Page 1
مقدمـــــة
[I]
تنقسم أعمال غاستون باشلار (1884-1962) إلى قسمين متميزين: قسم، يظهر تأملاته الإبستمولوجية حول تطور الفكر العلمي المعاصر، والعوائق التي يواجهها حينما تنتقل مقولات الحس المشترك إلى مقولات لهذا العلم.ويفكر باشلار أيضا من خلال ذلك، في الدور الذي تلعبه الرياضيات في هذا التطور العقلاني، والدروس التي يمكن استخلاصها خاصة بالنسبة لبيداغوجيا العلوم الدقيقة. ونراه هنا، يسائل فلسفة علوم عصره ولاسيما الوضعية والعقلانية والواقعية...، متهما جميعها بكونها ستاتيكية جدا وبالتالي عاجزة عن أن تنصف معرفة وفكراً يتميزان بالدينامية.
الخيار بالنسبة إليه إذن، هو أن نأخذ من تاريخ العلم خاصيته العقلانية المنفتحة، التي تؤدي إلى ثورات مفهومية وذاتية تعتبر جوهرية في فهم جذري للعالم الفيزيائي.
القسم الآخر من مشروع باشلار، كرسه بشكل حصري تقريبا لتجليات الأدب والفن والتي تمليها طاقة العناصر الكونية الأربعة: النار والماء والأرض والهواء، على الخيال المبدع للذات الحالمة. سنلاحظ هنا، توظيفه السهل -كما فعل ذلك في إبستمولوجيته- لمبادئ علم النفس التحليلي اليونغي، باعتباره منهجية تمكننا من الوصول إلى العقد وتجلياتها في أعمال الفن. وكذا الظاهراتية، التي مكنته من تناول الصورة (l’image) في الآن نفسه وهي تتشكل في روح المبدع والقارئ.
إن تلقي مؤلفات ومقالات باشلار خارج فرنسا، ظل دائما انتقائيا. في الولايات المتحدة الأميركية ومع استثناءات قليلة، فإن فلاسفة العلم، يجهلون بالمرة عمله الإبستمولوجي، والأكاديميون الذين يعرفونه هم بالأحرى مختصون في سوسيولوجيا العلم. في حين، يتم تداول نقده الأدبي بشكل مألوف عند الباحثين في الفن، لكنهم على النقيض يجهلون الباشلارية العلمية.
في فرنسا، اهتم الباحثون بكتاباته حول العناصر. أما الإيطاليون فقد اتجه انتباههم كليا إلى فلسفة باشلار في العلوم.
رؤية معرفية إذن، أحادية الجانب، جزئية وغير مكتملة توجد في كل مكان من العالم.
إن قيمة اختيار الباحث سعيد بوخليط، للنصوص التي ترجمها في عمله الحالي، تدخل في إطار مشروعه، وضع جمهور اللغة العربية وكذا أكاديمييها ضمن سياق مختلف المنظورات الباشلارية مع تركيز خاص على الجزء الشعري، بناء على تأملات مفكرين ينتمون إلى ثقافات وجنسيات مختلفة: عرب، وأوربيون وأميركيون.
قام سعيد بوخليط باختيار مقالات ترصد مجموعة من المعطيات البيوغرافية حول غاستون باشلار، وبالتالي تمكِّن القارئ من تمثل الحقبة المهنية والشخصية لهذا الرجل الفذ.
Page 2
[II]
ينقسم العمل الذي بين أيدينا إلى ثلاثة أقسام:1) ترجمات.
2) مقاربات نقدية.
3) حوار.
جاءت المقالة الأولى في قسم ترجمات تحت عنوان: «غاستون باشلار والشعراء»، وهي بقلم الشاعر لوي غيوم (Louis Guillaume) . مقاربة تشكل في حقيقة الأمر، شهادة مثيرة عن حياة وشخصية باشلار، وإظهاراً لمختلف اهتماماته.
وصف غيوم باشلار بكونه "شعلة كبيرة"، أضاءت فكر زملائه وتلامذته. لقد عمل دائما على تشجيع الفنانين الشباب، وهو يضع أعمالهم نديا مع أعمال شعراء كبار.
اتجه اهتمام غيوم بالخصوص إلى "الموجهات الحلمية" التي جاء بها كتاب التحليل النفسي للنار (La psychanalyse du feu) وكذا أحلام اليقظة المرتبطة بوضعيات الإستراحة أو الإرادة، محيلا في هذا الإطار على كتابي: شاعرية المكان (La poétique de l’espace) و شعلة قنديل (La flamme d’une chandelle) .
المقالة الثانية، والتي اختار لها صاحبها جون لبيس (Jean Libis) عنوان "الفيلسوف والشاعر"، تتمم بشكل جيد إشارات غيوم. لقد حاول أن يشركنا في بعض مقاطع الرسائل التي تبادلها باشلار مع غيوم، وهي بالمناسبة وثيقة ثمينة جداً، تظهر بشكل واضح كآبة باشلار طاعن في السن، وهو يسترجع مسيرته الفلسفية الطويلة.
هكذا يعترف باشلار للشاعر، بأن قراءة القصيدة وحلم اليقظة الذي توحي به، هو ما يشكل حقا أكبر مباهج حياته الروحية.
بالتأكيد، "القوة الدراماتيكية" لأفكار باشلار حول احتمال الوجود ظهرت بالفعل من خلال المضمون النوستالجي لـ: شاعرية المكان (La poétique de l’espace) وخاصة مقاطع من شعرية النار (Les fragments d’une poétique du feu) ، ثم كتابات أخرى جاءت في المراحل الأخيرة لحياته، مظهرا كذلك رغبته في أن يبين لنا العلاقة بين الأفراد والنباتات من خلال سبر ذكريات تثيرها روائح الطبيعة "ستكون منبعا لرغبات وأشواق لا نهائية".
لا يتأتى الاهتمام فقط هنا من روح الشاعر المبدعة، ولكن كذلك من روح القارئ التي تستوحي القصيدة، حتى يوقظ في نفسه ذاكراته وقواه الروحية.
المقالة الثالثة في قسم ترجمات دائما، وهي للباحث مارسيل شيتل، (M.Schaeltel) فإنها تتمم وبشكل منطقي، الشهادتين السابقتين. من خلال مقاربته: "باشلار والشعراء: حول صورتين للوي غيوم"، توخى مارسيل شتيل إذن، الحديث عن توظيف باشلار لمجموعة من صور الشعراء وخاصة تلك التي جاءت بها قصيدة غيوم.
باشلار "قناص وجامع للصور"، لكن مع ذلك يصعب الفصل في تفضيلاته الشعرية، نظرا لانتقائيته الفكرية والتي ميزت كذلك إبستمولوجيته العلمية.
الاختيار الأدبي لهذا الفيلسوف، يذهب على سبيل المثال من ريلكه (Rilke) وبودلير (Baudelaire) وبوسكو (Bosco) وبو (Poe) ، وشار (Char) إلى بروتون (Breton) ...، توخيا لمراكمة مجموعة من الكلمات أو جمل تتسامى بعقلانية المجازات، وتعطيه منفذا على صور شاردة وملتبسة تتأتى لروح الذات الحالمة.
أخيرا، فإن إطلالة الباحث عمور الشارني (Amor Cherni) علينا بـ: "باشلار والعرب"، قربتنا من الحضور "المحدود لكن العميق" لكتابات باشلار في العالم العربي. يمكنني القول ودون مبالغة، أن هذه المقالة تشكل مرآة لتناول باشلار في العالم بأكمله.
انطلاقا من تحليل ثاقب جدا، سيظهر الشارني تعددية النظر إلى باشلار لصالح مؤسسات ومن خلال موضوعات مختلفة جدا. هناك على سبيل المثال، باشلار الثانويات ثم تدريس باشلار أو البحث في باشلار داخل الجامعات، وكذا باشلار الجمهور ارتباطا بتعريبه وإشعاعه خارج المدرسة....
يظهر الشارني تذمره بشكل معقول تجاه "تآليف لكن دون معرفة كبيرة" وانحصار الاهتمام الذي يثيره باشلار عند الجمهور، وكذا تباعد المعايير بين أولئك الذين يقرؤون بالعربية، والذين يكونون في غالب الأحيان خاضعين لسلطة المترجمين. ثمة مفكرون آخرون -التونسيون بالخصوص- ينجزون جل أبحاثهم من أجل الميتريز والدكتوراه باللغة الأصلية لنصوص باشلار أي الفرنسية.
إلى جانب هؤلاء، توجد كذلك فئة حولت باشلار إلى مجرد أداة لاستهلاك جامعي دون إدراك فعلي وحقيقي لرسالته التحررية.
القضية الكبرى التي يطرحها الشارني، هي هذا النزوع داخل العالم العربي من أجل تأويل باشلار عوض "تركه هو نفسه يتكلم".
Page 3
[III]
يبدأ قسم "المقاربات النقدية"، بقراءة الباحث سعيد بوخليط، لكتاب التحليل النفسي للنار (La psychanalyse du feu) ، مظهرا لنا بأن هذا العمل يمثل رغبة باشلار ـ مسألة تم التأكيد عليها قبل ذلك في كتاب "تشكل الفكر العلمي: مساهمة في تحليل نفسي للمعرفة الموضوعية"- في تأويل وثائق ماضي العلم بمناهج يقدمها التحليل النفسي للاوعي.لقد تكلم باشلار هنا عن العوائق التي تحدثها المعرفة الأولى أمام المعرفة العلمية، وكذا قوة حضورها في لاوعي الكائن الإنساني. هكذا تشكل النار مثلا، حالة نموذجية وجذرية عن الشيء الذي يصمد أمام كل تموضع (Objectivation) نظراً لعلاقتها الوثيقة مع مجموعة من العقد الشخصية والثقافية بل والكونية.
إن "عقلا نقديا"، يمثل إذن ضرورة ليس فقط بالنسبة لحالات كهاته يكون فيها اللاوعي أكثر قوة، وينعكس بشكل مباشر على المعرفة (كما هو الحال مثلا مع الخيمياء) ولكن كذلك بالنسبة لكل الأشياء التي يؤسسها العلم المعاصر.
العمل الثاني في هذا القسم، يتعلق بإعادة قراءة كتاب: غاستون باشلار: عقلاني رومانسي (Gaston Bachelard: un Rationaliste romantique) والذي اعتبره (J.J. Wunenburger) في تقديمه لهذا العمل، بأنه يمثل بالتأكيد مدخلا لحياة وكذا عمل غاستون باشلار.
الفصل الأول كتبه، باسكال نوفل (P. Nouvel) تحت عنوان: "غاستون باشلار، فيلسوف فائض"، إشارة إلى اشتغال باشلار في بداية حياته بمكاتب البريد.
نلاحظ هنا، نفور باشلار من سلطة المجازات البرغسونية، مع افتتان مجموعة من معاصريه بمفاهيم مثل "معطيات الوعي" والطاقة الحيوية".
وأشار باسكال نوفل، إلى طبيعة تفاعل باشلار مع وجودية جان بول سارتر، وكذا موقفه المزدوج نسبيا حيال فينومينولوجيا موريس ميرلو-بونتي. ثم انتقل بنا، إلى مواقف بعض المفكرين المعاصرين لباشلار، والذين أثروا فيه كما هو الحال مع جان هيبوليت (J. Hypolite) . أو على العكس، أثر فيهم باشلار بشكل قوي كما هو الحال مثلا مع جورج كانغليم (G. Canguilhem) ، وميشيل فوكو (M. Foucault) أو لوي ألتوسير (Louis Althusser) .
أحال باسكال نوفل كذلك على أعمال باشلار، خاصة تلك المتعلقة منها بالنقد الأدبي لإظهار أن مشروعه توخى الوقوف على هذه "السيادة الشعرية المستقلة، حيث الكلمات صور كذلك".
في الفصل الثاني من كتاب غاستون باشلار: عقلاني رومانسي ، توخى جون ليبيس (J. Libis) بمقالته "جانوس والمالنخوليا" تحطيم الأسطورة التي تؤكد على انفصال وتباعد بين الإبستمولوجيا العلمية لباشلار وكذا نقده الأدبي. حيث استند الباحث، وضد النزوع التأويلي المألوف، على "توتر داخلي" ظل يحكم باستمرار المشروع الكلي للفيلسوف.
كما تحدث ليبيس عن الانتقائية والتفضيلات الأدبية والفلسفية لبشلار، واستحضاره بالأخص لأسماء مثل: شوبنهاور (Schopenhauer) وكانط (Kant) وهوسرل (Husserl) ونيتشه (Nietzche) ويونغ (Jung) .... وقد أثروا ربما في الخاصية "المضطربة" و"الدراماتيكية" لإبستمولوجيته.
لكن ما يثيره الانتباه في هذا الفصل بشكل خاص، هو الإدراك المستخلص من أعمال باشلار حول الخيال المبدع وتحليله النفسي للإبداع الأدبي، ولما اصطلح عليه ليبيس بـ "سعادة نادرة في الكتابة"، بالخصوص تلك التي ارتبطت بكتاباته الشعرية التي تتوافق مع "حرية الخيال".
[IV]
القسم الثالث والأخير من مقاربات الباحث سعيد بوخليط لفكر باشلار، جاء على شكل حوار أجراه معي بخصوص مستويات حضور العمل الإبستمولوجي لباشلار في أميركا الشمالية، انطلاقا من المجهود الذي أبذله حتى يشع هذا الفكر أكثر في أوربا وخاصة في النمسا وإيطاليا وكذا أميركا الجنوبية (البرازيل).البحث في انفصال باشلار عن التقليد الوضعي، وتشابه بعض مواقفه الفكرية مع تلك التي جاء بها فلاسفته كـ: كارل بوبر (Karl Popper) ، وتوماس كوهن (Thomas Kohn) وميشيل بولاني، وكذا تبنيها من قبل البنيويين الاجتماعيين، يمثل كل ذلك جزءاً مهماً من المشروع الذي أقوده.
باختصار، يمثل العمل الحالي لـ "سعيد بوخليط" محاولة تستحق التقدير لإعطاء جمهور اللغة العربية نبذة عن حياة ومشروع غاستون باشلار وتقريبنا من تأملات، يمكنها أن تثير مفكري اليوم.
* Prof. Teresa Castelao-Lawless. Grand Valley State University USA. Avril 2004.
Page 4
مدخـــــل
لماذا سلسلة باشلاريات؟ والمرتبطة كما يدل اسمها باسم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، من خلال اشتغالاته النظرية والمفهومية والتي قاربت الأدب والعلم -كحقلين متباعدين- بمنهجية واحدة تقوم بالأساس على الانفتاح والسجال، وتجاوز كل نزعة مذهبية تتوخى الحصر والإختزال. العلم يتجاوز ذاته باستمرار، كما أن الأدب يكثف دلالاته بقدر لانهائية القراءات والمقاربات. كل ذلك لأننا نحلم، ولهذا يغير العالم في كل لحظة من جلدته.لاشك أن الإشكال، الذي يطرح في كل مقاربة لبنية مفهوم العالم المتغير، هو "الحسم" بالمعنى الإجرائي في قضية الأولية الإبستمولوجية لشيء اسمه "التفكير"، وآخر يأخذ صفة "الحلم". في أي شيء يختلف الحلم عن التفكير؟ وهل إعمال الفكر يفترض في لحظة ما، انتفاء وإلغاء للحلم؟ متى يقف الحلم، حتى يعمل الفكر على إرساء رسومه البيانية؟ وبالعكس من ذلك، إلى أي حد يمكن لهذا الحلم السريان والانسياب، دون شيء -نفترض فيه قانونا- يؤسس للأبعاد الزمانية والمكانية؟. وهل يمكن للحلم الاشتغال كفكر مع انتفاء لكل نتيجة سلبية ومعكوسة؟ بقدر ما تتحول الأفكار إلى قوة ثورية.
أعتقد بأن تجاوز هذا التأرجح المفاهيمي، يفترض بالدرجة الأولى تجاوز البداهات والمواضعات التعريفية، وافتراض الممكنات وكذا التحققات اللغوية، التي تعطي حيزاً أولياً للمسافات غير المرسومة داخل الثقافة الاجتماعية، مسألة تقوم على خلفية معرفية أساسية، مضمونها: أن كل ما في ذاته يشغل كمجال للفراغ. هذه الكلمة لا تؤخذ هنا بالمفهوم المادي، ولكن كقيمة ميتافيزيقية تأسيسية، تجعل من ثنائيات: الوجود/العدم، الجسد/الروح، الموت/الحياة. ..، مجرد ممكنات لغوية، لا تقف على حيز لأنها تشغل على الممكن. تصير الموت حياة بخطوة واحدة، والحياة تغدو موتا عند كل سوداوية. الوجود يدركه العدم حتى قبل أن يوجد، لأن السؤال واللماذائية يلتقطان كل زمانية للتحقق. أما العدم، فإن وجوده يربط أساسا بدرجة تعديمه لذاته.
تجاوز نمطية التعريف بأفق مختلف ومتعدد، يعطي للمفهوم إمكانيات سياقية كبيرة. القدرة على الإنفلات من المرجعيات الواحدية، يضع الجسد البشري في إطار مسار وجودي، لا يقود إلى الموت في دلالته القدرية باعتبارها سلطة بيولوجية مطلقة، ولكنه يحول العالم إلى ماهية بدايات ونهايات تتبادلان المواقع.
الحلم فكر "استنفد" فتوته وجدته، والفكر حلم يستبطن باستمرار هواجسه، ولنرجسيته فإنه يتمرأى العالم بشهية. منطق الجميلة العذراء، والتي كلما مرت الأيام كلما ازدادت سلطة جسدها. صحيح أننا نفكر لأننا نحلم، ونفكر بالحلم وفي الحلم، لكن ليست الأحلام مشروعة دائما مثلما أنه ليست كل الأفكار حالمة. أين تقف الأحلام لتبدأ الأفكار؟ ما هو المعيار الذي يمكننا من تمثل مستويات وحدود الحلم والفكر؟ هل يجوز لفكر أن يفكر، دون مثيرات الحلم؟ المعادلة المعرفية المتداولة تقول بأن كل فكر لا يحلم هو تحصيل حاصل، يأخذ في لحظة من تطوره بعدا دوغمائياً. وبالتالي فالحلم هو الترياق الأولي لكل فكر يخشى على ذاته التلاشي، أي البقاء والاستمرار. عملية لا يمكن إدراكها إلا خارج النسيج الاجتماعي والثقافة السائدة، وهي المنظومة التي تسم كل فكر يدرك ذاته خارج التاريخ المتحقق بالفكر الزائغ. الحلم هو السؤال المنفلت، والحلقة التي تشكل مدارات التأسيس. كان الحالمون دائما محط إقصاء اجتماعي، ليس لأنهم يتكلمون لغة لا يفهمها الآخرون، ولا لكونهم يبشرون بقيم مغايرة تحذف ما سبقها ـ ونحن نعلم درجة الارتباط السيكولوجي لكل مجموعة إنسانية بمنظومتها بل تعتقد في كونيتها وإطلاقيتها ـ ولكن لأن الجديد يخيف دائما، ويثير الشك والريبة. تستكين البشرية في الغالب إلى القائم وتعتبره أقصى الممكنات.
نحلم باللغة ونفكر باللغة، تبدو العلاقة بديهية، انطلاقا من فرضية أن العالم كائن لغوي بامتياز. القيمة المضافة هنا، من خلال أفق الحلم، هي أن اللغة تحلم، ليس فقط لأنها مجموعة من العلامات التي تشغل وفق مكونات تركيبية ودلالية وتداولية بالأحرى ذاتية أكثر منها موضوعية وبالتالي تستحضر مجموعة من الإيحاءات المجازية مما يؤدي بشكل من الأشكال إلى تجاوز المنظومة الرمزية للتعاريف القائمة. ولكن بالخصوص لأن الحلم يقوم على التجاوز والكشف، وملامسة الهناك إما في الزمان أو المكان، الأداة المرنة لذلك هي اللغة. حينئذ فإن التفكير باللغة، يكثف من مدلولات العالم، خاصة على مستوى التكلم والتجادل، بينما اللغة الخطية تتوخى الاختزال والتقطير. التفكير باللغة، يعني كذلك أننا قد نفكر بنقيض ذلك أي بالصمت. وأعتقد بأن هذا الأخير يربط داخل أدبيات ثقافة الإختلاف، على الأقل في حدود المعطيات المباشرة للمفهوم، بإعطاء المحتمل أقصى انفتاحاته. صمت الذات أفق للاتحديد واللاتمركز، واستحضار للوجود بلعبته الكلاسيكية التي تبدأ بصرخة الولادة وتنتهي بعويل الموت، لكن بتحويل سياقي للحظتين. الصمت يؤسس التحققات.
لكن لماذا نبتغي بالحلم التجاوز؟ يحلم الفلاسفة بالمفهوم، ويستكين الشعراء إلى الصور الجديدة، في حين يلتجئ غيرهما إلى تكثيف لحظات السكينة واليقظة الشاردة. أي منا لا يتحمل الآخر؟ هل نحن مجرد أشباح تزعج غفوة هذا الوجود؟ أم لأن هذا الأخير بذيء وبشع وثقيل في كل الأحيان! نحس بالتقزز ونحن نلامسه، لذلك نكسر هذا الإغتراب برحيل ومنفى داخليين يتيح لنا ذلك فرصة، أن نأخذ نفسنا بعمق. المسألة تحل ذاتها بسهولة، إذا انطلقنا من موقع معرفي، يختزل الوجود وقضية الوجود بل ومأزق الوجود في شيء واحد اسمه: الجسد المنفلت باستمرار. نحلم بمماثلته، عملية تتحقق زمانيا في لحظة حرجة جدا.
Page 5
الحلم هو المغايرة، لكن بشيء لا يتحقق قدر ما يحل في ذاته. إنه ليس بوهم أو سراب. اللغة هنا، لا تكون وضعية وإيجابية، بل متى كانت كذلك؟. الحلم تعويض عن إحساس نفسي وجودي بالضجر، ورطة الوجود تربك المعادلات. المغايرة وجود ثان، في حيز رقيق جدا أو ما أشرنا إليه أعلاه باللحظة الحرجة. صحيح أننا نبدل الشيء بشيء مثله لأن الحكاية ذاتها واللعبة نفسها، لا نخرج منها إلا بالمواقف الوجودية الكبرى.
ليس الحلم شرا ميتافيزيقيا كما ظل الاعتقاد لمدة طويلة، ولأنه ليس بالهلوسة أو المرض النفسي، فإن جل اللحظات الكيفية، تكون "جنونا" للتاريخ.
أشرنا في مقدمة العمل الأول من سلسلة باشلاريات (1) إلى وجود ثلاثة عوامل شكلت لبنة أساسية في رسم معالم هذا المشروع الفكري وأقصد بذلك:
* اشتغالنا على أطروحة جامعية، تعلق موضوعها بالمكونات المفهومية والنظرية للخطاب النقدي والأدبي عند غاستون باشلار، ارتباطا بالأبعاد الحلمية للعناصر الكوسمولوجية الأربعة: النار/الأرض/الهواء/الماء.
* رغبتنا الشخصية العميقة والحالمة كذلك، في الوقوف على البنية النظرية واللغوية للنصوص التأسيسية الكبرى، التي أسست دعائم الثقافة الإنسانية خاصة في حقل الفلسفة مجال اهتمامي بالدرجة الأولى، ذلك ما اصطلحت عليه سابقا بقاعدة التخصص. مما يعطي قدرة كبيرة للباحث على استنباط المعطيات الموضوعية والذاتية والسياقية والتاريخية... للمتن المدروس. وبالأخص مع فيلسوف إنساني مثل غاستون باشلار. ولاشك أن الإصدارات السنوية لكل من:
- جمعية أصدقاء غاستون باشـلار:
(Association des amis de Gaston Bachelard)
وكــــذا،
- مركـز غاستون باشــلار للأبحـاث فـي المتخيـل والعقلانية: (Centre Gaston Bachelard de recherches sur l’imaginaire et la rationalité)
تكشف عن فريق من الباحثين المتخصصين في فكر باشلار، يشتغلون بلا كلل من أجل مزيد من الإشعاع لتأملات هذا الرجل الكبير في فكره وسلوكياته الشخصية وكذا مواقفه من القضايا العلمية لعصره، وما أحوجنا في زمان الجنون المعقلن والهستيريا التي تؤجج سرطانية أوثان الواحدية والدوغمائية، إلى نفس حالم يرسم للإنسانية في كل لحظة، منافذ الإنفلات الحي والمبدع. ولاشك أن ما يغيب عن الأفق الفكري لثقافتنا العربية هو انتفاء الإحساس بالجدة والفتوة، وتحولنا مع هذا الشعور إلى كائنات مترهلة وشائخة وهرمة، ثم أضحى قيمة إبستمولوجية تسود كل مؤسساتنا من الأسرة إلى المدرسة فالجامعة مرورا بالحزب والمؤسسة الثقافية. علاجية الدرس الباشلاري هنا، هي الأبعاد المعرفية التي أصبحت لشيء اسمه: الخيال. تجربة جديدة تعيد صياغة التصالح بين الفكر والحلم، وتكشف عن الحلقة التي ظلت مفقودة داخل سيرورة المعرفة الإنسانية. الكوجيتو الحالم (Le cogito rêveur) الذي وضعه باشلار في مقابل الكوجيتو المفكر الديكارتي، لا يعني بأي شكل من الأشكال، إقصاء الثاني وسلبه. ولكنه تأكيد من زاوية أخرى عن "لاتاريخية" العقل الديكارتي في لحظة ما، من اشتغال المشروع النظري الذي وضعته الميتافيزيقا الغربية لنفسها. الصدمات التي قد تؤدي إلى شلل في التفكير والقدرة على المبادرة وما ينتج عن ذلك من انهيارات وأمراض نفسية مميتة، تقتضي إعادة الرؤية في جوهر التفكير وهي المهمة التي ظل باشلار يعمل عليها لأكثر من ثلاثين سنة وبكتابات وصلت إلى حدود 22 مؤلفا ابتداء من كتابه "دراسة في المعرفة التقريبية" (1928) إلى "شعلة قنديل" (1961)، سنة واحدة قبل رحيل فيلسوفنا إلى العالم الآخر.
* العامل الثالث، والذي شكل ـ إضافة إلى ما سبق ـ عنصراً حاسماً في بداية الاشتغال على هذه السلسة هو مراكمتنا لكم كثير من النصوص الباشلارية، سواء كتابات الفيلسوف الأصلية، أو تلك التي جاء بها الباحثون بعده، وسواء تلامس أطروحات باشلار أو التطويرات التي عرفتها. كما أن الصدور المنتظم لمجلتي: Cahiers Bulletin ، ومن خلال تجميعهما لعدد من النصوص التي تعكس وجهات نظر مختلفة، نظرا لتعدد الثقافات واللغات التي ينطلق منها الباحثون. فإن ذلك ساهم بشكل كبير في اتساع حجم المتن الباشلاري، وكذلك تضاعف القارئين المحتملين له.
ليس الحلم شرا ميتافيزيقيا كما ظل الاعتقاد لمدة طويلة، ولأنه ليس بالهلوسة أو المرض النفسي، فإن جل اللحظات الكيفية، تكون "جنونا" للتاريخ.
أشرنا في مقدمة العمل الأول من سلسلة باشلاريات (1) إلى وجود ثلاثة عوامل شكلت لبنة أساسية في رسم معالم هذا المشروع الفكري وأقصد بذلك:
* اشتغالنا على أطروحة جامعية، تعلق موضوعها بالمكونات المفهومية والنظرية للخطاب النقدي والأدبي عند غاستون باشلار، ارتباطا بالأبعاد الحلمية للعناصر الكوسمولوجية الأربعة: النار/الأرض/الهواء/الماء.
* رغبتنا الشخصية العميقة والحالمة كذلك، في الوقوف على البنية النظرية واللغوية للنصوص التأسيسية الكبرى، التي أسست دعائم الثقافة الإنسانية خاصة في حقل الفلسفة مجال اهتمامي بالدرجة الأولى، ذلك ما اصطلحت عليه سابقا بقاعدة التخصص. مما يعطي قدرة كبيرة للباحث على استنباط المعطيات الموضوعية والذاتية والسياقية والتاريخية... للمتن المدروس. وبالأخص مع فيلسوف إنساني مثل غاستون باشلار. ولاشك أن الإصدارات السنوية لكل من:
- جمعية أصدقاء غاستون باشـلار:
(Association des amis de Gaston Bachelard)
وكــــذا،
- مركـز غاستون باشــلار للأبحـاث فـي المتخيـل والعقلانية: (Centre Gaston Bachelard de recherches sur l’imaginaire et la rationalité)
تكشف عن فريق من الباحثين المتخصصين في فكر باشلار، يشتغلون بلا كلل من أجل مزيد من الإشعاع لتأملات هذا الرجل الكبير في فكره وسلوكياته الشخصية وكذا مواقفه من القضايا العلمية لعصره، وما أحوجنا في زمان الجنون المعقلن والهستيريا التي تؤجج سرطانية أوثان الواحدية والدوغمائية، إلى نفس حالم يرسم للإنسانية في كل لحظة، منافذ الإنفلات الحي والمبدع. ولاشك أن ما يغيب عن الأفق الفكري لثقافتنا العربية هو انتفاء الإحساس بالجدة والفتوة، وتحولنا مع هذا الشعور إلى كائنات مترهلة وشائخة وهرمة، ثم أضحى قيمة إبستمولوجية تسود كل مؤسساتنا من الأسرة إلى المدرسة فالجامعة مرورا بالحزب والمؤسسة الثقافية. علاجية الدرس الباشلاري هنا، هي الأبعاد المعرفية التي أصبحت لشيء اسمه: الخيال. تجربة جديدة تعيد صياغة التصالح بين الفكر والحلم، وتكشف عن الحلقة التي ظلت مفقودة داخل سيرورة المعرفة الإنسانية. الكوجيتو الحالم (Le cogito rêveur) الذي وضعه باشلار في مقابل الكوجيتو المفكر الديكارتي، لا يعني بأي شكل من الأشكال، إقصاء الثاني وسلبه. ولكنه تأكيد من زاوية أخرى عن "لاتاريخية" العقل الديكارتي في لحظة ما، من اشتغال المشروع النظري الذي وضعته الميتافيزيقا الغربية لنفسها. الصدمات التي قد تؤدي إلى شلل في التفكير والقدرة على المبادرة وما ينتج عن ذلك من انهيارات وأمراض نفسية مميتة، تقتضي إعادة الرؤية في جوهر التفكير وهي المهمة التي ظل باشلار يعمل عليها لأكثر من ثلاثين سنة وبكتابات وصلت إلى حدود 22 مؤلفا ابتداء من كتابه "دراسة في المعرفة التقريبية" (1928) إلى "شعلة قنديل" (1961)، سنة واحدة قبل رحيل فيلسوفنا إلى العالم الآخر.
* العامل الثالث، والذي شكل ـ إضافة إلى ما سبق ـ عنصراً حاسماً في بداية الاشتغال على هذه السلسة هو مراكمتنا لكم كثير من النصوص الباشلارية، سواء كتابات الفيلسوف الأصلية، أو تلك التي جاء بها الباحثون بعده، وسواء تلامس أطروحات باشلار أو التطويرات التي عرفتها. كما أن الصدور المنتظم لمجلتي: Cahiers Bulletin ، ومن خلال تجميعهما لعدد من النصوص التي تعكس وجهات نظر مختلفة، نظرا لتعدد الثقافات واللغات التي ينطلق منها الباحثون. فإن ذلك ساهم بشكل كبير في اتساع حجم المتن الباشلاري، وكذلك تضاعف القارئين المحتملين له.
Page 6
نسعى إذن، بهذا العمل، كحلقة ثانية في السلسلة إلى مزيد من التعريف بالملامح الكبرى للدرس الباشلاري والذي تأرجح بين قطبي العلم والأدب مؤسسا ديكارتية جديدة على مستوى تاريخ العلم، وقاطعا مع التجربة النقدية الكلاسيكية أو "النزعة العلموية" للقرن التاسع عشر فيما يخص الأدب.
* لماذا إذن هذا المؤلف؟
* ما هي الظروف الذاتية والموضوعية المتحكمة في إنتاجه؟
* ما هو المناخ المعرفي الذي شكل خلفية له؟
* ما هي طبيعة المساهمة التي يمكن أن يضيفها إلى التراكمات الثقافية العربية الأخرى؟
* هل يمكن للنص الباشلاري بخصوصياته الفلسفية والمعجمية والأسلوبية أن يأخذ مسارا لغويا آخر؟ وبالمناسبة أشير إلى أنه قد نظم ملتقى دولي حول موضوع: باشلار والكتابة، في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2002 في مدينة ديجون (Dijon) . ومن محاور هذه الندوة خصص اليوم الثالث والأخير منها إلى قضية "باشلار ومترجموه". وتدخل في هذا السياق مقاربة باشلار داخل الثقافة العربية، مقارنة مع الموقع الذي أحدثته كتابات: سارتر أو ألتوسير أو دولوز. ..
إن الرؤية المفاهيمية والإبداعية، التي يريدها باشلار تلامس بشكل أساسي البنية الأنطولوجية للإنسان الذي يتوخاه والمقصود به: الكائن الحالم بامتياز. مستندا في ذلك إلى مجموعة من الحقول المعرفية مثل: الرياضيات، والكيمياء، والخيمياء، والقصيدة، والرواية، والنحت، والفن التشكيلي، والأنثروبولوجيا، والإثنوغرافيا. ... وبفكر تميز بخصلتين بيداغوجيتين أساسيتين: السجالية والإنفتاحية، يبحث دائما عن تأويل عقلاني قابل للانفلات من ذاته، يحلم باستمرار ويؤمن بالنفي والسلب والتجاوز، لأن الاعتقاد واليقينية قتل للفكر والحياة؛ لذلك سيكتب باشلار على مستوى إبستمولوجيته التاريخية كتابا اسمه فلسفة النفي أو دراسة في المعرفة التقريبية . وفي أحاديثه عن الأدب، خصص لما يسمى بـ (La rêverie) - وهو مختلف جذريا عند باشلار عن ـ (Le rêve) كتابـا بأكمـله، تحـت عنـوان: (La poétique de la rêverie) .
إجمالا، "باشلاريات" هي عبارة عن أبحاث تسعى للوقوف بتركيز وتفصيل -لا تهم مسألة الزمان- على الأسس وكذا الروافد ثم الإمتدادات المعرفية لفكر غاستون باشلار. وذلك لإيجاد المبررات الأخلاقية والفلسفية من أجل تحويل الواقع إلى علة للفعل الجمالي سواء كان فعلا معرفيا أو سياسيا أو اجتماعيا.
مراكش في: 28/12/2003.
* لماذا إذن هذا المؤلف؟
* ما هي الظروف الذاتية والموضوعية المتحكمة في إنتاجه؟
* ما هو المناخ المعرفي الذي شكل خلفية له؟
* ما هي طبيعة المساهمة التي يمكن أن يضيفها إلى التراكمات الثقافية العربية الأخرى؟
* هل يمكن للنص الباشلاري بخصوصياته الفلسفية والمعجمية والأسلوبية أن يأخذ مسارا لغويا آخر؟ وبالمناسبة أشير إلى أنه قد نظم ملتقى دولي حول موضوع: باشلار والكتابة، في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2002 في مدينة ديجون (Dijon) . ومن محاور هذه الندوة خصص اليوم الثالث والأخير منها إلى قضية "باشلار ومترجموه". وتدخل في هذا السياق مقاربة باشلار داخل الثقافة العربية، مقارنة مع الموقع الذي أحدثته كتابات: سارتر أو ألتوسير أو دولوز. ..
إن الرؤية المفاهيمية والإبداعية، التي يريدها باشلار تلامس بشكل أساسي البنية الأنطولوجية للإنسان الذي يتوخاه والمقصود به: الكائن الحالم بامتياز. مستندا في ذلك إلى مجموعة من الحقول المعرفية مثل: الرياضيات، والكيمياء، والخيمياء، والقصيدة، والرواية، والنحت، والفن التشكيلي، والأنثروبولوجيا، والإثنوغرافيا. ... وبفكر تميز بخصلتين بيداغوجيتين أساسيتين: السجالية والإنفتاحية، يبحث دائما عن تأويل عقلاني قابل للانفلات من ذاته، يحلم باستمرار ويؤمن بالنفي والسلب والتجاوز، لأن الاعتقاد واليقينية قتل للفكر والحياة؛ لذلك سيكتب باشلار على مستوى إبستمولوجيته التاريخية كتابا اسمه فلسفة النفي أو دراسة في المعرفة التقريبية . وفي أحاديثه عن الأدب، خصص لما يسمى بـ (La rêverie) - وهو مختلف جذريا عند باشلار عن ـ (Le rêve) كتابـا بأكمـله، تحـت عنـوان: (La poétique de la rêverie) .
إجمالا، "باشلاريات" هي عبارة عن أبحاث تسعى للوقوف بتركيز وتفصيل -لا تهم مسألة الزمان- على الأسس وكذا الروافد ثم الإمتدادات المعرفية لفكر غاستون باشلار. وذلك لإيجاد المبررات الأخلاقية والفلسفية من أجل تحويل الواقع إلى علة للفعل الجمالي سواء كان فعلا معرفيا أو سياسيا أو اجتماعيا.
مراكش في: 28/12/2003.
Page 7
القسم الأول
ترجمات
* غاستون باشلار والشعراء: لوي غيوم.* الفيلسوف والشاعر: جون ليبيس.
* باشلار والشعراء: حول صورتين للوي غيوم.مارسيل شاتل.
* باشلار عند العرب: عمور الشارني.
غاستون باشلار والشعراء
غاستون باشلار، ذلك الذي يمكننا تسميته "أكثر الشعراء فلسفة، والفيلسوف الأكثر شاعرية"، ولد في "Bar-sur-Aube" عام 1884 في أسرة من الإسكافيين وزارعي الكرمة (Vignerons) . في التاسعة عشرة من عمره، دخل إلى إدارة مكاتب البريد وتزوج من مدرسة ريفية، شجعته على مواصلة دراساته. عمله أثناء الليل مكنه من التعلم نهارا. عام 1919 في الخامسة والثلاثين من عمره، وبعد أن اجتاز لوحده إجازة في الرياضيات، عين أستاذا للفيزياء والكيمياء بثانوية في بلدته الأصلية. عندها هيأ شهادة التبريز في الفلسفة. ثم دكتور في الآداب وقد بلغ الثالثة والأربعين من عمره. فأصبح أستاذا للفلسفة بجامعة ديجون. سنة 1940، انتقل مدرسا إلى السوربون، ومازلت أتذكر المعارك، التي يجب تحملها من أجل الحضور إلى دروسه، نظرا إلى عدد الجماهير التي كانت تشد إليها: أدباء وعلماء وشعراء، الكل يصفق له. لم يتم قبل ذلك تحقيق تركيب ما بين العلم والشعر، حيث توخى جعلهما "متكاملان". سنة 1955، حصل على تقاعده، وانتخب عضوا بأكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. وفي العام 1961، حصل على الجائزة الوطنية الكبرى للآداب، وبهذه المناسبة تمكنا من أن نرى على شاشة التلفاز عينيه اللتين تتوقدان نارا من الدهاء والذكاء، وكذا وجهه العجيب الذي يشع طيبة، بلحيته الطويلة البيضاء التي تشبه لحية نبي. بإمكاننا أن نسمع صوته الشامباني (Champenoise) وهو يدحرج الـ "R" . بدأ الصحافيون يكتشفونه، ويقومون بتصويره وهو يتسوق في شارع "Mouffetard" . يتجادل مع المتسكعين، وتجار الفصول الأربعة، وكذا "قدماء" حرب 1914. أرمل منذ مدة طويلة، يعيش بشارع "La montagne Sainte-Geneviève" في شقة صغيرة مكتظة بالكتب مع ابنته التي هي كذلك أستاذة للفلسفة. مدير في معهد التاريخ والعلوم، فقد أصدر أكثر من ثلاثين مؤلفا في قضايا الفيزياء وفلسفة العلوم، وكذا في كل مسالك الخيال الإنساني. ذلك الذي يدعوه الكل سواء الزملاء أو التلاميذ، بـ"السنديانة الشائخة" توفي عن سن 78 عاماً في 16 أكتوبر 1962. كل من عرف هذا الكائن الخارق، الأكثر إنسانية والأكثر شاعرية من بين كل فلاسفة عصرنا الكبار، لا يمكنه نسيانه. في "مغارة كتبه"، مثل الفيلسوف رامبرانت (Rembrandt) ، كما تحدث عنه بطريقة مؤثرة جدا في آخر عمل له، كان ينتظرنا. يخطو، وهو ينتعل ليفتح لنا الباب، بقميص ليلي مفككة أزراره، وغطاء قديم ممزق ملقى على منكبيه. ريشته "رقيب ماجور" مخشخشة (مما يعطي الحياة أكثر، كما يقول)، كانت موضوعة في مكتبه الذي تكتسحه الأوراق والكتب، بجانب المحبرة وقد توحل حبرها قليلا. لقد رفض دائما استعمال قلم (Stylo) . وواجهت ابنته كثيرا من أجل إدخال الكهرباء إلى شقتهما. لم يقبل أبدا الانزواء في صالة سينمائية. ولم يكن هو، أستاذ الصور الشعرية الكبير، بحاجة إلى هذه التسليات الاصطناعية! جالس إلى مكتبه، يقول وهو يبتسم مثل خفاش الأسطورة: "انظروا إلى أرجلي، أنا فيلسوف للعلوم. انظروا إلى أجنحتي، فأنا شاعر".هذه الشعلة الكبيرة التي تنقل ارتعاشتها ونورها إلى روح كل الشعراء، تنطفئ. القصيدة في حداد. ذلك الذي قال: «كل شيء يرتج حين يرتعش النور» لقد تركنا باشلار. كان منارة بالنسبة للشعراء، يلهمهم ويحسون بأنه واحد منهم. منذ كتاب التحليل النفسي للنار (La psychanalyse du feu) الذي يفتتح ويختتم على مقولة لـ بول إلوار، يمكننا القول بأن القصيدة اجتاحته شيئا فشيئا. تكلم نيرفال عن "تدفق للحلم في الحياة الواقعية"، فإننا نعاين تدفقا للقصيدة داخل روح هذا الفيلسوف الكبير، بحيث أمكن لبعض الصحافيين أن يسميه "الأب نويل للحلم". هذا الحكيم الطيب جداً، والقارئ المدهش الذي يلتقي مع العقول الكبيرة لكل الأزمنة، يتوجه في الوقت نفسه إلى جمهور متخصص وكذا إلى هواة القصيدة العاديين. عمله منجم بعروق متعددة. الشباب يأتون عنده فطريا ويستقبلهم جميعا، ويعرف كيف يكتشف لهم في كتبهم الأول القصيدة المقبولة والمقطع الشعري الجيد وكذا الصورة الشخصية التي كانت نواة لعملهم المستقبلي. نقاد الشعر، وهم الأصل الذي أخذ منه الفيلسوف القصيدة، يسخرون أحيانا. بهدوء يفاجؤون حينما يجدون غاستون باشلار وقد استشهد إلى جانب شعراء مشهورين، بآخرين مبتدئين لم يعرفوا كيف يثيرون انتباههم.
Page 8
هذا الشمباني، يستطيع من جهة أخرى، أن يعكس على ذاته طيبوبته المتهكمة. غالبا فإن الفيلسوف يسخر برقة من الحالم، والأستاذ يبدي رأيه في العاشق المتلهف للصور الشعرية، أما العالم فإنه يتظاهر بالغضب ضد صاحب هذه الجملة، والتي لا يتنكر لها أي شاعر، كما نحب وضعها عند كل بدايات القصيدة المعاصرة: "الحلم أكثر قوة من التجربة".
بينه وبين الشعراء، كانت هناك إذن، علاقة مستمرة، تيار مستمر. لكن كم يعطي أكثر مما يأخذ. لقد كان حقا "موصولا" بالقصيدة والشعراء، يحبهما مثل أجمل شجرة في غابتهما. إذا كان باشلار يدين كثيرا للشعراء ـ ويسره أن يردد ذلك كثيراً سواء في كتبه أو رسائله ـ فإن الشعراء سيكونون دائما مدينين له، لأنه يلزمهم بأن يعيدوا قراءة ما كتبوه وبأن يفهموا جيدا صورهم والتي وضعها تحت إضاءة جديدة.
لكن كيف يمكن لمؤلف خمسة عشر كتابا تحمل عناوين مثل:
- L’activité rationaliste de la physique contemporaine.
- La propagation thermique dans les solides.
- Le pluralisme cohérent de la chimie moderne.
أن يصبح أفضل منبع شعري لحقبته؟
في العام 1937، ظهر "التحليل النفسي للنار"، ليست النار "كموضوع علمي" هي التي درست، ولكن الإنسان أمام النار. الإنسان المتأمل أمام موقده حينما "تلمع النار مثل وعي منعزل". فإن باشلار يعرف بأن التجارب الباطنية تتناقض حتما مع التجربة الموضوعية.
"في هذا الكتاب يقول: نصنع أسرارا ونحصي أخطاء. هكذا فإن بيداغوجيا الفكر العلمي ستستفيد بإظهار الإغواءات التي تعمل على تضليل الاستقراءات. ولن يكون مستعصيا أن نعمل ثانية مع الماء والهواء والأرض والملح والخمر والدم ما خططنا له هنا في النار".
نرى منذ الآن، ظهور مخطط العمل المستقبلي للفينومينولوجي. لقد تم رسم الطريق الذي سيلتزم به. لكن هل يتوقع هذا السيل من الصور الشعرية التي ستستهويه؟
فلأن التحليل النفسي يجعله ينقاد وراء حلم يقظته الخاص، يتذكر وهو يتكلم عن النار كعلاج نافذ بامتياز: "الطبيب الحسن والضخم بساعة ذهبية، أتى إلى وسادة الطفل وهدأ بكلمة بارعة أمه القلقة. كان صباح شتاء في بيتنا الفقير، والنار تلمع في موقدها. قدموا لي شراب الطولو (tolu) ، ولعقت الملعقة. أين هي أزمنة الدفء البلسمي تلك، وكذا علاجات النكهات الدافئة"؟.
وهو يتكلم عن حلم اليقظة بجانب النار، فإنه أيضا إلى طفولته يلجأ:
«على أسنان معلاق القدر، يتدلى قدر أسود. وداخل الرماد الساخن يظهر قدر بثلاثة أرجل. جدتي تنفخ بخدود ضخمة في الأنبوب الفولاذي، فتوقد ثانية الشعلة الراقدة. كل شيء يطهى في الآن نفسه: البطاطس للخنازير، ثم البطاطس الرفيعة أكثر للأسرة. بالنسبة لي، بيضة طرية تطهى تحت الرماد، ولا تقاس النار بالساعة الرملية: حينما تتبخر قطرة ماء وفي الغالب قطرة لعاب فوق القشرة، فإن البيضة قد استوت. فوجئت كثيرا حينما قرأت مؤخرا بأن "Denis Papin" يراقب قدره باستعمال أسلوب جدتي. قبل البيضة، يحكم علي بالثريد (Panade) . في اليوم الذي أكون فيه طفلا غاضبا ومضغوطا علي ألقي بملعقة ممتلئة بحسائي على أسنان القدر: «تناول الكراميل! تناول الكراميل!». وعندما أكون ظريفاً، يحملون إلي قالب المزبدات (Le gaufrier) . يسحق بمثلثه نار الأشواك، حمراء مثل سهم دلبوث (Glaïeuls) . وقبل ذلك، فإن قرص عسل كان في وزرتي يحرق الأصابع أكثر من الشفاه. نعم إذن، أتناول النار وأتناول ذهبها، ورائحتها إلى غاية توقدها بينما قرص العسل الحارق يطقطق تحت أسناني. وهكذا دائما، بنوع من لذة الترف، مثل التحلية (Dessert) ، تؤكد النار إنسانيتها. لا تقتصر فقط على الطهي، بل تقضم، وتذهب البسكويتة (La galette) ، إنها تجسد احتفالات الناس. إلى أقصى علو يمكننا الصعود إليه، فإن القيمة التذوقية تسبق القيمة الغذائية. ومن خلال السعادة وليس الحزن، يجد الإنسان عقله. استمالة الفائض تعطي إثارة روحية أكبر من الأخذ بالضروري، فالإنسان خلق للرغبة وليس للحاجة».
بينه وبين الشعراء، كانت هناك إذن، علاقة مستمرة، تيار مستمر. لكن كم يعطي أكثر مما يأخذ. لقد كان حقا "موصولا" بالقصيدة والشعراء، يحبهما مثل أجمل شجرة في غابتهما. إذا كان باشلار يدين كثيرا للشعراء ـ ويسره أن يردد ذلك كثيراً سواء في كتبه أو رسائله ـ فإن الشعراء سيكونون دائما مدينين له، لأنه يلزمهم بأن يعيدوا قراءة ما كتبوه وبأن يفهموا جيدا صورهم والتي وضعها تحت إضاءة جديدة.
لكن كيف يمكن لمؤلف خمسة عشر كتابا تحمل عناوين مثل:
- L’activité rationaliste de la physique contemporaine.
- La propagation thermique dans les solides.
- Le pluralisme cohérent de la chimie moderne.
أن يصبح أفضل منبع شعري لحقبته؟
في العام 1937، ظهر "التحليل النفسي للنار"، ليست النار "كموضوع علمي" هي التي درست، ولكن الإنسان أمام النار. الإنسان المتأمل أمام موقده حينما "تلمع النار مثل وعي منعزل". فإن باشلار يعرف بأن التجارب الباطنية تتناقض حتما مع التجربة الموضوعية.
"في هذا الكتاب يقول: نصنع أسرارا ونحصي أخطاء. هكذا فإن بيداغوجيا الفكر العلمي ستستفيد بإظهار الإغواءات التي تعمل على تضليل الاستقراءات. ولن يكون مستعصيا أن نعمل ثانية مع الماء والهواء والأرض والملح والخمر والدم ما خططنا له هنا في النار".
نرى منذ الآن، ظهور مخطط العمل المستقبلي للفينومينولوجي. لقد تم رسم الطريق الذي سيلتزم به. لكن هل يتوقع هذا السيل من الصور الشعرية التي ستستهويه؟
فلأن التحليل النفسي يجعله ينقاد وراء حلم يقظته الخاص، يتذكر وهو يتكلم عن النار كعلاج نافذ بامتياز: "الطبيب الحسن والضخم بساعة ذهبية، أتى إلى وسادة الطفل وهدأ بكلمة بارعة أمه القلقة. كان صباح شتاء في بيتنا الفقير، والنار تلمع في موقدها. قدموا لي شراب الطولو (tolu) ، ولعقت الملعقة. أين هي أزمنة الدفء البلسمي تلك، وكذا علاجات النكهات الدافئة"؟.
وهو يتكلم عن حلم اليقظة بجانب النار، فإنه أيضا إلى طفولته يلجأ:
«على أسنان معلاق القدر، يتدلى قدر أسود. وداخل الرماد الساخن يظهر قدر بثلاثة أرجل. جدتي تنفخ بخدود ضخمة في الأنبوب الفولاذي، فتوقد ثانية الشعلة الراقدة. كل شيء يطهى في الآن نفسه: البطاطس للخنازير، ثم البطاطس الرفيعة أكثر للأسرة. بالنسبة لي، بيضة طرية تطهى تحت الرماد، ولا تقاس النار بالساعة الرملية: حينما تتبخر قطرة ماء وفي الغالب قطرة لعاب فوق القشرة، فإن البيضة قد استوت. فوجئت كثيرا حينما قرأت مؤخرا بأن "Denis Papin" يراقب قدره باستعمال أسلوب جدتي. قبل البيضة، يحكم علي بالثريد (Panade) . في اليوم الذي أكون فيه طفلا غاضبا ومضغوطا علي ألقي بملعقة ممتلئة بحسائي على أسنان القدر: «تناول الكراميل! تناول الكراميل!». وعندما أكون ظريفاً، يحملون إلي قالب المزبدات (Le gaufrier) . يسحق بمثلثه نار الأشواك، حمراء مثل سهم دلبوث (Glaïeuls) . وقبل ذلك، فإن قرص عسل كان في وزرتي يحرق الأصابع أكثر من الشفاه. نعم إذن، أتناول النار وأتناول ذهبها، ورائحتها إلى غاية توقدها بينما قرص العسل الحارق يطقطق تحت أسناني. وهكذا دائما، بنوع من لذة الترف، مثل التحلية (Dessert) ، تؤكد النار إنسانيتها. لا تقتصر فقط على الطهي، بل تقضم، وتذهب البسكويتة (La galette) ، إنها تجسد احتفالات الناس. إلى أقصى علو يمكننا الصعود إليه، فإن القيمة التذوقية تسبق القيمة الغذائية. ومن خلال السعادة وليس الحزن، يجد الإنسان عقله. استمالة الفائض تعطي إثارة روحية أكبر من الأخذ بالضروري، فالإنسان خلق للرغبة وليس للحاجة».
Page 9
لقد رأينا بأن الفيلسوف ينساب من حلم اليقظة إلى التفكير. ذكريات كتلك، ومثل هذه المنعطفات نحو الطفولة، تمتزجان في كل المؤلفات المتعلقة بالعنصر والتي تهمنا: في "التحليل النفسي للنار"، انحصر إذن، باشلار عند استكشاف طبقة نفسية، ربما أقل عمقا لكنها أكثر تعقلنا من تلك التي للحلم، إنها طبقة حلم اليقظة (La rêverie) . «يسيـر الحلـم خطيا، ناسيا طريقه وهو ينساب. يشتغل حلم اليقظة كنجم». وسيعود كثيرا إلى هذا التمييز. تهمه الصور الطوعية حتى ولو كانت مغالية، وكذلك حلم اليقظة الذي يبحث عنه وهو ينظر إلى الشعلة. سيجده أكثر فأكثر في الصور التي يلتقطها من المجموعات الشعرية وكذا المؤلفات النثرية. إنهم في الموعد: إلوار/جورج ساند/هولدرلين/دانونزيو/نوفاليس/توليت/هوفمان/جون بول/فيلوتي أو نيدي/وحتى زولا. إلى جانب خيميائيين ومؤلفين قدماء من القرنين السابع عشر والثامن عشر. لأن التحليل النفسي للنار، مازال كتابا علميا. في المقابل فإن الكتب اللاحقة ستأخذ شيئا فشيئا مظهر مؤلفات شاعر.
وفي الماء والأحلام الذي صدر سنة 1940، ستظهر لأول مرة قاعدة العناصر الأربعة المشهورة والتي لن تقدم فقط لغاستون باشلار خط التوجيه في المتاهة الشعرية، بل ستغير بعمق سلوك مجموعة من الشعراء المعاصرين. «فقط إذا أمكننا دراسة الصور وذلك بإسنادها إلى مادتها الحقيقية، يمكننا تأمل نظرية كاملة للخيال الإنساني، يؤكد باشلار. الصورة نبات يحتاج للأرض والسماء، وكذا للجوهر والشكل. ... نعتقد بأن نظرية للخيال عليها ـ قبل كل شيء ـ دراسة روابط العلة المادية بالعلة الشكلية. هذه المسألة تطرح عند الشاعر وكذا عند النحات...».
«نعتقد بإمكانية تحديد قاعدة للعناصر الأربعة داخل نظام الخيال، والتي تصنـف الخيـالات الماديـة الأربعـة حسـب ارتباطها بالهواء أو النار أو الماء أو الأرض. وإذا كان صحيحا كما نطمح، أن على كل شاعرية الحصول على مكونات الجوهر المادي، فأيضا على هذا التصنيف بواسطة عناصر مادية جوهرية، التحالف بقوة أكبر مع الأنفس الشعرية. ولكي يتواصل حلم يقظة بثبات أكثر حتى يعطي عملا مكتوبا، وحتى لا يكون مجرد استراحة ساعة عابرة، فإنه من الضروري أن يجد مادته، وأن يعطيه عنصر مادي جوهره الخاص وكذا شاعريته النوعية. وليس من أجل لاشيء، جعل الفلاسفة الأولون من هذا المسار اختيارا قطعيا. لقد ربطوا مبادئهم الشكلية بأحد العناصر الأربعة الأساسية، والتي أصبحت سمات للأمزجة الفلسفية. .. قس على ذلك: داخل النظام الفلسفي، لا نقتنع جيدا إلا حينما يستلهم أحلام يقظة جوهرية ويعيد للأفكار سبيلها إلى الأحلام».
نص أساسي يفتح للشعراء طريق المادة ومسار الحلم للعقلانيين، لينتهي بصورة رائعة عن الشاعر. هذا ما أنجزه غاستون باشلار، ولذلك فإننا نعترف له بالجميل. لقد أعاد للأفكار مسلكها للأحلام.
أدرك الشعراء، بأن صورة لكي تستمر عليها التجذر في المادة. وبأن مهمتهم الأولى هي: «أن يرفعوا داخلنا مرساة هذه المادة التي تبتغي الحلم».
يظهر الشاعر/الفيلسوف فصيحا لكي يتكلم عن الماء بعد النار. ليس الماء، يقول: بزينة للمنظر الطبيعي، لا تتسلوا بلعبه السطحية، ولكن ادخلوا إلى عمقه. ستكتشفون حينئذ بأن «الماء نموذج للحميمية، وصورة لقدر جوهري يحول بلا توقف جوهر الكائن: إننا لا نسبح مرتين في النهر نفسه، لأنه قبل ذلك فإن الكائن الإنساني في عمقه له قدر الماء الذي ينساب. ..، الكائن المنقطع للماء يصاب بالدوار، يموت عند كل دقيقة بلا توقف، شيء من جوهره ينساب. الموت اليومي ليس موت النار الغزير والذي يخترق السماء بسهامه: الموت اليومي هو موت الماء. .. حزن الماء لا ينتهي».
لماذا يستعير باشلار أغلب أمثلته من القصيدة؟. يجيب، لأن الأساطير انقرضت في زماننا، فإن «الخيال لا يستضيء إلا بالقصائد التي يوحي بها. دوره هو تشكيل الصور التي تتجاوز الواقع، الذي تمتدحه. يبدع الحياة والفكر الجديدين. وستكون له تجليات إذا نما بأحلام يقظة قبل أن يتهذب بالتجارب. ... هذا الانخراط في اللامرئي يشكل القصيدة الأولى، القصيدة التي تمكننا من أن نحب قدرنا الباطن. تعطينا انطباعا بالشباب والفتوة. وذلك بأن نعيد إليها بلا توقف ملكة أن إدهاشنا. القصيدة الحقيقية وظيفة للإثارة. .. العالم لا يوجد شعريا إلا إذا لم يتم التوقف عن اكتشافه من جديد».
رائع هو كتاب الماء والأحلام : كلوديل/إدغاربو/لافورك/لامارتين/شيلي/مالارميه/سوينبرن/شكسبير/هوغو . ومئات من الشعراء الآخرين كانوا على موعد مع الماء. ثم نجدهم مرة أخرى في "الهواء والأحلام" (1942) إلى جانب: وليام بلاك/دانتي/بودلير/موريس دوغيران/فاليري/ريلكه/نيتشه/غوته، مع آخرين صحبة كتاب النثر: بلزاك/جاكوب بوهم/ديكارت/نوديي/وشوبنهاور.
بالخيال ننطلق تجاه حياة جديدة، يؤكد ثانية. في حين أن الحالم يسير على غير هدى، فإن دور الشاعر الجيد هو أن يجعل من هذا الخيال سفرا. القصيدة الجميلة بمثابة أفيون أو نبيذ، دعوة إلى السفر. وهذا السفر المتخيل يأخذ نقطة انطلاقه من خلال هذا "المرشد الجيد للنفسية المتخيلة": الشيء.
وفي الماء والأحلام الذي صدر سنة 1940، ستظهر لأول مرة قاعدة العناصر الأربعة المشهورة والتي لن تقدم فقط لغاستون باشلار خط التوجيه في المتاهة الشعرية، بل ستغير بعمق سلوك مجموعة من الشعراء المعاصرين. «فقط إذا أمكننا دراسة الصور وذلك بإسنادها إلى مادتها الحقيقية، يمكننا تأمل نظرية كاملة للخيال الإنساني، يؤكد باشلار. الصورة نبات يحتاج للأرض والسماء، وكذا للجوهر والشكل. ... نعتقد بأن نظرية للخيال عليها ـ قبل كل شيء ـ دراسة روابط العلة المادية بالعلة الشكلية. هذه المسألة تطرح عند الشاعر وكذا عند النحات...».
«نعتقد بإمكانية تحديد قاعدة للعناصر الأربعة داخل نظام الخيال، والتي تصنـف الخيـالات الماديـة الأربعـة حسـب ارتباطها بالهواء أو النار أو الماء أو الأرض. وإذا كان صحيحا كما نطمح، أن على كل شاعرية الحصول على مكونات الجوهر المادي، فأيضا على هذا التصنيف بواسطة عناصر مادية جوهرية، التحالف بقوة أكبر مع الأنفس الشعرية. ولكي يتواصل حلم يقظة بثبات أكثر حتى يعطي عملا مكتوبا، وحتى لا يكون مجرد استراحة ساعة عابرة، فإنه من الضروري أن يجد مادته، وأن يعطيه عنصر مادي جوهره الخاص وكذا شاعريته النوعية. وليس من أجل لاشيء، جعل الفلاسفة الأولون من هذا المسار اختيارا قطعيا. لقد ربطوا مبادئهم الشكلية بأحد العناصر الأربعة الأساسية، والتي أصبحت سمات للأمزجة الفلسفية. .. قس على ذلك: داخل النظام الفلسفي، لا نقتنع جيدا إلا حينما يستلهم أحلام يقظة جوهرية ويعيد للأفكار سبيلها إلى الأحلام».
نص أساسي يفتح للشعراء طريق المادة ومسار الحلم للعقلانيين، لينتهي بصورة رائعة عن الشاعر. هذا ما أنجزه غاستون باشلار، ولذلك فإننا نعترف له بالجميل. لقد أعاد للأفكار مسلكها للأحلام.
أدرك الشعراء، بأن صورة لكي تستمر عليها التجذر في المادة. وبأن مهمتهم الأولى هي: «أن يرفعوا داخلنا مرساة هذه المادة التي تبتغي الحلم».
يظهر الشاعر/الفيلسوف فصيحا لكي يتكلم عن الماء بعد النار. ليس الماء، يقول: بزينة للمنظر الطبيعي، لا تتسلوا بلعبه السطحية، ولكن ادخلوا إلى عمقه. ستكتشفون حينئذ بأن «الماء نموذج للحميمية، وصورة لقدر جوهري يحول بلا توقف جوهر الكائن: إننا لا نسبح مرتين في النهر نفسه، لأنه قبل ذلك فإن الكائن الإنساني في عمقه له قدر الماء الذي ينساب. ..، الكائن المنقطع للماء يصاب بالدوار، يموت عند كل دقيقة بلا توقف، شيء من جوهره ينساب. الموت اليومي ليس موت النار الغزير والذي يخترق السماء بسهامه: الموت اليومي هو موت الماء. .. حزن الماء لا ينتهي».
لماذا يستعير باشلار أغلب أمثلته من القصيدة؟. يجيب، لأن الأساطير انقرضت في زماننا، فإن «الخيال لا يستضيء إلا بالقصائد التي يوحي بها. دوره هو تشكيل الصور التي تتجاوز الواقع، الذي تمتدحه. يبدع الحياة والفكر الجديدين. وستكون له تجليات إذا نما بأحلام يقظة قبل أن يتهذب بالتجارب. ... هذا الانخراط في اللامرئي يشكل القصيدة الأولى، القصيدة التي تمكننا من أن نحب قدرنا الباطن. تعطينا انطباعا بالشباب والفتوة. وذلك بأن نعيد إليها بلا توقف ملكة أن إدهاشنا. القصيدة الحقيقية وظيفة للإثارة. .. العالم لا يوجد شعريا إلا إذا لم يتم التوقف عن اكتشافه من جديد».
رائع هو كتاب الماء والأحلام : كلوديل/إدغاربو/لافورك/لامارتين/شيلي/مالارميه/سوينبرن/شكسبير/هوغو . ومئات من الشعراء الآخرين كانوا على موعد مع الماء. ثم نجدهم مرة أخرى في "الهواء والأحلام" (1942) إلى جانب: وليام بلاك/دانتي/بودلير/موريس دوغيران/فاليري/ريلكه/نيتشه/غوته، مع آخرين صحبة كتاب النثر: بلزاك/جاكوب بوهم/ديكارت/نوديي/وشوبنهاور.
بالخيال ننطلق تجاه حياة جديدة، يؤكد ثانية. في حين أن الحالم يسير على غير هدى، فإن دور الشاعر الجيد هو أن يجعل من هذا الخيال سفرا. القصيدة الجميلة بمثابة أفيون أو نبيذ، دعوة إلى السفر. وهذا السفر المتخيل يأخذ نقطة انطلاقه من خلال هذا "المرشد الجيد للنفسية المتخيلة": الشيء.
Page 10
«كل شيء متأمل، وكل اسم كبير يتم همسه هو بداية حلم وكذا مقطع شعري، إنه حركة لسانية مبدعة. كم من مرة، عند حافة الآبار على الصخرة القديمة المغطاة بالحماض البري والسرخس، همست باسم المياه البعيدة، إسم العالم المتواري. وكم من مرة أجابني العالم بغثة. .. آه أشيائي، كم تكلمنا!».
وفي كتاب حديث أكثر، سيسترجع هذا الثناء:
«وردة، فاكهة شيء بسيط ومألوف، يسترعون انتباهنا بغثة لكي نفكر فيهم وأن نحلم بهم، بالقرب منهم. وأن نساعدهم على الارتقاء إلى درجة رفيق للإنسان. ما إن يختار الشاعر شيئه، حتى يغير هذا الشيء من وجوده، لقد ارتقى إلى الشعري. أية سعادة إذن، في أن نأخذ الشاعر بالكلمة، وأن نحلم معه ونعتقد فيما يقوله، ونعيش في العالم الذي يقدمه لنا. وذلك بوضع العالم تحت تأثير الشيء، وفاكهة للعالم ثم وردة للعالم».
هكذا فإن عالم نفس "حلم اليقظة" يتعارض مع "علماء النفس، الذي لا يحلمون أبدا". «كيف يمكنهم تأكيد حقائق سيكولوجية للحياة المتخيلة؟ يتساءل. إنهم يخافون من دراسة الحماقات ويتوخون معرفة كيفية تشكيل الصور! يريدون دراسة الواقعية ولا يبالون بالصور الحية التي تفرض الليل على أعيننا المغلقة. .. وعلى القصيدة العثور عليها ثانية باعتبارها ذكريات عن العالم الآخر».
من هو إذن، الفيلسوف الآخر الذي كان محاميا للشعراء؟ حيث يعرف كيف يوجههم ويفكك أجهزتهم وأحيانا إبطال مهاراتهم! مثلما كتب ماكس جاكوب إلى شاعر شاب: "لا تقل كسوة خضراء، قل كسوة عشب". يفسر: «إذا لم تكن السماء الزرقاء بالنسبة للكاتب مجرد موضوع. وكانت موضوعا شعريا فإنها لا يمكن أن تنتعش إلا داخل مجاز. ليس على الشاعر أن يترجم لنا لونا، ولكن أن يجعلنا نحلم بهذا اللون».
فيما يتعلق بالشجرة والريح، كم هي المقاطع الجميلة التي أتت تحت ريشة ذلك الذي حلم فوق الأرض، داخل مفرع جوزة والذي أعلن بأن "الإنسان مثل الشجرة، حيث تأتي قوى مضطربة لتنتصب".
أن تنشد القصيدة أو تقرأ في صمت، فإنها توجد دائما في تبعية للنفس (Souffle) . الإنسان "أنبوب رنان وقصب متكلم". «يحتاج لأن يقول لذاته في صمت وجوده ما يريد أن يصيره، وأن يؤكد ويمتدح صيرورته الخاصة. هنا وظيفة القصيدة الإرادية، والتي يجب أن توضع في علاقة مع صلابة وشجاعة الإنسان الصامت». وها هي الفقرة المناسبة حسب صديقه الكبير "ماكس بيكار"، والمؤيدة لهذه القراءة المنعزلة. هكذا يكتب: «هناك شعراء صامتون، مسكتون (Silenciaires) . شعراء يعملون أولاً، على إسكات عالم جد صاخب وكذا كل الإنقصافات الراعدة. يسمعون هم كذلك ما يكتبونه في الوقت ذاته الذي يكتبون فيه. .. في حين أن آخرين "يعزفون" ما أبدعوه في نفس الصفحة البيضاء. البعض الآخر "ينشدون" في البوق إلقاءات الأبهة. إنهم يتذوقون إيقاع الصفحة الأدبية حيث الفكر يتكلم، وحيث الكلام يفكر. يعرفون قبل التفعيل وقبل الإصغاء، بأن الإيقاع المكتوب أكيد، وبأن الريشة ستتوقف من تلقاء ذاتها أمام تعاقب صائتين (Hiatus) ، وسترفض التجانسات الصوتية غير المفيدة. وهي تتوخى بامتياز تكرار الأصوات أكثر من الأفكار. كم هو عذب إذن، أن تكتب وأنت تزعزع أعماق الأفكار المتأملة!. وكم نحس بأننا قد تخلصنا من أزمنة سخيفة، متقلبة ومبرودة (Salpétrés!) من خلال بطء القصيدة المكتوبة، تجد الأفعال تفاصيل حركيتها الأصلية. يعود لكل فعل، ليس فقط زمن تعبيره، ولكن الوقت المضبوط لحركته. وحين تأتي صفة لتزهر جوهرها، فإن القصيدة المكتوبة والصورة الأدبية، تجعلاننا نعيش بتمهل زمن الإزهرارات. فالقصيدة هي حقا الظاهرة الأولى للصمت المنتبه. كم هو فقير الزمن الحي، لقاء الأوقات التي تبدع داخل القصائد!».
سنة 1945 ظهر العملان المكرسان لتأملات الاستراحة وكذا الإرادة، والتي يوحي بهما عنصر الأرض. وكم سيتواضع الكاتب وهو يواصل اصطياده للصور المتخيلة! إنه لا يطمح إلا لكفاءة واحدة هي القراءة: «إنني لست إلا قارئا ومحبا للقراءة. نقضي الساعات والأيام في القراءة. قراءة متمهلة للكتب سطرا بسطر (يشدد على هذه الكلمات الثلاث)، ونقاوم بشكل أفضل جاذبية التواريخ. .. حتى نكون على يقين مطلق بأننا نقيم في الصور الجديدة التي تجدد الأنماط الأصلية اللاواعية». إنه يكتشف دائماً في عمل الشعراء خاصة "تفجيراته للغة": «تعمل القصيدة على تفريع دلالة كلمة وذلك بإحاطتها بمناخ من الصور.... بين كلمتين تنتظمان تقوم حتمية ما للمجاز. ... في قصيدة أكثر حرية كما هو الحال مع السوريالية، فإن اللغة تكون في منتهى تشعبها. عندئذ فإن القصيدة كتلة من الصور».
وفي كتاب حديث أكثر، سيسترجع هذا الثناء:
«وردة، فاكهة شيء بسيط ومألوف، يسترعون انتباهنا بغثة لكي نفكر فيهم وأن نحلم بهم، بالقرب منهم. وأن نساعدهم على الارتقاء إلى درجة رفيق للإنسان. ما إن يختار الشاعر شيئه، حتى يغير هذا الشيء من وجوده، لقد ارتقى إلى الشعري. أية سعادة إذن، في أن نأخذ الشاعر بالكلمة، وأن نحلم معه ونعتقد فيما يقوله، ونعيش في العالم الذي يقدمه لنا. وذلك بوضع العالم تحت تأثير الشيء، وفاكهة للعالم ثم وردة للعالم».
هكذا فإن عالم نفس "حلم اليقظة" يتعارض مع "علماء النفس، الذي لا يحلمون أبدا". «كيف يمكنهم تأكيد حقائق سيكولوجية للحياة المتخيلة؟ يتساءل. إنهم يخافون من دراسة الحماقات ويتوخون معرفة كيفية تشكيل الصور! يريدون دراسة الواقعية ولا يبالون بالصور الحية التي تفرض الليل على أعيننا المغلقة. .. وعلى القصيدة العثور عليها ثانية باعتبارها ذكريات عن العالم الآخر».
من هو إذن، الفيلسوف الآخر الذي كان محاميا للشعراء؟ حيث يعرف كيف يوجههم ويفكك أجهزتهم وأحيانا إبطال مهاراتهم! مثلما كتب ماكس جاكوب إلى شاعر شاب: "لا تقل كسوة خضراء، قل كسوة عشب". يفسر: «إذا لم تكن السماء الزرقاء بالنسبة للكاتب مجرد موضوع. وكانت موضوعا شعريا فإنها لا يمكن أن تنتعش إلا داخل مجاز. ليس على الشاعر أن يترجم لنا لونا، ولكن أن يجعلنا نحلم بهذا اللون».
فيما يتعلق بالشجرة والريح، كم هي المقاطع الجميلة التي أتت تحت ريشة ذلك الذي حلم فوق الأرض، داخل مفرع جوزة والذي أعلن بأن "الإنسان مثل الشجرة، حيث تأتي قوى مضطربة لتنتصب".
أن تنشد القصيدة أو تقرأ في صمت، فإنها توجد دائما في تبعية للنفس (Souffle) . الإنسان "أنبوب رنان وقصب متكلم". «يحتاج لأن يقول لذاته في صمت وجوده ما يريد أن يصيره، وأن يؤكد ويمتدح صيرورته الخاصة. هنا وظيفة القصيدة الإرادية، والتي يجب أن توضع في علاقة مع صلابة وشجاعة الإنسان الصامت». وها هي الفقرة المناسبة حسب صديقه الكبير "ماكس بيكار"، والمؤيدة لهذه القراءة المنعزلة. هكذا يكتب: «هناك شعراء صامتون، مسكتون (Silenciaires) . شعراء يعملون أولاً، على إسكات عالم جد صاخب وكذا كل الإنقصافات الراعدة. يسمعون هم كذلك ما يكتبونه في الوقت ذاته الذي يكتبون فيه. .. في حين أن آخرين "يعزفون" ما أبدعوه في نفس الصفحة البيضاء. البعض الآخر "ينشدون" في البوق إلقاءات الأبهة. إنهم يتذوقون إيقاع الصفحة الأدبية حيث الفكر يتكلم، وحيث الكلام يفكر. يعرفون قبل التفعيل وقبل الإصغاء، بأن الإيقاع المكتوب أكيد، وبأن الريشة ستتوقف من تلقاء ذاتها أمام تعاقب صائتين (Hiatus) ، وسترفض التجانسات الصوتية غير المفيدة. وهي تتوخى بامتياز تكرار الأصوات أكثر من الأفكار. كم هو عذب إذن، أن تكتب وأنت تزعزع أعماق الأفكار المتأملة!. وكم نحس بأننا قد تخلصنا من أزمنة سخيفة، متقلبة ومبرودة (Salpétrés!) من خلال بطء القصيدة المكتوبة، تجد الأفعال تفاصيل حركيتها الأصلية. يعود لكل فعل، ليس فقط زمن تعبيره، ولكن الوقت المضبوط لحركته. وحين تأتي صفة لتزهر جوهرها، فإن القصيدة المكتوبة والصورة الأدبية، تجعلاننا نعيش بتمهل زمن الإزهرارات. فالقصيدة هي حقا الظاهرة الأولى للصمت المنتبه. كم هو فقير الزمن الحي، لقاء الأوقات التي تبدع داخل القصائد!».
سنة 1945 ظهر العملان المكرسان لتأملات الاستراحة وكذا الإرادة، والتي يوحي بهما عنصر الأرض. وكم سيتواضع الكاتب وهو يواصل اصطياده للصور المتخيلة! إنه لا يطمح إلا لكفاءة واحدة هي القراءة: «إنني لست إلا قارئا ومحبا للقراءة. نقضي الساعات والأيام في القراءة. قراءة متمهلة للكتب سطرا بسطر (يشدد على هذه الكلمات الثلاث)، ونقاوم بشكل أفضل جاذبية التواريخ. .. حتى نكون على يقين مطلق بأننا نقيم في الصور الجديدة التي تجدد الأنماط الأصلية اللاواعية». إنه يكتشف دائماً في عمل الشعراء خاصة "تفجيراته للغة": «تعمل القصيدة على تفريع دلالة كلمة وذلك بإحاطتها بمناخ من الصور.... بين كلمتين تنتظمان تقوم حتمية ما للمجاز. ... في قصيدة أكثر حرية كما هو الحال مع السوريالية، فإن اللغة تكون في منتهى تشعبها. عندئذ فإن القصيدة كتلة من الصور».