Page 1
I
كان من عادة جدتي أن تقص علينا حكاية الشاطر حسن كل ليلة، فأنام أنا وأبناء عمي على أحلام جميلة.
لايزال صوتها يرن في أذنيّ عندما قالت لنا تلك الليلة: إسمعي يا سارة، إسمعوا يا أولادي، سأقص عليكم حكاية جديدة....
قصة اغتصاب الأرض... اغتصاب أرض فلسطين الحبيبة من قبل الاعداء الإسرائيليين، قصة محمد، ابراهيم، احمد، فاطمة وزينب....
هؤلاء كانوا ينعمون بالعيش الكريم في أرضهم التي احتضنتهم، أرضهم الطاهرة، ولكنهم اصبحوا مشتتين في بقاع الأرض بعد أن استولى الإسرائيليون على وطنهم الحبيب، على الأرض المقدسة، أرض الأنبياء والرسل.
لكن الآباء يا أحبائي كانوا مؤمنين دائماً بالعودة عاجلا أم آجلاً، يحملون مفاتيح ديارهم، يحتضنونها مطمئنين قلوبهم، متأملين بطرد العدو الصهيوني من الأرض التي اغتصبها منهم عنوة مهما طالت الأيام وبعدت المسافات...
قالت جدتي يومها: "لقد دفع الفلسطينيون دماءهم في سبيل تحرير أرضهم والعودة إليها، وهم، لغاية اليوم، مستمرون في المعاناة من العذاب والهوان، وكذلك من التشرد والحرمان.
حينها انتفضت الشعوب العربية مستنكرة هذا العمل البربري والوحشي، وطالبت بالانسحاب فوراً، ولكن لا أحد يسمع وليس هناك من مجيب.
ونتيجة لذلك، انطلق العمل الفدائي، وخصوصاً في لبنان، وهبّ الشباب اللبنانيون لمساعدة اخوانهم دفاعاً عن حرية الإنسان في استرجاع أرضه المسلوبة، واتخذوا من الجنوب اللبناني مقراً للعمليات الفدائية، وكانوا يعملون بسرية تامة خوفاً من أن يكشف سرهم يوماً ما.
ومنذ ذلك الحين لم ترحم إسرائيل جنوب لبنان، فأخذت تطارد الفدائيين بواسطة عملائها لقاء مبالغ من المال ترضي أطماع من باع وطنه من أجل المادة.
واستمرت إسرائيل في تعدّياتها على الممتلكات في القرى الجنوبية المتاخمة للحدود، فكانت تدفع بقواتها العسكرية داخل أرضنا غير آبهة بأي قرار يطالبها بالانسحاب من قبل جامعة الدول العربية أو المجتمع الدولي.
ولكن الحرب الاهلية التي حلت بأبناء المدينة بيروت ومدن جبل لبنان وقراه أيضاً، شكلت درعاً حصيناً للعدو، فوجدت لها منفذاً للدخول إلى قلب العاصمة والعبث فيها.
ساءت الحالة الأمنية في الجنوب اللبناني، وأقامت إسرائيل سجناً في بلدة أنصار الجنوبية أولاً، وأخذت تزج فيه الذين يخرجون عن طوعها وتسميهم بالمخربين.
وبعد مدة اقفلت هذا السجن، وأقامت غيره في تخوم بلدة الخيام في قضاء مرجعيون، وذلك بتحويل الثكنة العسكرية إلى معتقل.
دمعت عينا جدتي ثم قالت: "يومها أُلقي القبض على جارنا الحاج حسين، رجل في العقد السادس من العمر لكنه لا ينتمي إلى أيّ تنظيم، وبالرغم من ذلك زج به في سجن الخيام عدة شهور، منعوا عنه الزيارة وأذاقوه أشد العذاب. وبعد سنة خرج منه مريضاً جداً وما لبث أن فارق الحياة.
علينا يا أولادي أن نحب وطننا ونفديه بأنفسنا، لأنّ من لا وطن له لا يستحق الحياة أبداً، فالمحافظة على الأوطان بمثابة المحافظة على الأرواح.
قالت سارة: كنت صغيرة آنذاك فتأثرت كثيراً، ولكني لم أكن أعرف أبعاد تلك القصة جيداً إلا عندما كبرت وفهمت الحياة أكثر.
منذ ذلك الحين نشأت على حب الوطن والتعلق بالأرض خوفاً من أن يحل بنا ما حل بإخواننا الفلسطنيين.
وهكذا استطاعت جدتي أن تزرع فينا ما لم تستطع أية مدرسة أن تدرسه لتلامذتها في ذلك الوقت.
* * *
سألت سارة أمها يوماً: متى نعيش يا أمي في أمان واطمئنان؟ ألا يحق لنا ذلك؟ إلى متى سنبقى نعاني من الاحتلال...
هدأت الأم (سلمى) من روع ابنتها قائلة: "بالله عليك يا ابنتي، اطردي هذه الأفكار السيئة من رأسك وانتبهي إلى دروسك. هذا كل ما يطلب منك الآن.
غداً يزهر نيسان، فيظهر الحق وتنجلي الأمور ونعيش في أمان واطمئنان.
فهذا ما يبشر به سيد المقاومة الإسلامية.
رجعت البسمة إلى ثغر سارة بعد سماع كلام أمها فاطمأن بالها.
وليس من الغريب أن تتساءل عن كل هذه المعلومات،فهي التي أبصرت النور قي تلك القرية الجنوبية الصامدة (كفركلا)، إنها بلدة الشهداء الجاثمة على تخوم المستعمرات الإسرائيلية....
كان من عادة جدتي أن تقص علينا حكاية الشاطر حسن كل ليلة، فأنام أنا وأبناء عمي على أحلام جميلة.
لايزال صوتها يرن في أذنيّ عندما قالت لنا تلك الليلة: إسمعي يا سارة، إسمعوا يا أولادي، سأقص عليكم حكاية جديدة....
قصة اغتصاب الأرض... اغتصاب أرض فلسطين الحبيبة من قبل الاعداء الإسرائيليين، قصة محمد، ابراهيم، احمد، فاطمة وزينب....
هؤلاء كانوا ينعمون بالعيش الكريم في أرضهم التي احتضنتهم، أرضهم الطاهرة، ولكنهم اصبحوا مشتتين في بقاع الأرض بعد أن استولى الإسرائيليون على وطنهم الحبيب، على الأرض المقدسة، أرض الأنبياء والرسل.
لكن الآباء يا أحبائي كانوا مؤمنين دائماً بالعودة عاجلا أم آجلاً، يحملون مفاتيح ديارهم، يحتضنونها مطمئنين قلوبهم، متأملين بطرد العدو الصهيوني من الأرض التي اغتصبها منهم عنوة مهما طالت الأيام وبعدت المسافات...
قالت جدتي يومها: "لقد دفع الفلسطينيون دماءهم في سبيل تحرير أرضهم والعودة إليها، وهم، لغاية اليوم، مستمرون في المعاناة من العذاب والهوان، وكذلك من التشرد والحرمان.
حينها انتفضت الشعوب العربية مستنكرة هذا العمل البربري والوحشي، وطالبت بالانسحاب فوراً، ولكن لا أحد يسمع وليس هناك من مجيب.
ونتيجة لذلك، انطلق العمل الفدائي، وخصوصاً في لبنان، وهبّ الشباب اللبنانيون لمساعدة اخوانهم دفاعاً عن حرية الإنسان في استرجاع أرضه المسلوبة، واتخذوا من الجنوب اللبناني مقراً للعمليات الفدائية، وكانوا يعملون بسرية تامة خوفاً من أن يكشف سرهم يوماً ما.
ومنذ ذلك الحين لم ترحم إسرائيل جنوب لبنان، فأخذت تطارد الفدائيين بواسطة عملائها لقاء مبالغ من المال ترضي أطماع من باع وطنه من أجل المادة.
واستمرت إسرائيل في تعدّياتها على الممتلكات في القرى الجنوبية المتاخمة للحدود، فكانت تدفع بقواتها العسكرية داخل أرضنا غير آبهة بأي قرار يطالبها بالانسحاب من قبل جامعة الدول العربية أو المجتمع الدولي.
ولكن الحرب الاهلية التي حلت بأبناء المدينة بيروت ومدن جبل لبنان وقراه أيضاً، شكلت درعاً حصيناً للعدو، فوجدت لها منفذاً للدخول إلى قلب العاصمة والعبث فيها.
ساءت الحالة الأمنية في الجنوب اللبناني، وأقامت إسرائيل سجناً في بلدة أنصار الجنوبية أولاً، وأخذت تزج فيه الذين يخرجون عن طوعها وتسميهم بالمخربين.
وبعد مدة اقفلت هذا السجن، وأقامت غيره في تخوم بلدة الخيام في قضاء مرجعيون، وذلك بتحويل الثكنة العسكرية إلى معتقل.
دمعت عينا جدتي ثم قالت: "يومها أُلقي القبض على جارنا الحاج حسين، رجل في العقد السادس من العمر لكنه لا ينتمي إلى أيّ تنظيم، وبالرغم من ذلك زج به في سجن الخيام عدة شهور، منعوا عنه الزيارة وأذاقوه أشد العذاب. وبعد سنة خرج منه مريضاً جداً وما لبث أن فارق الحياة.
علينا يا أولادي أن نحب وطننا ونفديه بأنفسنا، لأنّ من لا وطن له لا يستحق الحياة أبداً، فالمحافظة على الأوطان بمثابة المحافظة على الأرواح.
قالت سارة: كنت صغيرة آنذاك فتأثرت كثيراً، ولكني لم أكن أعرف أبعاد تلك القصة جيداً إلا عندما كبرت وفهمت الحياة أكثر.
منذ ذلك الحين نشأت على حب الوطن والتعلق بالأرض خوفاً من أن يحل بنا ما حل بإخواننا الفلسطنيين.
وهكذا استطاعت جدتي أن تزرع فينا ما لم تستطع أية مدرسة أن تدرسه لتلامذتها في ذلك الوقت.
* * *
سألت سارة أمها يوماً: متى نعيش يا أمي في أمان واطمئنان؟ ألا يحق لنا ذلك؟ إلى متى سنبقى نعاني من الاحتلال...
هدأت الأم (سلمى) من روع ابنتها قائلة: "بالله عليك يا ابنتي، اطردي هذه الأفكار السيئة من رأسك وانتبهي إلى دروسك. هذا كل ما يطلب منك الآن.
غداً يزهر نيسان، فيظهر الحق وتنجلي الأمور ونعيش في أمان واطمئنان.
فهذا ما يبشر به سيد المقاومة الإسلامية.
رجعت البسمة إلى ثغر سارة بعد سماع كلام أمها فاطمأن بالها.
وليس من الغريب أن تتساءل عن كل هذه المعلومات،فهي التي أبصرت النور قي تلك القرية الجنوبية الصامدة (كفركلا)، إنها بلدة الشهداء الجاثمة على تخوم المستعمرات الإسرائيلية....
Page 2
لقد نشأت وترعرعت في بيئة مقاومة تعرف قيمة الشهادة في سبيل نصرة الوطن وكرامته، وكان ولايزال، الإمام الحسين عليه السلام سيد الشهداء مثلها الأعلى، لم يرض بالظلم فدافع عن حقوق المسلمين ودفع دمه ثمناً لحياة الامة الكريمة.
تزودت بالمحبة وبالصدق منذ طفولتها فكانت كالعصفور المغرد بصوته الرخم وبحركاته البريئة وبعفويته الجريئة. كانت تنظر إلى والديها بإعجاب وبدهشة متسائلة عن سر هذا الاهتمام بها قائلة: أنا أحبكما كثيراً يا والديّ.
حينها أجابتها أمها: "ونحن أيضاً نحبك يا ابنتي، إننا نرى نفسينا فيك، فلم العجب يا سارة؟ ولم هذا التساؤل؟ كل الآباء يحبون أولادهم ويضحون بأنفسهم لأجل سعادتهم وهنائهم".
أما والدها الأستاذ شكيب فكان يرعاها بعطفه، ويلبي لها طلباتها مهما كانت ثمينة.
كيف لا وهي ابنته الوحيدة، فهو بالنسبة إليها الأب والمعلم في آن معاً.يتابعها في دروسها،اذ كان معلماً ناجحاً ومخلصاً. لقد عين في مدرسة القرية قبل نشوب الحرب الأهلية في لبنان، تلك الحرب التي أطاحت بالأخضر واليابس. كانت حرباً طائفية لم ترحم أحداً، فهاجر الكثير من أبناء المدينة بيروت إلى القرى النائية طلباً للعيش بسلام وخوفا من بندقية القناصة الذين انتشروا على خطوط التماس في ذلك الحين.
أما القرى الجنوبية فلم تسلم من تعديات الجيش الإسرائيلي من خرق للأجواء اللبنانية، ومن تصوير لبعض المواقع في القرى القريبة من المستعمرات الإسرائيلية، فكانوا يحددون الهدف، ويقصفون من دون رحمة لا يميزون بين كبير وصغير.
كان الأستاذ شكيب معلماً مخلصاً أحب تلامذته كثيراً، يعطي من كل قلبه، لا يميز بين تلميذ وآخر. فكان الأب الحنون والموجه الناجح لتلاميذه الذين أحبوه واحترموه.....
لقد كان مؤمناً بوطنه فأرشد تلاميذه إلى المواطنية الصالحة، وزرع في قلوبهم حب العلم وحب الوطن.
انخرط الاستاذ شكيب في صفوف المقاومة إبان الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، والذي سمي آنذاك بالشريط المحتل، وكان ذلك في بداية الثمانينيات.
كان يعمل بسرية تامة خوفاً من جيش لبنان الجنوبي الذي أنشئ في ذلك الوقت بقيادة أحد الضباط اللبنانيين، وتحت إمرة القائد العسكري الإسرائيلي،كانت زوجته السيدة سلمى هي الوحيدة التي تعلم بعمل زوجها وتتعاطف معه لأنها كانت مؤمنة بهذا العمل، ومؤمنة أيضاً بأن الوطن لا يحميه إلّا أبناؤه المقاومون المخلصون والأوفياء.
وكثيراً ما كان يتأخر ليلاً في الرجوع إلى البيت، فتقضي زوجته الساعات في انتظاره وهي تتلو بعض الآيات القرآنية طالبة من الله ألا يصاب بأي مكروه.
وكثيراً ما كان يختلي إلى نفسه بين وقت وآخر يفكر في مستقبل ابنته، كانت الافكار السوداء تراوده فينتفض واقفاً ويقول: "ماذا سيحل بابنتي سارة إذا أصابني أي مكروه؟". فأوصى زوجته يوماً بان تحضنها وترعاها من بعده، وتكون لها بمثابة الأم والأب معاً، وأن تعلمها معنى الاستشهاد وأهمية المقاومة، فتخفف عنها من شدة المصاب وتشملها بالعطف والحنان وتحثها على إكمال تعليمها.
* * *
وفي أحد الأيام كان يستمع إلى نشرة الأخبار وإلى جانبه زوجته وابنته سارة، وإذا بالمذيع يعلن نبأ عن إجراء عملية استشهادية ضد دورية إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية لقرية كفركلا، خسر العدو فيها ضابطاً وجنديين إسرائيليين أيضاً، وأحرقت الدبابة التي كانوا يستقلونها.
بعد إعلان النبأ وقفت سارة وأخذت تصفق وتقول: "عاشت المقاومة، تباً لهؤلاء الأعداء....".
دهش والدها من ردة فعلها وقال لها: "بارك الله فيك يا ابنتي لهذا الحماس". إنني أطلب من الله أن يشمل هؤلاء المقاومين بعطفه ورضاه.
قالت سارة: "أنا أحب هؤلاء المقاومين وأقدرهم كثيراً".
علمتنا جدتي يا أبي عندما كنا صغاراً أن نحب الوطن ونعمل لنصرة الحق واسترجاع الأرض المسلوبة...
ـ متى يا ابنتي وكيف حصل ذلك؟...
ـ في إحدى الليالي قصت علينا أنا وأبناء عمي حكاية جميلة وممتعة، فأخذت منها درساً لن أنساه أبداً.
ـ ما هي هذه الحكاية؟ما هو موضوعها يا سارة؟
تزودت بالمحبة وبالصدق منذ طفولتها فكانت كالعصفور المغرد بصوته الرخم وبحركاته البريئة وبعفويته الجريئة. كانت تنظر إلى والديها بإعجاب وبدهشة متسائلة عن سر هذا الاهتمام بها قائلة: أنا أحبكما كثيراً يا والديّ.
حينها أجابتها أمها: "ونحن أيضاً نحبك يا ابنتي، إننا نرى نفسينا فيك، فلم العجب يا سارة؟ ولم هذا التساؤل؟ كل الآباء يحبون أولادهم ويضحون بأنفسهم لأجل سعادتهم وهنائهم".
أما والدها الأستاذ شكيب فكان يرعاها بعطفه، ويلبي لها طلباتها مهما كانت ثمينة.
كيف لا وهي ابنته الوحيدة، فهو بالنسبة إليها الأب والمعلم في آن معاً.يتابعها في دروسها،اذ كان معلماً ناجحاً ومخلصاً. لقد عين في مدرسة القرية قبل نشوب الحرب الأهلية في لبنان، تلك الحرب التي أطاحت بالأخضر واليابس. كانت حرباً طائفية لم ترحم أحداً، فهاجر الكثير من أبناء المدينة بيروت إلى القرى النائية طلباً للعيش بسلام وخوفا من بندقية القناصة الذين انتشروا على خطوط التماس في ذلك الحين.
أما القرى الجنوبية فلم تسلم من تعديات الجيش الإسرائيلي من خرق للأجواء اللبنانية، ومن تصوير لبعض المواقع في القرى القريبة من المستعمرات الإسرائيلية، فكانوا يحددون الهدف، ويقصفون من دون رحمة لا يميزون بين كبير وصغير.
كان الأستاذ شكيب معلماً مخلصاً أحب تلامذته كثيراً، يعطي من كل قلبه، لا يميز بين تلميذ وآخر. فكان الأب الحنون والموجه الناجح لتلاميذه الذين أحبوه واحترموه.....
لقد كان مؤمناً بوطنه فأرشد تلاميذه إلى المواطنية الصالحة، وزرع في قلوبهم حب العلم وحب الوطن.
انخرط الاستاذ شكيب في صفوف المقاومة إبان الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، والذي سمي آنذاك بالشريط المحتل، وكان ذلك في بداية الثمانينيات.
كان يعمل بسرية تامة خوفاً من جيش لبنان الجنوبي الذي أنشئ في ذلك الوقت بقيادة أحد الضباط اللبنانيين، وتحت إمرة القائد العسكري الإسرائيلي،كانت زوجته السيدة سلمى هي الوحيدة التي تعلم بعمل زوجها وتتعاطف معه لأنها كانت مؤمنة بهذا العمل، ومؤمنة أيضاً بأن الوطن لا يحميه إلّا أبناؤه المقاومون المخلصون والأوفياء.
وكثيراً ما كان يتأخر ليلاً في الرجوع إلى البيت، فتقضي زوجته الساعات في انتظاره وهي تتلو بعض الآيات القرآنية طالبة من الله ألا يصاب بأي مكروه.
وكثيراً ما كان يختلي إلى نفسه بين وقت وآخر يفكر في مستقبل ابنته، كانت الافكار السوداء تراوده فينتفض واقفاً ويقول: "ماذا سيحل بابنتي سارة إذا أصابني أي مكروه؟". فأوصى زوجته يوماً بان تحضنها وترعاها من بعده، وتكون لها بمثابة الأم والأب معاً، وأن تعلمها معنى الاستشهاد وأهمية المقاومة، فتخفف عنها من شدة المصاب وتشملها بالعطف والحنان وتحثها على إكمال تعليمها.
* * *
وفي أحد الأيام كان يستمع إلى نشرة الأخبار وإلى جانبه زوجته وابنته سارة، وإذا بالمذيع يعلن نبأ عن إجراء عملية استشهادية ضد دورية إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية لقرية كفركلا، خسر العدو فيها ضابطاً وجنديين إسرائيليين أيضاً، وأحرقت الدبابة التي كانوا يستقلونها.
بعد إعلان النبأ وقفت سارة وأخذت تصفق وتقول: "عاشت المقاومة، تباً لهؤلاء الأعداء....".
دهش والدها من ردة فعلها وقال لها: "بارك الله فيك يا ابنتي لهذا الحماس". إنني أطلب من الله أن يشمل هؤلاء المقاومين بعطفه ورضاه.
قالت سارة: "أنا أحب هؤلاء المقاومين وأقدرهم كثيراً".
علمتنا جدتي يا أبي عندما كنا صغاراً أن نحب الوطن ونعمل لنصرة الحق واسترجاع الأرض المسلوبة...
ـ متى يا ابنتي وكيف حصل ذلك؟...
ـ في إحدى الليالي قصت علينا أنا وأبناء عمي حكاية جميلة وممتعة، فأخذت منها درساً لن أنساه أبداً.
ـ ما هي هذه الحكاية؟ما هو موضوعها يا سارة؟
Page 3
ـ حكاية الأرض...حكاية أرض فلسطين المسلوبة....
تعجب الوالد من كلام سارة، ربت على كتفها وقال: "أصبحت الآن فخوراً بك كثيراً، حكاية استرجاع الأرض من يد العدو حكاية يطول شرحها، مضى عليها زمن طويل ولكننا بايماننا وايمان اخواننا الفلسطينيين والعمل المقاوم سننتصر بإذن الله...".
ـ "أبي أريد أن أطلب منك أمراً مهماً أرجو أن تلبيه لي...".
ـ ما هو هذا الامر يا سارة قولي بالله عليك هل هو صعب التحقيق؟
ـ لست أدري يا أبي ان كان الأمر صعباً عليك، لكنني لا أظن ذلك.
أريد أن أتقن استعمال السلاح، فأستطيع عندها أن أنضم إلى جيش المقاومة وأدافع عن وطني من الأعداء.
ـ هذا عمل مخصص للرجال يا ابنتي، العمل المقاوم يتطلب عناء كبيراً وانت لا تتحملين ذلك.
إن شاء الله سأعلمك على استعمال السلاح للدفاع عن النفس فقط، ولكنك تستطيعين مساعدة المقاومة عندما تكبرين أكثر، تقومين مثلاً بعمل إنساني، تساعدين المصابين بالحرب.
عليك أن تتعلمي المبادىء الأولية في التمريض، فتقومين بأعمال الإسعاف إذا أمكن....
إن شاء الله عندما تبلغين سن الرشد، نكون قد قضينا على هؤلاء الأعداء وطردناهم من الأراضي المحتلة.
إياك يا سارة أن تتكلمي مع رفيقاتك في هذا الأمر أبداً، فهناك الكثير من المخربين والمتعاملين مع العدو الإسرائيلي في هذه البلدة وفي جوارها أيضاً.
فمنذ مدة داهم العدو منزل الحاج ابراهيم الذي يقع في أطراف القرية، فاقتادوه مع ابنه أحمد وزجوهما في الجيب العسكري، ثم أخرجوا زوجته وأولاده الصغار من البيت وبعد ذلك نسفوه من أساسه....
كوني واعية يا سارة ولا تتحدثي بأمر المقاومة مع أحد.
سمعاً وطاعة يا أبي...
بعد هذا الحوار مع سارة اطمأن بال الأستاذ شكيب من ناحيتها، وتيقن أنه إذا استشهد يوماً ما ستستوعب سارة الخبر السيء ولا تنهار أبداً.
كان الأستاذ شكيب يعمل بصمت، وبشكل سري تام، يتصل من حين لآخر ببعض أفراد المقاومة الإسلامية في الضاحية الجنوبية من بيروت، فيتلقى المعلومات اللازمة، وفي إحدى الليالي استطاع أن يهرّب كمية لا بأس بها من السلاح والمتفجرات في وقت متأخر من الليل فساعده رفاقه في وضعها في أحد الملاجىء. وفي الصباح الباكر تسلل مع من دخل إلى البلدة من المقاومين إلى ساحة القرية وأنزلوا العلم الإسرائيلي وداسوه في الأرض بنعالهم ثم رفعوا العلم اللبناني مكانه ورايات المقاومة.
استيقظ أهالي بلدته على صوت التكبير والتهليل فزحفوا إلى الساحة ليتبينوا الأمر.
ملأت الفرحة قلوبهم وهم يرون العلم اللبناني يرفرف عالياً ورايات النّصر تتناغم في الهواء مع علم لبنان.
ولكن لم تدم الفرحة طويلاً، فقام بعض العملاء وطاردوا شبان القرية، وتم القبض على بعضهم وزجوا في سجن الخيام للمحاكمة والتعذيب.
كل ذلك لن يثنيهم عن عملهم المقاوم بل ازداد إيمانهم بقضيتهم في الدفاع عن الأرض وتحريرها.
وكثيراً ما تمنت سارة لو كانت مع هؤلاء المقاومين النبلاء، وذلك لتؤدي واجبها الوطني على أكمل وجه.
منذ ذلك الحين ازداد إيمانها بالمقاومة وأخذت تواظب على دروسها بجد ونشاط لكي تنتهي من المرحلة المتوسّطة ثُمَّ الثانوية، عندها يتسنى لها دخول الجامعة ومتابعة تعليمها.
تعجب الوالد من كلام سارة، ربت على كتفها وقال: "أصبحت الآن فخوراً بك كثيراً، حكاية استرجاع الأرض من يد العدو حكاية يطول شرحها، مضى عليها زمن طويل ولكننا بايماننا وايمان اخواننا الفلسطينيين والعمل المقاوم سننتصر بإذن الله...".
ـ "أبي أريد أن أطلب منك أمراً مهماً أرجو أن تلبيه لي...".
ـ ما هو هذا الامر يا سارة قولي بالله عليك هل هو صعب التحقيق؟
ـ لست أدري يا أبي ان كان الأمر صعباً عليك، لكنني لا أظن ذلك.
أريد أن أتقن استعمال السلاح، فأستطيع عندها أن أنضم إلى جيش المقاومة وأدافع عن وطني من الأعداء.
ـ هذا عمل مخصص للرجال يا ابنتي، العمل المقاوم يتطلب عناء كبيراً وانت لا تتحملين ذلك.
إن شاء الله سأعلمك على استعمال السلاح للدفاع عن النفس فقط، ولكنك تستطيعين مساعدة المقاومة عندما تكبرين أكثر، تقومين مثلاً بعمل إنساني، تساعدين المصابين بالحرب.
عليك أن تتعلمي المبادىء الأولية في التمريض، فتقومين بأعمال الإسعاف إذا أمكن....
إن شاء الله عندما تبلغين سن الرشد، نكون قد قضينا على هؤلاء الأعداء وطردناهم من الأراضي المحتلة.
إياك يا سارة أن تتكلمي مع رفيقاتك في هذا الأمر أبداً، فهناك الكثير من المخربين والمتعاملين مع العدو الإسرائيلي في هذه البلدة وفي جوارها أيضاً.
فمنذ مدة داهم العدو منزل الحاج ابراهيم الذي يقع في أطراف القرية، فاقتادوه مع ابنه أحمد وزجوهما في الجيب العسكري، ثم أخرجوا زوجته وأولاده الصغار من البيت وبعد ذلك نسفوه من أساسه....
كوني واعية يا سارة ولا تتحدثي بأمر المقاومة مع أحد.
سمعاً وطاعة يا أبي...
بعد هذا الحوار مع سارة اطمأن بال الأستاذ شكيب من ناحيتها، وتيقن أنه إذا استشهد يوماً ما ستستوعب سارة الخبر السيء ولا تنهار أبداً.
كان الأستاذ شكيب يعمل بصمت، وبشكل سري تام، يتصل من حين لآخر ببعض أفراد المقاومة الإسلامية في الضاحية الجنوبية من بيروت، فيتلقى المعلومات اللازمة، وفي إحدى الليالي استطاع أن يهرّب كمية لا بأس بها من السلاح والمتفجرات في وقت متأخر من الليل فساعده رفاقه في وضعها في أحد الملاجىء. وفي الصباح الباكر تسلل مع من دخل إلى البلدة من المقاومين إلى ساحة القرية وأنزلوا العلم الإسرائيلي وداسوه في الأرض بنعالهم ثم رفعوا العلم اللبناني مكانه ورايات المقاومة.
استيقظ أهالي بلدته على صوت التكبير والتهليل فزحفوا إلى الساحة ليتبينوا الأمر.
ملأت الفرحة قلوبهم وهم يرون العلم اللبناني يرفرف عالياً ورايات النّصر تتناغم في الهواء مع علم لبنان.
ولكن لم تدم الفرحة طويلاً، فقام بعض العملاء وطاردوا شبان القرية، وتم القبض على بعضهم وزجوا في سجن الخيام للمحاكمة والتعذيب.
كل ذلك لن يثنيهم عن عملهم المقاوم بل ازداد إيمانهم بقضيتهم في الدفاع عن الأرض وتحريرها.
وكثيراً ما تمنت سارة لو كانت مع هؤلاء المقاومين النبلاء، وذلك لتؤدي واجبها الوطني على أكمل وجه.
منذ ذلك الحين ازداد إيمانها بالمقاومة وأخذت تواظب على دروسها بجد ونشاط لكي تنتهي من المرحلة المتوسّطة ثُمَّ الثانوية، عندها يتسنى لها دخول الجامعة ومتابعة تعليمها.
Page 4
تقول سارة: بعد الانتهاء من تلك المرحلة سأصبح راشدة كما قال لي والدي، وأطلب منه أن يحقق لي حلمي الذي لايزال يراودني أي التدرّب وإتقان استعمال السلاح، فأدافع عن نفسي إذا لزم الأمر، وأيضاً أستطيع مساعدة المرضى المصابين بسلاح العدو الغادر والوقوف إلى جانبهم، بعد أن أنجز الدورة التدريبية في الدفاع المدني.
كادت الساعة تقارب الثانية عشرة ليلاً، وسارة لاتزال منهمكة في حل بعض المسائل الحسابية الشائكة، لأن موعد امتحان نصف السنة قد أصبح وشيكاً.
وفجأة سمعت دوياً قوياً ينبعث من الخارج، فتبينت بعد قليل أنه القصف المدفعي من قبل العدو الصهيوني الذي حط رحاله في تلك الليلة على قريتها الحبيبة على قلبها.أما الطقس فكان رديئاً جداً في الخارج، وخصوصاً أن فصل الشتاء في ذلك العام قد حل مبكراً، فتميز بشدة البرد وكثرة الثلوج الناصعة البياض.
لم تميز سارة حينها القصف المدفعي من صوت الرعد ووميض البرق، إذ هبت عاصفة ثلجية مصحوبة بموجات من البرد القارس، خصوصاً وأنّ البلدة تشرف على واد سحيق فترسل الرياح صفيرها من قعر الوادي وكأنها أصوات غربان شاردة من بندقية أحد الصيادين.
أخذت تردد: الله أكبر ألا يكفي القصف المدفعي؟ حتى العاصفة لم ترحمنا في هذا الليل الرهيب. إنني أحس أن البيت سيقتلع من جذوره.
استيقظت أمُّها على صوت الرعد والقصف المدفعي فأخذت تتفقد الأبواب والنوافذ فتقفلها بإحكام خوفاًً من دخول المطر والرصاص إلى الدار.
تفقدت زوجها في غرفة المكتب، لكنها لم تجده فسألت سارة عنه قائلة :
ألم يأتِ والدك بعد؟
_ " أين يكون في هذا الوقت المتأخر يا ترى"؟
لست أدري يا ابنتي، ربما يكون مع أصحابه، لا خوف عليه.
دخلت سارة غرفتها وهي تتثاءب من شدة النعاس، وما كادت أن تدخل سريرها حتى سمعت ضربات قوية على الباب، فهلع قلبها خوفاً، وأحست أن مكروها قد حصل لوالدها، نادت أمها بصوت عال وهي ترتجف، أمي أمي..... هدأت الأم من روعها، ثم اتجهت نحو الباب والأفكار تتزاحم في رأسها. قالت في نفسها: من يطرق الباب في هذا الوقت المتأخر يا ترى؟
ليس من عادة شكيب أن يفعل ذلك لأن لديه مفتاح البيت....
وبيد مرتجفة من شدة الخوف فتحت الباب قليلاً، وإذ بها ترى رجلاً ماثلاً أمامها بلباسه العسكري وبوجهه المكفهر.... فتبين لها أنه صديق زوجها الحاج "محمد"، وهي تعرف جيداً أنه مقاوم ومجاهد ناجح...
دب الخوف في قلبها، وأخذت تنظر إليه بعينين دامعتين واسعتين كأنها تبحث عن شيء في داخله.
تقدم نحوها، ثم قال: السلام عليك يا أم سارة.....
كادت الساعة تقارب الثانية عشرة ليلاً، وسارة لاتزال منهمكة في حل بعض المسائل الحسابية الشائكة، لأن موعد امتحان نصف السنة قد أصبح وشيكاً.
وفجأة سمعت دوياً قوياً ينبعث من الخارج، فتبينت بعد قليل أنه القصف المدفعي من قبل العدو الصهيوني الذي حط رحاله في تلك الليلة على قريتها الحبيبة على قلبها.أما الطقس فكان رديئاً جداً في الخارج، وخصوصاً أن فصل الشتاء في ذلك العام قد حل مبكراً، فتميز بشدة البرد وكثرة الثلوج الناصعة البياض.
لم تميز سارة حينها القصف المدفعي من صوت الرعد ووميض البرق، إذ هبت عاصفة ثلجية مصحوبة بموجات من البرد القارس، خصوصاً وأنّ البلدة تشرف على واد سحيق فترسل الرياح صفيرها من قعر الوادي وكأنها أصوات غربان شاردة من بندقية أحد الصيادين.
أخذت تردد: الله أكبر ألا يكفي القصف المدفعي؟ حتى العاصفة لم ترحمنا في هذا الليل الرهيب. إنني أحس أن البيت سيقتلع من جذوره.
استيقظت أمُّها على صوت الرعد والقصف المدفعي فأخذت تتفقد الأبواب والنوافذ فتقفلها بإحكام خوفاًً من دخول المطر والرصاص إلى الدار.
تفقدت زوجها في غرفة المكتب، لكنها لم تجده فسألت سارة عنه قائلة :
ألم يأتِ والدك بعد؟
_ " أين يكون في هذا الوقت المتأخر يا ترى"؟
لست أدري يا ابنتي، ربما يكون مع أصحابه، لا خوف عليه.
دخلت سارة غرفتها وهي تتثاءب من شدة النعاس، وما كادت أن تدخل سريرها حتى سمعت ضربات قوية على الباب، فهلع قلبها خوفاً، وأحست أن مكروها قد حصل لوالدها، نادت أمها بصوت عال وهي ترتجف، أمي أمي..... هدأت الأم من روعها، ثم اتجهت نحو الباب والأفكار تتزاحم في رأسها. قالت في نفسها: من يطرق الباب في هذا الوقت المتأخر يا ترى؟
ليس من عادة شكيب أن يفعل ذلك لأن لديه مفتاح البيت....
وبيد مرتجفة من شدة الخوف فتحت الباب قليلاً، وإذ بها ترى رجلاً ماثلاً أمامها بلباسه العسكري وبوجهه المكفهر.... فتبين لها أنه صديق زوجها الحاج "محمد"، وهي تعرف جيداً أنه مقاوم ومجاهد ناجح...
دب الخوف في قلبها، وأخذت تنظر إليه بعينين دامعتين واسعتين كأنها تبحث عن شيء في داخله.
تقدم نحوها، ثم قال: السلام عليك يا أم سارة.....