eKtab
EN ع
غليون العقيد
Read free sample

غليون العقيد

by محمد عبد الملك

Page 1
الستارة المغلقة
 
لم أعرف أن هذا الفندق يطل على مقبرة المدينة·· كنت مرهقاً بعد رحلة طويلة شاقة، وليس لي إلاّ أن أنام· فتحت الستائر وانكشفت لي قبور متجاورة· قبور تتجمع وتلتقي، تخرج من مكانها وتتزحزح وترتجّ كالماء، وتطفو إلى الأعلى، جامحة تضرب بعضها البعض، والشواهد تنهار بلونها الرمادي والأبيض أما القبب الصغيرة فكانت ملفوفة بخرق خضراء· لم أخبر زوجتي بالأمر، كانت مشغولة بالاستحمام بعد السفر الطويل· أسمع رشرشات الماء على البلاط وأرى الأباجورات الموضوعة بعناية·
 
لم أغلق الستارة· ولفت انتباهي دخول جماعات من الرجال بجنازة من الباب الشرقي للمقبرة· كان الرجال يرتدون ملابس بيضاء ناصعة، وكان النساء من خلفهم يمشين كالغربان بعباءات سوداء· لا إرادياً فتحت النافذة·· جاءني هواء هذه المدينة الساخن الذي يبرد في الليل· كنت أريد أن أتبع صوت هذه الجنازة· سمعت الولولة أولاً·· جاءتني مع هبوب الريح من الشرق· كانت البوابة التي دخلوا منها منهكة لها حديد صدئ، النصف الآخر من البوابة كان ساقطاً على الأرض· وضعوا الجنازة على الأرض وارتفعت زغاريد· التقى النساء والرجال واختفت الجنازة· ماذا لو شاهدت زوجتي هذا المنظر؟! وكيف اخترنا هذا الفندق لشهر العسل؟ اتخذت قراري بالفرار من هذا الفندق في أقرب فرصة· لن أخبر زوجتي·· لكنها ستفتح الستارة بالحتم· نمت على المقعد الذي بجوار السرير وأنا أنتظر دوري لدخول الحمام· كانت الرحلة طويلة بالطائرة، طويلة استغرقت عشر ساعات· رحلات الترانزيت متعبة، لم أفق إلاّ في الليل· عندما فتحت عيني كانت زوجتي جالسة أمامي عند ميز التواليت تصلح زينتها· قالت لي من دون أن تلتفت:
 
ــ نمت 5 ساعات·· وتركتك ترتاح·· فالليلة ستسهر حتى الصباح··
 
لم أجبها، كنت لا أزال في حوزة النوم· نمت بثياب السفر· حلمت أحلاماً مفزعة· كانت رأسي ثقيلة· قلت لزوجتي:
 
ــ كيف نمت؟
 
ــ على المقعد·· وبعد ذلك حملتك بصعوبة إلى السرير··
 
ــ أنا نهضت بنفسي؟
 
ــ بمساعدتي··
 
أخفيت على زوجتي صور الحلم الذي رأيته·
 
كان الضوء في الغرفة خافتاً، ينبعث من الأباجورات في جوانب السرير· انتبهت إلى الستارة عن يميني، وحمدت اللّه أنها لا زالت مغلقة· كانت زوجتي نائمة طول الوقت أيضاً· قالت لي:
 
ــ قرأت برنامج السهرة في هذا الفندق وحجزت طاولة لشخصين··
 
هل أخبر زوجتي عن المقبرة؟ قلت لها:
 
ــ سننتقل عن هذا الفندق غداً·
 
قالت:
 
ــ أنا مرتاحة هنا لا داعي للتغيير··
 
ــ أظن أننا أخطأنا في ذلك··
 
ـــ هو فندق خمس نجوم؟
 
ــ نعم·· لكن موقعه غير مناسب··
 
ــ من أي جانب·· هو وسط المدينة؟
Page 2
ــ نعم··
 
تردّدت، لكنها ستعرف، لا بد وأن تفتح الستارة بعد قليل، هذا هو طبعها، وطبع كل مسافر، يريد أن يعرف ما حوله، وما بجواره، المنظر الخلفي للغرفة··
 
لم بنوا هذا الفندق هنا؟ كيف اركتبوا هذه الحماقة؟
 
قلت:
 
ــ على كل حال·· أنا موافق على المكان الذي يعجبك·
 
ــ خلاص·· يعجبني هذا الفندق·· أدخل الحمام واطرد عنك كل النوم·
 
قلت لها:
 
ــ لا أريد الخروج من الغرفة الليلة·· الظاهر أنني مصاب ببرد، وعلي أن أستريح في الغرفة··
 
كانت في كامل زينتها ففوجئت بقراري·
 
ــ هل جئنا إلى هذه المدينة الجميلة للنوم؟
 
ــ الأيام قادمة··
 
ــ وهل ينامون في شهر العسل؟
 
كنت مكتئباً· أصبت بالاكتئاب منذ خمس سنوات· وكان الموت يزورني كل مساء في هيئة صامتة: جسدي ممدد فوق نعش خشبي طويل، وعيني مغمضة، جسدي مغطى بزيت، وهو غامق وعميق، ومجموعة من الرجال يحملونني إلى المقبرة· يغشاني العرق، ويضيق صدري، ويركض الخوف· أصاب بهلع شامل· لا أتحدث· أفحص حبات العرق فوق جبهتي في الشتاء· لم أخبر زوجتي عن الاكتئاب·· ستكتئب هي الأخرى· ضغطت الجرس وأنا أقول لزوجتي:
 
ــ سنحتفل هذه الليلة في هذه الغرفة الأنيقة الممتلئة بالسجاد وصور النساء الجميلات·
 
فتحت زوجتي الراديو· وزارتنا الموسيقى هادئة، ناعمة·· وتدفق شعور من الفرح في عينيها· رأيتها تستدير إلي، بفستانها الأسود مكشوف الكتفين، وفي شعرها الفاحم وردة صفراء·
 
كانت في غاية الجمال· قالت وهي تزيح شعرها فتظهر عيناها النجلاوان بكل طلاوتهما الشهية·
 
ــ كما تشاء·· كل مكان أنت فيه جنة·
 
وجاءت وطوقتني· أنعشتني العطور الجديدة الباذخة· قالت:
 
ــ لن أخلع فستان السهرة··
 
ــ ليكن·· سأرتدي أنا البدلة·· بدلة الزواج·· ومن يدري·· قد نخرج فجأة آخر الليل ونتجول في المدينة، ولا نعود إلاّ في الصباح· هذه المدينة لا تنام· تسهر وتزدان بالأضواء وتعمّها الحركة· ويرتاد العشاق حدائقها ومقاهيها·· مدينة صاخبة للمتزوجين والعشاق·· والعابثين في الحياة··
 
وسمعت طرقاً بالباب فقلت:
 
ــ النادل؟
 
- فتحت الباب، ودخل النادل وأخرج دفتراً من جيبه:
 
ــ ماذا تطلبين يا بشرى؟
 
ــ كأساً من الحليب··
 
ــ وأنا أريد بيرة مثلجة··
Page 3
بشرى ابراهيم:
 
دخل زوجي صلاح الحمام· كنت أسمع صوت الماء والموسيقى الهادئة· دفعني اللاشعور إلى الستارة· عجبت كيف غفلت عنها كل هذا الوقت· فتحت الستارة ورأيت مقبرة· شواهد قبور صامتة وناتئة، قبباً كثيرة داكنة· وكلاباً تجوس بين الضوء الذي يكشف عن جوانب من شواهد القبور· وقفت صامتة· لم أتوقع ذلك·· مقبرة بجوار فندق؟! ما السرّ؟ شعرت بانقباض، يجب أن نرحل غداً من هذا المكان·· الآن؟ لا·· دفعنا للفندق أجرة اليوم·· غداً في الصباح، صلاح مريض ولا يستطيع الانتقال كما يبدو، وسينزعج من هذا الانتقال السريع·· غداً في الصباح أخبره بالأمر· سأغلق الستارة·· يجب أن تبقى هذه الستارة مغلقة الليلة، الليلة على الأقل، حتى لا نفسد هذه الليلة، حتى يبقى صلاح في حالة متوازنة·· لو أخبرته بالأمر فقد يكتئب·· بالحتم سينزعج كثيراً·· هو الحساس المرهف يكتشف مقبرة في مكانه، في غرفته؟ كنت أشعر أن المقبرة تزحف إلينا، هنا في جانب الفندق، تدخل الدهليز، وتتخلل الجدران·· وتستقر على السرير·· المقبرة تتحول إلى أثير·· تزحف وتدخل في كيان الفندق، كأنها جزء منه، وكأنها بنيت مع الفندق، وستزال معه·· أحسست بحميمية إلى المقبرة، كنت أذهب إليها الآن بنفسي، أقترب من الشواهد والقبور وأنام على الاسمنت السميك تحت الضوء والظلمة المختلطة، أشعر بالندى المحمول على نبات ظاهر بين القبور· الشواهد تتحرك، تقفز، وجدران المقبرة تنتكس وتميل·· أسمع صفير زوجي داخل الحمام وإيقاع الموسيقى الذي يتحول· الستارة مفتوحة ليس كلها·· سأخفي الأمر على صلاح·· ليعلم غداً في الصباح·· نكون قد استرحنا، وبعد نوم عميق نرحل·· لكن هل تبقى الستارة مغلقة إلى الغد؟ وماذا لو أراد أن يفتح الستارة؟ كيف أمنعه؟·· لم أخش الموت كثيراً في حياتي· هو أمر عادي، أتوقعه كما أتوقع خروج زوجي من الحمام، كان أهلي يعجبون من ذلك· وفسروا هذا بغلاظة القلب· أنا مؤمنة باللّه·· وهذا سرّ الفتي مع الموت·· لكن زوجي·· آه! أعرف أنه مكتئب·· ويتعاطئ دواء الاكتئاب·· ويخفي علي ذلك· اللّه يرحمنا·· لن أدعه يفتح الستارة·
 
لِمَ يضيئون هذه المقبرة؟ ولِِمَ هذه الأضواء الضاجة على امتداد هذه المقبرة؟ في وسط المدينة؟ وهذه نافورة ماء منطلق، وسيارات جميلة تصعد الطريق الجنوبي، ومقاه كثيرة تقابل المقبرة والفندق، وخمارات، ومراقص·· فتحت النوافذ ذات الزجاج السميك، وانحدرت إلي موسيقى من أسفل قاعات الفندق، أنا في الدور الخامس، وجاءتني الموسيقى من الدور الثاني· في هذا الدور المطعم الفخم ذو الثريات الكبيرة والموحية والرخام· الفرقة ستغني هنا في الطابق الثاني· والمرقص في الطابق الأول· سأشتري ورداً من سوق الفندق العام·· ليت صلاح يوافق على الذهاب إلى الحفل؟ هل ينعشه الدوش الساخن؟ أراه يصفر؟ من يدري؟ سنذهب إلى الحفلة الصاخبة· الموسيقى التي أحبها· أريد أن أخرج من هذه الغرفة·· أن أطير·· أطير·· لن أدع صلاح ونفسي في حجرة مقفلة· أنا وهو وفي شهر العسل؟·· لن أدع حبيبي ينام عابساً حزيناً·· سنخرج·· سنخرج·· أعرف كيف أقنعه·· والتذاكر في يدي·· وإذا لم يوافق سأزعل، وإذا زعلت فهو لا يقدر على زعلي·· سيوافق· كان صلاح خارجاً من الحمام· منتعشاً، وجاءتني سخونة بخار الحمام· كانت الستارة مقفلة· ولا أدري لم نظر إلى الستارة أول ما خرج من الحمام· قلت:
 
ــ صلاح·· أنا أريد أن أسهر·· يبدو لي أن الحفلة في الطابق الثاني جميلة·· إعلاناتها باهرة··
 
ــ تظنين ذلك؟
 
ــ نعم·· لم يخب ظني قط·· وهذه مدينة الطرب والحياة·· والفندق خمس نجوم!
 
ــ ما يعجبني فيك يا بشرى هذا التفاؤل المفرط·· لا أدري بسببك أو بسبب الدوش الساخن، أشعر بتغير والظاهر أننا سنغير رأينا··
 
صلاح هاشم:
 
كيف فاتتني هذه الفكرة، كان عليّ أن أدعوها أنا للخروج· لأهرب بها من هذه الغرفة·· لن تفكر في فتح الستارة إذا كانت خارج الغرفة· نذهب إلى السهرة· ولا أعتقد أن مطعم الفندق ــ حيث تقام السهرة ــ مفتوح على المقبرة·· هذا مستحيل· المطعم سيكون بالحتم في واجهة المدينة·· الواجهة الضاجة بالنوافير والأشجار·· لأوافق على اقتراحها من دون تردد··
 
بشرى ابراهيم:
 
كم كنت سعيدة عندما سمعت زوجي صلاح يقول لي بسرور وترحيب:
 
ــ لنسهر في المطعم السفلي في الدور الثاني·· نفسي مفتوحة للحياة·· ارفعي صوت الموسيقى··
 
ــ التذاكر جاهزة يا صلاح·· حجزنا منذ أول دخولنا··
 
ــ هذا شأن النساء دائماً، تواقات للحياة·· وهذا أجمل مزاياهن العريقة··
 
ــ كنت مصممة على الرغم من تعب السفر أن نسهر هذه الليلة·· ألم يذهب التعب مع النهار؟
 
ــ أين البيرة! البيرة المثلجة!
 
حمل زوجي البيرة وصبّها في كأس طويلة وارتفع الزبد إلى أعلى الكأس· بعد دقائق ارتفعت قهقهاته عالياً في الغرفة· كان يرتدي بدلته الزرقاء، ويكمل زينته، ويجرع البيرة بين آن وآخر، ويمازحني كعادته·· كنت أجلس بجانب الستارة·· ويبدو أنني نسيت· غمرني صلاح ببهجة مفاجئة سريعة·· نسيت، يبدو نسيت·· قال لي:
Page 4
ــ تعالي أريد أن أهمس في أذنك·· وقبلني قبلة حارة··
 
ــ إلى السهرة!
 
قال، وهو يمسك يدي ونفتح الباب ونخرج·
 
صلاح هاشم:
 
في الطريق إلى السهرة، إلى الطابق الثاني، سبقنا الهرج في الفندق، الندل الحاملون الزجاجات والفواكه· الخدم بملابسهم الزرقاء السماوية وهم يحملون الحقائب· الأزهار والنبتات الخضراء في الممرات·· والنساء الجميلات طبعاً، بالملابس الجديدة للسهرة·· كلهم يتدفقون في المصعد الكبير في اتساع غرفة·· إلى الطابق الثاني·· ضغطنا زر الطابق الثاني فقط·· وأعلن الضوء الأصفر بداية توقف المصعد·· زرافات كنّا·· الموسيقى، والجو الحالم، الأضواء الخافتة والديكور الكلاسيكي القديم، والطاولات تتوسطها سلّة الفاكهة والنادلات الجميلات·· كان المطعم يغص بالحضور من جنسيات مختلفة بين رنين الضحكات وهي تتشظى· أعطيت النادل البطاقة فقادني إلى طاولة صغيرة بجانب لوح زجاجي كبير عريض·· خلف اللوح الزجاجي كانت المقبرة أيضاً في مكانها·· وكأنها تنتظرنا هنا أيضاً·· دهشاً جلست· لم تلحظ زوجتي شيئاً حتى الآن·· قلت للنادل:
 
ــ هل يمكن تغيير هذا المكان؟
 
أشار إلى الناس المتزاحمين على المقاعد وقال:
 
ــ هذا هو المكان الوحيد الموجود·· طلب هذا المكان كثيرون قبل مجيئك·· أنت محسود يا سيدي·· هذا المكان يطل على المدينة·· وتستطيع من هنا أن تكشف كل القاعة!
 
قلت: ــ إذن·· شكراً·· لا بأس!
 
بشرى إبراهيم:
 
كنت أعرف أن صلاح سينزعج لو عرف الأمر· كنت في غاية الدهشة، إذ لم أتوقع أن تكون المقبرة هنا أيضاً في السهرة، بين الناس، وأن أحسسها في الظلام المحيط بالأسوار والمدينة والفندق والطاولات·· كنت خائفة أن يكتشف صلاح ذلك فجأة·· وقلت للنادل:
 
ــ أرجو أن تجد لنا مكاناً آخر فيما بعد··
 
قال النادل:
 
ــ سأحاول··
 
صلاح هاشم:
 
قررت ألا ألتفت إلى الوراء· أعطيت المدينة والمقبرة ظهري، وأعطت بشرى المقبرة والمدينة ظهرها· كنا بهذه الهيئة نقابل البند وصالة الرقص تماماً· وجدت في هذه الهيئة ما يخالف التآلف والتناسق مع البند وصالة الرقص التي توجهت الأجساد والأنظار إليها·· كنت مأخوذاً بالحفل· والرقص والموسيقى، نسيت·· لكنني بين آن وآخر كنت أفكر في بشرى·· لا أريدها أن تعرف·· أنا نسيت وهي قد لا تنسى لو علمت بالأمر· قضينا سهرة ممتعة ورقصنا في حلبة الرقص·· وفي إحدى الصولات كنا عائدين إلى مقاعدنا من الحلبة الصاخبة، وجدنا نفسينا نقابل المقبرة ونحن نمسح عرق الرقص·· ولم نعط المقبرة ظهرنا بعد ذلك·· رأينا كل شيء معاً، وعرفنا كل شيء معاً، وعرفنا أننا كنا معاً نعرف الحقيقة ونخفيها عن بعض·· فضحكنا للنكتة· في غرفتنا، في الدور الخامس كانت الستارة مفتوحة·· حين غبنا في عناق طويل·· لم نكن نرى أو نعرف شيئاً·· أو نحس إلاّ بوجودنا·· أنا وبشرى في المكان·
Page 5
الملك ميداس
 
قال الملك ميداس:
 
ــ }أيها الإله ديونيزوس العظيم إجعل كل ما تمسه يداي يتحول إلى ذهب!{· وذات يوم مشرق جميل، صحا وهو في سرور بالغ· نظر من نافذة قصره إلى ضياعه المنتشرة كالشعاع، وبساتينه الممتدة كالسماء، وقصوره المتعددة، وشعر بسعادة عظيمة وامتلأ بالغبطة· عندما لمس الملك ميداس النافذة تحولت إلى ذهب! وأمام دهشته وسروره راح يمسك بسرعة كل أدوات القصر من ثريات ومقاعد، وأسرة وجدران ومخدات وسجاد فتصير ذهباً! ونهضت فيه روح الدنيا الجميلة، وحبا مثل طفل على السجاد الثمين يلمسه بيمينه ويساره فيتحول إلى ذهب! وأطلق لخياله العنان فبوسعه أن يغتني أكثر، ويتفنن في الغنى· وتوالت أحلامه الجمة وركضت في عقله مثل خيول وحشية· وملأته طاقة حية للعيش في كنف القوة والمال حيث يرضخ كل شيء لإرادة كفيه السحريتين· كان من هوسه يلمس كل شيء بيديه الاثنتين بما في ذلك ملاعق الطعام وكؤوس الشراب والمناشف· وعندما انتهى من تحويل كل ما في القصر إلى ذهب، طلب مركبته الملكية، وحُمل على محفة ذهبية من باحة قصره إلى المركبة· وانطلقت الخيول الأربعة الجامحة إلى بساتينه الشاسعة المليئة بالثمار والفاكهة· وأمام دهشة الجميع، راح الملك ميداس يعرض سحره العظيم على الوزراء والوجهاء والأعوان· يلمس التفاح فيتحول إلى ذهب مدور لامع تحت ضوء الشمس· ويضع إصبعه الكبير على عنقود عنب فيصير ذهباً! وفي احتفاء وبهجة راح يلمس الأغصان والأشجار والسنابل على التوالي وهو يضحك فتصير ذهباً· وانشغل الملك بهذا السحر الذي منحته الآلهة· وعاش يجمع الذهب ويفكر في الذهب وينام في غرفته الذهبية على سريره الذهبي· ومنذ الصباح كانت الخيول المسرجة الأربعة ذات الأسرجة الذهبية تركض في الحقول والغابات فتتحول إلى ذهب· وتجري في الصحاري فتصير رمالها ذهباً! وعاش الملك ميداس في حموة الذهب·
 
وبعد أن حول ممتلكاته إلى ذهب، راح يفكر في ممتلكات الآخرين، فيشتريها بالذهب ويسطو عليها بنفوذه حتى، تملك كل البلاد· وانشغل بالذهب وكمم أفواه الحكماء بالذهب· وقطع رؤوس المعارضين بسيوف ذهبية· ورعى جيشاً عرمرماً مخيفاً للترهيب والبطش· وحلت لعنة المال والذهب في بدنه، وراح يغير أحذيته الذهبية ودروعه الذهبية، وحلله الذهبية في اليوم الواحد عدة مرات· ويشرب في كؤوس ذهبية من خمر الدنيا· وأصبح الملك ميداس عبداً للذهب، ينتجه ويطيعه كل الوقت، ويخضع لرغباته ونزواته ونظامه· ونسى الملك وطنه وأهله· ولم يعبأ بتذمر العامة ولا سخط الحكماء في المملكة· والتفت من حوله جوقة الشياطين والمهرجين والمنافقين الذين زينوا رغباته ونزواته ومجدوا طمعه وحمقه، وسجدوا لأوامره ونواهيه حباً في الذهب الذي فاض من خزائنه وكفيه· ركض الملك ميداس وراء الذهب كما يركض الأرنب وراء الجزرة، معطياً قفاه العريض للشعب الهائل· إزاء ذلك استغل ذوو المناصب غفلته وحبه للمال والذهب، فعم الفساد دولته، وأثرى أعوانه من الوزراء والوجهاء والمقربين، ونُهب بيت المال فلم يبق للفقراء إلا النذر اليسير· الحكماء والفقهاء في المملكة وحدهم انشغلوا بهذا البلاء· كان الملك ميداس يرى صوره الذهبية في الساحات العامة والقاعات، والشوارع، وصكوك العملة فيمتليء غبطة· وكانت سلطاته ترسل أولاد المدارس لتحيته في الشوارع فيبهج· وذات ليلة جاع الملك ميداس وشاء أن يأكل من وعاء الفاكهة الذهبي في قصره· كانت الغرفة مقلقة والساعة موغلة في الليل· هبط الملك ميداس من سريره فسقط على الأرض· وعندما رفع صوته كان واهناً فلم يحضر أحد· وزحف على الأرض إلى المائدة، وما أن لامست يده تفاحة حمراء حتى صارت ذهباً! فالتقط برتقالة ليأكلها فصارت ذهباً! وذهب إلى حبة الموز ورفعها إلى فمه فصارت ذهباً! إذ ذاك ركبه ذهول وخوف مفاجئ وهو مخمور·
Page 6
ونهض بعد أن رفع كل الفاكهة التي على الطاولة الذهبية بيده· لمس ما تبقى من فاكهة شهية ولعابه يسيل، وجوعه ينعق فتحولت إلى ذهب! ورمى المائدة العامرة على الأرض وسقط فوقها وعوى كالذئاب المسعورة· وشعر بدوار في رأسه· كانت هناك أنواع شتى من الأطعمة! الديك الرومي المحشي بالبيض! الدجاج الملكي المشوي الذي أعده طباخون أتراك وعرب متفنون في الطبخ· الخروف العربي الصغير ذو اللحم الشهي المورد الذائب في الدهن والشحم! والرز المتشابك كاللآلئ البيضاء برائحته النفاذة! ها قد غزاه جيش الجوع فسطا على دجاجة محشية بالبيض ورفعها إلى فمه فإذ به يقرض ذهباً أصفر حاداً وصلباً! فتتمزق شفتيه ويسيل دمه مع لعابه·
 
وبدافع الجوع كان يتصرف بتهور وينهش لحمة كبيرة من خروف محشي فتتصلب في يده ذهباً! ويذهب إلى البيضة ويقشرها بيد مرتجفة فتتحول إلى ذهب! أخيراً انقض الملك ميداس على الرز الأبيض، وملأ راحتيه ثم فمه، فصار ذهباً على هيئة الرز وانقطع نفسه فانهمر الذهب من فمه! عاد الملك ميداس يلفظ القطع الذهبية التي غص بها! كان وحيداً في غرفته الذهبية، بين سرير الذهب، وطعام الذهب، وموائد الذهب وسجاد الذهب والسقف الذهبي والكؤوس الذهبية· ولم يكن بوسعه وقد انهار من الجوع والعطش والخمر والخوف والذهب أن يصل إلى رتاجات الأبواب المغلقة، فجلس على مقعد من ذهب وأمام الطاولة الذهبية والموائد الذهبية المليئة بالطعام· ولم يكن بوسعه سوى أو النظر إلى الطعام الشهي، وتمنى هذه اللحظة أن تمنحه الآلهة نعمة الفقراء في التلذذ بالطعام! أدرك الملك ميداس خطيئته وقضى الليل كله منتحباً وباكياً يطلب المغفرة· وفي الصباح عندما فتح خادمه الخاص بابه كان رأس الملك ميداس يغوص في مائدة الرز الكبيرة، وبين يديه دجاجة ذهبية!
Page 7
نبتة السعادة
 
ظلت النبتة البرية في وعاء الفخار مستقرة في صالة المنزل· قالت زوجتي: تحتاج هذه النبتة إلى عناية كثيرة! كم أزعجتني! ما سر انزعاج زوجتي من هذه النبتة؟! كنت أتأملها·· بل أتأملهما معاً·· زوجتي مشغولة وصعبة، وهذه النبتة تشاكسها· كانت قد أحضرت لها سماداً جديداً ثميناً·· وحاولت تعريضها للشمس كل يوم، وأوصت الخادمة أن تواظب على سقايتها· وأن تعطيها من الماء العذب·· وحرصت الخادمة ألا تسقيها غير الماء العذب كل يوم·· كنا ننظر بازدراء إلى هذه النبتة البغيضة·· فهي تكلفنا الكثير وتعطينا القليل! قالت زوجتي وهي ترى إلى جفافها: سأرميها في الخارج·· لا نفع فيها! لِمَ نضيع وقتنا الثمين معها؟ كنا حانقين عليها، ورغم ذلك كنا نقول: إن الحياة ستعود إليها· سترتوي وتخضر في النهاية، مثل كل النباتات· كم من نبتة نصف صفراء صارت خضراء مورقة وسعدنا بها؟! لكن الأمد طال، والأمل هوى، والحيرة بدأت تضاعف اضطرابنا· كانت زوجتي لا تتحدث إلا عن هذه النبتة وكأنها النبتة الوحيدة في المنزل المليء بالنبتات· كانت قد فكرت أن تلقيها بالأمس في القمامة، لكنني ذكرتها أنها هدية جدتها الكبيرة بمناسبة عيد زواجنا الثامن! قالت وهي تضحك:
 
ــ ألم تجد أفضل من هذه الهدية؟!
 
فقلت:
 
ــ ما دامت من جدتك وجب العناية بها حتى النهاية!
 
نظرت إليّ في دهشة مع قليل من الاقتناع، والتردد وقالت:
 
ــ لقد اعتنيت بها أكثر من اللازم!
 
قلت ضاحكاً:
 
ــ إنها تشبه جدتك في كل شيء!
 
ويبدو أن زوجتي اقتنعت مؤقتاً·· إذ وجدتها في اليوم الثاني تشتبك مع البستاني في حوار طويل حول النبتة، ثم رأيت البستاني يدخل إلى صالة المنزل مع زوجتي ويتوجهان معاً إليها· أو هكذا خمنت·· كان الموضوع يثيرني لسبب غامض·· قلت لا شك أن النبتة مريضة! كان البستاني يقلب أوراقها بيده الكبيرة ثم يغمس إصبعه في التربة·· ويحرك وعاء الفخار، ويقول لزوجتي كلاماً لا أسمعه· كنت في الطابق الثاني أتابع ما يحدث بصمت· ورأيت من ملامح زوجتي انفعالها الشديد· قالت لي زوجتي في الليل: تصور أن النبتة ستموت إذا لم نأخذها إلى خبير زراعي! ضحكت وقلت: وما رأيك؟ قالت غاضبة: أدفع لها ثمناً مضاعفاً لقيمتها؟ أعالجها؟ وأضيع وقتي الثمين؟ كانت زوجتي مديرة في مؤسسة كبيرة·· وهي إمرأة عصرية جادة لا وقت لديها للتفكير في التوافه من الأمور! قلت لها مستريحاً:
 
ــ افعلي ما تشائين!
 
نظرت إلىّ بشيء من الحيرة قبل أن تقول:
 
ــ تعرف أن هذه النبتة تثير خيالي! وأشعر تجاهها بتعاطف غريب!
Page 8
قلت أذكّرها:
 
ــ إنها هدية جدتك!
 
وكانت جدتها كلما جاءت في زيارة إلى المنزل تتوجه أولاً إلى مكان النبتة، تمسح فخارها وأوراقها بيديها· وتقول:
 
ــ ما أحلاها من نبتة! اشتريتها من رجل قروي عجوز فقير على الطريق الزراعي لقرية سار··!
 
كانت عينا جدتي تلمعان بالفرح وهي ترى النبتة·
 
قالت زوجتي:
 
ــ من أجل خاطر جدتي سأبقيها!
 
وهكذا قررت أن تبقى النبتة أياماً أخرى في المنزل·· الغريب في الأمر أن زوجتي رغم مشاغلها خرجت ذات يوم حاملة وعاء النبتة ووضعتها في مقعد السيارة الخلفي وقالت لي في عجلة:
 
ــ سأذهب إلى الخبير الزراعي!
 
عند الظهر عادت مندهشة وغاضبة لأن الخبير الزراعي أخذ منها عشرة دنانير، وأعطاها ورقة كتب فيها اسم سماد خاص غالي الثمن، وبعض الأدوية والمقويات والفيتامينات·· نظرت زوجتي إلى الورقة حانقة· نفخت عدة مرات·· وزفرت زفرات حارة·· قالت:
 
ــ هل من المعقول أن أشتري كل هذه الحاجات من أجل نبتة تافهة!؟
 
كنت أضحك من الأعماق لأن زوجتي انشغلت مع النبتة بطريقة مثيرة وكنت أحب مشاكستها على عادتي· وكان ليس لها حديث إلا عن النبتة· كانت تتحدث معي عنها·· وتتحدث مع الخادمة·· ومع زميلاتها في المكتب·· بل سمعتها تتحدث عن النبتة مع صديقاتها لفترة طويلة في التليفون·· واصطدتهاذات يوم وهي تقرأ في كتاب عن النباتات·· لقد اشترت هذا الكتاب بثمن بخس! قلت: إلى أين ستنتهي حكاية هذه النبتة! إن زوجتي ستلقيها في النهاية خارج المنزل، ولن أندهش ذات يوم عندما أعود من العمل فلا أجدها في مكانها·· وبدأت زوجتي تتوتر أكثر··· صارت لا تطيق رؤيتها في الصالة قالت مشمئزة:
 
ــ هذه النبتة تشوه صالتنا الجميلة!
 
قلت لها:
 
ــ لا تنسي جدتك!
 
غضبت مرة أخرى·· خفت على زوجتي من هذا القلق الجديد الذي شغلها·· انشغلت أنا بدوري بزوجتي وبالنبتة·· وكانت الأحوال تسوء أكثر·· بقي من النبتة ربعها وثلاثة أرباعها كان أصفر ذابلاً جافاً· يوم الجمعة جاءت الجدة في زيارتها الأسبوعية المعتادة·· توجهت إلى النبتة في الحال، وراحت تحيطها بيدها العجوز في رقة·· قالت كلمات مداعبة حنونة وأضافت:
 
ــ إنها تموت يا ابنتي! لا شك أنها لم تجد العناية اللازمة! يا للمسكينة!
 
راحت الجدة تمسح وجه النبتة كما تفعل مع أبنائي الصغار· وتمادت تلاعبها، وتطري جمالها· وتحدثها كما تحدث البشر· كانت زوجتي تنظر إليها بلا مبالاة ظاهرة معتقدة أنها ثرثرة الشيخوخة المعهودة! فالناس في هذه السن يتحدثون مع أنفسهم طول الوقت! ألا تتحدث جدتها مع نفسها دائماً؟ نظرت زوجتي إلى جدتها بشيء من الضجر والعصبية وزفرت، أما الجدة فلم تنته من كلامها مع النبتة·· ولم ترفع يدها عن وجهها فتركتها زوجتي وهرولت غاضبة إلى المطبخ· في هذه الزيارة لم تتحدث جدتي إلا عن النبتة·· وأنها كانت بحال أفضل في المرات السابقة·· وسألتنا إن كنا نهتم بها حقاً! قالت زوجتي:
 
ــ لقد أعطيتها كل العناية التي تتصورين·· أعطيتها من وقتي الثمين·· وأنفقت عليها من مالي كما أنفق على أولادي·· أشتريت لها الغذاء والأسمدة والأدوية·· وسقيتها الماء الثمين العذب·· لكنها لم تتغير·· كانت الجدة تنظر إلى حفيدتها بريبة·· في اليوم الثاني، ومن أجل الجدة المسكينة ذهبت زوجتي بورقة الخبير الزراعي واشترت أسمدة جديدة، وأغذية، وأدوية، وفيتامينات من إحدى المراكز الزراعية·· كلفها ذلك عشرون ديناراً·· قالت لي بغضب وهي تحمل كيس الأدوية:
Page 9
ــ لم يكلفني علاج طفلتي رحاب هذا المبلغ!
 
هكذا بدأت زوجتي تكره النبتة أكثر! تأتيها غاضبة متوترة كل الوقت، خاصة وأنها تأتي من إدارتها المليئة بالمشاكل وهي متعبة·· كنت ألاحظ هذا التجهم الذي ركب وجه زوجتي منذ أصبحت مديرة·· بدأت علاقتنا تسوء·· كنا نتشاجر كثيراً لأتفه الأسباب لأنها أصبحت عصبية، معي، ومع الأولاد·· كانت معتادة على إعطاء الأوامر في العمل، وكانت تنسى نفسها معي في المنزل فتزجرني أو تأمرني! أو تصرخ في وجهي! يا اللّه!·· كنت أغضب بدوري·· وبلغ الأمر أن كنا بعض الأحيان نصل إلى القطيعة أما حكاية النبتة فزادتها توتراً·· الأولاد أيضاً كانوا في شجار، وسرى القلق والتوتر وسادت العصبية المنزل! قالت زوجتي:
 
ــ هذه النبتة شؤم! لقد تلاشت السعادة منذ أن حضرت إلى المنزل!
 
بالفعـل! كانت ملاحظة زوجتي دقيقة، فقد تصاعدت الشجارات بيننا مع دخول النبتة المنزل! وكانت تقنعني مرة أخرى بالخلاص منها! بدأت زوجتي تخاف من النبتة أكثر وتتشاءم منها! وقالت لي بعد أن أعطتها كل الأدوية والأغذية من دون أن تتغير، إنها نبتة شيطانية! كانت تحسم قرارها بشدة·· وركضت ذات ليلة، بعد شجار طويل بيني وبينها إلى الصالة لتقتلع النبتة وتلقيها·· لكنني لسبب لا أعرفه ذهبت أسبقها إلى مكان النبتة·· ومنعتهـــا من ذلك بحــدة· كنت أفكر في الطلاق بالفعل، ووصلت زوجتي إلى حد البكاء! وبدأ خلافنا هذه المرة يصبح رئيسياً وحاداً على النبتة! قلت لها: حاذري أن تلمسيها بيدك! وإلا قتلتك! نظرت إلي بدهشة وقالت:
 
ــ هل دخلك سحر النبتة؟ هل تفضلها عليّ؟! أقسم أن أعداءاً لنا عملوا سحراً!
 
قلت ضاحكاً:
 
ــ أسفاً على شهاداتك العلمية!
 
كنت غاضباً·· وكنت ذات يوم جالساً في البلكونة· كان شيخ هندي طاعن في السن من جماعة السيخ يتعمم بعمامة حمراء وينحني على الزرع في حديقة جيراننا المكشوفة·· لست أدري لِمَ بدرت لي تلك الفكرة وأنا أنظر إلى لحية الشيخ البيضاء، وعينه الهادئة المرحة؟ قلت: هذا الشيخ قد يعرف السر فمن الهند خرج السحر إلى العالم·· وعرفوا أشد الألغاز غموضاً·· ناديت الشيخ·· وتقدمته إلى المنزل·· دخلنا من الباب الخلفي، وتقدمنا جهة النبتة·· كانت صفراء في الغالب·· ولم يبق منها إلا اخضراراً صغيراً لا يكاد يرى·· بعد أن تلمسها الشيخ الهندي بشيء من الحب والمرارة·· وكانت أصابعه لم تزل متربة·· قال لي:
 
ــ يا ابني·· هذا النبتة تشبه الانسان في طبعها·· ونحن نسميها نبتة السعادة·· لأنها لا تعيش إلا في المنازل السعيدة·· هذه النبتة تتأثر بجو المنزل·· وهي تحتاج إلى الحب أكثر من حاجتها إلى الماء·· وإلى الابتسامة أكثر من حاجتها إلى الغذاء·· إن موت هذه النبتة الوشيك ينبئ عن تعاسة أهل المنزل!· لا تآخذني يا ابني··!
 
ــ ورقت عيناه محرجة ــ هذه هي الحقيقة·· هل أنتم سعداء؟ لو كنتم كذلك لما مرضت هذه النبتة!·
 
واستدار الشيخ الهندي ليخرج·· كنت أفكر بما قاله لي وأنا في دهشة من اكتشافه لحقيقتنا بهذه السهولة!·· لقد عرف وهو الغريب ما يحدث في بيت مقلق! فهو إذن يعرف سر النبتة أيضاً! كنت أفكر الآن في سعادتنا المتداعية قبل أن أفكر في النبتة·· بدأت بعد أيام أقنع زوجتي بتغيير وظيفتها أو تغيير سلوكها في المنزل· بدأت زوجتي تقتنع·· وكأنها تكتشف ذلك لأول مرة! قالت لي: لقد سمعت عن مثل هذه الأمور·· لكني لا أصدقها! سمعت عن النباتات التي تنمو مع الموسيقى أكثر·· كما سمعت عن البقر الذي يدر الحليب أكثر مع الموسيقى·· والأفاعي التي ترقص مع الناي·· وها أنا أسمع أعجوبة أخرى·· هل يمكن ذلك؟ قلت لها: لن نخسر لو جربنا فهذه حقائق علمية! ثم إن تغيير سلوكنا إلى الأفضل سيعود علينا بالمنفعة بغض النظر عن النبتة! اقتنعت وابتسمت في الحال··· وذهبت تقترب من النبتة بحنان وحب عظيمين، فقد أيقظتها هذه النبتة إلى أخطائها·· وأنقذت حياتها بالكامل! كنت أنا بدوري أذهب إلى النبتة بحب وعطف·· وأمسح وجهها الجاف الخشن·· وأحدثها كما أحدث أولادي·· وبدأ الأولاد يقلدوننا فالأطفال أوسع خيالاً وأشد تعلقاً بالنبات·· كانوا يقضون وقتا طويلاً قرب النبتة، يلعبون معها طوال الوقت·· ويضعون غذاءهم أمامها قائلين: كُلي يا صديقتي! اشربي يا صديقتي!·· كانت زوجتي تروح وتجيء مبتسمة حول النبتة·· صارت بفضلها أكثر هدوءاً معي·· وبادلتها السلوك·· وبدأنا نسترجع ما فقدناه من قوة الروابط العاطفية، وأصبحت لنا ليالي من الحب العظيم ذكرنا بشهر العسل·· ارتوت زوجتي بالحب··· وراحت تحدث النبتة طول الوقت·· كنا نذهب من البيت قائلين لها:
Page 10
ــ ستوحشيننا يا ابنتي!
 
ونعود فنقول لها:
 
ــ مساء الخير يا فتاتي!
 
ورفرفت السعادة طول الوقت في المنزل·· بعد أيام قليلة بدأت النبتة ترتفع مسافة بوصة، وكأنها تطل برأسها علينا مرحة·· وتصلبت بعض أوراقها·· واخضرت، بعد أيام أخرى بدأ الاصفرار يتلاشى تدريجياً، كنا مع الدهشة العظيمة جميعاً وغير مصدقين نضاعف الحب والحنان والرعاية لها·· وبدت استجابتها السريعة تثير فينا رغبة الحب أكثر·· كما أن جو السعادة في المنزل الذي حدث بسببها أضفى عليها هالة من المرح·· فكانت تصدر أصواتاً في الصباح كالموسيقى··
 
ــ إنها تستجيب لنا بالفعل!
 
قالت زوجتي في سعادة وتقدمت نحوها وقبلتها في خدها فضحكت النبتة، وسار الأولاد فذهبوا وقبلوها بدورهم·· كنا نقبلها في كل دخول وخروج بعد ذلك· وكانت ترقص أغصانها الطويلة عند دخولنا وخروجنا، وتهتز اهتزازاً عفوياً مرحاً وتنطق وتضحك وتكركر وتقول: أهلاً بكم في المنزل السعيد!·· واشترت لها زوجتي حوضاً ذهبياً كبيراً·· وانتظرنا زيارة الجدة هذه المرة بفارغ الصبر·