Page 1
قائمة الأحداث التاريخية
- تموز (يوليو) 1789 الثورة الفرنسية وسقوط الباستيل.
- 1815 سنة الجراد الحالق، واحتلال البريطانيين رأس الرجاء الصالح من الهولنديين.
- 24 أيار (مايو) 1819 يوم مولد الأميرة فيكتوريا.
- 1820 سيطرة قبائل السعدان على كامل أراضي الغرّابة.
- 12 آذار (مارس) 1821 وفاة الشيخ أريب، وإعلان الحداد العام.
- 23 نيسان (إبريل) 1822 إعلان استقلال غاردينا شو، وتتويج الملك داهي عليها.
- 2 حزيران (يونيو) 1825 إعلان استقلال آرياستيكا من تحالف القبائل المهاجرة من جنوب أفريقيا وأوروبا بقيادة داوود آل غودي، ونكبة أهل الميزاب.
- 24 أيار (مايو) 1830 يوم زفاف الأمير مهدور على ترياق القرمية، والذكرى الحادي عشرة لمولد الأميرة فيكتوريا.
- 1837 تتويج الملكة فيكتوريا بعد وفاة وليام الرابع.
- 30 آذار (مارس) 1840 وفاة الملك داهي من لدغة ثعبان البامبا، وإعلان تتويج بحر ملكاً على غاردينا.
- 1 كانون الثاني (يناير) 1847 إعلان زواج بحر من ساره هاميلتون.
- 1848 كارل ماركس وفريدرك إنجلز يطلقان البيان الشيوعي، (The Communist Manifesto).
- 1 كانون الثاني (يناير) 1850 إعلان مولد الأمير هاميلتون (ابن بحر)، وحصار بصيرة.
- 5 كانون الثاني (يناير) 1850 بدء معركة القصر ودمار البصيرة.
- 14 نيسان (أبريل) 1852 نهاية الحرب الأهلية في غاردينا.
- تشرين الأول (أكتوبر) 1853 سفر ترياق القرمية إلى القرم ثم غرقها.
Page 2
المقدمة
بقلم عزيزة بني هاني
"...يؤمن الصحراويون بأن الطبيعة التي يعيشون بها زائلة وغير سخية وعنيدة في نفس الوقت، ما يعني أنهم يعتبرون وجودهم فيها مؤقتاً ويظنون بها الزوال في أي وقت، وتكون بالتالي مرتعاً لنمو عادات الحسد والطمع والتصيد لأخطاء الآخرين، وحب الانتقام من المنافس أو القضاء على وجوده..."
مملكة غاردينا وجدت ولم تزل في دنيانا المعاصرة. وهي نموذج واقعي يحاكي كثيراً من أنظمة ودول العالم الثالث. وللضرورة السياسية، وبسبب الحساسية التي قد يثيرها التشبيه الفعلي للجغرافيا والتاريخ، فقد آثر الكاتب، وعلى ما يبدو لي شخصياً، أن يخلط الواقع مع الافتراض، والحقيقة مع الخيال، وأن يبتدع بعض الأسماء.
ما زالت قصة غاردينا تحتل حيزاً كبيراً من الحديث اليومي لقبائل الصحراء. فقد عاشت هذه القبائل بسلام نسبي حتى أتى المحتل الأوروبي في نهاية القرن الثامن عشر، وعاث بينهم فساداً وفتنة. ففرق الأخ عن أخيه وقطـّع الأرض إلى غربية وشرقية، وخلق فيها دولاً من شعوب دخيلة لم يكن لها وجود في المنطقة، وزرع الفرقة بين أهلها، وقتل الآلاف منهم خدمة لأطماعه المادية.
تقع أحداث هذه الرواية في صحراء جرداء، لكنها تمتد لتصل إلى جزيرة القرم (Cremea) في البحر الأسود ثم إلى كيبتاون (Cape Town) في جنوب أفريقيا. وتبدأ أحداثها بالصراع بين القبائل على الرياسة والمُلك والمراعي وواحات الماء المحدودة، في الوقت الذي يزداد السكان عدداً. وقد استغل المستعمر الأوروبي هذه الصراعات لإيقاع الفتنة بين أهل الصحراء، وتفتيت دولتهم الهشة من أجل مصالحه الاقتصادية والسياسية.
إن الصحراء بيئة قاسية، ليس على الصعيد المادي فحسب، بل على الصعيدين الثقافي والإنساني. ولا تنضبط الحياة فيها إلا بقانون خاص يتسامح مع القسوة، ويشجع على العنف وامتهان كرامة الإنسان. وكي يتمكن المرءُ من العيش في الصحراء عليه أن يكون متقد العقل ومفتوح العينين بشكل دائم، وإلا هلك من حيث لا يعلم.
والأفق في الصحراء واسعٌ وبعيد المدى، ما يساعد على تلمس المخاطر المحيطة، لكنه في نفس الوقت يجعل المرء مكشوفاً من جميع الجهات. وحيث إنّ موارد الصحراء محدودة، فإن المرء يعيش في صراع دائم مع الطبيعة، وهو مضطر بحكم موقعه أن ينافس الآخرين بشكل حاد. وقد يصل الحد في المنافسة إلى القتل من أجل الاستئثار بالموارد المحدودة.
Page 3
ويعيش أهل الصحراء حياة مشاعية وبدائية، فهم دائمو التنقل، وليس هناك ارتباط بينهم وبين الأرض. ولم يترسخ مفهوم الدولة في أذهانهم، حتى ولو انتظموا في دول ذات سيادة شكلية، لأن حبهم لحياة الصحراء وثقافتها يبقى مهيمناً على سلوكهم الذي يغلب عليه إيمانهم بمشاعية الأشياء. وهم في حياتهم الاقتصادية العامة شيوعيون بدائيون. وقد سبقوا الماركسيين في فهمهم لطبيعة النظام الشيوعي البدائي، والملكية العامة لوسائل الإنتاج. ولذلك فإن التنظيم الاجتماعي المتطور الذي يعكس مفهوم الدولة الوطنية ورأس المال المغامر ليس له وجود في أفكارهم، وليس له أساس في نظام دولتهم، حتى وإن حاول مجمّلوه أن يخلعوا عليه ثوب الحداثة والديموقراطية المشوهة.
إن غاردينا وتاريخها، كما وصفه الكاتب، يعكسان هذه المفارقات بشكل سافر. فغاردينا الدولة سبقت وجود المجتمع. وسبق وجود السلطة فيها التنظيم الاجتماعي الذي يُعتبر ضروريا ً لإرساء قواعد الدولة والقانون. وتبين النظريات الحديثة في الثقافة، أن ثقافة الصحراويين هي ثقافة يؤمن أهلها بأن الطبيعة التي يعيشون فيها زائلة، وغير سخية وعنيدة في نفس الوقت. ما يعني أن أهلها يعتبرون وجودهم بها مؤقتاً ويظنون بها الزوال في أي وقت، وهي بالتالي مرتع لنمو عادات الحسد والطمع والتصيد لأخطاء الآخرين، وحب الانتقام من المنافس أو القضاء على وجوده كما ذكرنا سابقاً. وتكون هذه الممارسات مقبول على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. وبسبب ذلك فإن البنى الاجتماعية والسياسية والقانونية والاقتصادية عادة ما تكون ضحلة ومهلهلة، وعرضة للسقوط أمام أول عارض قوي أو أزمة اقتصادية مؤثرة.
إن السؤال الرئيس الذي يمكننا طرحه في ظل هذا التصور عن المجتمع الصحراوي وإفرازاته: هل يمكن لمجتمعات الصحراء والبداوة أن تبني دولاً ومؤسساتٍ قابلة للاستدامة والاستمرار في ظل العولمة الثقافية والاقتصادية دون أن تتغير؟ أم أنها ستحافظ على طابعها الأصيل، ما يعني أنها ستتشوه ثقافياً واجتماعياً؟
تحكي غاردينا قصتها المحزنة من خلال هذا الفهم لطبيعة أهل الصحراء، وكيف أن الإنسان يضحي بأخيه أو أبيه من أجل المُـلك والثراء، وهو الصراع الذي يؤدي، إلى هلاك الجميع، ويفتح ثغرة للأجنبي كي يتسلل إلى هذه المجتمعات ويقضي على وجودها الأصلي، ثم يلحقها بذيله ويمتصها بأطماعه.
ولا بد أخيراً أن نتذكر أن أهل الصحراء يقاتلون على جبهات عديدة: منها الطبيعة القاسية، والمنافسة بين بعضهم على ما ظهر على السطح، وغيرها من الصعاب. لكن الأخطر هو أن هناك مستعمراً طامعاً بالخيرات الدفينة في أراضيهم! وهذا ما حدث مع غاردينا وأهل الغرّابة في الفترة 1800- 1900، وربما إلى الآن.
Page 4
الفصل الأول
الغرابة
"...نحن أهل الصحراء لا بواكيَ لنا إلا آلامنا ومعاناتنا...ولا ينبغي أن نركن إلا إلى إرادتنا وإيماننا بالنهوض والتقدم إلى الأمام..."
الشيخ أريب المكاسيري
(1756-1820)
Page 5
ليست إلا شعارات جوفاء...مجرد شعارات جوفاء...الإنسانُ إنسانان...والبشرُ بشران: بشرٌ مكرّمون، يحملهُم السحابُ وتقلهُم الأنهارُ والبحارُ إلى حيث شاؤوا...وبشرٌ ملعونون، تطؤهُم النعالُ وتشتمهُم الألسنُ ويسوقهُم القدرُ إلى البؤس والجحيم!...سامحكَ الربُ يا حنا...من أين أتيت بهذا الكلام؟...لم يقل يسوع مثل هذا الهُراء!...لم أقرأ مثل هذا الكلام في متى أو لوقا!...في مرقص أو يوحنا!...يا رافع القبُة الزرقاء اهد قلب البشر...واحْمنا مما يمكرون!...ماذا علينا أن نفعل إذا كنا فقراء لا حول لنا ولا قوة؟...أما آن للظلم أن ينتهي؟!...لقد سفكوا من الدماء ما يكفي!...ونهبوا من الخيرات ما يكفي!...لكن أكثر ما يغيظني هو أن الكذب على غيرهم عادة مقبولة...والتدليس على غير جنسهم عقيدة...ومبادئ الصدق والأمانة التي يتغنون بها لا تنسحب إلا على الأقوياء...أما الضعفاء فليس لهم قيمة أبدا ً...
بهذه الكلمات كان الشيخ يتمتم بصوت خافت! كلمات لم يعرف أحدٌ مغزاها، حتى المقرّبون منه والملازمون له.
صباح 10 أيلول (سبتمبر) 1815، كان سيئاً بامتياز، مغبرّاً وشديد الحرارة. ورياح السموم - كما يسمونها في الغرابة - تعصف بكل شيء يقف في طريقها، ما يضطرُ المرءَ أن يدرأ شرها بلثام يغطي أنفه وفمه بشكل كامل، ولا يميطه إلا بعد هدوء العاصفة. يدخل الشيخ أريب - أو الشيخ كما اعتادوا مناداته - إلى الخيمة التي يرقدُ فيها عددٌ من أبناء عمومته من قبيلة المكاسير، وهي قبيلة لم يعرف أحدٌ لها جذوراً في منطقة الغرّابة. إلا أن رعاية هذه القبيلة لمعابد أهل الغرّابة جعلت لها مكانة رفيعة بين قبائل المنطقة، رغم أن كثيراً من أبناء القبيلة لم يكونوا متدينين أصلاً، وكانوا يتعاونون سراً مع القبائل المعادية لبني جلدتهم، ومع الغزاة الأوروبيين الذين لم يخفوا أطماعهم بخيرات الغرّابة وحبهم تطويع قبائلها. فقد عُـرفت تلك المنطقة من جنوب الصحراء بوفرة النفط والمعادن الثمينة، وكانت محجاً تؤمه قبائل الطوارق وقبائل البربر الأمازيغية التي تعيش في المنطقة الشمالية المحاذية للغرّابة الشاسعة.
الغرّابة أرضٌ شاسعة مع فضاءٍ ملتهب. وسطحها لا يقلُ لهيباً عن جوفها المليء بالنفط والمعادن. فهي تقع في وسط المنطقة الجنوبية من الصحراء الحارقة. كانت ومازالت ملتقى لحضارات عدة: الإفريقية السواحلية التي نهلت من حضارات آسيا؛ والطوارق الشماليين التي اختلطت مع الحضارة الفرعونية واقتبست منها الكثير؛ والبربرية (الأمازيغية) من شمال غرب القارة، والتي شاركت اليونان والرومان بعضاً من ثقافتهم.
ويدين أهل الغرّابة بالمونوثونية (1) وينحدرون أصلاً من الأفارقة الحاميّين، ويتكلمون السواحلية. وهم قوم ذوو بأس شديد، علمتهم الصحراء أن يتكيفوا مع أسوأ ظروف الحياة المكتشفة على وجه البسيطة. وتتميز حياتهم بالقسوة والمعاناة المستمرة. فمنذ قدوم وليدهم إلى الحياة تبدأ معاناته منذ اللحظات الأولى، وذلك بالوسمة الحارقة التي يكويه بها أهله على كاحله الأيمن لتمييزه عن بقية البشر. وهذه الوسمة هي العلامة الفارقة لأهل الغرابة والممالك الحاميّة القريبة.
يبكي المولود الجديد بكاء المحترق من النار، ولا يعبر عن ألمه المبرح إلا ببكاء شديد، لكن الوسمة الحارقة لا تزيد ألماً عن لهيب الشمس الذي يُشعل الهواء والأنفاس. وإذا قدرت الحياة للذكر منهم بعد الوسمة الكاوية، فإنه يُـترك في رعاية أمه لمدة عامين فقط، ليذهب بعدها تحت رعاية أبيه، ومرافقته حتى يموت أحدهما، إما بانتصار الطبيعة عليه بالهرم أو المرض، أو الحرب أو الغزو، أو لدغة عقرب الصحراء الأسود، أو نهشة ثعبان المامبا المهاجرة في موسم القيظ من أواسط القارة.
Page 6
ومن عادة القوم أن يضعوا تحت الإبط الأيسر للمولود الجديد، إذا نجا من الموت بعد الوسمة الكاوية، حُجة مكتوباً فيها اسمه وجنسه ويوم مولده، والقبيلة التي ينتمي إليها، وطالعهُ بين النجوم. وتبقى هذه الحجة ملازمة للشخص حتى مماته، وتدفن معه. وهي بطاقة التعريف الوحيدة التي يحتاجها الإنسان طيلة حياته هناك. وعلى ما يبدو فإن عادة وضع الحجة تحت الإبط الأيسر هي ممارسة ابتدعها الحاميون منذ قديم الزمان. وتوارثها السكان جيلاً بعد جيل .
ويعيش أهل الغرابة على تربية الماشية وزراعة التمور والتجارة مع الممالك المحيطة. ويقتاتون على التمور والنباتات الصحراوية والحبوب الجافة وكل ما تحتويه الصحراء من غنم وماعز وجمال وجراد وسحالي وثعابين، وحتى العقارب. فقد تعلموا كيف ينزعون سُمها كي يبيعوه لغرباءَ بيض يقطعون البحار الشمالية الباردة كي يشتروا مثل هذه الأشياء الغريبة، ثم يشوون ما تبقى من لحمها على نار ٍهادئة!
ويبدأ الصبي رحلة المعاناة العظمى عندما يتم الثانية من عمره، ليذهب مع أبيه في رحلة البحث اليومي عن طعام للأسرة التي يعيلها الأب، فيراقب أباه كيف "...يجثو على ركبتيه، ويستند على راحتيه أمام عيني الثعبان المنتصب، ويهز رأسه بشكل لولبي، ويتمتم بكلمات غريبة كي يُسكن من روعه، ثم يفاجئ الثعبان بمسكه من عنقه ويشله بالكامل، ثم يضغط على نفسه حتى يُميته...".
فيتعلم الطفل مع مرور السنوات كيف يصيد ثعابين الصحراء القاتلة ويقطع رؤوسها، وشيّ لحمها وأكل جزءٍ منه، ويترك البقية لأفراد الأسرة من النساء والبنات الصغار اللواتي لم يبلغن بعد سن الحلم. وفي الخامسةِ من عمره يتعلم سلخ جلود الثعابين وتذوق دمائها، وكيف يصطادُ العقاربَ وهوامَ الأرض الأخرى!
كان الشيخُ أبيض اللون- مع أن معظم أقاربه كانوا من ذوي البشرة الحنطية - وكان فارع القامة جميل الوجه، وأديباً بليغاً. وقد حفظ الكتاب المقدس عن ظهر قلب، باللغتين السواحلية والآرامية. ولحكمته وطيبة قلبه اللتين تميز بهما، فقد حظي باحترام سادة القبائل المجاورة، وهي قبائل استقرت مع المكاسير في الجانب الغربي من صحراء الغرابة، وتحالفت معها. أما منافسو المكاسير من قبيلة السعدان وحلفائها فقد استقروا في الجانب الشرقي من الصحراء. وكانوا يضمرون عداوة عميقة للمكاسير وحلفائهم، بسبب المكانة المقدسة للأرض التي يحكمها المكاسير، وموقعها الجغرافي الهام القريب من المحيط. ولذلك اعتاد أهل المنطقة على تسميتها بالغرّابة الغربية والغرّابة الشرقية، أو غرّابة الإيمان وغرّابة الشيطان عند السخرية. ومع أن كافة القبائل التي تقطن الغرابة، بشقيها الشرقي والغربي، تنحدر من أصلٍ واحد، ويجمعها دينٌ واحد ولغة واحدة، إلا أن الخلافات بينها وصلت إلى حد المناحرة والاقتتال. وتركزت رغبة كل طرف في الاستيلاء على مُلك الآخر، بما فيها المراعي وواحات المياه.
بدا الشيخ محبطاً ومُنهك القوى، وعلى وجهه علامات الإعياء الشديد، إذ عاد لتوه من الجبّانة التي دُفن فيها أربعة من رفاقه الذين قضوا جوعاً وعطشاً وسط الصحراء الملتهبة. فقد تميزت هذه السنة بموجات الجراد القادمة من شمال وجنوب القارة. وكانت هذه المرة شرهة جداً إلى حدٍ دفعها لالتهام كل ما يقع تحت أنظارها من شجر وورق ونباتات خضراء ويابسة. وسُميت السنة "سنة الجراد الحالق"، من شدة فتك الجراد بالأرض وما عليها، وكثافة أعدادها في السماء، إلى حدٍ حجب ضوء الشمس لأيام عديدة، وكأن الشمسَ قد كـُسفت بأكثر من قمرٍ في آنٍ واحد.
وقد حدث أن ذهب رفاق الشيخ الأربعة في مهمةٍ لجلب الأعلاف لخيول حامية الغرابة الغربية، لكنهم صُعقوا لرؤية المستودعات خاوية على عروشها، وقد التهمَ الجرادُ كل المخزون الذي يلجأون إليه في مثل هذه الظروف، حتى أنهم لم يجدوا شيئاً يُطعمون به الجياد التي يمتطونها، فنفقت وهلكوا معها. وقد عثرعلى جثثهم بعض أفراد الحامية، وكانت الضباع تحوم حولها كي تلتهمها.
Page 7
كان الأربعة من أشد المقربين والملازمين للشيخ، وخاضوا معه عشرات المعارك ضد جموع الغزاة التي كانت تغير، بين الفينة والأخرى، على الغرابة الغربية. وكان من عادة الشيخ ألّا يتناول طعاماً إلا والأربعة من حوله، يشاركونه الطعام والحديث عن الغزوات والحروب التي خاضوها. وقد أمضوا الشهور الثلاثة الماضية وهم يفاوضون الأوروبيين على منح الاستقلال لمنطقة الغرابة وإنشاء دولة المكاسير التي طال انتظارها. بيد أنهم اكتشفوا مؤخراً أن الأوروبيين كانوا يتعاملون مع كافة القبائل بشكل سري وفردي، ويزودونها بالسلاح، ويؤججون نار الفتنة بينها، وخاصة بين المكاسير والسعدان. وتبين للشيخ وأصحابه أن الأوروبيين يريدون الغلبة لقبائل السعدان، وأنهم كانوا يحثون السعدان على الاستيلاء على منطقة الغرابة بأكملها وجعلها مملكة لقبيلتهم، شريطة أن يُخضعوا بقية القبائل لحكمهم، وأن يمنحوا امتيازاتٍ وتسهيلاتٍ واسعة للأوربيين لاستغلال مناطق النفط والمعادن. وكانت سياسة "فرق تسد" سمة غالبة على تعاملات الأوروبيين مع القبائل، وذلك لأجل إحكام سيطرتهم على جنوب الصحراء، واستغلال ثرواتها وترسيخ الفرقة بين أبنائها، والإبقاء على الجهل وضعف الوعي عندهم.
وبعد حروب استمرت سبع سنوات بين الغرابتين، قتل فيها من الطرفين أكثر من خمسة آلاف نفس، تمكنت السعدان مع انتهاء العام 1820، وبعونٍ من الأوروبيين، من بسط نفوذها على كامل تراب الغرابة، وتأسيس مملكتها الأولى. وتم لها قتل أو طرد كل القبائل المؤيدة للمكاسير إلى المنطقة المحاذية لها من جهة الشمال الغربي.
كان الشيخُ متقد العقل ومنفتحاً على الآخرين بشكل لافت. ورغم نشأته وبيئته الدينية الصارمة، إلا أنه تأثر بمجريات الأوضاع السياسية والتيارات الفكرية السائدة في أوروبا، وأُعجب بآراء الفلاسفة والاقتصاديين والفنانين الذين ينتمون إلى حركة البنائين الأحرار (2)، حتى أن الموسيقار موزارت كان من بين الذين أعجبوه إلى حد بعيد. فكثيراً ما ردد على مسامع المقربين منه مقاطع من موسيقاه ومدى النشوة والطرب الذي أحدثته إحدى سيمفونيات موزارت التي سمعها عندما كان في زيارة إلى إحدى العواصم الأوروبية، وشارك وصف الأوروبيين لموزارت بأنه "صاحب الناي السحري" الذي ألهم المفكرين وأخرج مكنونات النفس الإنسانية المبدعة:
"...عندما بدأ أفراد الفرقة بالعزف على آلاتهم...شعرت وكأنني نقطة مادية متناهية في الصغر...تبحرُ ببُطءٍ، وبلا إرادة، في فضاءٍ ديكارتي...وكبّلني شعورٌ غريب من النشوة والطرب...لم أشعر مثله في حياتي قط!...لقد شعرت بالعظمة رغم أنفي!...".
وتأثر الشيخ بحركات النخب الأوروبية المتنورة، وبخاصة تلك التي اهتمت بحقوق الإنسان. ولفتت انتباهه وثيقة "إعلان حقوق الإنسان والمواطنين" التي وقف وراء إصدارها وإعلانها بعض النخب المنتسبة لحركة البنائين. وأُعجب بما كان يتردد على أفواه الفلاسفة "...بأن الإنسان يولد حراً...وأن المهن يجب أن تكون مفتوحة أمام المهارات...".
وإزاء هذا الفهم للتحرر من القيم التقليدية كان الشيخ يردد:
"...تباً لنا نحن أبناء الصحراء...يريد راعي الغنم منا أن يصبح وزيراً للمال والتدبير وهو جاهل بأمور العامة...ومع إيمانه بمشاعية الأشياء من حوله فهو لا يفرق بين مُلكه الخاص والمال العام...ومن كليهما ينفق كيفما اتفق!...".
كانت آمال الشيخ كبيرة بعد اندلاع الثورة الفرنسية وسقوط الباستيل في العام 1789، إذ كان قد تلقى وعداً من بعض الأوروبيين بتقديم العون له في تأسيس دولته والتخلص من تهديد السعدان الذين قيل عنهم أنهم "...خلطاء الجهل والظلام". ووعدوه بالمساعدة على درء مخاطر القوى الخارجية الطامعة، وأن يقدموا له المال والسلاح مقابل التزامه بتأمين حمايتهم في الصحراء وتطبيق مبادئ "...الحرية والإخاء والمساواة..." في دولته إذا تجسدت على أرض الواقع. لكن الأوروبيين لم يفوا بوعودهم بسبب الظروف المتسارعة التي اكتنفت أوروبا بعد الثورة. وقد كان الشيخ معجباً بالثورة الفرنسية ومبادئها عن الحرية والمساواة، وارتفعت آماله بعد تأسيس الجمهورية الأولى. وحاول الاتصال بقادتها للتعبير عن إعجابه بدولتهم، لكن آماله سرعان ما تبددت بعد اعتلاء نابليون سدة الحكم في العام 1799، وغزوه مصر في السنة السابقة. فأدت تلك الأحوال إلى فقدان ثقة الشيخ بتلك المبادئ، ووصفها بـ:
Page 8
"...مجرد شعارات مرحلية لا يستفيد منها إلا أصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرقاء...أو من كان على شاكلتهم...نحن أهل الصحراء لا بواكي لنا إلا آلامنا ومعاناتنا...ولا ينبغي أن نركن إلا إلى إرادتنا وإيماننا بالنهوض والتقدم إلى الأمام...".
في تلك البيئة تفرض قسوة الصحراء وجفافها المريع على القاطنين فيها لعبة التعايش الرهيبة بينهم. وكان الغزو بين القبائل من أكثر ما ميز حياتها الصحراوية وقسوتها، والعنف الذي كان سمة فيها. وقد تزامنت مع سنة الجراد الحالق كثرة الغزو، وكانت الغرابة الشرقية مصدراً لها، إذ كثيراً ما عانت البلدات الواقعة على أطراف الغرابة الغربية من النهب والسلب جراء الغزوات التي تعرضت لها بين الحين والآخر. واستطاعت جماعات الغزو أن تبث الرعب في تلك البلدات. وكثيراً ما كانت تقوم بتلك الغزوات تحت جنح الظلام، فتخطف النساء والأطفال الذكور والإناث لقاء فدية من الذهب أو الفضة أو البهائم كالجياد والبغال والبعير والغنم، أو لقاء مواد غذائية مثل القمح والشعير أو اللبن المجفف الذي يُستعمل في تحضير أطعمة الصحراء. وفي بعض الحالات كان الغزاة يبيعون الأطفال المخطوفين في أسواق الرقيق لقاء أثمان زهيدة، أو يستعملونهم كعبيد أو إماء لفترة ثم يبيعونهم. وقد توارث غزاة الصحراء هذه الممارسات القاسية منذ مئات السنين. وبسببها وقع كثيرٌ من المآسي والفواجع على العائلات التي خُطف أحدُ أفرادها، خاصة إذا لم يطلب الخاطفون فدية لقاء الإفراج عن المخطوف، فيعرف الأهل أن فقيدهم لن يعود لهم أبداً! فقد يتم نقله إلى الممالك المجاورة أو البعيدة كي يُباع في سوق الرقيق. وقد كانت مثل هذه الحوادث كثيرة، خاصة في ظل الصراع الذي دام لسنوات طويلة بين الغرابة الغربية والغرابة الشرقية، وعانى منها الطرفان بشكل كبير.
كانت أعراف الغرابة الغربية وتقاليدها الدينية الراسخة تحظرُ على المكاسير المشاركة بغزو القبائل أو أن يُشجعوا غيرهم على مثل هذه الغزوات، لأن مكانتهم الدينية ترفعهم فوق هذه الممارسات غير الإنسانية. ورغم ذلك، فقد شارك الابن الأكبر للشيخ، وكان اسمه " داهي "، في بعض الغزوات دون علم أبيه الذي كره مثل هذه الأعمال الشنيعة أنى كان فاعلها، ووصفها بـ "...أفعال الضباع الملعونة...".
وقد شارك داهي في أكثر من غزوة، وكان يغنم المال والماشية والبهائم على أنواعها، فيتقاسمها مع أصحابه الذين يشاركونه العمل. وفي إحدى الغزوات لم يتمكن داهي من الظفر بأي شيء من المال أو ما شابه، ما اضطره إلى خطف امرأة من القبيلة التي أغار عليها مع أصحابه. وأنفذ بخبرٍ إلى زوج المرأة المخطوفة أنه لم يجد لها مكاناً عادياً للمبيت. وخوفاً عليها من الاغتصاب فإنه سوف يُهيّئ لها مبيتاً في قفص ٍ مع ضبعٍ، كان داهي قد أدام له وأطعمه طيلة سنواتٍ حتى كبر وأصبح مفترساً. وطلب من الزوج أن يدفع له فدية قدرها عشر أوقيات من الذهب لقاء الإفراج عنها. وقد كان داهي موْلعاً بالضباع وحياتها الاجتماعية. ومن شدة ولعه بها سماه أصحابه المقربون بـ " أم عامر ".
وعندما وصلَ الخبرُ إلى زوج المرأة المخطوفة أسرع بإرسال الذهب المطلوب إلى أم عامر- ولم يعرف أبداً أنه داهي ابن الشيخ الجليل- أما أصحاب داهي فلم يُحكموا وثاق الضبع بالجنازير المعدة لذلك، فقفز الضبعُ على المرأة داخل القفص وأجهز عليها في لحظات، ولم يتمكن داهي أو أصحابه من إنقاذ المرأة من الموت المحقق. ولما وصل الرسول بالذهب المطلوب من زوج المرأة، أمر داهي رفاقه أن يأخذوا الذهب منه ويقتلوه. فكانت الحادثة أول قتل لرسولٍ يقوم به غزاة الصحراء، لأن أعرافهم تمنع قتل الرُسل مهما كانت الأحوال، ويعتبرون ذلك خيانة عظمى. وذهبت الحادثة مثلاً بين ألسنتهم لعقود طويلة بأن "...لا تأمنوا أم عامر...".
في العام 1792، أي بعد الثورة الفرنسية بثلاث سنوات، تعرضت بلدة " جبل الشيخة "، التي كانت مركزاً للمكاسير، إلى غزوات عدة خلال فترة قصيرة، حدث معظمها في الليل. واستطاع الغزاة في إحداها أن يخطفوا سلمى، وهي الأخت الصغرى والجميلة للشيخ. وترك الغزاة رسالة للشيخ طلبوا فيها فدية لقاء الإفراج عنها. وكان مقدار الفدية خمسمائة أوقية من الذهب الخالص، وجوادين عربيين أشهبين- وهو اللون المفضل عند سكان الصحراء- إضافة إلى ألف كرةٍ من اللبن المجفف - على أن لا يقل وزن الكرة عن رطلين إنجليزيين- وألف صاعٍ من القمح المجروش. وقد ذيُلت الرسالة بملاحظة تتضمن تهديداً باغتصاب سلمى ثم قتلها إذا لم تسلم الفدية خلال أربعين ليلة. وعلى ما بدا للشيخ والمقربين منه، كان الشرط مُعجزاً وقصد منه إهانة الشيخ وتلطيخ سمعته بين القبائل.
Page 9
فُــجع الشيخُ بالحادثة، وآثر أن يُبقي الموضوع في صدره حتى يتدبر الأمر. وخوفاً من الفضيحة التي قد تلحقُ به إذا نفّذ الغزاة تهديدهم باغتصابها، بعث الشيخ برسالة إلى الغزاة يطلب فيها مهلة كافية كي يجمع الفدية. وبعث برسائل إلى معارفه ومُريديه وأسياد القبائل المجاورة، وإلى بعض الأوروبيين الذين تربطهم بالشيخ علاقة وطيدة:
"...أيها السادة...العزوة والأصدقاء...لقد تعرضت بلدة جبل الشيخة لغزواتٍ من بعض الجياع المتمردين...وفي آخر غزوةٍ لهم قاموا بخطف أختي الصغرى وطلبوا فدية باهظة لقاء الإفراج عنها...ولو قُــدّر لي أن أطلب من كل واحدٍ من أهل الغرابة الغربية أن يتبرع بما لديه من مالٍ وقمحٍ مجروشٍ ولبن...ما استطعت أن أجمع عُـشر ما طلبه الغزاة من فدية...وإنني أشعر، ولا أحسبكم تظنون خلاف ما أشعر، أن مطلب الغزاة ليس باهظاً فحسب، بل غير معقول أبداً، إذ إننا اعتدنا في الغرّابة أن نفدي...وافتدينا في الماضي في حالات عديدة...إلا أن هذه الحالة تختلف عن سابقاتها بانفرادها بالكم والنوع!... إنني أستنهض همم إخواني وعزوتي وأصدقائي أن لا يبخلوا بما لديهم حتى تنفك هذه المحنة...".
ولم يذكر الشيخ قيمة الفدية لأنه لم يُرد أن تكون القيمة المطلوبة سابقة يقتدي بها الغزاة في المستقبل، وأحبَّ أن يترك موضوع المساهمة للمتبرعين، دَرْءاً للحرج.
في تلك الأيام، كانت للغرابة الغربية بزعامة الشيخ علاقة حميمة مع زعيم " قبائل الزولو" (3)، سينزانغاخونا الملقب بـ " الحكيم "(4) . وقد اعتاد الشيخُ على تبادل الزيارات والهدايا مع الحكيم وإخوته من أمراء الزولو. وكانوا من طرفهم يرسلون الهدايا والمساعدات الغذائية والأموال بين الحين والآخر كي يعينوا الشيخ على قضاء بعض حاجاته الملحة. ففي سنة الجراد الحالق بعث الشيخ إلى الحكيم طالباً المساعدة في تأمين بعض الغذاء إلى الغرابة الغربية، فاستجاب الحكيم للطلب وأرسل قوافل عديدة محملة بالحيوانات الحية والثمار من الجنوب الأفريقي. ولسوء طالع المكاسير، ومن معهم، لم تصل القوافل إليها، لأن السعدان قطعوا الطريق واستولوا عليها بالكامل، ما زاد من وطأة المجاعة التي حدثت في تلك السنة. ورغم ما حدث، فقد كان إرسال الحكيم إياها في نظر الشيخ عملاً عظيماً يستحق الثناء والتقدير. وكان الشيخُ يُعبرعن شكره للزعيم الكريم بإرسال الجواري الحسان هدية له. وعندما اختطفت سلمى، بعث الشيخ برسالة خاصة إلى الحكيم يطلب منه المساعدة في فك المحنة.
تواردت بعد ما يزيد قليلاً عن ثلاثة أسابيع أجوبة على طلب الشيخ، وبدأ ديوانه في جبل الشيخة بتلقي المساهمات والمساعدات من أسياد القبائل المجاورة. وقد استجاب الحكيم بإرسال عشر قوافل محملة بالعاج وجلود الحيوانات البرية وريش النعام والحيوانات الحية، ومائة أوقية من الذهب الأفريقي علّـها تعين الشيخ في فك أسر أخته التي علم الحكيمُ بجمالها وذكائها. أما الأصدقاء الأوروبيون فلم يصل منهم شيء، لأن المكاتبات من وإلى الشيخ كانت تستغرق مدة طويلة. وبعد أكثر من شهر زعَمَ هؤلاء الأصدقاء أن مطلب الشيخ وصل متأخراً، وأن أحوال الطقس الرديئة قد حالت دون إرسال المساعدة المطلوبة.
وقد جمع الشيخ شيئا كثيراً، لكن ما جمعه كان أقل مما حدده الخاطفون. واقترب موعد تنفيذ التهديد الذي عينوه في رسالتهم للشيخ، فحاول الشيخ وأعوانه أن يكملوا الفدية بالسجاد والجلود والصوف، أو أشياء أخرى لها قيمة عند أهل الصحراء، لكن الغزاة لم يقبلوا، ونفذوا تهديدهم في آخر ليلةٍ حسب الموعد المحدد. فوجدت جثتها بعد خمسة أيام من انتهاء المهلة على حدود بلدة جبل الشيخة، وكانت مشوهة من الغربان والطيور الجارحة التي اقتاتت عليها طيلة هذه المدة، ولم يتعرفوا عليها إلا من الحجة المثبتة تحت إبطها الأيسر. وتبين بعد عدة سنوات أن شيخاً من قبيلة السعدان اعترف، قبل موته، بضلوعه بتلك الجريمة النكراء.
لاحظ الجالسون في الخيمة سوء الحال الصحية للشيخ، وحاولوا مواساته ببعض الأحاديث الجانبية عن أيام الانتصارات والغزوات كي يلطفوا من الكرب الذي يعشعش في داخله، وأعلموه عن هزيمة نابليون في معركة واترلو (5) لعل ذلك يُنعش آماله بتأسيس دولة على غرار الجمهورية الفرنسية الأولى، لكن الشيخ بقي واجماً وبأفكاره سارحاً، سوى في حالات قليلة نبَسَت شفتاه ببعض الكلمات:
Page 10
"...كالمستجير من الرمضاء بالنار!..."، ولم يعرف أحدٌ مقصدها.
وتحدث شيئاً قليلاً عن المأساة التي تطوّق حياته. فكثيراً ما كانت ترتسم في مخيلته صور عن أحداث الماضي الأليمة، وكيف خطف الغزاة أخته التي أحبّها، ثم أعدموها بموجب قانون الصحراء الذي لا يرحم، وغدْرُ الأوروبيين به، والجفاف الذي أتى على معظم غذاء الإنسان والحيوان في الغرابة الغربية، وسنة الجراد الحالق، ثم موت رفاقه الأربعة من الجوع والعطش في لهيب الصحراء الحارق.
في تلك الأثناء، وكي يتمكن الأوروبيون من السيطرة على خيرات المنطقة واستغلالها بأبشع صورة، عرض القادة العسكريون على الشيخ أن يقتطعوا له جزءاً من أرض القبائل الرحّل، التي تقع شمال الغرابة، كي يؤسس مملكة عليها، لكن الخطة لم تكتمل بالسرعة التي أرادها العسكريون لأن الشيخ مرض ولزم فراشه بعد موت أصحابه. وبقي على هذه الحال لعدة سنوات إلى أن فارق الحياة تحت وطأة الضغط النفسي الذي سببته تلك الأحداث. وكانت آخر كلمات نطق بها، وعيناه تفيض بالدمع:
"...لا تأمنوا لهؤلاء الأوغاد الذين يدّعون الحرية والمساواة...والديموقراطية والإنسانية...إنهم وحوشٌ هائمة لا تتوانى عن أكل بعضها البعض عندما لا تجد شيئاً تأكله!...احترسوا من ابتساماتهم، إذ إن فيها الفتنة القاتلة...ونصائحهم التي تطفح سُماً...سيحاولون نهب خيرات بلادكم بحجة تطويرها لمنفعتكم...وسيعطونكم بدلاً منها آلات تتلهون بها أنتم وأطفالكم...يعطونكم بدل الزيت الذي لا يُعوض ساعات مرصعة بالماس...ويعطونكم بدل المعادن النفيسة ألبسة كالتي يلبسونها حتى تحسبوا أنفسكم منهم...يا أبنائي أستحلفكم بالرب أن لا تدعوا خداعهم يطيرُ بكم فوق السحاب وأنتم فوق الأرض...حذارِ...حذارِ !...".
وبعد وفاة الشيخ سرت بين القوم شائعات مفادها أن الابن الأكبر للشيخ قد دسَّ السُم في طعام أبيه كي يتخلص منه وتُمهَد الطريق أمامه لتأسيس دولةٍ له، بناءً على وعدٍ من الأوروبيين.
توفي الشيخ مساء يوم الثاني عشر من آذار (مارس) 1820، وكان له من العمر أربع وستون سنة. ودُفن في الليلة ذاتها ولم تتحقق أي من أحلامه التي أطفأ حياته فيها، ونعاه أحد أصحابه المقربين بكلمات قليلة مؤثرة، وهو يبكي:
"...رحلت أيها الشيخ الجليل...وكنت من القلب جدَّ قريب ...
كنت الأريب الأديب...ما خلتك يوماً من مُريب ...
ليحفظك الرب بالقدر العظيم...".
وكانت أمه على قيد الحياة، فأنشأت فوق رأسه تقول وهي تنحب وتذرف دموع الفاجعة:
"...أطفأت عمرك في الأحلامْ...ولم تذق طعم المنامْ ...
لو علمت غدرَ الأنامْ...لاخترت إلاَّ أن تنامْ ...
كنت ناراً وكثبان...والبوق أحالك دخان ...