حكم وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية
لماذا نطالب بتطبيق الفقه الإسلامي في الحياة، ولماذا يجب جعل الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي الوحيد للقوانين؟
إن توجيه هذا السؤال لا مسوغ له بداهة في محور عقيدة المسلم وشرعه ودينه وحكم قرآنه وسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن من اعتقد بعقيدة لها كتابها ودستورها المحكم لا يُقبل منه بحال إحداث انفصال بين أحكام تلك العقيدة وتجزئة تشريعاتها، بحيث يقبل بعضها، ويهجر بعضها الآخر أو يرفضه.
ولكنا نجد بحكم توارث العمل بالقوانين الوضعية وكثرة المشتغلين بها والدارسين لها، وتطبيقها فعلاً في ساحات القضاء والمحاكم، وإصدارها في البلاد الإسلامية والعربية لتكون واجبة التطبيق في الحياة العملية، كل ذلك أوجد مع الأسف ميلاً إليها، ورغبة فيها، وإصراراً عليها، وتحمساً شديد اللهجة لأحكامها؛ لأنها في رأي واضعيها تلبي حاجات الحياة المعاصرة، وتتفاعل مع دواعي التطور ومقتضيات الحضارة الحديثة، وتَعْقد وجه شبه مع المعمول به في العالم المتحضر ظناً بأن سبب التخلف هو فيما نحن عليه، وأن الحضارة الإسلامية الزاهرة أدت دورها في مرحلة من الزمان، ولم تعد صالحة في زعم هؤلاء لدفع عجلة التقدم أو للأخذ بمفاتيح الحضارة الحديثة ومعطياتها ونتاجها.
وأمام هذا الاتجاه الآخذ بالقوانين الوضعية على أيدي الحكام ورؤساء الدول وبعض المستشارين لهم الذين تربوا في جامعات الغرب، أصبحنا نجد الفقه الإسلامي في غربة بين أهله، ولا يدرس شيء منه في كليات الحقوق إلا بصفة إبداء بعض نظرياته في المعاملات المدنية أو شرحها، والإشارة إلى بعض أحكامه على سبيل المقارنة أو العرض التاريخي باسم الحفاظ على ما سموه بالتراث.
والحقيقة أن الفقه الإسلامي ليس مجرد تراث أو تاريخ، وإنما هو من حيث المبدأ من صلب العقيدة الإسلامية وجزء لا يتجزأ منها، وواجب تطبيقه والعمل به في كل زمان ومكان؛ لأن شريعة الإسلام شريعة دائمة عامة خالدة إلى يوم القيامة.
ولكن يجب ألاَّ ننسى عامل التطور والحداثة أو المعاصرة، وألاَّ نغفل ما أحدثته الحياة الجديدة من مشكلات وقضايا كثيرة بسبب التقدم الهائل للبشرية في مجالات العلاقات التجارية أو الاقتصادية المتشابكة، سواء في النشاط الدولي أو الخارجي، أو في النطاق الداخلي في أرض كل دولة بين الأفراد، بسبب التأثر بمعطيات الحياة المعاصرة، وتعقد أوضاعها، وتعدد أنماطها وقضاياها.
وعلى أساس من هذا الإدراك الضروري لمتطلبات اليوم، وفي ضوء ما نشاهده من وجود تنظيمات أو قوانين عديدة متكاملة منظمة مستحدثة ومنطقية في أذهان واضعيها يجب تجديد النظرة إلى واقع الفقه الإسلامي، ومحاولة إبرازه في صورة حديثة تنافس أو تشابه على الأقل القوانين الحديثة القائمة في العالم.
وتجديد تلك النظرة ينبغي أن يكون في إطار إسلامي يقوم على أسس ثلاثة:
1- احترام النصوص الثابتة في القرآن والسنة النبوية القطعية والظنية.
2- الإفادة من اجتهادات فقهاء الإسلام، ثم الاجتهاد فيما لم يبحثوه من قضايا متجددة.
3- مراعاة ما تقتضيه مصلحة الأفراد والمجتمع أو الأمة في العصر الحديث من منظور إسلامي، لا تصادم فيه بين ما قد يُرى أنه مصلحة وبين مبادئ الشريعة الإسلامية وروحها العامة.
وبعد ملاحظة هذه التصورات أُبيِّن الأسباب الداعية إلى تطبيق أحكام الفقه الإسلامي، وجعل الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي الوحيد للقوانين النافذة.
أولاً- الشريعة ذات مصدر إلهي
الشريعة الإسلامية من عند الله تعالى، والله هو الذي أنزل أحكامها، ووضع بنية تشريعها، وفصّل كل ما فيها في القرآن والسنة النبوية، فواضعها هو الله تعالى وحده، وليس لبشر مهما كان أن يضع من عنده حكماً، وإنما دور البشر محصور في فهم الأحكام وحسن التطبيق، والاجتهاد فيما لا نص فيه بالقياس على المنصوص، أو بالأخذ بالرأي المبني على أصول التشريع، وفهم مبادئ الشريعة وأهدافها وروحها العامة. والمجتهد: هو من توافرت لديه ملكة استنباط الأحكام التفصيلية من الأدلة الشرعية، وهذه الأدلة منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه في الظاهر معمول به لدى الجميع في الحقيقة والواقع.
والأدلة المتفق عليها هي أربعة: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس.
والأدلة المختلف فيها كثيرة أشهرها: الاستصلاح (المصالح المرسلة)، والاستحسان، والعرف، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، والاستصحاب، وسدّ الذرائع.
ولا مجال أو لا مساغ للاجتهاد في مورد النص؛ فإذا ورد النص الشرعي في قضية وجب العمل به، ولا يقبل أي حكم آخر سواه من المجتهد.
ومجموع الأحكام المستنبطة من النصوص، مباشرة أو غير مباشرة هي (الفقه الإسلامي).
فإذا حدثت واقعة بحث المجتهد عن حكمها في النصوص، فإن وجد نصاً في القرآن أو السنة أو إجماع الأمة، وجب اتباعه، وإن لم يجد قاس على المنصوص ما يماثله تماماً، فإن لم تكن المماثلة كاملة لنص بعينه، وإنما لمجموعة نصوص متكاملة، بنى الحكم عليها أخذاً بما يسمى بالاستصلاح أو الاستحسان ونحوهما مما ذكر.
أما مصدر القوانين الوضعية فهو العقل البشري أو الإنسان، وشتان بين وضع الحكم من الله تعالى ووضع الحكم من البشر؛ فالأول حكم كامل شامل محقق للمصلحة العامة، غير قابل للتغير والتبدل، والثاني حكم مبتور ناقص عرضة للتغير والتبدل، مشوب بالمصلحة الخاصة أو نفع طائفة أو جماعة، قابل للتطبيق في عصر أو زمن معين، ثم يصبح غير قابل للتطبيق والعمل، مما يقتضي تعديله أو تبديله.
قال الله تعالى واصفاً كتابه الكريم: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ *} [فصلت: 41/41-42] .
ثانياً- الشريعة الإسلامية عامة خالدة
الإسلام دين عام خالد، فهو دين الإنسانية جمعاء، وهو دين وتشريع خالد يشمل الأمم والجماعات على مر عهود التاريخ، وهو عام المضمون أيضاً، فهو ينظم علاقات الإنسان الثلاث: علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه؛ أي إنه ينظم أمور العقيدة والعبادة والأخلاق والآداب والسلوك والمعاملات، وكل منها يدعم الآخر ويستدعيه، ويحمل الإنسان على العمل بمقتضاه، فهو إن نسي أو تناسى أو تعمد أو قصر، أو أجرم وانحرف، تذكر رقابة الله عليه في السر والعلن، وخشي من عقابه الشديد في الدار الآخرة، فأصلح شأنه، وهجر ما كان عليه، واستغفر ربه وتاب إليه وأناب.
وهذا يحقق وحدة القانون في الأمة وهي ما تسعى إليها الدول والشعوب المترابطة، ووحدة القانون هي مطمح أنظار العالم وأمل رجال الفقه والقانون.
وأدلة عموم الشريعة وخلودها كثيرة، منها قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا *} [الفرقان: 25/1] وقال تعالى محدداً صفة رسالة نبيه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ *} [الأنبياء: 21/107] وقال عز وجل: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 7/158] .
وقد امتازت شريعتنا بهذا العموم والشمول لجميع الأقوام والأمم عن الشرائع السماوية السابقة، فكان كل نبي يبعث لقومه، ولكن نبينا عليه وعلى إخوانه الصلاة والسلام بعث للناس عامة، قال r: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي.. وذكر منها: وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» وأكمل الله برسالته رسالات السماء، فكان خاتم النبيين، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 33/40] . وأكد النبي r هذا المعنى وإجمال محتوى الرسالات السابقة بقوله: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لَبِنَة فيه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».
أما القوانين الوضعية فتقتصر على تنظيم العلاقات الاجتماعية فحسب، ولا تعنى بالعقائد والدين والأخلاق إلا بقدر محدود جداً، وهو ما يمسّ تنظيم المعاملات أو العلاقات الاجتماعية. وليس لها صفة الشمول والعموم والاطراد إلا في داخل الدولة فقط، لذا اختلفت الدول في قوانينها وأنظمتها، وتغايرت وتصادمت، مما يثير عناءً وقلقاً لدى المتعامل مع أفراد دولة أخرى، فهو في قلق واضطراب وبحث مستمر عن مضمون هذا القانون أو ذاك. وقصور القوانين وتخصيصها في بيئة وزمن معينين يجعلها دائماً عرضة للتبدل والتغيير، والتعديل، أو الإضافة أو الإلغاء، أو الحذف، ونحو ذلك من أساليب العلاج والإصلاح.
ثالثاً- الإسلام وتشريعه أو الدين كامل
ما من شيء في الكون والحياة والإنسان إلا وقد تحدَّث عنه تشريع الإسلام، وما من شعبة أو زاوية من شعب الحياة الخاصة أو العامة إلا وقد نظمتها شريعة الله، وما من نهضة أو حضارة مادية ومعنوية إلا وقد ألمح إليها القرآن، فدعا المسلمين إلى بناء الكون وتعميره، وتقدم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما من خير أو شر إلا وقد أفاض القرآن بالحديث عنه مبيناً نفع الجانب الخيّر في الأشياء والأقوال والأفعال والتصرفات، وموضحاً أيضاً مخاطر الجانب السيئ أو الشرير وأضراره وآثامه وتأثيراته القريبة والبعيدة على الفرد والجماعة، في الحاضر والمستقبل.
فكان الإسلام دستوراً ومنهجاً ونظام حياة، أو كما يقال: دين ودولة، لا انفصال فيه بين الدين والدولة، ففيه صورة التشريع الأمثل، وقوام التنظيم الأكمل للحياة.
ففي جانب العقيدة والعبادة وأصول الاجتماع أوضح الشرع الأصول كلها على نحو قاطع، ولا حاجة فيه لبيان أو تزيد أو تغيير أو تبديل، وإنما هو منهج دائم بدوام الحياة، وغير قابل للتغير في أي زمان ومكان.
وفي جانب النظم والمعاملات والعلاقات الاجتماعية اكتفى التشريع فيما عدا ما فصله كالمواريث بوضع كليات عامة، وقواعد أساسية يمكن في ضوئها استنباط حكم الله من تلك المبادئ العامة، واستخراج حكم كل حادثة من الحوادث المتجددة في المجتمع.
وهذا الكمال التشريعي في بنيته وأهدافه وتصوراته على وفق مقتضيات التطور والتقدم، ومعطيات الحضارة، وتلبية حاجة الفرد والمجتمع.. هذا الكمال هو المنصوص عليه صراحة في كتاب الله تعالى، إذ يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 6/38] ويقول الله تعالى أيضاً: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 16/89] . ولقد فاخرت الأمة الإسلامية بهذا الكمال التشريعي في البنية والتصور والأهداف حينما نزل قول الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 5/3] .
والفقه الإسلامي جزء من الدين؛ لأنه كما عرفنا هو الأحكام المستنبطة من أدلة الشرع. وليس الدين في مفهوم الإسلام مقصوراً على جانب العقيدة والعبادة، كما هو الشائع في مفهوم الدين لدى الغرب أو الشرق، وإنما هو شامل نظم الحياة المختلفة كلها، فهو مرادف للشريعة أو النظام الإسلامي، بدليل الآية السابقة: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} وقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 42/13] .
وبما أن الفقه جزء من الدين فيجب العمل به، ولا يجوز الخروج عنه، كل ما في الأمر أن بعض اجتهادات الفقهاء وتفريعاتهم البعيدة نسبياً عن النصوص الشرعية والتي حدث فيها اختلاف بين الفقهاء، يجوز العمل بأحد الآراء الفقهية فيها، دون تعيين ولا إلزام بتقليد مذهب دون سواه، ولكن لا يجوز بحال الخروج عنها كلها، إلا لمجتهد ترجح لديه رأي جديد في المسألة على وفق قواعد أصول الفقه.
وإذا لم نجد في الفقه حكماً أمكن الاجتهاد، وهذا حاصل فعلاً في مستجدات العصر في أوضاع التجارة والمواصلات البرية والبحرية والجوية، سواء في داخل الدولة أو خارجها، وغير ذلك من شؤون الاقتصاد والمال كالتأمين والشركات العديدة المعروفة قانوناً والمعاملات المصرفية.
ويفضل أن يكون الاجتهاد في المسائل المعاصرة جماعياً، ويؤخذ برأي الأكثرية أو الجمهور حين انقسام الآراء إلى أنظار متباينة، ويترك رأي الأقلية، كما هو حاصل الآن في التعامل مع شركات التأمين ذات القسط الثابت، ومع المصارف الربوية، حيث قال بعضهم قولاً وأفتى بالجواز، والأكثرون على التحريم، والاعتماد على البديل وهو شركات التأمين الإسلامي القائمة على التعاون، والمصارف مثل بنك دبي الإسلامي والشركة الإسلامية للاستثمار الخليجي، وبنك فيصل الإسلامي ونحوها مما تجاوز اثنتين وخمسين مؤسسة مصرفية بعد إنشاء بنك دبي عام 1976م.
وقد ظهر هذا الاتجاه حديثاً في القوانين المدنية المستمدة من الفقه الإسلامي حيث حرّمت فيها الفوائد الربوية بنحو صريح وقاطع، معتمدة على فتاوى الأكثرين ومنها بعض المجامع الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي في جدة.
وبقي وجوب رفع التعارض بين هذه القوانين وما قد يكون من قوانين خاصة أخرى قديمة تبني نشاطها على التأمين بالقسط الثابت أو بإقرار الفائدة الربوية.
وإذ ظهر لنا كمال الدين، فلا حاجة للأخذ بالقوانين الأجنبية المستوردة والتي تخالف أحكام ديننا، ونصوص شرعنا. ولا نكتفي بالترقيع ورفع التعارض مع الأحكام القطعية فقط؛ لأنه يظل التصور والفكر القانوني الغربي هو المسيطر في العمل والتطبيق، وقد يكون بعض جوانب التعامل ماساً بأحكام الشرع الحنيف، والشرع كما هو معروف شامل الأحكام القطعية والظنية على حد سواء.
وإذا صح أن في الفقه نقصاً لعدم بحثه مسائل العصر، فكل نقص بالاجتهاد يمكن سدّه.
رابعاً- تحقيق الانسجام في سلوك المسلم وحياته، وتحقيق معنى العبودية التام لله تعالى
لقد ترتب على إدخال القوانين الوضعية الأجنبية في بلاد العرب والإسلام أمران خطيران هما:
الأول - إحداث هوة سحيقة بين عقيدة المسلم وبين ممارسات الحياة: فالمسلم التاجر يعتقد مثلاً بحرمة الربا والتأمين ويتأفف من التعامل مع شركات التأمين ومع المصارف الربوية المنتشرة في البلدان العربية وغيرها، ولكنه إذا أراد استيراد بضاعة مثلاً، لم يتمكن من إنجاز مطلوبه إلا عن طريق التأمين والمصارف. وهذا التشعب أو الصراع الداخلي العنيف في عقيدة المسلم وحياته يوقعه في متاعب نفسية كثيرة، ويحمله على الانغماس في الحرام إما طوعاً أو كرهاً.
وهذا قد أثَّر في كثير من الناس الآخرين الذين يتساهلون في شؤون الحرام ويرتكبون المخالفة، وهم ظانون حلَّ المسألة أو القضية، وهي حرام قطعاً.
وأدى كل ذلك إلى التحلل تدريجياً من أحكام الشريعة، والتماس الحلول العملية عند القوانين في شؤون الاقتصاد والمال والمعاملات، فلم تتبدل صورة نظامنا الاجتماعي والمدني فحسب، بل تغيرت تصوراتنا الاجتماعية ونظرياتنا القانونية أيضاً، وتجرأ من زعم لنفسه التجديد، فنسخ السنة برأيه، وتأول نصوص القرآن بهواه، أو مجاملة، أو مسايرة للأوضاع القائمة وتسويغاً لها تحت ستار المصلحة أو الضرورة المزعومة أو الحاجة العامة.
فإذا ما طبقت أحكام الفقه الإسلامي زال هذا الانقسام أو التمزق بين ما يعتقده المسلم وبين مسيرة الحياة الصاخبة، وتحقق الانسجام والاطمئنان النفسي بين العقيدة والشريعة وشؤون الحياة.
الأمر الثاني - سيطرة المفاهيم والقيم المادية على علاقات الناس وأنشطتهم: أصبحت النزعة المادية الطاغية هي المسيطرة على علاقات الناس، وتصورات الجيل، ومفاهيم الشباب والكبار أيضاً، وتتجه مسيرة الحياة تدريجياً وبنحو سريع لتصبح حياة مادية غريبة المظهر والواقع فعلاً، وانحسر صوت الدين وتأثير المشاعر الدينية، وضعف الوازع الديني، ولم يبق مكان يذكر لخشية الله تعالى ورقابته، واهتم الناس بتحقيق أكبر كسب مادي، وتكشفت الأطماع الجشعة في النفوس، دون مبالاة بكون الكسب من حلال أو حرام.
وقد أدى ذلك إلى نسف أهم عنصر يقوم عليه التدين الصحيح ألا وهو تحقيق معنى العبودية الكامل لله عز وجل، هذا المعنى هو غاية ما أقام الله عليه العبد وشرعه لحياة الإنسان، بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذاريات: 51/56] .
والعبودية تعني الخضوع والذل لله تعالى، وحب الله وعبادته وطاعته، والعبودية التي تتطلب أمرين في رأي ابن تيمية وهما: الخضوع والمحبة، هي روح العبادة الواجبة فرضاً وشرعاً على المسلم والمسلمة، ولا تتحقق العبادة إلا بالطاعة الكاملة لله تعالى، وقد عرف ابن تيمية العبادة (العبودية) بأنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. والعبادة بهذا المفهوم هي الانقياد التام لأحكام الله وشرعه في كل شؤون الحياة أمراً ونهياً، اعتقاداً وقولاً وعملاً، فلا يكون الإنسان عابداً لله إلا إذا كانت حياته قائمة على شريعة الله؛ يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم الله، ويخضع لهداية الله في سلوكه وسيرته وتعامله، ويترك أهواءه وشهواته، ويتخلص من أطماعه الجشعة وأمراض نفسه الأمارة بالسوء.
ولا شك بأن تطبيق القوانين الوضعية في الجوانب المخالفة لشريعة الله قد ساعد كثيراً على تدمير خشية الله في النفس، وإضعاف معنى العبودية المطلوب شرعاً في القرآن. وحدث الانقياد للطاغوت في مقابل الانقياد لله، وهو الذي جاءت الرسل جميعهم لإبطاله ومحاربته، فقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 16/36] وهذا يعني أن الانقياد لأي سلطة أخرى أو نظام غير شريعة الله خضوع للطاغوت، سواء خضوع هوى وشهوة، أو خضوع نظام أو قانون، أو خضوع مواطن للسلطة الحاكمة على نحو غير ما أنزل الله تعالى.
وقد يقال: الناس يصلّون، وتكتظ الجوامع بهم في الجمع والأعياد، وترى التاجر يصلي ويصوم ويحج ويزكي، فلماذا هذا التشاؤم والمطالبة بتطبيق الفقه الإسلامي بدلاً من القوانين الوضعية التي كانت أداة أو مظهراً لتحضر الدول الغربية؟
هذا هو الداء في الواقع، وذلك هو التمويه والخداع، وتلك هي ظاهرة التشتت والتخلف والضياع في الحقيقة؛ لأن هؤلاء المصلين تراهم على صلاتهم وعبادتهم لا يتورعون في معاملاتهم عن الحرام، متأثرين بما يشيع بين الناس في التعامل، وقد أقرت القوانين الوضعية المخالفات المصادمة لأصول الشريعة ونصوصها القطعية، وأصبح السائد فعلاً هو الانحراف والمعصية، فانغمس الأكثرون فعلاً في المعاصي والمخالفات الدينية، وقلّ أن تجد أحداً حريصاً على تجنب تلك المخالفات.
وبهذا يكون الحكم بغير ما أنزل الله طاغوتاً، ويكون الخضوع له عبادة للطاغوت، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا *} [النساء: 4/60] .
ثم إن أحكام الشريعة كما بيّنت لا تقبل التجزئة، فلا يصح لمسلم يدعي الإسلام أن يقبل بعض أحكام الإسلام ويرفض بعضها الآخر أو يهمله.
خامساً- وجوب الحكم بما أنزل الله
لم ينزل الله شريعته في قرآنه وسنة نبيه إلا للتطبيق والعمل، ولم يجعلها مقصورة على زمن دون زمن، وإنما جعلها شريعة الأجيال والأزمان والأمكنة، فلا يصح لمسلم القول بأن هناك مجافاة بين شريعة الإسلام وظروف العصر، أو إن بعض أحكامها لم يعد صالحاً للتطبيق في الحياة الحديثة، وإننا إذا طبقنا أحكام شريعتنا تعرضنا للنقد المرّ الشديد من دول الغرب وشعوبها، وقد حدث هذا فعلاً في الحملة الشرسة في الصحف والإذاعة والتعليقات السياسية على جمهورية السودان حينما أعلنت تطبيق الشريعة الإسلامية في بداية الثمانينيات.
وأجد أن الإصغاء إلى مثل هذه الانتقادات، أو ترديد كلام المستشرقين للحيلولة دون تطبيق الشريعة مظهر واضح من مظاهر الضعف أو الاستضعاف، وترجمان لذوبان الشخصية الإسلامية في بوتقة الأفكار الغربية، حتى لا يظهر المارد الإسلامي الجبار، فيقض مضاجع الاستعمار، ويهزّ كيانه ومصالحه في بلاد الإسلام.
أما المؤمنون بدين الله إيماناً صادقاً صحيحاً، قولاً وعملاً، فلا يبالون بتلك الأقوال، وشأن المؤمن ألاَّ يخشى غير الله ربه المتصرف وحده في الأكوان، ويعلن وجوب احترام أحكام شريعته، وإن أطبقت عليه أمم الأرض وشعوبها، فإن النصر في النهاية بوعد الله للمؤمنين الصادقين، وإن تطبيق غير شرع الله عودة لحكم الطاغوت والشيطان والجاهلية، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *} [المائدة: 5/50] .
ولا يستغرب من الكفار أن يصفوا المطالبين بتطبيق شريعة الله بأنهم المتزمتون أو المتشددون أو المخربون أو الهدامون ونحو ذلك من أوصاف الحقد والبغضاء والضغينة المعروفة لدى الغرب الصليبي الماكر والشرق المادي الملحد منذ بداية القرون الوسطى وإلى اليوم، بل إلى الغد والمستقبل.
فإما أن يكون هناك إيمان بالإسلام أو لا إيمان؛ أما أهل الإيمان فهم الذين يمتثلون أوامر الله التي تكاثرت في القرآن، والتي تأمر باتباع الشريعة وتنهى عن اتباع غيرها أو ما يخالفها.
وشريعة الله لا تقتصر كما يتوهم أناسٌ على الأحكام القطعية، فتلك أحكام معدودة، وإنما تشمل الأحكام الظنية أي المستنبطة بغالب الظن من النصوص الشرعية في القرآن والسنة، ولا تخرج اجتهادات الفقهاء عن اتباع النصوص؛ إذ ليس للمجتهد إنشاء الحكم من عنده، وإنما الكشف عنه في النصوص، وذلك بدليل وجوب العمل بما غلب على الظن بإجماع العلماء، فإنهم أجمعوا على وجوب العمل بما غلب على ظن المجتهد.
ولا تتغير حقيقة الحكم إذا صيغ في قانون متكوِّن من مواد، فذلك مجرد تنظيم لتيسير الرجوع إليه في مجال القضاء وغيره؛ لأن العبرة بموضوع الحكم ومصدره، لا بشكله كما هو معروف ومقرر لدى أهل العلم والعقل والمعرفة، المتجردين عن التعصب لقانون أو غيره.
ومع أن غالب أحكام الفقه من باب الظنون، فإنه يجب العمل بها؛ لأن العلماء أجمعوا - كما بينت - على وجوب اتباع ما غلب على ظن الفقيه؛ أي المجتهد، والإجماع - كما هو معلوم - من أدلة الأحكام القطعية ومن مصادرها.
ولا شك بأن حكم الله واحد متعين من بين آراء الفقهاء؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، لكن نظراً لعدم قيام الدليل القاطع على صواب رأي بعينه، جاز لنا اتباع آراء المجتهدين؛ إذ الحق لا يخرج غالباً أو مؤكداً عن أحد آرائهم، ولا يجوز الخروج عن آرائهم كلها، كما قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله في اتباع مذهب الصحابي:
«نصير منها - أي من أقوال الصحابة - إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس» وقال أيضاً: «نصير إلى اتباع قول واحد، إذا لم أجد كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً ولا شيئاً في معناه يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس، وقلما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا».
والخلاصة: أن الفقه الظني هو غالب أحكام الشريعة فيجب العمل به، وهو الذي تمثلت به الشريعة في خصوبتها وشمولها ومرونتها وسعتها، ولو جردنا الفقه عن الشريعة، لم يبق منها إلا القليل النادر الذي لا يمثل الإسلام قطعاً.
وما الفقه الظني في الحقيقة إلا راجع إلى الكتاب والسنة والإجماع، ولا يخرج عنها أصلاً؛ إذ ليس للمجتهد في الإسلام صلاحية وضع التشريع، وإنما المشرع باتفاق أهل السنة والمعتزلة في جميع الأحكام التكليفية والوضعية هو الله عز وجل، لذا قال الله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 39/55] أي اتبعوا الحسن وهو أوامر الله ونواهيه، وهي الأحسن لكم، ويؤيد ذلك آية أخرى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ *} [الأعراف: 7/3] .
ويحرم تحريماً قاطعاً الخروج عن نصوص الشريعة في القرآن والسنة، ويعتبر الحكم المستنبط منهما هو الواجب الاتباع، كما يعتبر العامل بغير الشريعة كافراً وظالماً وفاسقاً، قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 5/44] وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 5/45] وقال عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 5/47] ولا تنافي في الواقع بين أوصاف الكفر والظلم والفسق في الآيات الثلاث؛ فجحود الشريعة كفر وظلم وفسق.
ونفى الله تعالى الإيمان عن المسلمين إذا لم يرضخوا لحكم الرسول r، فقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النساء: 4/65] .
وحكم الرسول يتمثل في سنته القولية والعملية والتقريرية؛ لأن مهمته البيان لحكم الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 4/105] {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 16/44] .
ولذا تعددت الأوامر بإطاعة الرسول، منها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ *} [الأنفال: 8/20] وقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 4/80] .
سادساً- ما يترتب على كون الحكم لله تعالى، وآثار الحكم بغير ما أنزل الله
يترتب على كون الحكم والتشريع لله أمران:
الأول - وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية في كل زمان ومكان: ولو تغير الحكام، واختلفت الأحوال، على عكس القوانين الوضعية التي تتغير بين حين وآخر.
الثاني - وجوب احترام أحكام الشريعة والثقة بها: لأنها من عند الله، وهذا الاعتقاد باعث على طاعة قوانين الشرع؛ لأن الطاعة تقرِّب من الله، والعصيان يؤدي إلى العقوبة الدنيوية والأخروية.
أما آثار الحكم بغير ما أنزل الله فكثيرة منها ما يأتي:
1- كثرة الجرائم والمخالفات: والتحايل على مخالفة القوانين الوضعية بمختلف الوسائل؛ إذ لا قدسية لها ولا احترام، ولا يطبقها الفرد أحياناً إلا خوفاً من العقاب، وطرق التخلص من العقاب كثيرة، يعرفها المحامون وغيرهم.
2- اضطراب حياة الفرد: فإن الإنسان غير المؤمن يسير وفق أهوائه وشهواته، وكثيراً ما يلجأ إلى الانتحار لاضطراب نفسه وقلقها وفقدها الاستقرار والاطمئنان.
أما المؤمن الحقيقي فيعيش هادئ البال، مستقر النفس، لا تتنازعه الأهواء، ولا تعصف به الشهوات، يتعلق بإله واحد، يبث إليه أحزانه وشكواه إذا ألمت به مصيبة أو محنة، ويدعو ربه لكشف ما يتعرض له من ضرّ، ويلجأ إلى الله في تحقيق آماله وطموحاته؛ لأنه جازم بأنه تعالى مصدر ما في الحياة من نفع وضر؛ أما النفع فهو بتيسير الله وتوفيقه لعبده، وأما الضر فبسبب ما جنت يد العبد أو كسب شراً وارتكب خطأً.
3- فقد الأمن والاستقرار في المجتمع: إن الأمة التي لا تدين بدين الله، وتحترم القوانين الوضعية فقط، تكثر فيها المخالفات، ولا ترتدع عادة عن ارتكاب الجرائم والفساد؛ لأن القوانين الوضعية تفقد سلطتها الحاكمة على النفس البشرية.
أما شريعة الله فإنها تغرس في النفس وازع الدين ورقابة الله قبل الخوف من العقوبة الدنيوية، فإذا تهرب من عقاب الدنيا، فلن يفلت من عقاب الله تعالى في الآخرة.
لذا كانت أحكام القضاء جارية على الظاهر، فلا تحل الحرام ولا تحرم الحلال، كما هو معروف في حديث القضاء المشهور المتفق عليه:
«... فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها» وهو رأي جماهير الفقهاء عدا رأي أحدهم.
4- إفساد الحياة البشرية: إن المذاهب والقوانين البشرية، وإن استطاعت دعم النهضة في مجتمعها، فإنها نهضة آيلة للزوال؛ لأنها عنيت بالمادة فقط، وأهملت جانب الروح (الفراغ في العقيدة) ودمرت الأخلاق، وأحدثت الصراعات العديدة، وزرعت الأحقاد بين فئات الناس، واستغل الأقوياء فيها لمصلحتهم الضعفاء.
أما شريعة السماء فتعطي الناس حق الخلافة في الأرض عن الله، وخلافة الله في الأرض تقوم فعلاً على أساس من العدل والرحمة، والحرية والمساواة، والتعاون على الفضيلة والخير والبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يشيع المحبة والود والألفة، ويدفعهم إذا أحسن الحكام والقادة توجيههم إلى بناء الحضارة السامقة، واحترام القيم الإنسانية، وإشاعة السعادة، وتوفير الرخاء والرفاه بين الجميع.
سابعاً- حكم الخروج عن تحكيم شريعة الله
إما أن يكون الخروج عن تحكيم شريعة الله كفراً وظلماً، وإما أن يكون فسقاً. أما أحوال تكفير الخارج عن تحكيم شريعة الله تعالى فهي ما يلي:
1- حصر مفهوم الدين في نطاق المسجد والعبادة وقصره على الصلة القائمة بين العبد وربه، كما هو المفهوم السائد عن الدين لدى الأوربيين؛ لأنه إنكار لأحكام الشرع الأخرى الثابتة في الكتاب والسنة المعلومة من الدين بالضرورة أي بالبداهة، كإنكار مشروعية القصاص والحدود المقررة للزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب المسكرات.
2- التسوية بين أحكام الشريعة المدنية والجنائية وبين أحكام القوانين الوضعية المستوردة من القوانين الغربية في ألمانية وفرنسة وبلجيكة وإيطالية وأمريكة وغيرها.
3- تفضيل القوانين الوضعية على أحكام الشريعة الإسلامية، والزعم بأنها أولى وأحسن وأوفق لظروف العصر، وأنسب للمدنية والحضارة، ولا سيما في مجال الحدود الذي حدا ببعض الأساتذة القانونيين أن يصفها بأنها شريعة تنكيل وبربرية ووحشية، تأثراً بكلام المستشرقين وأباطيلهم، وجهلهم بحقيقة تطبيق الحدود الشرعية.
وهذان النوعان يقتضيان تفضيل حكم البشر على حكم الله ورسوله، واتهام الشريعة بالنقص والعجز والقصور. وقد أوضحت سابقاً وفاء الشريعة بكل ما يحتاجه الإنسان وأنها كاملة، تحقق سعادة الأمة والمجتمع والفرد، فإما أن يؤخذ الحكم صراحة من النص أو من روح النص، أو من أصول الشريعة ومبادئها العامة ومقاصدها الكلية، ولا شك أنه عند تطبيق أحكام الشريعة تنمو حركة الاجتهاد في مجال القضاء، ولدى الفقهاء، ويوفر لكل ظرف ما يناسبه، وتخرج المسائل على مذهب من المذاهب أو رأي فقهي لا يضيق بحاجات الناس ويكفل تحقيق مصالحهم.
والمبادئ الشرعية مثل تحريم المحارم، وعقوبة بعض الجرائم، وجعل التراضي أساس العقود، ومبدأ المسؤولية الفردية، وضمان المتلفات، وأداء الأمانات، والوفاء بالعقود، والخيارات، واستقرار المعاملات، وتحريم الربا أو الفوائد الربوية في البيوع والقروض والرهون، وحق النساء والرجال في الميراث، وتقديم الدين على الوصية، وإثبات الحقوق بالإقرار والشهادة والكتابة والقرائن، ونحو ذلك كثير، مثل مبادئ الدستور العامة من حرية وعدالة ومساواة وشورى.
أما تفسيق المخالف حكم الله فهو عندما يستحل الإنسان الحكم بغير ما أنزل الله، ويعتقد أنه أخطأ وخالف الصواب، وعصى الله ورسوله، فهذا هو الكفر العملي أو الفسق، والحالات السابقة هي الكفر الاعتقادي القائمة على إباحة ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، والعدول عن شريعة الله إلى ألوان من حكم الجاهلية: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *} [المائدة: 5/50] .
وأكرر القول: إن شريعة الله لا تقتصر على الأحكام القطعية، وإنما تشمل أيضاً الأحكام الظنية، خلافاً لما يسير عليه حاكم عربي مخطئ جعل القرآن وحده مصدر التشريع، وأهمل السنة النبوية.
ثامناً- أوجه الاختلاف الأساسية بين الشريعة والقانون
هناك نواحي اختلاف جوهرية ثلاث معروفة بين الشريعة والقانون وهي:
1- المصدر: الشريعة من وضع الله، والله هو خالق العباد وهو أدرى بما يصلحهم وينظم شؤون حياتهم في الحال والمستقبل. وقد راعى التشريع الإلهي مبدأ التطور، فجاءت الشرائع ينسخ بعضها بعضاً في غير الأصول المتعلقة بالعقيدة والأخلاق، بل إن النسخ ثبت في الشريعة الواحدة ذاتها، وكانت شريعة القرآن خاتمة الشرائع، وبها من عناصر الديمومة والصلاح والخلود بتقرير المبادئ العامة والقواعد الكلية ما يجعلها منسجمة مع دواعي التطور.
وأما القوانين فهي من صنع البشر، والبشر متصفون عادة بالعجز والضعف والقصور، فكانت القوانين متأثرة بصفات واضعيها، لذا كانت عرضة للتغير والتبديل، وهي تتحول وفق المصالح المتغيرة، فلا قداسة لها ولا خلود، ولا كمال فيها ولا استمرار.
2- الزمان أو التأقيت والدوام: القوانين جاءت متأخرة عن ظهور الجماعة، وملائمة منسجمة معها، فلا تخطيط فيها لمستقبل، وإنما هي مؤقتة، تتغير بتغير حال الجماعة وأنظمتها والمبادئ التي تروج بينها.
أما الشريعة فتنظم شؤون الحياة في الجماعة، ولكن قواعدها تختلف عن قواعد القانون فهي مشروعة مقررة على سبيل الدوام والاستمرار. وهذا يقتضي أمرين:
أولهما- ألاَّ تتخلف قواعد الشريعة عن مستوى الجماعة، وإنما تظل محتفظة بسموها ورقيها.
وثانيهما- أن تشتمل على صفة المرونة بحيث تنسجم مع متطلبات الجماعة، مهما توالت الأزمان، وتقدمت الأحوال، وتطورت أوضاع الحياة وتنظيماتها.
والبرهان العملي على هذا أن القوانين المدنية والجزائية المستمدة من الفقه الإسلامي أثبتت صلاحية الفقه الإسلامي للتطبيق، مع مضي أربعة عشر قرناً على وجوده واكتماله وكفايته.
غير أن المشكلة تكمن كما يبدو في عداوة الشريعة والإعراض عما جاءت به، والإمعان في تقليد الآخرين حتى نوصف بالتمدن في زعم بعضهم، ولكن بالرغم من كل مجاملات الغرب على مدى ربع قرن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وأفول نجم الاستعمار، هل تغيرت أوصاف الاتهام بالرجعية والتخلف والوحشية والهمجية والسخرية؟
ونحن نعيش هذا الظرف، وكل يوم يطلعنا تصرف الساسة والمفكرين الغربيين على ألوان من الإذلال والاحتقار، فالقضية إذن ترجع إلى التفوق والقوة، والتقدم الآلي، لا إلى النظريات والأفكار والأنظمة والقوانين.
3- الهدف والتوجيه: القوانين متأخرة عادة عن الجماعة وتابعة لتطورها، ثم استخدمت القوانين أخيراً في توجيه الجماعة والتخطيط لها، كما فعلت روسية وتركية وألمانية وإيطالية وغيرها التي وضعت لأغراض معينة.
وهذا الذي وصلت إليه القوانين في تطورها هو ما بدأت به الشريعة منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، فإن الغرض من التشريع الإسلامي إنما كان ولا يزال موضوعاً بقصد تنظيم الجماعة وتوجيهها، وإيجاد نواة الدولة المثالية، وإقامة المجتمع الفاضل، لذا كانت نصوصها أسمى من مستوى العالم الذي عاصرته، ودأبت معه على أن تكون رسالته رسالة توجيه له، وتصحيح لأخطائه وأخذ بما هو الأفضل والأكمل الذي ترمي الشريعة إلى تحقيقه فإنها بنيت على السمو والكمال.
تاسعاً- مميزات الشريعة عن القانون
تبين مما سبق أن شريعة الله تمتاز عن القوانين الوضعية بمزايا ثلاث هي:
1- السمو: الشريعة تمتاز بأن قواعدها ومبادئها أسمى من مستوى الجماعة، وأن فيها عناصر ومبادئ ونظريات تكفل لها هذا السمو على مرور الزمان، ولعل أبرز مثال لهذا: ما قرره الإسلام في نطاق الدساتير من احترام مبادئ الحرية والكرامة الإنسانية والعدل والمساواة في القضاء والمعاملات، بالإضافة إلى نظريات العقد والضمان والضرورة وغيرها.
2- الكمال: الشريعة غنية بالأحكام التفصيلية والمبادئ والنظريات التي تحقق مصالح البشر وحوائجهم في كل زمان، فهي تمتاز عن القوانين الوضعية بالكمال والكفاية الذاتية دون حاجة إلى تقليب وجهات النظر وإطالة المناقشة، ولعل أوضح مثال لهذا النقص والعجز في القوانين: أن مبادئه ونظرياته ما تزال دون مستوى الشريعة، ولم يكتمل بعضها إلا بعد أن مرت البشرية بتجارب قاسية استفاد منها العلماء وقرروا نظرياتهم بناء عليها، وانتهوا إلى حيث بدأت شريعة الله.
3- الخلود والاستمرار: من المعلوم أن القوانين متغيرة متبدلة متباينة في العصر الواحد نفسه بين دولة وأخرى، فهي غير دائمة، ولا منسجمة بعضها مع بعض في كثير من الأحيان.
أما شريعة الله تعالى فجمعت بين الحسنيين؛ فهي دائمة خالدة مستمرة في نطاق المبادئ العامة والقواعد الكلية التي لا تقبل التغير، ولا تستدعي التبدل، وتنسجم مع كل متطلبات الناس، وهي أيضاً غير جامدة ولا متحجرة، وإنما تظل محافظة على صلاحيتها المستمرة وتجاوبها مع مصالح الناس وحاجاتهم في نطاق المعاملات الاقتصادية، وأوضح مثال لذلك: غنى الشريعة في علم أصول الفقه بالمبادئ الأساسية للاستنباط على وفق المصلحة، مثل العرف العام والمصلحة المرسلة والاستحسان وسدّ الذرائع.