إهداء
أهدي روايتي إلى كل من يحمل براعِمي الأدبيَّة.. لتزهر يانعة بين أفيائه..
إلى من سَجن قَلبي وأطْلق قَلمي للحُرية..، زوجِي الذي انتمي اليه، ،
إلى من نبضَ بهم القَلب قَبل أن يروا النُّور، فلذات الكبد أولادي، ،
إلى أبي وأمي وإخوتي الذين شجَّعوني أن أكون بين صُفوفِ قُرائي،،
إلى كلّ شهيدٍ وقع ضحية الظلم في "لبنان".. وفي كلِّ مكان..
الياقوتة الأولى
أحمد: طويل القامة ,جميل الوجه في الأربعِيناتِ من العُمرِ
شعره بلون العاج الأبيض، بغدادِيُ الهَوى، مسلم ٌيعشقُ بلاده...
مريم: متوسطةُ القامة، جميلةُ الوجه في بِدايةِ الثلاثينات منْ عمرها، وجْنتَاها بلونِ الياقوت..، تملك شَعراً غَجرياً طَويلاً.
بَيروتية الهَوى..، مَسيحية تعشقُ بلادها...
كانت تُقيم في بيروتِ وتعمل مرشدة سياحية..، تتابعُ المسافرين وتُعرّفهم على معالم و تاريخِ البلاد.
وصلت مجموعةٌ قادمةٌ من عدَّةِ أماكن من العالمِ للسياحة مستغلين صيف لبنان الجميل..، وكان أحمد منْ بينهم، فتعرَّفت مريم على المجموعةِ وعرَّفتهُم على البرنامجِ الذي سيتّبعوه، وتمنت لهم إجازة سعيدة
بدأت الرِّحلة في يومها الأول بركوبِهم حافلة معَدة للسُّياح. وبدأت مريم بوجهها البشوش تتواصلُ معهم عن طريقِ مكبر الصَّوت وتُعرِّفهم على معالم ومواقع البلاد السياحية التي يمرون بها وتشرح لهم عن تاريخها وجمالها بأسلوب جميل ولطيف، مما جعلهم مغتبطون بهذه المَعالم التي تأسر الألباب.
أما أحمد فكان يتأمَّلها كثيراً، حيث كانت ترتدي ملابس العمل الرسمية المؤلفة من بنطال أسود وقميص أبيض، مُسدلة شَعرها الطويل على كتفيها، تلفُّ أحد مِعصميها بساعة فضية، والأُخرى بسوار نُقشَ عليه اسم "لبنان", ويتَدلى من عُنقها عقدٌ طويل عُلّق بآخرهِ بطَاقة تحْمِل اسْمها واسم الشَّركة المضيفة التي تعمل بها.
تتكلم مريم بصوت ناعم هادئ وتتجول بنظرها نحو الركاب المبتهجين بها وبالرحلة، فلفَتها أحمد الذي ينظر اليها بكل جوارحه و يَحمِل دائماً جهازاً لوحياً، يُصوِّر به الزُّهور والعَصافير وكل شيء ملفت!
اثناء الاستراحة وعن سابق تصميم، اقتربت منه حيث جعلها فضُولها تجلِس على كُرسيٍ فارغٍ بجانبِه، وتبادلت معه بعض الكلمات المجاملة ثم استأذنت مِنه أن ترى الصُّور، فوافَق على ذلك...
قالت له: مُصورٌ موهوب متسائلة: هل تعشق التصوير؟!
يا لها من صور بديعة وأردفت: وكأنها أُخذت على يد فنان مبدع.
رد بلهجة عراقية: "لا آني أعشق الجَمال! ".
ضحكت مَريم وهيَ تُزيح خصلةً من شَعرها مالتْ على وجْهِها قائلةً: "تتبغدد علينا!؟"
فاجَأته كيف تحدثت العِراقية! فضَحِك قائلاً: أشْكرج!.
ابتسمت وقالت: انا أعشَقُ لهْجة العِراق.. خصوصاً لهجتَكم أهل بغداد..، أحب "كاظِم السَّاهر" كثيراً منذ طفولتي...
فابتسم قائلاً: انا من نفس منطقة "كاظم" وأردف: من منطقة الحريّة! فعدَّلت جلسَتها مُتوجهة نحوه ملامسة يده قائلةً: صحيح ما قلت!؟
نظر ليديها باستغراب ثم لوجهها وتأملها وقال: انتِ ياقوتة جميلة!
تداركت الموقف وسحبت يدها فجأة ووقفت قائلة: تـشرَّفت بمعرفتك سيدي البغدادي، أتمنى لكَ رحلةً سَعيدةً.. سأُكمل عملي الآن.
تركته لكنها كانتْ تشعر بأنها لا تريد أن تتركه..، فخجله واحترامه ولَهجتهُ البغدادية وحبه للطبيعة مُلفت لها، أما هو فقد أُعجب بذكائها وحيويتها قبل جمالها وبدأت نظراتهُ تلاحِقها كيفما مرَّت وأينما كانت.
كانت كلما توقفوا بمكان تأخذ استراحة العـشرِ دقائق من العمل وتختار مكاناً مناسباً لراحتها فتُخرج كِتاب جيب من حقيبتها وتقرأ فيه.
لم يعد أحمد يهتم بالأماكن بقدر ما كان يهتم بمراقبتها ولكنَّه كان يخـشى الاقتراب منها حتى لا يُشعرها برهبة أو حرج، لكنها كانت تُعطيه الضَّوء الأخـضر بابتسامتها كلّما التقت انظارهما صدفة.
حان وقت استراحة الغداء ,و نَزل الجميع من الحافلة إلاّ هي بقيت مكانها، توجهت لمؤخرة الحافلةِ وجلستْ على الكرسيِّ الفارغ المُحاذي لكرسي أحمد، ووضعت نظّارتها وغفتْ قليلاً، أما أحمد فقد نـسي محفظة نقوده الموجودة داخل حقيبته وعاد إلى الحافلة ليجِدها غافيةً وحيدةً بعد أن أنهكها التعب.. وقف دونَ أن يوقظها وتأمَّل بها قليلاً وهمس لنفسه قائلاً: هذا ملاك نائم، ياقوتة جميلة جداً، تناول آلة التصوير واراد أن يصورها ولكنه عدل عن ذلك منعا للإحراج ثم تناول محفظته بهدوء حتى لا يوقظها وعاد للمطعم وهو يدعو اللّه أن يحفظها.
استيقظت ومازالت وحيدةً، ترجَّلت من الحَافلة متجهة لِلمغاسلِ، غسلت وجهها ,مشطت شعرها، وضعت نظّارتها وتهيأت لتُكمل العمل.
دخلت المطعم وتفقدتْ أحوال الزوار وكان أحمد آخرهم فسألته إن كان بإمكانها مشاركته المكان فلم يعارض، جلستْ طالبةً قدحاً من القهوة، فسألها مستغرباً:
- ألن تتناولي الطَّعام؟
- لا مشكلة لا أشعر بالجوع فانا معتادة على هذا!.
وبدأت أسئلة التعارف الممزوجة بقهقهات صغيرة إلى أن حان وقتُ الانطلاق فركبوا الحافلة وأكملوا الرِّحلة سُعداء حتى حلولِ المساء، كانت آخر محطة لهم الفندق، حيث اطمَأنت مريم عليهم وودَّعتهم متمنيةً لهم ليلة هَادئة.
دخل أحمد غرفته، وأخذ حمّاماً ساخناً وجلس وهو يُفكر بتلك البيروتية..، جَمالُها فاق الوَصف، تعملُ كعَـشرةِ رجال وتحمل مسؤوليةً كبيرةً، أما هي فَقد توجهت لبيتها المتواضع القريب من الفندق، وعندما دخلته رمت مفاتيحها وحقيبتها على الطاولة وتناولت صورةً موضوعة على نفس الطاولة، كانت لابنتها التي حرمها زوجها منها، فقبلتها بعد أن سلّمت عليها ثم أخذت حماماً ساخناً ودخلت مكتبتها لتتناول جهاز تحكم المـسرح المنزلي، اختارتْ معزوفة كلاسيكية هادئة وأدارتْ مُحرك الأقراص ثم جلستْ على كرسيها ولم تمر الدقائق حتى غفتْ مكانها، منتظرةً يوماً جديداً.
الياقوتة الثانية
قَطَرَاتُ النَّدى قَبَّلَتْ شَفَتَيْهَا
وَعِطْرُ الوَرْدِ فَاحَ منْ يَدَيْهَاْ
صَوْتها دِفْءٌ وَحَنَان!
وجَسَدُهَا عُودةُ رَيْحَان
إحْمِهَا رَبِّي وادخلْهَا الجِنَان
واجْعَلْهَا حُوْريَّةً لِيْ لمَدى الأَزْمَان.
استيقظ أحمد في الصَّباح التَّالي، جهّز نَفسه ونَزل إلى الطابق الأرضِي من الفندقِ، شارك أصْدقاءه وجْبة الفطورِ وكانت بدايةُ يَومهم جيدة، هناك من يضحك وهناك من يتحدَّث عن منطقةٍ مميزة زارها، وهناك من يأكل بشراهة ومنْ يحتسي قهوته بهدوء.
أما أحمد فكان يتحدث عن الزُّهور وعالمِ الزُّهور والأسماء العِلمية لكل زهرةٍ حتى فتنتهُ أجمل زهرة صباحية!
ترتدي تنورة سوداء قصيرة.. وقميصاً أبيضاً يتَدلى على بَياضهِ شارة الـشَّركة مع إسمها وشَعرها مرفوعٌ بكامله، تضع أقراطاً من "الكريستال" النَّاعم، كان وجهها النـضر يُـشرق كشعاع الشَّمس من بين الغَمام.
دخلتْ مريم الصَّالة وهي مبتسمة كعَادتها، مسْتعدة لبدءِ يومٍ جديد مع المجموعة وكان الموظفون يسلِّمون عليها ويُحدثونها بأمُورهم وهيَ تستمع لهم بصدرٍ رحب وابتسامة تُفرح قلوبهم.
أثناء حديثها معهمْ لفتَ نظرها أحمد المنتظر وصولها لكنها اكملتْ حديثها مع الموظفين ونظراتها على مجموعتها عامة وعلى أحمد خاصة.
عند أولِ نظرةٍ له حيَّته بهزةٍ من رأسها فحياها بالمثل ومخيلته تُبدع قصائداً وحكايات عن ياقوتتهِ الجَميلةِ.
عَزَلتِنِي عنْ عَالـمِي..
أسَرتني.. سَحَرتِني
كسَّـرت عُزلـتِـي
حَتىْ نسِيتُ كُل زُهُورِي
طَاغِيةٌ.. ملهمةٌ انتِ،
أسْلمَت لكِ نِياطَ القلبِ!
أخالُك وِسَامَ حَياة مُثبَّت عَلى صَدْرِي!
اقتربتْ منهم وحيَّت كلاً منهم بلهجتهِ أو لغتهِ الذي يتقنها ثم وقفتْ أمام طاولتهم واضعةً خريطةً على الطاولة تشرحُ لهم مجريات رحلتهم التي ستبدأ بعد نصف ساعة. ثم استأذنتهم على أملِ لقائهم في الحافلة، و دخلتْ مكتبها حيث كان ينتظِرها قدحٌ من القهوة..، رتَّبت حقيبتها ثم أعدَّت أوراقها وردتْ على بعض الاتصالات، مرَّت نصف ساعة، فأخذتْ مِعطفها الأسود ورشفةً سريعةً من قهوتها وانطلقتْ بسرعة للحافلة قبل ركوبِ الضيوف.
وقفت مريم على بوابةِ الحافلة الأمامية تُرحِّب بضيوفها حتى وصل دور أحمد، صاعداً للحافلة فابتسمتْ لهُ قائلة: أهلاً بك من جديد أيها البغدادي!
ابتسم لها قائلاً: "اشكرج" لكن رائحة عطرها أخذته لعالمٍ لا يدري أين هو وجمال وجهها أثار قلبه.
جلس مكانه وجلس الجميع وبدأوا الرِّحلة قاصدين مدينة "بَعْلَبك" التاريخية.
وكالعادة صوتها يُغرِّد كعصفور يخترقُ مكبر الصوت، تـشرح لهم عن الرِّحلة وتجيب على أسئلة السُّياح حتى بدأت تظهر معالم المدينة الأثرية منْ أعمدةٍ وهياكل، ثم توقفت الحافلة في احدى المواقف المخصصة لدخولِ القلعةِ ودخلوا عبرَ بوابة وجهتهم لسلالم عظيمة!
بدأتْ تـشرح لهم عنْ ثروةِ وقوةِ "الإمبَراطوريّةِ الرُّومانية" واستمرارهم وصبرهم لمئتي عام في بناء الهياكلِ، وأكملوا المسير داخل المعابد..
دون ملل... كانت مريم تـشرح لهم: هذا مَعبد "باخُوس" وهذهِ قطعة "جرانيت" تزن العـشرات من الأطنان! جُلبت منْ "أسوان" فى مـصر العليا وقد استغرق حملها إلى بعلبك ثلاث سنوات!
تحدَّثت عن "جوبيتير الروماني" و"الزهرة الرومانية" وانتهتْ الجولة داخل الهياكل والمعابد والسَّاحات وأحمد يخفقُ قلبه كلما ابتسمتْ له أو اقتربت منه!
تدور الأفكار والخواطر برأسه، ويتسابقُ قلبه مع خياله.
قَطَرَاتُ النَّدى قَبَّلَتْ شَفَتَيْهَا
وَعِطْرُ الوَرْدِ فَاحَ منْ يَدَيْهَاْ
صَوْتها دِفْءٌ وَحَنَان!
وجَسَدُهَا عُودةُ رَيْحَان
إحْمِهَا رَبِّي وأدخلْهَا الجِنَان
واجْعَلْهَا حُوْريَّةً لِيْ لمَدى الأَزْمَان.
كانتْ مريم مميزة في مرافقة الضيوف وادخال البهجة في نفوسهم، فمجموعتها راضيةٌ عنها وتحبها جداً.. أما أحمد فلم تعد تهمه الرِّحلة بقدرِ ما يهمه صوت مريم، وحركاتها وابتسَامتها.
قصدت المجموعة أحد المطاعم ليتناولوا وجبة الغداء، واتخذ كلٌ منهم لهُ مكاناً يناسبه، وكالعادة تعمّد أحمد أن يجلسَ قريباً من مريم.
كانتْ تجلس وحيدة وتتناول طعامها بهدوء حتى اقترب منها أحمد سائلاً:
- هل يمكنني الجلوس معك؟
- طبعاً بكل سرور.
- أشكرج يا ذهب!
جلس أمامها فابتسمت له ثم سألت:
- ما رأيك بمدينة (بَعْلَبك)؟
- ما لفتني "الزهراء الرومانية"!
- السبب؟
- ذكرَتني بعشتار!
- إله الحب؟
- تماماً سيدتي وأردف هي الآلهة التي تمشي بين الحُقولِ والزُّهورِ في "نينوى"، رسمها أمهر الرسامين الأكاديين وكتب عنها كبار الشعراء السوماريين، ووصفوا جَمالها بانه أخّاذ كجمالِ مَريم!
سكتتْ ونظرت لطبقها ثم نظرت له مبتسمة وهي تقول:
- يجب أن نعود! وأردفت أشكرك على وقتك!
- أنا الذي يجب أن يشكرك أيتها الرقيقة!
كان وقعُ كلماته عليها مثيرة! فبدأت تهمس لنفسها،
اهدأ يا قلبي، ما بالك تخفق بشدةٍ!؟
بقي أحمد مكانه، فلم يعد يفكر بـشيء إلا بملامحها التي تغيرت عندما قال ما قال!
في المَساء ذهب الكل للنوم بانتظار يوم جديد.
أطلَّ يومٌ جديد، ودبَّت الحركة في الأنحاء وبدأت المجموعة تتحـضر لرحلة شيقة جديدة، وإذ بأحمد ينتظر في صالةِ الطَّعامِ وحيداً يشاهدُ صوراً صورها.. وبينَهم صُورتها التي نالها أثناء رحلة الأمس.. يتأمل بها ويُتابع باقي الصور ثم يعود لصورتها وهو يهمس لنفسه،
ياقُوتَتيْ الجَمِيلة،
مشْتاقٌ لصَبَاحكِ،
فصَباحُكِ عِطْر،
وعِطرُكِ زَهر!
وزَهرُكِ سُكرْ.
بدأ أصدقاؤه بالتجمع وانتهى وقت الإفطار ثم جاء المرشد السياحي قائلاً: أعتذر منكم فمريم اليوم لنْ ترافقكم، فقد أخذت إجازةً لمدة أسبوعين من الآن وسأرافقكم أنا اليوم وأردفَ قائلاً: سنجتمع بعد عـشرين دقيقة في الحافلة، ورحل ورحلت أفْكار أحمد وعادت وهو يتساءل لماذا؟ ما الذي حَصل؟ الفتاة الكارثية الياقوتية، هل يُعقل غيابها!؟
مرَّت العـشرون دقيقة كالسَّهم وهو يفكر بمريم التي لن ترافقهم اليوم وبدأ الجميع بالتوجه لصعود الحافلة، أما هو فقد قرر أن لا يذهب وكانت حُجته انه يشعر بتعب من رحلةِ الأمس!
توجه معهم للبوابة متمنياً لهم رحلة موفقة وغادرت الحافلة بمن فيها من هرج ومرج، ووقفت مكانها سيارةٌ صغيرةٌ سوداء ترجلت منها ياقوتته!
اندهش لما رآه وبدأ يتساءل هل هذا حلم!؟
كانت مختلفة تماماً عن كل مرة، مُسدلة شعرها الغجري على ظهرها، ترتدي بنطالاً مع قميصٍ أسود ومكان الشارة تضع عقداً فضياً قصير!
تركت باب سيَّارتِها مفتوحاً وكانتْ متفاجِئة من وجودِ أحمد فتوجهت نحوه ,تنظر لساعة يدها وتُسلم مفاتيح سيارتها لموظف موقف الفندق!
رفعت نظارتها الشَّمسية على رأسها وهي تقول:
- صباحُ الخير.
- صَباحُ النور.
- ماذا تفعل هنا؟ ألم ترحلوا بعد!؟
- رحلوا، لكني لم أذهب معهم.
- خير "بيك شي!؟".
ابتسم أحمد.. قائلاً.. لهجتك تثيرني!
فابتسمت وهي تقول: تفضل لمكتبي نشرب قدحاً من قهوتي.
طلب منها أن تدخل أولاً فللسيدةِ احترامها، عندها ابتسمتْ ودخلت قبله ثم أمسكت يده وركضت بـسرعة وهو يركض مستغرباً مما تفعل، ولا يدري ما الذي يحدث!.
فتحت باب مكتبها وهي تتنفس بـسرعة تثيره ودخلا معاً فسألها باستغراب منه، هل من مشكلة؟
قالت: لا لكن سيؤخرني الموظفون وأصبح بلا إجازة، وأضافت قائلة: تفضل.. تفضل بالجلوس.
جلس مستغرباً من عفويتها وهو يراقبها ويتفحص مكتبها المتواضع جلست وسألته بلهجة لبنانية: "شو بتحب تشرب مسيو"!؟
ضحك قائلاً: بدأتِ تتحدثين معي بلهجتك الرَّسمية وأردف أي شيء منك جميل.
وهي تطلب مقهى الفندق تضحك قائلةً: هناك أشخاص لا يفهمون لهجتنا ويتوجب علينا كموظفين أن نتحدث معهم بالفصحى وأكملتْ تسأل: وأنت أيُّها البغدادي هل تفهم لهجتنا؟
ضحك قائلاً: أنا أعشق اللهجة اللبنانية أيتها الياقوتة!
أبعدت عينيها عنه شاغلةً نفسها بأوراقٍ على مكتبها وهي تسأل: ما قصة الياقوتة معك!؟
ابتسم أحمد قائلاً: الياقوت هو من الأحجار الكريمة التي يُقال أنها تُشعل القلب ويُقال أنها تجلب الصداقات والمهابة للإنسان عندها سكتت مبتسمة!
أثناء حديثهما رنَّ هاتفه المحمول فأجاب بلهجته العراقية:
- هلا تاج راسي!
- تمام أنت اشلونك!
- رحت القصر؟
- لا يمعود!
- شْصار وياك؟
- تْريد أروح؟
- إن شَاء الله هسه رايح.
- رمشلي وأنا ارجع أدق عليك.
- وعليكم السلام.
على محمل الجد تقرأ بأوراقها لكنها تركز بلهجته العراقية
مُبتسمة ومُستغربة من كلماته، تفهم تارةً وتارة لا تفْهَم ما يقوله!
أقفل هاتفه فلفتت نظره لفنجان القهوة الموجود أمامه بتناوله:
- تفضل قهوتك.
- اشْكرج.
عدلت جلستها وهي تقول له:
- لهجتك جداً مميزة وبها الكثير من العربية لكنني لمْ أفهم الكثير!
- لا تقلقي سوف أعلمك كيف تتحدثين العراقية!
- يُسعدني هذا، هل من مشكلة لديك؟ لو احتجت أي شيء استطيع مساعدتك.
- "لا يمعوده" كل القصة انني انتظر هذه المكالمة لأستلم عملاً لمدة شهر هنا في بيروت بأحد الشَّركات..
- رائع.. وهل تمَّ الأمر؟
- وجهك خير علي، أكيد "تم" وبعد ساعة سأذهب للشركة.
- لا تفكر بالأمر سأقلك بسيارتي لو أحببت وسأنتظرك حتى تجهز نفسك.
- "أشْكرج "يا ذهب.. لا أريد أن أتعبك. وهو ممتن منها.
- لا "يا زلمه شو هالحكي ولو إنت ضيفنا" ونحن بخدمتك.. وأنا بإجازتي يُسعدني أن أساعدك.
- إذن سأجهز أوراقي خلال ربع ساعة.
- ستجدني أمام الفندق أنتظرك.
صافحها وهو يشكر لها كرمها وبعد دقائق سريعة خرج من بوابة الفندق ليجدها تنتظره داخل سيارتها.
ركب بجانبها وهو يتساءل: ألن أزعجك آنستي؟
قالت: طبعاً لا.
كان ينظر لها من تحت نظارته.. و قلبه يخفق بشدة، كل ما يعرفه أنه بدأ يعشق النظر إليها بل ربما بدأ يعشقها.
أدارت مُحرك اقراصها وهي تَسأل: "هل تحب الموسيقى "الكلاسيكية"؟ فأجابها: طبعاً وبدأتْ الموسيقى تصدح!!
قالت: هذه الموسيقى اسمها... فقاطعها قائلاً:
"trouth of touch"!!
نظرت له مبتسمةً ومستغربةً قائلة: رائع! أنت فعلاً لك علمٌ بالموسيقى!
قال لها: إنها موسيقاي المفضلة.
فردت عليه: من الجيد أن هناك شيء مشترك بيننا.
سألته: أعتذر على السُّؤال: هل أنت متزوج؟
قال لها: طبعاً وانتِ؟
سكتت لبرهة ثم قالت: كنت!
قال لها بأسفٍ شديد: أعتذر منكِ ياقوتتي.
عادت وابتسمت وهي تقول: ياقوتتك إذنْ!
وصلا للشركة فشكرها وقالت له أنها ستنتظره فوافق ودخل الشركة.
نظرت للمقعد فوجدت جهازه اللوحي قد نسيه وحاولت أن تُناديه لكنه غاب عنْ ناظريها، أمسكت الجهاز تتصفح الصور البديعة التي يقتنيها وإذ بها تقع على صورتها الموجودة في البوم الصور الحديثة..، تأمَّلت قليلاً متسائلة: لماذا صورتي هنا؟
لم يمر عشر دقائق حتى عاد أحمد وهو يعتذر منها
- أعتذر، تأخَّرتُ عليكِ.
- لا مشكلة وأكملت ما رأيك أن نذهب للغداء؟
- لا مشكلة عندي.. لكِ ما شئت.
توجها لمطعمٍ صغير على الشاطئ بجانبهِ مَسجد.
استأذن منها ليذهب للصلاة فقالت له: طبعاً تفضل.
وبقيت وحدها تتأمل البحر حتى فرغ من صلاته.