eKtab
EN ع
جنة الفدائيين
Read free sample

جنة الفدائيين

by محمد الراشد

Page 1

1

في ظهيرة يومٍ غائمٍ لطيف الأجواء عام 484 من الهجرة الموافق لعام 1091 من الميلاد، كان فتى في السابعة عشرة من عمره جالساً على حصيره البالي والمتهتك الأطراف، في قلب مدينة قزوين النابض بالحياة، منادياً بأعلى صوته متحدياً صخب السوق العارم، عارضاً للناس بضاعته المتواضعة، وهي عبارة عن مجموعة من الأسماك المملحة كان قد اشتراها طازجة من القافلة التجارية أثناء مرورها في المدينة صباح ذلك اليوم.
آثار التقشف الظاهرة على الفتى تسفر عن فقره وعوزه، إلا أنه يكتسب ما يمنعه عن سؤال الناس ويغنيه عن منّهم بفضل مهنته البسيطة ومثابرته الصامدة، على عكس الكسالى الاتكاليين من الشحاذين الذين يجوبون الطرقات متسولين الصدقة ومضايقين المارة بإلحاح مزعج ومناظر باعثة على الإحباط، ولم يكن هو بطبعه يحب هذا الصنف من الناس، فقد علمته والدته منذ طفولته المبكرة بأنه ما أكل أحد قط طعاماً خيراً من عمل يده، وترعرع مؤمناً بتلك الكلمات في أعماق قلبه.
يسكن مع والدته في بيت حجري صغير في أحد الأحياء الفقيرة، حيث تقعد هي طوال يومها على فراش المرض الذي لازمها شهوراً، ممضية وقتها في خياطة الأقمشة لجاراتها اللواتي كان دافعهن من تكليفها هذا العمل هو تسليتها وإلهاؤها عن الفراغ الذي قد يبعث في نفسها المزيد من الحزن والغم، بينما يكون وحيدها (أرمان) في الخارج للعمل وكسب لقمة العيش إلى أن يحين وقت الغروب.
أما والده (محمد دارا) فلا يذكر عنه إلا ومضات من الذكريات أشبه ما تكون بأضغاث الأحلام. قيل له أنه كان جندياً في الجيش السلجوقي، وأنه استشهد في إحدى المعارك، ودفن في مقبرة جماعية مع الشهداء. فنشأ يتيماً، وتربى في كنف والدته التي أولته كل رعايتها واهتمامها.
عندما بلغ سن السابعة ألحقته والدته بحلقات العلم المعقودة في جامع المدينة الكبير، وهناك تلقى تعليمه على أيدي شيوخ ومعلمين فضلاء. فحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة وكان تلميذاً ذكياً، فطناً، سريع الحفظ والتعلم، واستمر في طلب العلم وقراءة المتون حتى بلغ سن الخامسة عشرة، ثم توقف بعدها نظراً إلى تدهور حالة والدته الصحية وحالته المعنوية.
كان يعزو سبب ما حل بوالدته من المرض والتعب، إلى العمل المضني غير المنقطع، فهي تعمل في كل مجال يتاح لها، من صنع الإقط والفحم، والخياطة، وحتى بيع الحطب ولم تسمح لنفسها بأن ترتاح يوماً، كما كانت تعاني القلق المتواصل حيال توفير النقود لابنها المتفرغ لطلب العلم، آملة أن تجعل منه عالم دين جليلاً، يبجل ويعظم، وربما تكون له مكانة عند السلطان السلجوقي. بينما رضخ هو للأمر الواقع وقرر عدم التعلق بالأماني شبه المستحيلة إن لم تكن مستحيلة حقاً، ومن ثم قرر ترك العلم ليكون عوناً لأمه المسكينة لا عالة عليها، ولم يأبه لرفضها الشديد حينئذ.
ولم تتقبل أم أرمان فكرة الزواج برجل آخر، كما كان وضع كل النساء تقريباً، فالواحدة منهن لا تكاد تمر فترة العدة المحددة بثلاثة أشهر من وفاة الزوج – للتحقق من عدم وجود الحمل – إلا وقد دخل عليها العريس الجديد ليتكفل بإعالتها هي وأبنائها إن كان لها ولد. فهي مختلفة عنهن ترى أن الزواج من بعد وفاة الحبيب خيانة، ولو أحله الشرع وأقرته التقاليد والأعراف، حيث إنها تكن لزوجها المرحوم الوفاء والمحبة والإخلاص ولو أنه فارقها وفارق الحياة إلى الأبد.
وفي إحدى المرات عندما حاولت إحدى جاراتها إقناعها بالزواج بقريب لها، وكان كهلاً غنياً متزوجاً ثلاث نساء ويريد أن يتم بها الأربع، سألتها أم أرمان بامتعاض واضح: «هل تؤمنين بالحياة الآخرة»؟
قالت لها:
«ولله الحمد والفضل».
قالت: «وماذا سأقول لزوجي المرحوم عندما ألقاه عندئذ؟ آسفة يا زوجي العزيز... لقد تزوجت من بعدك... برجل آخر... يجامعني كل أربع ليالٍ... على فراشك... وفي بيتك... بينما كنت رفاتاً في قبرك!».
فخرجت المرأة من عندها متأثرة ضيقة الصدر، وأزمعت أم أرمان أن تصبر على حظها الذي كتبه الله لها، وأن تعمل بجد وشرف، لتستقل بنفسها وبابنها بدلاً من أن تكون غرضاً للتسلية والمتعة لرجلٍ غليظ جلف لا هم له إلا إرضاء غرائزه.
مرّ جُل وقت الظهيرة والناس يروحون ويجيئون أمام الفتى دون أن يلتفت أي منهم إليه، ولم يبع شيئاً من الأسماك التي ابتاعها بثلاثة قروش بعد، وكان أمله أن يبيعها بخمسة قروش أو ستة إن كان الحظ حليفاً له، وبالرغم من بخس سعرها، إلا أن الناس عادة ما يفضلون شراء الأسماك من دكاكين السماكين حيث يوجد منها هناك الأجود نوعاً والأكبر حجماً وبالتأكيد الأغلى ثمناً، كما أن الباعة يقومون من باب التودد للزبائن، ببشرها وتقطيعها وإفراغ ما في أجوافها وتكييسها لهم بعد تنظيفها بلا مقابل.
كاد اليأس والإحباط يتمكنان منه لولا أن مر رجل وقور المنظر، حسن المظهر والهندام، يبدو عليه أنه من التجار الرحل الذين لا يرون كل يوم، ذو لحية قصيرة مرتبة وشديدة السواد، كما أنه يلبس السواد من الثياب ويعتمر عمامةً سوداء.
جاء إليه وقرفص قدامه بتواضع وألقى عليه التحية بوجه بشوش، فاستبشر به أرمان خيراً وسرّ عندما لحظ سمات الصلاح بادية على وجهه، ومن ثم، عرض عليه بضاعته المزجاة.
قال وسط تفاؤل أرمان بعد أن ألقى نظرة سريعة على الأسماك:
«ما شاء الله تبارك الله».
ثم رفع بصره إلى البائع الشاب وحملق فيه بغرابة وفضول وتفرس في ملامح وجهه، فأرمان كان فتى مليحاً، وبسبب طول مكثه تحت الشمس أكسبه ذلك سمرة جذابة، له أنف دقيق، وشفتان لونهما أدكن، وعينان عسليتان واسعتان وحاجبان دقيقان متصلان، نحيل متوسط الطول، عريض المنكبين يلبس ثوباً قصيراً رمادي اللون تنتشر به الرقع بألوان مختلفة، ويعتمر عمامةً بيضاء نظيفة تبرز أطراف شعر رأسه الأسود الناعم من تحتها، ولاحظ كذلك طريقته في الكلام ودقق في جميع حركاته وسكناته أثناء حديثه إليه وهو يعرض عليه الأسماك الواحدة تلو الأخرى ويسمي له أسماءها بينما لم يكن ذلك الغريب يبدي أدنى اهتمام بأي منها.
«ألديك رغبة في الشراء يا سيدي»؟ قال بنبرة توحي باليأس الممزوج بالأمل.
ظل الرجل صامتاً برهة من الوقت وهو يحدق إلى السمك ثم رد عليه:
«أجل يا بني، أودّ أن أشتريها، بل سآخذها كلها، ماذا تقول؟».
«حقاً! ، حسناً، سأقبل أيّ ثمن تطرحه مادام أربعة قروش وما فوق».
«أربعة قروش»؟ قال وهو مقطباً حاجبيه. «ألا يمكنك حسم شيء من أجلي؟».
«عذراً يا سيدي، أربعة قروش هي الحد الأدنى عندي، ولا أستطيع أن أبيعك بأقل».
Page 2
عاد الرجل يتفحصه مرة أخرى وهو يهز رأسه مما أثار ريبة أرمان وانتابته شكوك في هذا الشخص، وبعد لحظات قاطعه بنبرة حازمة:
«هل ستبتاع السمك يا سيد؟».
وعوضاً عن إجابته سأله: «ما اسمك؟».
أجابه باستغراب: «اسمي؟ ... أرمان».
وبفضول أكبر قال: «أرمان ابن... من؟».
«أرمان بن محمد دارا».
ثم ابتسم ابتسامةً عريضةً مثبتاً عينيه اللتين أحمرتا فجأة دونما سبب واضح على عينيه ووجهه.
«كأنك تعرفني يا سيد؟».
أجفل ثم ابتسم وقال: «لا... لا، أبداً، إنما أنا فضولي، أحب التعرف إلى الناس فحسب». ثم أخرج من جيبه كيساً وألقاه إليه: «ها قد اشتريتها منك بأكثر من أربعة قروش، وفقك الله».
عندما نظر إلى الكيس الثقيل الذي بيده فرح فرحاً شديداً وقال للغريب بامتنان: «شكر الله لك كرمك يا سيدي». وعندما شرع في ترتيب السمك له، بادره وانتزع السمكة التي كانت بيده وكومها فوق البقية ولفها في القش الذي كان السمك موضوعاً عليه بعشوائية، ورحل به متأبطأ إياه وحاثاً خطاه دون أن يلتفت يمنة أو يسرة وكأنه يهرب من شيء ما أو أحد ما، وظل أرمان يراقبه حتى اختفى بين الجموع الغفيرة.
تساءل وهو ينظر إلى الكيس المنتفخ: «كم يحتوي من النقود يا ترى... عشرون قرشاً»؟ نظر ثانيةً إلى الجهة التي ذهب منها الرجل ثم هز كتفيه وتظاهر بعدم المبالاة.
نهض وطوى الحصير ثم وضع فوقه صخوراً لتثبيته، ولم يكن يخشى عليه من السرقة، حتى أطمع اللصوص لن يكلف نفسه عناء حمله.
عليه الآن الذهاب لشراء بعض الحاجات التي طلبتها منه والدته قبيل خروجه من البيت فجراً، فمشى وسط الزحام مطرقاً برأسه إلى الأرض وكل تفكيره كان منصباً على ذلك الزبون وأسئلته وتصرفاته الغريبة بالرغم من محاولاته نسيان الموضوع وطرحه جانباً.
لماذا يا ترى يسأل بائعاً فقيراً عن اسمه؟ ويحدق إليه بنظرات مريبة وكأنه يعرفه أو سبق له أن رآه من قبل؟ ثم بعد ذلك يشتري منه السمك بهذا المبلغ الكبير من المال؟ . «هل كان يتصدق علي»؟ تساءل بمرارة وخجل.
وبينما هو يمشي توقف عند أحد دكاكين الطباخين، حيث لفحته رائحة شواء مغرية أثناء مروره من أمام بابه المفتوح على مصراعيه. نظر خلال العتمة إلى الداخل فرأى الناس الجالسين فوق المصطبات المفروشة، يتحدثون بعضهم مع بعض بأصوات مرتفعة ويلتهمون ما لذ وطاب من أصناف الأطعمة.
أخرج كيس النقود وهزه قليلاً ثم طرأت عليه فكرة خطيرة، هل يدخل ويأكل من شهي الطعام، مادام يملك الكثير من الوقت والمال؟. نظر إلى الكيس ثانيةً ثم غمغم: «ربما لن يضر لو خصصت شيئاً من هذه النقود لأحظى بغداء دسم وأحس بالشبع والتخمة ولو لمرة واحدة في الشهر... أو عوضاً عن ذلك يمكنني الذهاب إلى البيت حيث الثريد المخلوط باللبن المتحمض؟».
أخيراً اتخذ قراره ودخل الدكان حتى توقف في منتصفه حيث بدأ الناس يرمقونه بالنظرات المتوجسة، ربما لأنهم ظنوه أحد أولئك الشحاذين المزعجين قد توقف لزيارتهم في وقت غير مناسب.
كانت رائحة الطبيخ نفاذة وأصوات الزبائن والطباخين تلجلج في المكان تساندها قرقعة القدور والصحون.
اعتلى إحدى المصطبات وجلس على سجادة خشنة تنتشر بها البقع، وإلى جانبه رجل ذو شارب كثيف معقوف الطرفين.
استرق أرمان نظرات إليه بطرف بصره فوجده ممسكاً بدجاجة كاملة يقلبها بين يديه ويأكل منها بنهم... بل كان يستطيع رؤية بقايا قطع الدجاج عالقة بمقدم شاربه.
أربكه صوت فظ جهوري:
«هيه... يا فتى»، ونظر أمامه وإذا هو رئيس الطباخين وكان هو الذي يشرف على بقية الطباخين والعاملين في الدكان، وهو الذي يعد الطلبات، كما أن عليه الدور الأهم وهو قبض الحساب من الزبائن، وكان عابس الوجه دوماً، قصيراً، سميناً، أمرد، مقطب الجبهة وأفطس الأنف.
رد عليه أرمان بأدب: «نعم، أريد طعاماً لو سمحت».
«حقاً! ... حسناً، ظننتك تريد شيئاً آخر» قال له بسخرية، فانفلتت من ذي الشوارب ضحكة عفوية.
Page 3
«ماذا تريد»؟ سأله.
أول ما طرأ على باله من الطعام كان السمك، ربما لأنه كان يأكل منه كل أسبوع أو أسبوعين مرة، عندما يتبقى من بضاعته شيء من السميكات الصغيرة، وخشي عليها من التلف والضياع.
«ولكنني أريد شيئاً مختلفاً هذه المرة» قال في نفسه. وبعد برهة توصل إلى قرار مثير: «أريد دجاجاً مشوياً وخبزاً، وما يتوافر من الشراب».
رد عليه على الفور: «ليس لدينا شراب هنا غير الماء».
«فليكن».
حدق إليه الرئيس بتوجس وهو يمسح قطرات العرق التي تكونت على جبينه بخرقة متسخة ثم تنهد وقال: «حسناً... ألديك نقود أم لا؟».
رد عليه أرمان بانفعال للمرة الأولى: «بالطبع لدي نقود، فلست أتوقع أن آكل طعاماً دون مقابل فمن الواضح أنني لست ضيفاً عندكم» ثم أخرج الكيس وهزه أمامه.
غادر الرئيس بعد أن أطمأنت نفسه وزالت شكوكه، ليعد له مطلبه وأعاد أرمان الكيس إلى جيبه دون أن يفتحه.
اتكأ بظهره على الجدار من خلفه وتنهد بصوت مكتوم، وظل يحدق إلى الناس من حوله، التفت إلى الرجل ذي الشوارب فوجده يحدق إليه مبتسماً وأطراف شاربه من الجهة الأمامية تتلامع تحت أنفه.
«أطالب علم يا فتى»؟ سأله.
«بل عامل».
أشاح بنظره عنه ثم غمغم بكلمات لم يفهمها ولكنها أزعجت أرمان لأن تعابيره أظهرت له أن نيته لم تكن طيبة تجاهه فقال له بحدة: «عفواً؟».
فحول نظره إليه وقال له بلهجة الناصح: «عليك أن تحترس من النشالين واللصوص يا فتى، فقد كثروا هذه الأيام» ثم عاد يفترس ما تبقى من دجاجته دون أن يزيد على ما قال ودون أن يرد عليه أرمان بشيء.
جاء الرئيس ووضع الطبق أمامه، دجاجة كاملة مشوية ورغيف ساخن من تحتها، وكوز فخاري مليء بالماء البارد الزلال ثم قال له: «الدفع سيكون بعدما تفرغ» مشيراً إليه بسبابته الثخينة.
«يا لأخلاقك الرديئة!» غمغم أرمان عندما تولى عنه الرئيس. اعتدل في جلسته ورأى الطعام الذي تشتهيه نفسه، دجاجة كاملة يتقاطر زيتها على رغيف طري الوسط مقرمش الأطراف، وفوق ذلك، لن يضطر أن يتشارك مع أحد، هذا ما قد يفعله المال بالإنسان، يجعله بطيناً وسعيداً.
أمسك بفخذ الدجاجة وانتزعه بلا هوادة ثم قضم منه لقمة كبيرة وهي لاتزال ساخنة فأحرقته ولم يبالِ، وأخذ قطعة من الرغيف المبلول وحشرها في فمه مع الدجاج.
أكل حتى اكتفى وأحس بالرضى، ولم يتبق من الطعام إلا البقايا، ثم أخرج كيس النقود بعد مدة من الاسترخاء الذي يلي عادة الوجبة الدسمة، ليعطي صاحب المحل حقه ويغادر. وعندما فك رباطه وفتحه للمرة الأولى، كانت المفاجأة التي صدمته وكاد في إثرها يخرج ما أدخله تواً في جوفه.
«يا إلهي... ما هذا!».
لحظ الرئيس الذي كان بالقرب منه التغير الطارئ على تعابير وجهه فجاءه يمشي بريبة وسأله:
«أفرغت يا صبي؟». فلم يرد أرمان عليه بل لم ينتبه لوجوده.
«يا فتى، أتسمعني؟». انتبه له هذه المرة فرد عليه بصوت متهدج:
«هاه، أجل أسمعك».
«أفرغت من طعامك؟».
رد عليه وهو لا يزال يحدق إلى داخل الكيس: «أجل، الحمد لله، كم حسابك؟».
فحك الرئيس ذقنه الأمرد بأطراف أصابعه: «سيكون الحساب»، ثم صمت قليلاً:
«ثلاثة قروش!!».
«ماذا؟ ثلاثة قروش!».
Page 4
فرد عليه الرئيس بتهكم وهو يحمل الطبق من أمامه: «أجل ثلاثة قروش لقد قلتها بوضوح هل بك صمم». عندئذ انفجر أرمان غضباً ولم يعد يقدر على احتمال هذا الرجل الثقيل وتعليقاته السمجة، فنظر إليه بحدة وقال له بنبرة غاضبة: «إسمع يا هذا لا تحدثني بهذا الأسلوب المهين مرة أخرى وإلا...». ثم تدارك نفسه في اللحظة الأخيرة وكبح جماح غضبه ثم بصعوبة بالغة، سكت.
غمس يده في الكيس، وقبل أن يبدأ الرئيس الذي احمر وجهه وانتفخ من الغضب بالكلام أخرج من الكيس ديناراً من الذهب الخالص يساوي مئة درهم من الفضة الخالصة والدرهم الواحد يساوي مئة قرش نحاسي.
«هاك خذ حقك». ولكن الرئيس الذي امتقع وجهه سأله بخبث:
«من أين لك هذا؟». فأجابه أرمان رافعاً أنفه: «أنا أنتمي إلى عائلة غنية، ولست كما أبدو لك أيها السيد».
ارتسمت على وجه الرئيس ابتسامة اعتذار صفراء ثم تنحنح وقال: «حسناً إذاً... سوف آتيك بالباقي، من الخزنة... يا (خوجا)». وقبل أن ينطلق بالطبق سأله على مضض:
«هل لديكم... حلوى؟».
التفت إليه وقال بلهجة تودد متكلفة: «لدينا حب الرمان المطبوخ».
«حب الرمان المطبوخ؟».
«أجل... أجل، مذاقه حلو جداً، كما أنه مخلوط بالعسل الصافي والزبيب اليماني».
«أعطني طبقاً منه».
راح الرئيس يجري إلى قمرة الطباخين وأمرهم بأن يعدوا له الحلوى التي طلبها بأسرع وقت ممكن ثم خرج من باب خلفي للقمرة قاصداً الخزنة.
«خوجا! ... هذه أول مرة في حياتي يطلق علي أحد ما لقب الخوجا».
حملق ثانية داخل الكيس المليء بالدنانير الذهبية: «يا إلهي ما كل هذا المال، إنه كنز، ثروة، أحالم أنا أم واهم، إما أن يكون ذلك الغريب الذي اشترى مني السمك مجنوناً... وإما معتوهاً، الحمد لك يا رب»، التفت عن شماله ليرى ما فعل الرجل ذو الشوارب ولكنه كان قد انسل وغادر دون أن ينتبه ويشعر.
«ماذا لو كنت أحلم»؟ تساءل بمرارة وقلق.
«ماذا لو كان كل هذا، مجرد حلمٍ جميلٍ وقصير؟».
أغمض عينيه ثم قام بقرص قدميه، ففركهما بشدة حتى احمرتا وعندما فتحهما ثانية وجد أنه لم يستيقظ من النوم، ليجد نفسه على فراشه الرث العامر بعدد كافٍ من حشرات البق لإيقاظه بين الحين والآخر.
إذاً، فما يجري هو حقيقة وليس حلماً، وواقع وليس وهماً، لقد أصبح غنياً بلا شك، ويستطيع أن يؤسس بهذا المال مشروعه الصغير الخاص به ويتخلص أخيراً من مهنة بيع السمك والتعرض يومياً لرائحته الكريهة وملمسه اللزج.
وبينما هو جالس يخطط لمستقبله الذي ارتسمت خريطته أمامه بجلاء، جاء الرئيس وقدم له طبق التحلية ورد له بقية النقود في كيس آخر! تسعة وتسعون درهماً فضياً وخمسة وتسعون قرشاً، فأخذه أرمان وأفرغه في كيسه الأول مع الدنانير فامتلأ حتى ليكاد يتمزق من شدة انتفاخه ثم ربطه ووضعه في جيبه.
أخذ الملعقة الخشبية المصقولة وغرف من صحن الرمان وأكل لقمة، ثم قال في نفسه وهو يمضغ بتأنٍ:
«إنه شهي، وحلو المذاق... ولكنني لا أستطيع أن آكل الآن، يجب أن أذهب إلى أمي، وأبشرها».
قام وأسرع إلى زاوية الدكان حيث يوجد طست كبير موضوع على الأرض وفيه مياه غسيل معتكرة، وقد سكب فيها صاحب المحل بعض العطور النفاذة الرخيصة حتى تغطي على روائح بقايا الطعام، وإلى جانب الطست قمقم مليء بالماء النظيف، وإلى جانبهما علقت صحيفة على الجدار كتب عليها بخطٍ عربي جميل: (لا تسرف ولو كنت على نهرٍ جارٍ) فغسل يديه بأقل كمية ممكنة وتمضمض ثم مج في الطست.
تحسّس جيبه ليتحقق من وجود الكيس العزيز، ومشى خارجاً من الدكان على عجالة من أمره حتى إنه لم ينتبه للرئيس عندما قال له بشغف:
«شرفنا بزيارة أخرى».
Page 5
مشى بين جموع الناس واضعاً يده على جيبه حذراً من النشالين الذين يسرقون ما في الجيوب بمنتهى البراعة دون إدراك أصحابها، دخل في زقاقٍ خالٍ وضيق، ليجلس هناك قليلاً بمفرده، ويعد النقود بأمان، بعيداً عن المتطفلين.
جلس القرفصاء بجانب الجدار بعد أن أيقن أن لا عيوناً تراقبه، وأخرج الكيس ثم نثره على الأرض فأصدرت النقود بينما كانت تتراقص أمامه بريقاً جذاباً وأصواتاً يطرب لها القلب وبدأ بعدها وإعادتها إلى الكيس.
وجد أن مجموعها أربعة وأربعون ديناراً وتسعة وتسعون درهماً وخمسة وتسعون قرشاً بالتمام والكمال. ثم نهض وألقى نظرة تفقدية حول المكان لئلا يكون قد أهمل شيئاً منها، وعندما اطمأن بأنها موجودة جميعها في جوف الكيس ربط عنق فتحته بخيط متين وبالغ في ذلك.
وعندما أراد إعادته إلى جيبه.... حال دون ذلك حائل.
فنظر إلى راحة يده ولم يعد الكيس موجوداً فيها.
استدار إلى الخلف مذعوراً، فرأى شخصاً ما يجري ناحية السوق، لص متلصص قد قفز عليه من فوق الجدار وانتزع الكيس من يده على حين غفلة منه، فاندفع وراءه تلقائياً بكل ما أوتيت ساقاه ورجلاه من قوة، مخترقاً أمواج الزحام الكثيف.
لم يطرأ على باله بأنه سيخسر ماله بهذه السرعة وبهذه الطريقة المؤسفة، فعقد العزم على أن ينال من السارق اللعين وأن يسترد نقوده منه مهما حاول الهرب ومهما كان بارعاً في ذلك.
صرخ وهو يجري وراءه:
«أوقفوه... أوقفوا اللص لقد سرقني... أوقفوه».
لكن الناس كانوا لاهين عنه ولم يستجب لندائه إلا شيخ مسن حاول أن يفعل خيراً بإيقاف اللص وكاد يوفق في ذلك لولا أنه تلقى دفعة قوية منه أوقعته أرضاً، أما بقية الذين سمعوا نداءه فاكتفوا بالفرجة عليهما.
خرجا من السوق جرياً وقد قطعا مسافة قد ينهك منها من لم يتعود الجري كل هذه المسافة، كل هذا الوقت. دخل اللص إلى زقاق أرضيته مبتلة بالمياه الوسخة التي خلفتها الأمطار، وصار أرمان أقرب إليه مما كان من قبل، واحتمال القبض عليه قد ارتفع.
ضرب اللص بإحدى قدميه بمكر في حفرة ملأى بالمياه العكرة ليرش بها على عيني أرمان ونجح في ذلك إلا أن ذلك لم يثن من عزمه ولو شيئاً بسيطاً. كانت نهاية الزقاق مسدودة حيث يقف جدار طويل على آخره، كما كومت بجانبه صناديق خشبية، وظن أرمان أنه تمكن منه أخيراً.
توقف اللص واستدار مواجهاً له وكان متلثماً ويستطيع رؤية بريق عينيه الحادتين الخبيثتين، كما أنه انتبه للمرة الأولى إلى حقيقة أنه يرتدي لباساً من الصوف الخشن ذا قلنسوة يغطي بها رأسه، وعرف مباشرة أن هذا هو زي رجال دين (الصوفية) والمعروفين بنزاهتهم وتقواهم وبعدهم عن ملذات الدنيا وزخرفها وخصوصاً، المال.
خاطبه وهو يتنفس بصعوبة: «رد إلي ما سرقته قبل أن تندم يا هذا، ألا ترى أن الطريق أمامك مسدودة أين سيمكنك الفرار؟... هيا لا تحاول أن...».
وقبل أن يتم جملته الأخيرة قفز اللص الصوفي فوق الصناديق برشاقة ثم تشبث بيديه وأطراف قدميه بفتحات الجدار الضيقة وتمكن من أن يتسلق الحائط ويعتلي حافته بسرعة نادرة ثم مشى فوقه بتوازن كامل حتى قفز فوق السطح الملتصق به.
«هاااا أتظن أنني لن أتمكن من اللحاق بك، والله لأصلن إليك ولو كنت فوق أعلى مئذنة في هذه المدينة».
ونجح فعلاً في القفز فوق الصناديق ثم التشبث بفتحات الجدار كما فعل الصوفي تماماً إلا أنه تطلب منه بعض الجهد والوقت، وبمجرد أن استوى واقفاً على رجليه على حافة الجدار، طفق الآخر يمطره بوابل من الحصى بقصد إسقاطه.
جاءته الحصاة الأولى مفاجئة، فأصابت قدمه اليسرى، وكادت ترديه فعلاً لولا أنه لحسن الحظ استطاع أن يستعيد توازنه وحاول أن يمشي بخطوات سريعة فنجح، ووجد بدوره صخرة كبيرة على أرضية السطح فأخذها ورماها من شدة غيظه على اللص الذي أخطأته وأكمل هربه حتى وصلا إلى نهاية السطح.
قفز اللص إلى سطحٍ ثانٍ قريب الحافة فثالث فرابع وأرمان لا يزال وراءه بالمرصاد.
عندما وصلا إلى حافة السطح الرابع، توقف اللص أمام الجدار وأخذ خشبة سميكة كانت مسندة إليه.
«انتهى أمرك الآن أيها الجبان، هيا أعد إلي نقودي ولن أمسك بمكروه.... هذا وعد مني».
فتكلم اللص للمرة الأولى: «وما يدريك أني لن أؤذيك... ألا ترى أنك أعزل الآن».
نظر أرمان إلى قطعة الخشب التي بيده وهو يلهث وقال محذراً إياه:
«حاول أن تقترف هذا الخطأ، فتندم أشد الندم، سأنتزع منك هذه العصا التي بين يديك وأحطمها فوق رأسك، وإن كنت ذكياً فخذ من النقود درهماً أو درهمين واذهب حفظك الله ودع لي الباقي».
Page 6
فرد عليه بسخرية: «أأعطيك كل هذه النقود وآخذ أنا درهماً أو درهمين... أهذه قسمة عادلة؟ أي مجنون تظنني يا هذا» ثم رفع العصا واقترب من أرمان وهو لا يزال أعزل وأدرك أنه أصبح في موقف لا يحسد عليه.
«الخبيث سيفعل كل ما بوسعه ليؤذيني، سأحاول أن أركز حتى تسنح لي الفرصة المناسبة لانتزاع العصا منه، لا حل آخر أمامي» قال في نفسه وعيناه مثبتتان على اللص الصوفي الملثم وهو يقترب منه رويداً رويداً.
هجم عليه بالعصا موجهاً ضربة إلى رأسه استطاع أن يتفاداها ببراعة ولكن اللص قام برفسه على معدته رفسة جعلته يرتد وراءه ويركع ممسكاً بطنه، فكانت هجمته الأولى مجرد خدعة ماكرة استخدمها لتشتيت انتباهه عن الثانية.
«أهذا كل ما لديك»؟ قال له أرمان وهو يقاوم الألم.
«أظن أنك فتى شجاع، ولكن شجاعتك لن تنفعك أمام من يفوقك قوةً وعقلاً».
«لم لا ترمي عصاك وتواجهني كالرجال» قال له وهو يجول بنظره حول المكان لعله يجد عصاً أو أي شيء يستطيع أن يدافع به عن نفسه في هذا النزال غير المتكافئ ولم يجد شيئاً يفي بالغرض لسوء حظه «ااااه لو أنني أحضرت خنجري اليوم» غمغم بمرارة.
«لن أدعه يخدعني ثانيةً، ركز يا أرمان، ركز» فكر في نفسه بينما اللص يقترب منه ليهاجمه مرة أخرى. وما لبث أن قفز برشاقة في الهواء ووجه له ضربة بقدمه تفاداها أرمان بأعجوبة، ثم هبط على قدمٍ واحدة والتف بسرعةٍ عجيبة مسدداً له ضربةً بالعصا على ساقه جعلته يطير في الهواء ويسقط على قفاه.
«الوغد، خدعني ثانية» ونهض بصعوبة ومالبث أن انهار جاثياً على ركبتيه من شدة الألم في ساقه اليمنى.
«هل اكتفيت أم أزيد؟».
لم يجبه أرمان وإنما ظل يئن وأحس بأن عظم ساقه قد رض.
«ما بك؟ هل ستركع وتتوسل لأعطيك قرشاً أو قرشين من المال الذي أخذته منك بجدارة واستحقاق؟».
نظر إليه نظرة ثاقبة حاقدة وقال بصوتٍ ملؤه الغضب: «أنا لا أركع إلا لله يا شبيه النساء» وتفل بين قدميه بصاقاً أحمر، فابتسم اللص بخبث وقال: «تقبل الله». واستدار مدبراً.
«هل ستهرب الآن يا مخنث؟ ، هل ستأخذ المال هكذا وتلوذ بالفرار يا لقيط، هيا إذاً، افعلها واهرب يا ابن الزنى». التفت إليه وقد احمرت عيناه من الغضب، فركض ناحية أرمان الذي لا يزال جاثياً على ركبتيه، ثم رفع العصا وهوى بها على كتفه.
«نجحت الخطة» قال في نفسه وهو ممسك بالعصا التي كادت تقصم عظم كتفه، فأمسك بها بكل ماتبقى لديه من قوة غير مبالٍ بقطع الشوك التي انغرزت في يديه وأدمتهما. حاول اللص سحبها مرة أخرى ولكن أرمان، لم يكن يبدي أي نية لإفلاتها، ليس بعد الألم الفظيع الذي تحمله.
حرر إحدى يديه بسرعة خاطفة ولكمه على خصيتيه مرتين متتاليتين حتى أفلت العصا فاغراً فاه وساعلاً من شدة الألم.
«ااااااه عليك اللعنة، عليك اللعنة». قالها بينما كان يترنح نحو الجدار، فصاح به أرمان:
«هل ستهرب الآن أيها الجبان؟ هل فقدت رجولتك بهذه السرعة». ولكن اللص لم يبال بكلامه هذه المرة، التفت إليه وهو فوق حافة الجدار وفتح عنق الكيس وأخرج منه ثلاثة دنانير ذهبية وألقاها ناحيته فتفرقت على الأرضية.
«تعال إلى هنا وقاتلني، لاتهرب، تعال». ثم رمى العصا وراءه بينما لا يزال جاثياً.
هوى اللص متعمداً، من على حافة الجدار إلى الأسفل! ، فذهل أرمان مما رأى، وهرع إلى الحافة مطلاً إلى الأسفل فإذا هو ينظر إلى أحد الشوارع الصغيرة الفارغة، وبحث عن اللص الذي يجب أن يكون قد دقت عنقه ومات من دون شك أو أقله إن كان محظوظاً قد تحطمت عظامه. وعوضاً عن ذلك لم يجد له أي أثر! ، وحتى يقطع الشك باليقين قدم رأسه بحذر إلى الأمام حتى يتمكن من رؤية الجدار من تحته دون أن يعثر على شيء كذلك.
جلس متكئاً على الجدار ماداً رجليه، وظل يندب حظه التعيس متحسراً على ما فقد من المال الذي كان سيغير له مجرى حياته، يالها من خسارة فاجعة!
وظل على هذه الحال ساعة، حتى نهض أخيراً وجمع الدنانير الثلاثة وقال مسلياً نفسه:
«أقله لدي هذه، لعلّ الله يبارك لي بها، فالسمك كله لا يساوي حتى خمسة قروش... تعالي هنا إلى جيبي في الحفظ والصون».
أخذ الخشبة معه تحسباً لأي طارئٍ آخر، ونظر إلى السماء التي اكفهرت وتلبدت بالغيوم، أجفل وقال:
«يجب أن أذهب إلى السوق قبل أن تمطر!». ومسح الدم الذي خرج من فمه وأنفه بطرف كمه ورتب نفسه وأعاد ربط عمامته التي انحلت، ثم مشى إلى جدار السطح من الجهة الأخرى وهو يعرج ويطلق اللعنات وأطل إلى الأسفل فوجد أنه من الممكن الهبوط إلى الأرض من هذه الجهة، وفعل، ثم مشى إلى السوق.
Page 7
وفي مكانٍ آخر من المدينة، بالقرب من السوق، في ساحة عامة تتوسطها نافورة المياه المتدفقة من فتحاتها العلوية الأربع تنساب بنعومة إلى حوضها السداسي الشكل وتتلألأ بفضل خيوط أشعة الشمس الدافئة التي تتسلل من وراء الغيوم الكثيفة، مصدرة خريراً يشنف السمع ويزيح الهم عن القلب، جلس الرجل الملتحي ذو الثياب السوداء على مقعد خشبي طويل وبين يديه كتاب صغير ذو غلاف جلدي أسود متأكل الأطراف يقرأ بهدوء، وإلى جانبه على الأرض لفة من القش بداخلها السمك الذي اشتراه ظهر هذا اليوم.
بعد أن قرأ عدة صفحات شاهد من وراء النافورة شاباً آتياً يمشي من جهة السوق، فابتسم وعاد يطالع كتابه حتى اقترب منه فغمغم: «أرجو أن يكون نجح».
«أرجو ألا أكون قد تأخرت» صاح الشاب المقبل.
«كيف سارت مهمتك» سأله وهو يبتسم بغرابة وأضاف: «أراهن على أنه نجح في الاختبار».
أخرج الشاب الكيس المليء بالنقود وألقاه إليه: «لقد نجح بالفعل، كما أنني أعطيته منها ثلاثة دنانير».
«يا لكرمك...» قال له وهو يضع الكيس داخل جيبه.
سأله بمزيج من الحماسة والقلق: «كيف كان؟».
«أؤكد لك بأنه يندر وجود أمثالٍ له، شجاع حقاً... ومكسبٌ ثمين، ويستحق الانضمام إلى جماعتنا، كما أنه يستحق أكثر من ثلاثة دنانير».
قال له بحماسة: «ألم أقل لك، فلدي حدس وفراسة لا يخطئان أبداً».
«أتعرف أين يسكن؟».
سكنت حماسته وانقلب صوته إلى الجدية: «أجل كنت أراقبه لأيام، ومنذ أن وقعت عيناي عليه ذكرتني ملامح وجهه بشخص ما... شخص عزيز علي، وعندما تحدثت إليه هذا اليوم أيقنت أنه كان... ابناً له».
«ماذا؟».
«محمد دارا... هل سمعت بهذا الاسم من قبل؟».
«أجل!!! كيف لا... ألم يقتل في حادثة المؤذن قبل عشرة أعوام مضت؟».
«بل منذ اثني عشر عاماً، لقد كان فدائياً مخلصاً، وصديقاً وفياً... رحمة الله عليه».
«إذاً... لا بد من أن نرسل إليه أحد الدعاة ليتولى أمر إقناعه بالانضمام إلى جماعتنا في أسرع وقت ممكن».
«لا داعي لذلك، سوف أقنعه بنفسي سأعود إلى هذه المدينة الأسبوع المقبل على كل حال، ولكن الآن يجب أن نذهب إلى القلعة، ستمطر في أي لحظة الآن».
Page 8

2

بعد مرور عام على تلك الحادثة...
في سوق مدينة قزوين صباحاً، جاء شاب ملتح، ظريف المنظر، نحيف وقصير القامة، في بداية الثلاثينيات من عمره، يمشي شاقاً طريقه بين الناس حتى توقف بجانب شاب آخر أصغر سناً ومتنكرٍ بالزي الخاص بالصوفية، تلفت بسرعة ثم همس له: «أتراه... الفتى الواقف إلى جانب دكان الطحان هناك... أتراه؟».
«أجل» همس له الصوفي دون أن يلتفت.
«لقد اشتريت من صاحب الدكان ذاك دقيقاً وكلفت الفتى بتوصيله إلى أحد البيوت البعيدة من هنا، وقلت له يعيش هناك فقراء محتاجون، وهذا الدقيق صدقة لهم، ولكنني لا أريد أن يعرفوني فيستحوا مني، فوافق على إيصاله إليهم نيابة عني مقابل مبلغ من المال، فأعطيته كيس النقود، عليك بتتبعه حتى يصل إلى هناك، وحين يختلي بنفسه وتجد الفرصة سانحة عليك بأداء المهمة على أكمل وجهٍ واحرص على أن لا تسبب فوضى وجلبة، أراك عندما تنتهي، بالتوفيق يا (أرمان)».
وانسحب مغادراً.
أما أرمان المتنكر بزي الصوفية فظل يراقب الهدف عن بعد وهو ينتظر صاحب الدكان ليجهز له الدقيق ولما يفتح كيس النقود بعد، ولو لم يفعل ستكون عويصة، لأنه لا يستطيع تنفيذ المهمة بالوجه المطلوب حتى يرى الهدف المال، ويتعلق فؤاده به كما تتعلق السمكة بخطاف الصنارة.
هذه هي المهمة الأولى له منذ أن انضم إلى الجماعة الإسماعيلية الباطنية أو جماعة (الفدائيين)... حيث سيقوم بإجراء اختبار لبعض الشبان، يعرف من خلاله مقدار شجاعتهم، وإصرارهم، وكذلك مهاراتهم القتالية.
ولابد من أن تكون لدى هؤلاء الشبان بعض المؤهلات الضرورية قبل أن يقع الاختيار عليهم، منها حداثة السن، وصحة الجسد، وسلامة العقل، واتسامهم ببعض سمات التدين. والبحث عن شبان أو فتيان لديهم هذه المؤهلات أو شيء منها، هو مهمة شخص آخر هو (الباحث) الذي يرافق (الفدائي) في الغالب في مثل هذه المهام، والباحث هو شخص ذو بصيرة حادة، وفراسة نافذة، يستطيع تمييز طبائع الناس وسماتهم من خلال نظرة واحدة إلى وجوههم.
وبعد لحظات من الانتظار قرفص الفتى وأخذ الكيس ثم حل رباطه، فتحه وحدق إلى داخله، وبالطبع جحظت عيناه، وفغر فاه، فكان ذلك المنظر طريفاً لأرمان الذي قال مغمغماً: «أجل، هكذا يا صاحبي، الآن أصبحت مؤهلاً للاختبار».
قام الفتى بتفقد الناس من حوله فتلفت بسرعة وارتباك ثم نثر النقود في حجره متبسماً بحبور وبريق واضح قد لاح في عينيه.
أعاد وضع النقود إلى مكانها داخل الكيس ثم دسه في جيبه ولم يكف عن التبسم، حتى ساعده صاحب الدكان على وضع الدقيق فوق ظهره، حينئذ كشر واحمر وجهه وبرز عرق غليظ من جبينه.
«أخيراً» قال أرمان. وهو يقترب منه أكثر، ثم اختبأ خلف ثلة من الناس لم يبالوا بوجوده بالقرب منهم، وبقي ثابتاً في مكانه حتى أصبحت هناك مسافة كافية بينه وبين الفتى تسمح له بتتبعه دون أن يلحظ ذلك.
مشى خلفه حتى خرج من السوق. دخل في زقاق ضيق مليء بأناس وأطفال يلعبون أمام أبواب البيوت المفتوحة. توقف الفتى قليلاً ليلتقط أنفاسه فاختبأ أرمان على الفور بخفة، ودمدم: «... لا يزال المكان بعيداً يجب أن تصمد... هيا».
نهض وأكمل مسيره وتتبعه في خمسة شوارع حتى وصل إلى السادس حيث يوجد المكان المطلوب. وهو بيت مهجور داخل شارع يكاد يكون مهجوراً أيضاًً، طرق الباب دون أن يتلقى أي إجابة.
وضع الدقيق فوق عتبة الباب ثم طرقه بعنف.
«أليس هذا هو البيت»؟ تلفت عن يمينه وشماله لعله يجد أحداً يسأله، ولكن الشارع كان فارغاً تماماً وصامتاً صمت القبور لولا زقزقة العصافير فوق الحيطان والأشجار.
«بلى هذا هو، لقد كان وصفه واضحاً، فلماذا لا يجيبني أحد» تململ وطرق الباب طرقاً أشد من السابق حتى احمرت راحة يده. «هممم، يبدو أنه لا أحد هنا فعلاً».
في هذه اللحظات جاء أرمان المتنكر بزي الصوفية يمشي الهوينا، مطأطئاً برأسه من آخر الشارع.
غمغم الفتى عندما رمقه: «سأسأله لعله يعرف شيئاً » وأثناء مروره بادره بالسلام، فلم يرد عليه سلامه شفهياً وإنما بإشارة من يده ثم أكمل مسيره بسكينة.
سأله الفتى «يا أخ، أتعرف أهل هذا البيت؟».
التفت إليه، واقترب منه حتى وقف إلى جانبه دون أن ينبس بكلمة، بل تقدم وطرق الباب بنفسه طرقاً خفيفاً مرةً ومرتين وثلاثاً، فلم يجبه أحد، ثم هز كتفيه.
سأله ثانيةً: «هل تعرفهم يا سيد لأن أحداً ما أوكل إليّ إيصال هذا الدقيق إلى هنا». فهز كتفيه ثانية وهو ينظر إلى الباب ففهم الفتى بأن هذا الصوفي ربما يكون، أبكم، أي لا يقدر على النطق.
«ماذا سأفعل بهذه الصدقة إذا... هل أتركها هنا... أظن ذلك» وعندما هم بالمغادرة تداركه أرمان وأمسكه من معصمه بلطف، ثم أشار إليه بسبابته بحزم ثم إلى الدقيق وأخيراً إلى السماء مما يعني أنك مسؤول أمام الله عن هذه الصدقة.
Page 9
«وماذا عليّ لأفعله؟».
أزاح الصوفي الدقيق عن العتبة ثم جلس وربت بجانبه رخام العتبة الباردة، مما يعني تعال وانتظر معي.
«أيجب عليّ ذلك؟». فأومأ بالإيجاب.
«أمري لله إذاً»، جلس الفتى إلى جانبه، وإذا بأرمان، يخرج مسبحة طويلة، ثم شرع يقلبها بين أصابعه بصمت.
بعد مرور لحظات أحس الفتى بالملل فحاول أن يسلي نفسه قليلاً، فكان أن أخرج كيس النقود.
وبينما كان لاهياً تماماً بما بين يديه، سمع صفيراً قربه فالتفت ولم يعد يرى إلا وميضاً مصاحباً لإحساس بألم شديد وحرارة في أنفه، وإذا به ينزلق ساقطاً أرضاً على جنبه من فوق العتبة، لقد كانت تلك لكمة قوية وخاطفة.
عندما فتح عينيه وجد أن كيس النقود قد اختفى من حوزته، ورأى الشاب الصوفي يسابق الريح:
«اللعنة، اللعنة، هيه أنت» صرخ به والدم يسيل من أنفه ويقطر على التراب، بينما كان جاثياً على الأرض، وخرج أرمان من الزقاق دون أن يسمع أحداً يجري وراءه.
تساءل: «هل لحق بي؟».
توقف ونظر خلفه فلم يجد أحداً، عاد بحذر وأطل من وراء جدار، فلم يجد الفتى ولا الدقيق.
«جبان».
قرفص واستند إلى جدار ومسح العرق بطرف كمه وتأفف. كان الجو شديد الحرارة مع قرب صلاة الظهر، نهض وتوجه إلى حديقة السوق حيث تواعد مع الباحث هناك ليكون لقاؤهما بعد إتمام المهمة (الاختبار).
في الحديقة العامة المسورة بسياج حديدي وجد صاحبه جالساً على مقعد خشبي ينتظره على أحر من الجمر، سلم عليه، فرد عليه السلام مبتسماً وسأله:
«هاه ما هي الأخبار، كيف كان الشاب الأخير؟».
«لا نفع يرجى منه».
«حقاً».
«لم يلحق حتى بي!».
«أووه ما حسبته كذلك... هل نرحل إذاً؟».
«لدي عمل أخير هنا».
«سأرافقك إذاً، مللت القعود».
غادرا الحديقة متوجهين إلى جامع المدينة الكبير حيث صليا هناك صلاة الظهر ثم بعدها قصد مقبرة بجانب الجامع، عالية الأسوار، كتبت على جدرانها آيات قرآنية، وأحاديث نبوية. قبل أن يدخل أرمان من بوابتها المتهالكة التفت إلى صاحبه وسأله:
«ستنتظرني هنا ها»؟ فأجابه على الفور:
«بل آتي معك، لأسلم على الأموات».
تنهد بامتعاض وكأنه سمع الإجابة التي لم يكن يرجوها فأشار إليه بسبابته:
«حسناً ولكن إن رأيتني أبكي فإياك أن تبكي معي، أو تعانقني، أو حتى تلقي عليّ موعظة».
Page 10
«... سأحاول».
دخلا المقبرة حيث القبور المصطفة والضرائح المزخرفة بالنقوش المحفورة. مشيا بينها بسكينة ووجل وهما يسلمان على الموتى في قبورهم الواحد تلو الآخر، بصوتٍ خافتٍ جداً، حتى وصلا إلى قبر نقش على شاهده: (إنا لله وإنا إليه راجعون، قبر فاطمة بنت ساجد، قبضت روحها عام 485 من الهجرة النبوية الشريفة، رحمة الله عليها وعلى موتى المسلمين).
تراجع صاحبه إلى الخلف بينما تقدم هو ناحية القبر حتى وقف أمامه تماماً. جثا منهاراً على ركبتيه فوق التراب ورفع يديه إلى السماء وبدأ يدعو بحرارة وخشوع. بعد وهلة وضع جبينه على القبر وبدأت كتفاه ترتعشان وهو يبكي وينشج بصمت.
عندئذ تقدم صاحبه ووضع يده على كتفه برفق وساعده على القيام: «لا بأس يا صاحبي، كلنا لله وكلنا إليه راجعون، البقاء لله وحده، رحمة الله عليها، إنها في نعيم الآن فلا تضايقها ببكائك، ألا تعلم أن الميت يتضايق من بكاء أحبائه ويعزّ عليه ذلك».
رفع جبينه عن القبر وحبّات التراب تسابق دموعه، ربت كتفه ثانية ثم قال: «لا بأس يا أرمان، لا بأس، هيا بنا».
نهض بتثاقل وأزاح التراب عن جبينه، ومع أنه لم ينطق بكلمة منذ أن خرجا من أسوار المقبرة إلا أن تعابير وجهه بدت كافية لوصف مرارة الحزن وألم الفراق الذي يسكن داخله.
طوقه صاحبه بذراعه من كتفيه وهما يمشيان على رصيف:
«ألم أقل لك لا تعانقني؟».
فرد عليه مبتسماً: «ولكنني لست أعانقك بل أساندك». ولم يتمالك أرمان نفسه فابتسم أيضاًً.
«لا بأس بالبكاء أحياناً، فالدموع تغسل الـ...».
«القلوب أجل... هذا يكفي».
ثم مشيا دون أن ينبس أحدهما بكلمة حتى خرجا من أسوار المدينة نحو إسطبل صغير جدرانه من القش، مخصص للزوار القادمين من خارج المدينة، فرموا للحارس قطعة نقدية وشكرهما بامتنان.
وقبل أن يمتطيا جواديهما قال الشاب الملتحي:
«مبارك لك يا أرمان، أتممت مهمتك الأولى بنجاح، صحيح أنك قمت باختبار عشرة شبان ونجح منهما اثنان فقط، إلا أن هذا يعتبر إنجازاً جديراً بالملاحظة، ولاسيما في المهمة الأولى، سيكون رفاقنا هناك مسرورين من أجلك والمعلمون سيسرون بك أيضاًً».
«أشكرك أنت كذلك يا أخي عباد فلولا توجيهاتك، لما وفقت في تنفيذ المهمة».
«بل لولا الله تعالى ثم توجيهات سيدنا، فالله عز وجل هو الذي يقرر ويختار، وليس نحن، نحن مجرد وسائل له، نحن عبيد مكلفون بتنفيذ أوامره، ليس إلا».
هز رأسه: «... صدقت».
«كما أنك في الأيام المقبلة، ستكون وحدك في مهمات أكثر أهمية وخطورة».
سكت قليلاً ثم أجابه: «أجل... صدقت».
وامتطيا الجوادين وانطلقا يتسابقان شرقاً ناحية جبال (البوروز).