eKtab
EN ع
غزل الرياح
Read free sample

غزل الرياح

by خليل عكاش

Page 1
شيء من الأعطية الإلهية

أُلقيت في معرض الكتاب العربي في البيال/ بيروت 2011

محمد علي شمس الدين

خليل عكاش صديقي وهو قريب من نفسي بمعنى أن ما بيننا من حُب ومودة ولقاءات دائمة في الجنوب أو هنا، هذه المودة، هذا القُرب قال فيه أحد العارفين، قال فيه، شيئاً خطيراً، القرب حجاب، لذا وجدتُ حين قرأت مجموعتي خليل بأن قربه مني حجاب، فحاولتُ أن أبتعد وقرأت.

يفتتح خليل عكاش إحدى مجموعتيه الشعريتين بكلمة الشمس:

الشمس حيَّتْ رُباها وانحنى القمرُ

يكاد ينطق في أركانها الحجرُ

لكنه يفتتح المجموعة الثانية المتزامنة مع الأولى شعراً وطباعةً وأُرجّح بأنها متزامنة إلى حدٍّ ما تأريخاً وكتابة. يفتتحها بالليل:

الليل الحائر يسألني عن نجمٍ حطّ على يدهِ

وسرى في ليلٍ حطّ على نجمٍ

يسأل عن ليلٍ مسكون في أحوال الليل

لاحظت أن ما بين شمس المجموعة الأولى وهي من كروم النصر وليل المجموعة الثانية وهي لستَ وحيداً في الميدان طبقات للشعر على الرغم من أنّ الزمان التاريخي للكتابة واحد ومُتقارب، لكن الزمان الشعري بين المجموعتين متفاوت ومختلف.

أُسمي زمان «من كروم النصر» وهي قصائد في المقاومة، وفي قُرى الجنوب وفي النضال والصمود ومن عَبق تموز 2006، أُسمي هذا الزمان الزمان الخارجي في حين أُسمّي الزمان الآخر في قصائد لستَ وحيداً في الميدان، الزمان الداخلي. وبين الزمانين فسحة كبيرة، وأستعير من (ابن عربي) في رسائله، المفردتين التاليتين، حين بحث في الزمان، سمّى زماناً خارجياً، سمّاهُ الزمان الآفاقي نسبةً إلى الآفاق. وسمَّى الزمان الداخلي الزمان الأنفسي، تشبيهاً للأنفس، تأسيساً على الآية الكريمة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم).

الزمان الخارجي زمان كرونولوجي زمان الساعة أما الزمان الداخلي فهو زمان الرؤيا والإسراء والمعراج، حيث تنطبع المعرفة بالقلب. وزمان الأنفسي أو الداخلي للشاعر يستطيع أن يكون معاصراً بامتياز يقول (young)، الشمس الداخلية صورة لإله بل لعل هنا، في عُمق الذات ما أشار إليه (NigolessJoar) وهو شاعر ألماني من صوفيي الطبيعة، حين أشار إلى ما سماه أنا الأنا Le je deson je.

في مجموعة قصائد خليل عكاش الثانية لستَ وحيداً، أُشاهد هذه الأنا العميقة، وألمحُ شمساً صغيرةً داخلية تُضيء الكون. وحتى لو تمّ التوليد الشعري واللغوي والصوري لديه بمفردات واحدة أو متقاربة إلا أن ثمة زمانين متمايزين.
Page 2
نأخذ على سبيل المثال موضوعة واحدة كتب عنها قصيدتين هي (وادي الحجير) ومعروف أنّ (وادي الحجير) هو مقبرة الميركافا الإسرائيلية في عدوان تموز 2006، والوادي كما تعلمون فيه، نبات وحيوان وماء ولكنه تاريخياً، عُرفت فيه محطات تاريخية منها مؤتمر (وادي الحجير) ومنها معركة ومقبرة الميركافا من بطولات (تموز 2006).

أخذ الشاعر (أعني أنا أخذت منه) – وادي الحجير في القصيدتين، الأولى في مجموعة من كروم النصر والثانية في مجموعة لستَ وحيداً في الميدان. سنرى الفرق حتى لو أنّ الشاعر استعمل المفردات عينها أحياناً، يقول:

على الثغور رجالٌ إن هُمُ صرخوا

الله أكبر رجّوا الصخر والعُمُدا

الثغور جمع ثغر. هنا هو مكان الحماية، ويطلق في التراث العربي والإسلامي على الحدود الخاصة البحرية، من قرى الصمود أسماء (مارون الراس) و(بنت جبيل) و(الخيام) و(عيتا) ويصل إلى معركة وادي الحجير حيث هُزم الجيش الإسرائيلي يقول في القصيدة:

سيذكر الطامعون الدهرَ معركة

«الحُجير» إنْ ذكروا حرباً ومفتقدا

وهكذا يتناول الشاعر في هذه القصيدة مواقع وأسماء، وتدور المفردات في هذا المناخ:

الوجه للشمس والرايات عاليةٌ

لنا على كل نجمٍ بصمةٌ وصدى

صورة سمعية بصرية جميلة جداً، ويستطرد إلى أسماء وأنهار وبلاد من الفرات إلى النيل ومن مصر إلى العراق لكي يستنهض الهمم أو ينعى قبول العرب. أما قصيدة وادي الحجير في لست وحيداً فيمنحها العنوان التالي: «وادي الأسرار»، يبتكر الشاعر هنا، إذ يغُوص عميقاً في الزمان الداخلي للشعر حول الموضوعة نفسها حول المفردة نفسها، يبتكر لهذا الوادي ذاكرة محفورة في شجر الملول وتنقلات الغزلان فيه والطير العاكف بين التين والزيتون، همست في نفسي وأنا أقرأ «الله ما أبهى هذا الشعر وما أجمله».

يقول: وادي الأسرار/ حجير كان صغيراً بين الوديان/

لم يرضخ للريح/ اليوم الوادي كَبُرَت فيه الأحجار/

صارت أعلى من جبل

أوصيكم بالأشجار/ جدّي من شريان الدمع سقاها/ أوصيكم بالأشجار...

إذاً بلا شرح ثمة موضوعة واحدة، ومفردات متقاربة، يعجنُ منها خبزاً خاصاً، ويعجن من هذا القمح ذاته في القصيدة الثانية خبزاً خاصاً أيضاً وجمالاً آخر، زماناً آخر والشاعر واحد والموضوعة واحدة.

نحن إذاً لسنا فقط أمام انتقال شاعر من النظام الكلاسيكي للخليل بن أحمد، الذي كتبه في مختلف أوزانه وبقدرةٍ مميزة قادرٌ على الإمساك بأسرار البلاغة والبيان والصدق والصورة كما عرضها الأقدمون – لسنا فقط أمام نقلة من فلك الموزون المُقفّى إلى فلك المفردة الشعرية والنواة الإيقاعية.

وليست المسألة مجرد انتقال من شكل خارجي ومن إيقاع خارجي بل المسألة هي وضع الإصبع على الإيقاع الداخلي للقصيدة، وهي مسألة في رأيي يصعب تحديدها، لكن من الممكن الإحساس بها من عناصر الموسيقى والنشوة اللغوية والدينية، وهذا الإيقاع يتمظهر بالقصيدة كما تتمظهر الروح في الجسد. بالتأكيد ثمة صلة على سبيل المثال بين الموسيقى وأدواتها كالعود والناي لكن الموسيقى ليست العود ولا الناي بل الموسيقى، هي الموسيقى، هناك صلة بين الأوزان ومفردات الشاعر والشعر، ولكن الشعر أو الإيقاع الذي هو الشعر، والذي يصعب تحديده، لكن يمكن تلمسه من الداخل كارتجاف القلب وارتجاف الإحساس. إذاً هذا الإيقاع هو أبعد مما قاله (perckson): «إنه الجسر الواصل بين المُبدع والمتلقي». إنما كما يقول (إليوت) حيث يقول الشعر في الموسيقى أو موسيقى الشعر ليست قضية سطر بعد سطر إنما هو كُلية النص ويقول (aucktavio):
Page 3
«القصيدة هي المحارة التي تصدح فيها موسيقى العالم، وما القوافي والأوزان إلا ترددات وأصداء في هذه الهرمونية الكونية».

في قصائد لست وحيداً هرمونية شعرية حقيقية.

على ما أرى وباختصار إنّ ملكوتاً آخر للشعر دخل فيه صديقي خليل عكاش في قصائد لستَ وحيداً في الميدان، وهي مسألة على ما أرى أنّ فيها شيئاً من الأعطية الإلهية، والقراءات وتجربة الحياة، والمعاشرة، جملة عناصر ثم تمَّت من خلالها في داخل هذا الشاعر نقلة من طبقة للشعر إلى طبقة أخرى.

في القصيدة الكلاسيكية متانة وفيها القُدرة على أن تتكئ اللفظة على ذاتها، بأن تتكرر، وأن تأخذ صدى. (وكأنها طابة تضرب بالأخرى). يقول:

عهدٌ علينا هواكمْ والهوى عهدُ

لغير أهل الهوى، لا يخلُصُ الوجدُ

هذه اللعبة فيها ارتداد اللفظة على نفسها، فيها تدوير شعري وخليل عكاش يُجيدها بقوة. أو كقوله:

أهلي، ومنْ هُمُ، أهلي المجدُ، هُمْ أُوَلٌ

إلى العُلى سهروا حتى غفا السهرُ

هذه التقنية الشعرية الكلاسيكية التي مرت بمراحل من البحتري إلى البدوي إلى عمر أبو ريشة إلى سعيد عقل .. هذه التقنية يُمسكها خليل عكاش بقوة:

إننا قدرٌ / نبدو ولا نبدو/ وإننا في الثغور/ الجرح مشتعلاً/

شيبٌ ومردٌ / ولا شيبٌ ولا مُرْدٌ

الكلمة ترنُّ في ذاتها وتشكّل مع أخواتها ما يشبه الدرع حيث كل ضربة صدى وقدر. وفي هذا إجادة يتقنها خليل عكاش. وللنظر إلى الحرفية لديه يقول:

أهلي ومنْ هُمُ؟ أهلي المجد هُمْ أُوَلٌ

إلى العُلى سهروا حتى غفا السهرُ

نلاحظ حركة الكلمات التي تضرب ببعضها البعض لتعطي بانوراما أو صدى للجرس اللغوي، يبقى هذا الجرس في زمان أُفقي حتى إذا وصل إلى زمانه الآفاقي سنلاحظ على أنه ينتقل بمركبٍ آخر إلى بحرٍ آخر وظلمات ومتاهات وأحوال جديدة، يبتدئ بالليل، والليل وما أدراك ما الليل. يقول:

الليلُ الحائرُ/ يسألني عن نجم حطَّ على يده/

وسرى في ليلٍ حطّ على نجمٍ / يسأل عن ليلٍ / مسكون في أحوال الليل

ههنا تتردد الكلمات لكن بآفاق جديدة

الليل الحائر يسألني عن نجمٍ/ والنجم يسأل عن ليلٍ

مسكونٍ في أحوال الليل

هنا الليل كمفتتح والحائر كفتح وهنا فتح باباً إلى الغيب.
Page 4
كنز شعري

أُلقيت في معرض الكتاب العربي في البيال/ بيروت 2011

محمد زينو شومان

ليس كثيراً على خليل عكاش أن يتحفنا بمجموعتين شعريتين في وقت واحد. فهو شاعر مدرار سحائبه رهن الإشارة، ينام على كنز شعري كبير.

وما ينبغي تأكيده هو أن جذور تجربته الشعرية عميقةٌ جداً، تمتد إلى فترة هامة من عمر الحركة الشعرية العربية التي كانت في مطلع النصف الثاني من القرن العشرين في أوج تألقها وازدهارها. وقد أتيح للشاعر عكاش أن يعاصر شعراء من حقبة المد القومي الذين كان لهم في تلك الأثناء صوتٌ مدوٍّ ومسموع تقشعرّ له أبدان المنابر ويلتف حولهم الناس إذا نطقوا أو همسوا الشعر همساً.

وذلك يوم كان الشعر هو الرأسمال القومي وأهمَّ موارد الأمة وفخرها ورصيدها الاستراتيجيّ وعمادَ كيانها الوجداني، ويوم كان الشاعر إذا أخرج شقشقته غضباً ارتجفت فرائص السلاطين، وإذا اعتلى المنبر انخفضت رؤوس الحكام وكأنهم من هول زئير الشعر سكارى وليسوا بسكارى!

ومن الذين عاصرهم عكاش في مرحلة البدايات الشاعر عمر أبو ريشة الذي قدّم حينذاك لباكورته الشعرية «أناشيد السفر» ناظراً بإعجاب وتقدير إلى شاعرية عكاش ومتوقعاً له مكانة مرموقة في الحركة الشعرية العربية.

ولا بد من التذكير هنا أن للشاعر عكاش مجموعات شعرية أخرى سابقة هي حسب تسلسلها الزمني: «أناشيد السفر» و«كتاب الهوى» و«أسميك الأميرة في النساء»، وأخيراً «أغنيات الفجر» الصادرة في العام 2006. علماً أن المجموعة الأولى قد صدرت في العام 1983 عن دار الريحاني.

عرّجت على ذلك كله باختصار شديد، للقول إن خليل عكاش قد أدرك سنّ البلوغ الشعري باكراً، لكن عدم مواكبته لأبناء جيله من الشعراء كان وراء حرمانه من نيل الشهرة التي حظي بها ذلك الرعيل، الذي كان، كما قيل عن المتنبي، مالئ الدنيا وشاغلَ الناس ومؤلّبهم ضد الطاغوت الوسواس الخناس. فهل كان على خليل عكاش أن يأكل حصرم التردد والصبر وحده؟!

ولأننا لسنا في صدد دراسة نقدية خاصة بالشاعر عكاش وتجربته الشعرية والحياتية، نكتفي بهذا القدر مما طرحناه لعل أحد النقاد ممن تقع على عاتقهم مسؤولية التأريخ والنقد الأدبي والبحث والتنقيب عن تجارب الشعراء وآثارهم ومخلّفاتهم الشعرية وحياتهم، تدبّ في أوصاله الحمية فينبري لمثل هذه المهمة إنصافاً لصوتٍ شعري لحقه الظلم والإجحاف أنّى تكن الأسباب.

ولنفترض أن شاعراً عاكسته ظروفه الحياتية الخاصة، وأنه يتحمل مقدار كذا وكذا من عواقب التقصير، فهل هذا كله يُعفي الناقد من تقصيره هو تجاه هذا الشاعر أو ذاك؟

وإذا قلنا ما قلناه توخياً للحقيقة وحرصاً منا على إنقاذ تراث شعرائنا من الضياع والاندثار والتحلل العضوي، فلأن لشاعرنا الخليل رصيداً شعرياً ما زال حبيس الأدراج في انتظار اليد التي تمتد لانتشاله من بئر يوسف وما أعمقها وأشدّ ظلامها الحالك!

ولعل هذا الإحساس هو ما يشعرنا بالفرحة المضاعفة بصدور مجموعتي عكاش الشعريتين الجديدتين: «لست وحيداً في الميدان» الصادرة عن دار الفارابي، و «من كروم النصر» التي صدرت عن اتحاد الكتاب اللبنانيين.
Page 5
وبنظرة إجمالية سريعة، على قدر ما يسمح هذا المجال الضيق، يستطيع القارئ اللبيب أن يتبيّن القواسم المشتركة بين قصائد هاتين المجموعتين مضموناً وأسلوباً، وكأنما مناخ الشاعر على اختلاف تراكماته النفسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، هو المخيّمُ والغالبُ عليهما معاً.

وإذا شئنا التوضيح والتفصيل أكثر، قلنا إن شاعرية عكاش تنبثق من مؤثرات المكان والبيئة والمعاناة والانتماء، من دون التدقيق في نسبة الاختلاف بين هذه القصيدة وتلك، ومن دون تقصي درجة التطور أو مقدار القفزة النوعية بين المجموعتين، وكيفية الانتقال من الضفة العمودية إلى ضفة التفعيلة. فهذا حساب دقيق جداً، وحسبنا منه أنه دلالة وبرهان على تحسس الشاعر ضرورة تجاوز أسر النمط الأوحد إلى فضاء أكثر اتساعاً ورحابة، تلبية لنداء داخلي ليس من أحد يدركه إدراك الشاعر نفسه وهذا ما يلمسه القارئ الممحص من خلال المقارنة بين المجموعتين، وأظن أن القصد واضح ولا يحتاج إلى شواهد.

على أني لا أرى عجباً ولا غضاضةً في تمسُّك الشاعر بالعمود الشعري ومستلزماته وشروطه الفنية، وبالارتباط بالأرض والوطن والتزام قضايا الأمة والجماهير العربية، وبالتغني بالبطولات والنهج النضالي والاستشهادي، لأن خليل عكاش ابن تراثه الشعري والثقافي؛ صريح في انتمائه الوطني والقومي والإيديولوجي، معتزّ بأرضه وبلاده:

هذي بلادي هي الأرض التي اجتمعتْ

على موائدها الأيامُ والعصُرُ

فيها عُلوٌّ على الأخطار يحرسها

حرزٌ من الله لا يجتازه الخطرُ

فيها من الشمم المنحوت من شممٍ

طلائعٌ يرتوي من دوحها الظفرُ

مواكبٌ من مواعيد الحصاد كما

لو أنها من كروم النصر تُعتصرُ

ولعل عكاش، لحرصه على بلاده من أي أذى مهما كان مصدره أمن ظلم أو عسف محلي داخلي، أم من اعتداء خارجي، أم من استيطان عنصري كالحركة الصهيونية التي احتلت فلسطين – قضية العرب المركزية الأولى، فهو مقيم دائم على حدودها وثغورها لا يغادرها لحاجةٍ حتى لو كانت ملحةً جداً، وهو عين ساهرة، وقلم ساهر على الدوام، وهو خلف مرصده الثابت على أعلى قمة من بلاده العربية، فليعد من يرغب إليهما ليرى بنفسه عملية انتقال الشاعر من نظام البحور في «من كروم السفر» إلى الشعر الحر المعتمد على التفعيلة الواحدة من «لست وحيداً في الميدان» ليس لرصد حركة النجوم والكواكب بل لرصد أي خطر خارجي صارخاً بأعلى صوته:

هنا رجالٌ إذا دَوّت حناجرهمْ

يكاد من جلده أن يخرج الجلدُ

يمشون والريح تمشي تحت رايتهمْ

فإن دنا الرعد منهم يرجف الرعدُ

..تمشي القبور وخيلُ الموت راجفةٌ

كأنْ حوافرُها من خوفها وََقْدُ

وكما أن عين عكاش دائماً على الخارج متنبهاً ومنبهاً لأي خطر داهم، كذلك عينه أبداً على الداخل كعين قلمه لا يرفّ لها جفن ولا تبالي برقاد، فهو مستيقظ ومترصد للظلم كظلم بغضّ النظر عن مصدره، من هنا قصيدةُ «لستُ وحيداً في الميدان» للشاعر عكاش التي سُمّيت المجموعة باسمها، فتراه ينشد:
Page 6
طيرُ الفينيق «البوعزيزي»

الآتي من أحلامِ الزهرِ الأبيض

من وجع الأغصان

خاض البحر العاتي بعصا موسى

فامتدت بين يديه الشطآن

هذا هو دأبُ الشاعر عكاش في مناصرة المظلوم، ومقارعة الظلم أينما كان مصدره، منبعُهُ أو مصبُّه، ولعلّه في موقفه هذا أكثر تعبيراً عن نزعته الوطنية بلا لَبسٍ أو تعمية كقوله:

مسمّرون هنا في أرضنا ولنا

فيها هوانا الهوى من بعدنا وُجدا

باقون كالدهر ما الأيام باقيةٌ

نقارع الظلم قام الظلم أم قعدا

وكذلك نراه، في قصيدة أخرى، يجسّد الاتجاه القومي الماثل في هذين البيتين الآتيين:

قالوا: نأتْ مصر قل: لا فهي حاضرةٌ

وسوف نبقى لمصرَِ القلبََ والكبدا

وإن أصاب الفراتَ السهمُ مدّ له

يدَ العنايةِ من أجفانه بردى

أما ذروة المأساة بالنسبة إليه فتتمثل بظاهرة نزف الطاقات العربية وهجرةِ الأدمغة إلى الغرب إما طلباً للنجاة من ظلمٍ محلي، وإما بحثاً عن مكانٍ أوسع أكثر ملاءمةً للعطاء والإبداع والعمل وكسب الرزق والحرية فراراً من الجحيم، لذلك يصرخ الشاعر عكاش صرخة الألم فيقول:

العُرْبُ أحوج للأبناء من دولٍ

ترمي بهم في مطاوي العيش كالحطبِ

ولعكاش التفاتة تستحق الإكبار إلى رموزٍ من النابغين والمناضلين، فنقرأ له قصائدَ عن المخترع حسن كامل الصباح والعالم الفيزيائي رمال رمال.

بطبيعة الحال، لا أزعم أنني بهذه العُجالة قد أحطت بكل ما بان وما خفي من تضاريس هاتين المجموعتين من دلالاتٍ ومقاصدَ وأغراضٍ واتجاهات وملامحَ من حيث المضمونُ والنسيج اللغوي على السواء. أما المهمة الأخيرة فينبغي أن يتولاها النقدُ بموضوعية ونزاهة، كي تحتل تجربة عكاش الشعرية مكانها اللائق في المنجز الشعري العربي ولا سيما منه ذلك الذي اتخذ من القضايا الوطنية والاجتماعية والعربية والنضال والرفض والتحرر ومقاومة الظلم والحرمان أساساً فنياً وإيديولوجياً وثقافياً وأنطولوجياً لبنيانٍ شعري يمثل علامةً فارقةً في حركة الشعر العربي الحديث.
Page 7
علامة بارزة في العطاء الشعري في تقديم «أناشيد السفر»

عمر أبو ريشة

«أناشيد السفر» للشاعر خليل عكاش علامةٌ بارزةٌ في العطاء الشعري المعاصر، متعددة مواطن الإشعاع والإبداع، تحتل الكلمة المتوهجة فيها الموقع المتقدم من أجل الوطن والحرية. صرخةُ ألمٍ وحب فيها زمجرة الرياح وهديل الحمائم تحمل الصحو الوطني في مرحلة استمرار التراجع والانكسار.

إنها تجربة إنسانية متميزةٌ، يؤكد هذا التمايز حِسٌ دافقٌ يبلغ فيه الشاعر درجة عالية من الشفافية والرهافة.

وتبدو هذه الرحلة الفنية مهمة صعبة ودعوة ملحة الى موقع أفضل وغد أجمل، أما الوسيلة في ذلك فهي الوقفة الرافضة للواقع المرير في معركة التغيير المنشود. وهي القدر الذي لا يجد الشاعر منه فكاكاً، فيأخذك على إشاراتِ القوافي إلى عالم هادىء وأرضٍ حُبلى بالبشائر.

فما أحلى حدائقنا حبالى

وحقلاً فيه للغيم السنابلْ

وما أحلى الصباح بكل يوم

أجل بشائر التحرير حاملْ

وفي أناشيد السفر رغبةٌ في تجاوز الذات إلى الوطن الذي ينتمي إليه الشاعر والالتقاء بالدائرة القومية والانسانية وفيه رغبة الى القرار المستقل وهو يرسم لوحاته الشعرية بالأمل المشرق النابع من موقع التأمل المدرك الذي يتحد فيه الإنسان مع الأرض اتحاد العاشق بمعشوقته.

أنا الصَّبُّ الذي رَوَّاكِ نهراً

من العرق المشرع في المجاهلْ

هواكِ على الجراح نما فصرنا

نشيد الله في كل المحافلْ

تلك هي هوية الشاعر يعرضها بوضوح فكري لأنه يأرق لما يرى من تجهم الزمن حوله ولأن أُمَّتَهُ العربية تحيا في خصوبة وجدانه, حتى إذا تقوقع المارد رفع الشاعر صوته قائلاً:

إن فجراً يأتي كما نحن شئنا

وتزول الغيوم والأوهامُ

لا يطيق العيش الذليل ويأبى

أن يطيق العيش الذليل كرام

ويبقى الوطن الهاجس الدائم الذي لا يفارقه:

ان حب الاوطان ليس كحبٍ

يعتريه تردد وملامُ

وبلادٌ فيها الحجارة قامت

فهي في المجد والقيام قيامُ

وترود وجدانيات خليل عكاش فيتوهج الاحساس ويتألق الخيال فإذا «أناشيد السفر» غاية في الصدق الانساني والتعبير عن المناطق الظليلة في النفس الإنسانية التي تستعصي على التحليل والتحديد.
Page 8
خذي مزق الفؤاد على الكتابِ

هي أدنى هدايا الإغترابِ

تروح بي الهواجس ثم تأتي

على أعقابها من كل بابِ

ويوقظني إذا تعبتْ بعادٌ

تَسَمَّرَ فيه حلم الاقترابِ

فإلى أين يرحل الشاعر، فأرض الوطن لا تفارق خياله:

هي أرض الجدود فلا تساوي

كنوز الأرض حبات الترابِ

وفي أناشيد السفر خصائص فنية عالية تؤكد مقدرة الشاعر على العودة باللغة العربية إلى قوتها وعذوبتها في معجم شعري متميز، فنحن أمام كلمة حرة واحساس مدرب وذوق خبير مما يساهم في تركيب الصورة الشعرية. فالشاعر خليل عكاش وليد ثقافة عربية أصيلة تضرب جذورها العميقة في تاريخ الجنوب اللبناني الذي ينتمي اليه الشاعر.

كما أن ثقافة الشاعر خليل عكاش تتميز بفنونها وآدابها ولغتها الآخذة من محكم الكتاب ونهج البلاغة وشاعرية أبي تمام والمتنبي، وهذا النهج الذي يستمر حياً لا يعني نفياً لتجديد وإبداع، بل يأتي في سياق الإكبار لهذه اللغة التي أثبتت قدرتها على التعبير عن أدق مكنونات النفس البشرية.

إيه ربي كلمتني يوم كانت

آية الصدق في محمد نارا

فحفظتُ الوصية البكر طفلاً

بين جمع على الحضيض تبارا

وبعد، فهذه جولة قصيرة في ديوان «أناشيد السفر» وأنى لقارئ أن يتمكن من سياحة كاملة في روح الشاعر وعقله، حسبنا من هذا الديوان قدرة خليل عكاش الشعرية وسيطرته على لغته وتطويعه النغم كما يريد ثم هذا البناء الفكري الرصين والصورة المتوازنة القادرة على الومض في كل اتجاه.

إنه ديوان الوطن القلق الذي يجابه الرياح بصبر وثبات عبر تاريخه النضالي الطويل.
Page 9
شهادات في الشاعر

جريدة السفير 23/10/2012

مجموعة شعرية سابعة صدرت للشاعر خليل عكاش عن دار الفارابي، مطعمة برسوم للفنان علي الديك، يجول فيها الشاعر على مواضيع في الحب والحرب، صانعاً من الأحداث مناسبات لا للقول المباشر والخطابي إنما لقولٍ ينعطف نحو الرقة مرة، والتخييل مرة أخرى.

تجول القصائد في وجدان الشاعر فتصنع من أفراحه وأحزانه مهرجانات لغة، تتخذ الوزن أسلوباً لا تتخلى عنه، الوزن الذي يتخفى نظمه مرة خلف الشكل الحر، ومرة أخرى يجهر بعاموديته متنقلاً بين أمكنة شتى، من وداي الحجير في جنوب لبنان، إلى بيروت، إلى شاطئ النزوات.

حين يمر النجم

الحَيْرةُ تأتي لاهثةً

كالخائف

حين يمرُّ النجمُ

ترافقني كالظل

وتبكي حين تراني

أنظرُ في أحوال النجم الحائر

في أحوال الكونْ

كأنَّ الوهم صديقي

يستهوي أعناق الريح

وحين يداهمني نعس الترحال

تنقضُّ خيول الوحشة

من أشجان مراثيها

تنسى الأشجان

لتمارس فرحتها في بحر غواياتي

حيث الشطآن

ولا شطآن...

تستوقفني في عشقي

واحاتٌ جافتها الأنسام

وقد صلَّتْ أفواجاً فوق روابيها

وتغاوتْ أياماً بين يديها
Page 10
هل يبعثها الوجد النابض

من غابات الأيام

لتصير بيادرَ أفراحٍ وغمام

ما أغرب أسفار العشَّاق

على صهوات الليل

يشقُّون صحارى الصمت

وخلف الأبواب

دويٌّ للشمسِ

يسافر في أحلام مراميها

في آفاق لا تبلغها الأحلام

ناجيتُ الغيم فقامت غابات الشربين

على يبس الطرقات

ما زال الطير العائد من قفص الآلام

يردِّد أصداء مغانيهِ

على أنقاض الأحزان

فإلام نشدُّ العزم إلى أصقاعٍ ليس لها عنوان

الريحُ تحمحم خلف الريح

لكنَّ الغيم العاشق

لا يأخذه النسيان

ثمة إشعاعٌ

يخترق الجدران

من هذا التلِّ الرابض فوق الموت

يطلُّ الفجر

وعلى هذا التل المنسيِّ

الخوف وحيداً يمضي كالمعزول

الناس هنا مشغولون بهمٍّ آخرْ

يرمون لصوص الليل بصيحات النار

على هذا التلِّ

الناس كما تهوى

تأتي الأقدار

2012