة عن الهوى ، والغرض ، من خلال تقديم "عرض واف وتفسير جديد" للسيرة القادرية ،وعلى كل حال آمل ان يكون من شأن هذه الدراسة ملأ فراغ متواضع في حقل الدراسات التاريخية ،المكرسة للبحث في جوانب تدخل في ايطار "المسكوت عنه" و "اللامفكر فيه" من سير اعلام الامة ومنهم ، الشيخ
 
عبد القادر الجيلي .
 
وبعيدا عن الطابع "الاكاديمي" يشرفني أن أذكر أني رأيت سيدنا الرسول صلى الله عليه واله وسلم في المنام في يوم أتمام دراستي هذه وبصحبته جدنا عبدالقادر ،وقد مسك بيدي اليمنى وأخرجني من الظلمات الى النور ...
 
ومن الله، التوفيق والسداد.
 
بغداد : جمال الدين فالح الكيلاني
Page 10
مدخل :
 
جيلان العراق : هي قرية تاريخية ،عراقية من توابع ، مدينة المدائن ومن معالمها المعروفة في التاريخ والاثار ، و تبعد 40 كيلو متر ، جنوب العاصمة بغداد ، وهي بابلية/ عراقية قديمة الاصل والتسمية ويؤكد الدكتور بهنام ابو الصوف ان كل المدن التي حملت الاسم ذاته اخذت اسمائها من جيلان البابلية(1) ذكرتها عشرات المصادر والمراجع التاريخية والجغرافية وكتب البلدانيين العرب (2) واليها ينسب العديد من الأعلام ولعل من أهمهم الشيخ *عبد القادر الجيلي ،الإمام والفقيه والمصلح ، الذي يوصف بـ "تاج العارفين" و"قطب بغداد" و"باز الله الاشهب" الذي غرس بذور النور في ارض الظلمة ، وترك في خلق الله عشقا ملك القلوب! (3) .
 
إليه تنتسب الطريقة القادرية الصوفية والذي ساهم في اعداد جيل صلاح الدين الذي حرر القدس الشريف من الصليبيين(4)