eKtab
EN ع
جنة جابر
Read free sample

جنة جابر

by عبد العزيز الزعابي

Page 1
(1)
 
في تلك القرية البعيدة عن الضوضاء، جميلة الهواء، لم يجد التلوث لها سبيلا، قرية جميلة بجبالها، والنهر الذي يقطع منتصفها، فيجعل منها قريتين، قرية شرقية وقرية غربية، المنازل تكاد تكون متقاربة نوعا ما، وفي بعض الأماكن متباعدة، انتشرت حظائر الأغنام والأبقار في كل مكان، أحب السكان تربيتها، فتعايشت معهم، حتى أصبحت الأغنام والأبقار شعاراً لهم، فنقودهم رسمت عليها صورة أغنام، وعلمهم رسم عليه صورة رأس بقرة، والمحال التجارية في سوق القرية وضع أصحابها صور وتماثيل لأغنام وأبقار أمام محلاتهم، أو رسموها على الجدران الخارجية للمحل والداخلية أيضا، يكاد الزائر لهذه القرية أن يسميها قرية الأغنام·
 
ومع توسع القرية صار البعض يسميها مدينة، فلا داعي للاسم السابق الذي ينم عن صغر المساحة، أو عدم تطور أهلها، مدينة الصوف، فبعد أن كان سكان القرى المجاورة يشترون الصوف من هذه القرية في الماضي، سميت بقرية الصوف، وها هي الآن يتمسك أهلها باسمها رغما عنهم، وبدون قصد منهم، التاريخ أراد ذلك، فأصبحت مدينة الصوف، نسبة لتجارة أهلها في الماضي·
 
مدينة الصوف يعيش فيها الناس على جهل مما يحدث في خارجها، فلا داعي لمعرفة الأخبار في الخارج، المهم أنهم يعيشون، بأفراحهم، وأحزانهم يعيشون، على خيارهم وأشرارهم معتادون، بأبقارهم وأغنامهم يفتخرون، فلماذا التطرق إلى معرفة المدن البعيدة؟ فهي خارج نطاق التغطية الإعلامية، التي اخترقها التجار الذين يزورون مدينة الصوف، فهذه المدينة أصبحت ولوقت قريب فقط وجهة لبعض التجار، يبيعون ما لديهم، ويشترون ما عند تجار مدينة الصوف من أصواف راقية نظيفة، ومواش من أبقار وأغنام، ولا بأس ببعض أخبار أصقاع الأرض، تصل عن طريق التجار·
Page 2
(2)
 
في تلك البيوت البعيدة عن التقارب السكاني في مدينة الصوف، يوجد منزل صغير، يكاد يتسع لرجل وزوجته، وبالفعل يسكنه رجل اسمه صابر، وزوجته واسمها أم كلثوم، وتسكن معهم أيضا دجاجة، لم تلد أم كلثوم منذ أن تزوجها صابر، ولكن الدجاجة تبيض يوميا، فأسمتها أم كلثوم بالدجاجة الولود·
 
صابر رجل فقير جداً، لا يمتلك سوى هذا البيت الذي دفع فيه دم عمره حتى امتلكه أخيرا، ويمتلك عنزة واحدة فقط، والدجاجة التي هي عند زوجته، الدجاجة تبيض يوميا، والعنزة يحلبها صابر يومياً، فأسماها جابر بالعنزة المباركة·
 
صابر يوميا يصبر على طلبات زوجته التي تطلب منه المستحيل حتى يصبح كجاره المدعو جابر، ذاك الرجل الغني، ولكن عمل صابر يحتاج إلى صبر، فهو وزوجته ينتظران الدجاجة حتى تبيض، فيأكل البيضة هو وزوجته، وفي اليوم التالي، لا يأكلان البيضة، بل يحفظانها في الخزانة، ويأكلان بيضة اليوم التالي، ويحفظان التي بعدها، حتى إذا ما وصل عدد البيض إلى أربع بيضات مخزنة، يأخذها صابر ويذهب بها إلى السوق في وسط مدينة الصوف، ويبيع البيض ويأتي بالدنانير، إلى زوجته أم كلثوم، التي تقرر هي ما ستفعل بتلك الدنانير، فأحيانا تطلب من صابر شراء بعض الطعام الشهي ليأكلاه على دفعات، وأحيانا تطلب منه شراء بعض الملابس لها، وأحيانا يذهبان إلى سوق المدينة لشراء بعض الأغراض للمنزل·
 
لدى صابر عمل آخر أيضا، هو ذهابه إلى الغابة ليحتطب، ويحمل الأخشاب على ظهره، ويذهب إلى سوق المدينة، ليبيعه بأي سعر، ويرجع إلى منزله بالدنانير بعد يوم شاق في الغابة، ليجد أم كلثوم تنتظر الدنانير·
 
حكمته في الحياة القناعة كنز لا يفنى، أحب صابر هذه الحكمة، فلم يجهد نفسه في السعي إلى المراتب العليا من الدنيا، لماذا؟ أليس له منزل جميل، ولديه زوجة جميلة، ودجاجة وعنزة، ماذا يريد أكثر؟ لا يحب الجاه والسلطان، ولا المنصب، ويبتعد عن هموم الناس، لماذا السعي وراء رزق لن يهرب؟ إن كان الرزق لك، فلن يأخذه غيرك، وإن كان لغيرك، فلن يصل إليك، ولو سعيت له ليلاً ونهاراً، فالرزق مكتوب، رفعت الأقلام، وجفت الصحف·
 
زوجته أم كلثوم، زوجة مثالية لشخص مثله، صابرة عليه، تؤذيه بطلباتها، لكنها حكيمة بقراراتها، تزعجه أحيانا، وتريحه أحيانا أخرى، تعرف الأوقات التي يجب أن لا تزعج بها زوجها، فقد يكون مرهقا بعد يوم عمل شاق طويل، فلا داعي للهجوم عليه بطلباتها، وقد يكون يومه خفيفاً، فلا بأس بإرهاق دماغه ببعض الطلبات، حتى لا يصبح دماغه فارغاً، على الرجل أن يكون مشغول البال يومياً وفي كل وقت في خدمة زوجته، منذ زواجهما وحتى مماتهما، وبعد الموت لها أن تختار أن تلحقه في جنته أو ناره، هذا بعد أن تكون قد دفنت بالقرب منه أيضاً، فيصله بعض ما يصلها من عذاب أو ثواب·
Page 3
(3)
 
في المنزل المجاور لصابر، هناك منزل جابر، على بعد عشرين متراً، جابر رجل سمين، بخيل شحيح، فظيع، يحب السخرية، كثير الضحك، قليل الجد، كثير الاستهزاء، قليل الاحترام، أحب ذلك من بعد المال والغنى·
 
كان جابر رجلا فقيرا، فأنعم الله عليه بالمال وببيت كبير واسع، فقام بشراء الأراضي المجاورة لأرضه، ما عدا بيت صابر الذي أصبحت تحيطه أراضي جابر، وله مزرعة ضخمة، في وسطها واد صغير، كثيرا ما يملأ بماء الأمطار، فأصبحت المزرعة كجنة عظيمة كثيرة الفواكه والخضار، زرعت فيها أشجار النخيل والرمان والليمون، العنب والبطيخ والطماطم والبطاطس والخضار بأنواعها، و غيرها من الخضار والفاكهة مما يكاد جابر نفسه ينساها·
 
لجابر أيضا حظيرة كبيرة، ملاصقة للمزرعة، بنيت أسوارها من الأحجار والطابوق، حتى لا تصل إليها الذئاب والثعالب، ملئت بأربع مئة رأس من المواشي بأنواعها، وسبعين رأسا من الأبقار·
 
كان جابر يفتخر بمزرعته الكبيرة، ويسميها جنة جابر، وكتب على لوحة كبيرة كلمة جنة جابر ووضعها أمام المزرعة بالقرب من مدخل الحظيرة، وكأنه يقول إن مزرعته الضخمة والحظيرة الغنية بالمواشي والأبقار، جنة، جنة في الأرض من جمالهما، وغناهما بالماء الصافي، والمواشي الممتلئة، والأبقار الحلوب·
 
لدى جابر عشرة من الخدم، يعملون في جنة جابر، يزرعون ويحصدون، ويربون المواشي، ويحلبون الأبقار، ويبيعون اللحوم، والجلود، والحليب الطازج والفواكه اللذيذة، والخضار الطيبة في سوق مدينة الصوف كل نهار، ويأتون إلى سيدهم جابر بالأموال وأرباح البيع، فيا لها من جنة، تلك جنة جابر!
 
تعيش مع جابر زوجته، واسمها رقية، رقية امرأة ذكية، تدير أعمال جابر التجارية، فلولاها لما أصبح جابر غنيا، فهو بدونها تنبل، لا فائدة منه، يضحك ويأكل وينام، ولكن زوجته رقية هي العقل المدبر، وهي العضلات المتحركة، فبالعقل والعضلات تكونت الثروة·
 
رقية تتابع الخدم في جنة جابر، وتدير الأموال والأرباح الآتية من التجارة، تأمر بشراء الحاجيات والمستلزمات لجنة جابر، وأمور المنزل الكبير، اعتاد جابر الاعتماد عليها في كل شيء، فأصبحت مديرة أعماله، بل هي صاحبة الأعمال، ولكنها لا تحب الظهور، فآثرت اسم زوجها على اسمها عندما أسموا المزرعة والحظيرة بجنة جابر، ولم تسمها بجنة رقية، فالرجل في نظرها يبقى رجلاً، والمرأة تبقى امرأة، ولا داعي إلى تغيير السنن الكونية، فمن أرادت من النساء تغيير السنن الكونية والتعالي على الرجل فلتفعل، ولكن ليست رقية هي من تفعل ذلك، فهي تعرف مغبته، فآثرت الابتعاد عن الخطوط الحمر، لكي تستمر في السيطرة من خلف الكواليس، فهي تعرف إن خرجت من الكواليس قد تستأصل، فالمجتمع لكي يتغير، يجب أن تكون له تضحيات، ولا تريد رقية أن تصبح ضحية، فليضحِّ غيرها من النساء في مدينة الصوف، وليس هي·
Page 4
(4)
 
ذات صباح، خرج صابر من منزله، ووقف ينظر إلى السماء الصافية، إنه صباح جميل قال في نفسه، ثم نظر إلى الشمس التي بدأت في الإشراق، من أمامها بعض الغيوم التي غطتها، ينظر وكأنه يتحدى الشمس، التي بدأت هي الأخرى تتحدى الغيوم بقوة أشعتها·
 
اتجه إلى العنزة، وقال لها صباح الخير يا عنزتي المباركة
 
لم ترد العنزة على صابر، سوى بالتحديق إليه، وبالوقوف احتراما وإجلالا له، فهو الذي يعطيها الطعام، ويسقيها من الماء العذب، فحق لها أن تقف احترما وإجلالا له·
 
وضع صابر دلوه الصغير على الأرض، وبدأ بحلب العنزة التي بدأت تدر بعض الحليب بصعوبة، وهو مبتسم، وكأنها مبتسمة هي الأخرى، أليست مباركة كما قال!
 
وبعد دقائق، خرج الصوت العالي لزوجته أم كلثوم من البيت قائلة أين أنت يا صابر؟
 
إني أحلب عنزتي المباركة
 
سأطبخ البيضة التي باضتها الولود
 
سيكون الطعام شهيا إذن، حليب وبيض وخبز وجبن، الحمد لله
 
اعتاد صابر وأم كلثوم على الطعام الخفيف الطازج، الذي جعلهما في صحة جيدة، بعيداً عن السمنة، وبعيدا عن اللحوم الدسمة، ولكنهما لا يمانعان إن حصلا على بعض اللحم، أو الدسم·
 
في تلك الأثناء ظهر جابر من بعيد، وهو قادم من جنة جابر، حاملاً سلة صغيرة، فيها أطايب الفواكه الطازجة، فقال بصوت عال لصابر صباح الخير يا صابر
 
صباح الخير
 
أما زلت تحلب هذه العنزة العجوز
 
ليست عنزتي بعجوز يا سمين
 
منذ أن سكنت هنا وأنا أراك تحلبها، ألم ينته ضرعها إلى الآن، إني أخشى أنك تحلب منها شيئا آخر ويضحك·
 
فيرد صابر مبتسما كلا، إني متأكد إنه حليب، أتود أن تتذوق؟
 
طبعا
 
ما المقابل؟
 
المقابل! سأعطيك رمانة من سلة الفواكه هذه
 
وهو كذلك
 
سكب صابر حليبا في كأس من الذي حلبه للتو في الدلو، أعطاه لجابر ليشرب، كانت عين صابر على سلة الفواكه التي بيد جابر، وخاطره بأن يجرب طعم الرمان الذين كاد أن ينسى طعمه، فمنذ زمن لم يطعم الرمان·
 
بعد أن انتهى جابر من شرب الحليب، قال الحمد لله، ومد يده إلى سلة الفواكه وأخذ يقلب الفواكه يمينا ويسارا، حتى وجد شيئا، أخرج رمانة قد أصابها تلف، فرماها على صابر، أمسكها صابر بكلتا يديه، فوجد نصفها تالفاً، فقال إنها تالفة يا جابر
 
فضحك جابر، وقال أليست رمانة؟
 
لكنها تالفة
 
كان اتفاقنا أن أعطيك رمانة، ولم نحدد إن كانت الرمانة تالفة أو ليست بتالفة
 
وضحك مرة أخرى وانصرف إلى منزله، وصابر ينظر إليه، وكذلك العنزة مستغربة من جابر وأفعاله السخيفة·
Page 5
(5)
 
يتناول جابر فنجان شاي المساء الذي أمامه، شاي المساء بالنسبة له مهم جدا، فهو يعطيه النشاط والقوة بعد وجبة الغداء الدسمة اليوم، فقد أكل هو وزوجته خروفا مشويا، وأتبعه بسلة الفواكه التي التهمها كلها ما عدا الفواكه التالفة، وأعطى ما تبقى من الخروف لخدمه، فكر للحظة بأن يخصم جزء من راتب كل خادم يأكل من الخروف الذي أعطاه لهم ليأكلوه، كأجر للوجبة التي يأكلونها، ولكن زوجته رقية نبهته بأن ذلك يعد خطأ، وقد يؤدي إلى الاستخفاف به في الخفاء، فغير رأيه، ولكنه آثر بأن يأكل الخروف المشوي كله في المرة القادمة، ولن يعطي خدمه شيئا منه·
 
يرتشف شربة أخرى من فنجان الشاي، ثم يفكر بخدمه، هل هم يا ترى يعطونه أرباح منتجات جنة جابر كاملة؟ هل تصله أرباح بيع الخضروات والفواكه كاملة بدون نقصان؟ هل الخدم يأخذون جزءا من الأرباح المتحصلة من بيع الحليب واللحوم؟
 
لا يدري جابر كيف يتأكد من إخلاص خدمه له، فكر للحظة بأن يذهب معهم إلى السوق ليستلم المبالغ بنفسه، فيكون هو المحاسب، ثم يقارن بين ما يحصل عليه في اليوم الذي يذهب معهم فيه إلى سوق مدينة الصوف، وبين اليوم الذي لا يذهب به معهم، ولكن هذا يحتاج إلى مجهود، حيث إنه سيلبس ملابسه النظيفة، وسيقوم من مكانه، ويذهب مع خدمه إلى وسط مدينة السوق، يا له من مجهود جبار! إن ذلك متعب جدا في نظره، الكسل يتملكه بمجرد التفكير بأنه سيتابع أمواله بنفسه، كرشه الكبير يكاد يمنعه من بذل أي مجهود، كلا، لن أذهب إلى السوق مع خدمي، ذلك متعب جدا قالها في نفسه·
 
ولكن كيف لي أن أضمن عدم سرقة خدمي لي يتساءل جابر، ها هي زوجته رقية، تأتي بالقرب من الكرسي المجاور لجابر، تضع يدها اليسرى على الكرسي، ويدها اليمنى ممسكة بتفاحة مقضومة، فيبادرها جابر بسؤاله ما رأيكِ في أن أبدل جميع الخدم العشرة الذين لدي؟
 
ماذا؟ ولماذا تفكر بذلك؟، رقية مستغربة من سؤاله المفاجئ
 
أحس أنهم يسرقونني، لا، بل يسرقونني، إنني متأكد من ذلك
 
إن إحساسك هذا قد يجلب لنا المتاعب، ما الذي يجعلك تتأكد من ذلك؟
 
إني أرى البضائع في السوق أصبحت غالية، والمعيشة أصبحت مرتفعة، وما زالت أرباحي منذ خمس سنوات لا تزيد أبداً
 
ولكن إن غيرت خدمك، أين ستجد خدماً جددا يعرفون العمل في جنة جابر؟ سيكون البحث مضنيا
 
فكر جابر للحظة، بالفعل سيتعب في البحث عن خدم جدد، لا يريد هو أن يتعب نفسه كثيرا، فما أحلى أن تبحث له زوجته عما يريد، ولكن رقية قاطعت تفكيره وسكوته بقولها لا تفكر بأنني سأبحث لك عن خدم، الخدم الموجودون حاليا أفضل بكثير من غيرهم، لقد علمناهم أساليب الزراعة والحصاد، والري وتربية المواشي والأبقار، وأساليب التجارة···
Page 6
يكفي يكفي، لن أغيرهم، ولكن ماذا أفعل لأتأكد من ولائهم؟
 
اذهب معهم إلى سوق المدينة
 
كلا، لا أريد الذهاب معهم إلى هناك، العمل متعب جدا
 
وأنت ترى أن استبدالهم أسهل لك من الذهاب إلى السوق، يا لك من كسول!
 
أحس جابر بأن هذا الحوار بهذه الطريقة يجعله خاسرا أمام زوجته التي هي من تدير أمواله أصلا، ففضل تبديل الموضوع، تذكر بأنه وجد إحدى المواشي قد ماتت، ولا يدري ما الذي قتلها·
 
فقال لرقية لقد وجدت إحدى المواشي قد ماتت، وإني لأعتقد بأن الذئاب قد اعتلت سور الحظيرة، وأنا أحس بخوف يكاد يقتلني، لو أن الذئاب دخلت إلى الحظيرة لعاثت فيها فساداً ولأصبح···
 
فقاطعته رقية قائلة لعلها ماتت مريضة، ولم يدخل ذئب إلى الحظيرة، وكيف لذئب أن يدخل حظيرة لها سور كسور جنة جابر، لا يمكن
 
إني أفكر بأن أعلي السور أكثر
 
لا داعي لذلك يا جابر
 
إني أخاف أن تموت كل المواشي بعد أن ماتت واحدة، علينا أن نحترز
 
نحترز من ماذا؟ أنت لست متأكدا من أن ذئبا قد دخل الحظيرة، أترك عنك المخاوف
 
ماذا لو كان ما أخشاه صوابا؟
 
جابر، إن ما تخاف منه، سيحدث لك إن أنت أطلت بالتفكير فيه، فلا تتشاءم
 
يسكت جابر قليلا، يفكر فيما قالته رقية، إن ما أخشاه سيحدث لي إن أطلت التفكير فيه، ولكن لا بد من الاحتراز، فإن حدث ما يخشاه، فلا يلوم إلا نفسه، وزوجته، فكر قليلا، إنه محتاج لتلك المواشي والأبقار، ولا بد من حمايتها، صحيح أن السور عال، وصحيح أن الذئاب لا تستطيع الصعود عليه، ولكن لا بد من حماية للأموال أكثر، فلا يدري أي شخص ما يخبئ القدر·
 
وظل جابر يتشاءم بعد أن انصرفت عنه زوجته، ويفكر ويطيل التفكير، هل يأمر خدمه بأن يقوموا بتعلية سور الحظيرة أكثر؟ يستطيع أن يأمرهم، وسينفذوا، وستكون سور الحظيرة كالقلعة من علوها، لن يستطيع ذئب أو لص أن يقتحم الحظيرة، كما يمكن لجابر أن يسمي سور الحظيرة الذي سيعليه، باسم سور جابر
 
قد يكون حبه لتسمية أملاكه باسمه، ينم عن حبه للشهرة، وهو بالفعل كذلك، يحب الشهرة، ويحب أن يستدل الناس بالأماكن عن طريق ذكر اسم أحد أملاكه، فيحب أن يقال إن المكان الفلاني بالقرب من جنة جابر، أو أن تلك المواشي من جنة جابر، فيحس بنوع من العظمة، والهيبة التي كان ينشدها عندما كان فقيرا·
 
نادى زوجته رقية، أين أنت؟
 
نعم ترد عليه بصوت عال، وهي في المطبخ
 
قررت أن أعلي سور الحظيرة، وأن أسميه سور جابر!
Page 7
(6)
 
في جو ساحر قبيل الغروب، يقل من يستفيد من نقاء ونشوة هذا الوقت، تجلس أم كلثوم خلف نافذة بيتها الصغير، وقد فتحتها على آخرها، وسمحت للهواء بأن يدخل ويخرج بدون استئذان، وخصل شعرها الناعم تداعب وجنتيها الحمراوين، جلست تراقب الغروب، وقد صارت أشعة الشمس تضعف شيئا فشيئا، وهي تحاول الاختباء خلف الجبال البعيدة هناك، مدينة الصوف مليئة بالبشر، قد لا يرون هذه المناظر الخلابة، وقد انشغلوا عنها في السوق، وفي منازلهم التي لا تفتح نوافذها إلا صباحا، ولكن في هذا المنزل المتباعد عن ازدحام المدينة، تتمتع أم كلثوم برؤية هذه المشاهد التي يفوتها الكثير من البشر، حتى يكاد المرء يعيش ويموت ويُبعث، ولم ير منظر الغروب في حياته·
 
وضعت في حجرها كتابا صغيرا، اعتادت أم كلثوم على قراءة الكتب، فهي تستفيد من المعلومات التي فيها، وفي الوقت نفسه تقضي وقتها بالقراءة، فهي لا تشعر بمرور الوقت والزمن عندما تفتح كتابا، ترفع نظرها تارة إلى الشمس، وتارة تنزل بنظرها إلى الكتاب لتقرأ منه فقرة، ثم ترفعه، حتى غابت الشمس، وبدأ الظلام، لم تقم أم كلثوم من كرسيها لتشعل السراج، وإنما ظلت سارحة في جنة نفسها، تعيش لحظات الهدوء الداخلي، لعل الشخص يحس بتلك اللحظات عندما يكون في مكان بعيد هادئ، ولكن ما إن تحركت قليلا لتقوم من مكانها، وتتجه إلى السراج، إلا وقد وصل صابر إلى البيت·
 
يدخل صابر وهو يحمل فأسه، وكيس صغير في يده فيه بعض النقود التي جناها من بيع الحطب، يحس صابر بسعادة بالغة عندما يصل إلى بيته، بعد عناء يوم شاق، فيرى زوجته الجميلة في انتظاره، فتبادره أم كلثوم بقولها مساء الخير يا زوجي العزيز
 
وبابتسامة صابر الواسعة، وعلى جنبات فمه بعض الاتساخ، قد يكون من حمل الأخشاب مساء الورود والزهور يا أحلى عصفور
 
يتغزل صابر أحيانا بزوجته عندما يجني مالا وافرا من عمله المتعب، وأحيانا لا تسمع أم كلثوم منه سوى كلمة أنا متعب
 
يضع صابر فأسه بالقرب من الباب من الداخل بعد أن ينظفها مما علق بها من الأخشاب والتراب، ثم يضع كيسه على الطاولة المجاورة، ويخرج مرة أخرى، ليصل إلى العنزة المباركة، فيفك حبلها، ويجرها إلى داخل البيت، ويربطها في الداخل، خلف الباب مباشرة، اعتاد صابر على هذه العادة مساءا، وذلك حتى لا يصبح في الصباح ويجد عنزته قد أكلها الذئب، أما الدجاجة الولود، فهي لا تخرج من البيت أبداً·
 
اعتادت العنزة أن لا تصدر أي صوت مادامت في البيت، فلا تزعج صابر ولا زوجته أبدا، وفي الصباح يقوم صابر أو أم كلثوم بإخراجها وربطها مرة أخرى أمام البيت، ثم يذهب أحدهما لحلبها·
Page 8
يمد صابر يده إلى قدح الماء الصافي ليشرب الماء، ويشكر الله على هذه النعمة، ويقول إني أريد أن آكل بيضة الآن يا أم كلثوم
 
فترد عليه بابتسامة لقد أكلتها معك صباحا
 
ولكن يوجد لديك البيض المخصص للبيع
 
كلا، لن أتركك تأكل منه شيئا، إنه مخصص للبيع
 
وكأنه يترجى زوجته فيقول واحدة فقط
 
فترد عليه بابتسامه ولا نصف واحدة
 
فيستسلم صابر للأمر الواقع ويقول لعل الدجاجة تكون اثنتين في المستقبل
 
فترد عليه أم كلثوم بجدية أكثر لِمَ لا نشتري مجموعة من الدجاجات ونربيها؟ فنحصل على الكثير من البيض، ليس جارنا جابر السمين البخيل بأفضل منك
 
وتسكت قليلا، ثم تقول وفي كلامها بعض الغيظ إني أتمنى أن أرى ذلك البخيل في يوم من الأيام يحتاج إلى الماء لري مزرعته، ولا يجد الماء، فتموت عنده أشجار الرمان، فلا يأكل الرمان باقي حياته، ذلك الوغد
 
فيرد عليها صابر بكل هدوء وابتسامه يا أم كلثوم، أنا لم أتضايق عندما أعطاني جابر رمانة تالفة، فقد كنت أتوقع منه أكثر من ذلك، ولكنني كنت أريد أن يجرب حليب العنزة
 
صدقني، إن جابر بدون زوجته، لا يسوى شيئا، إنه سمين كالبالون، سيخسر كل شيء إن لم تكن معه زوجته ترعاه، وترعى أمواله
 
لماذا تتصيدين أخطاء جابر؟ صحيح أنه لا يريد أن يتعلم شيئا من زوجته، ولكنه سعيدٌ كما هو، فلا داعي أن نتدخل في حياة غيرنا يا أم كلثوم
 
ولماذا تدافع أنت عن بخيل مثله؟
 
لا تحاولي البحث عن أخطاء الناجحين
 
فترد عليه بصيغة الاستهزاء والسخرية ماذا؟ جابر ناجح، أي نجاح هذا، النجاح المرتبط بامرأة، إذن المرأة هي الناجحة، وليس هو
 
فيرد عليها بصيغة الحكمة هدئي من روعك يا أم كلثوم، فعلينا أن نصلح أخطاءنا، أفضل من أن نبحث عن أخطاء الآخرين، أتعرفين ما هو أكبر عذر للفاشلين؟
 
ما هو؟
Page 9
هو انتقاد أخطاء الناجحين
 
ممم
 
نعم، ليس من الحكمة أن نبحث عن أخطاء أي شخص ناجح، وإنما البحث عن طريقة وصوله إلى النجاح، وتقليد طريقته، وترك عيوبه وأخطائه
 
لكنني مصرة بأن جابر ليس بناجح، إنه بدون زوجته لا يستطيع ربح دينار واحد
 
فيقول صابر بكل ثقة لكنه الآن يعيش النجاح والسعادة
 
تسكت أم كلثوم برهة، وتقول في نفسها آه، لو كنا نعيش النجاح والسعادة نحن أيضا
 
فيقطع تفكيرها صابر بقوله لكننا سعداء ناجحون
 
كيف؟
 
فيقول بثقته وابتسامته المعهودة أليس معنا مصنع للبيض؟ ويشير إلى الدجاجة، أليس معنا مصنع للحليب؟ ويشير إلى العنزة، أليس معنا بيت جميل؟ ويفتح ذراعيه مشيراً إلى البيت، ثم يشير إليها مبتسما، ويقول ولدي زوجة جميلة رائعة تحبني، وأحبها
 
أنت متفائل جدا
 
نعم، إني متفائل، إني أعيش السعادة بما لدي من نِعَم
 
ولكن···
 
فيقاطعها صابر ولكن نسعى إلى الأفضل، وسيكون لدينا أكثر من دجاجة، وأكثر من عنزة بإذن الله ويضحك·
 
ثم يحضنها بذراعه اليسرى، وهي ساكتة، تفكر بتفاؤله، لعلها لم تقتنع بما قاله، وتسأل نفسها أهي سعيدة؟
 
فتجيب نفسها ولكني لست حزينة، إذن هي سعيدة إن لم تكن حزينة·
 
إن صابر سعيد بما لديه من أشياء ولو كانت بسيطة، يفرح بالقليل، ويكاد يطير من الفرح بالكثير، ولكن الكثير هذا لم يأت ليطير من الفرح بقدومه، فآثر أن يفرح بالقليل، ويتفاءل بقدوم الكثير·
 
بدأت أم كلثوم تقنع نفسها شيئا فشيئا بأن التفاؤل شيء جميل، قد يكون التفاؤل سببا لجلب الحظ، ذلك الحظ الذي تسمع عنه أم كلثوم ولا تراه، وقد لا تراه في حياتها، تحاول أن تصبح كزوجها المتفائل، ولكن ترى إن ذلك ضرب من الجنون، أو أقل بقليل، تتذكر ما قاله عن جارهما جابر، ذلك الرجل البخيل، وكأن صابر يدافع عنه، لِمَ يا ترى يدافع عن شخص مثله؟ ويصفه بالناجح؟ لا تدري ما يفكر به زوجها، ولكنها غير مقتنعة تماما بأن جابر السمين ناجح·
Page 10
(7)
 
في ضحى يوم جميل، كان صابر عائدا من الغابة، يحمل على ظهره كمية من الأخشاب التي جمعها من الغابة، وكسر أغلبها لكي تصبح قابلة للاستخدام، ونظفها جيدا لكي يتم اختيارها من المشترين أسرع من بائعي الأخشاب الآخرين·
 
تكاد الأخشاب ترسم على ظهر صابر علامات لا يمحوها الدهر، صار يحرك الأخشاب يمنة ويسرة وهو يمشي حتى لا تؤذيه، لكن الخرقة البالية التي وضعها على ظهره تحت الأخشاب لتخفف من وطأة ضغطها، قد تقطعت، حتى بدأت تتلاشى شيئا فشيئا عن ظهره، وتكاد الأخشاب تصل إلى لحمه، ولكنه وصل في تلك اللحظة بالقرب من جنة جابر القريبة من بيته، فلا داعي للكثير من التفكير، والكثير من إنزال الأخشاب ومعاودة رفعها·
 
أراد صابر الرجوع إلى البيت، ليأخذ خرقة أخرى غليظة يضعها على ظهره، لتحميه من احتكاك الأخشاب الشديد، وفي الوقت نفسه سيأخذ مجموعة الأربع بيضات التي خزنت، لكي يبيعها في سوق المدينة·
 
وأثناء مروره على جنة جابر، رآه جابر الذي كان يشرف على الخدم الذين يقطفون الثمار في جنة جابر، فناداه جابر قائلاً يا صابر
 
صباح الخير يا جابر
 
تفضل معنا
 
شكرا، لدي بعض الأعمال التي سأنجزها
 
فيضحك جابر ويقول تعال، لن أعطيك رمانا تالفا
 
ثم يضحك بصوت عال ويضحك جميع الخدم الموجودين، ولكن صابر لا يأبه بهم، اعتاد على سخريته، ولكن جابر أصر عليه بأن يدخل جنة جابر، لعله يريد أن يتسلى فقط ليس أكثر·
 
قام صابر بإنزال الأخشاب عن عاتقه، ووضعها على الأرض، بالقرب من جنة جابر، ثم مشى على مهله متجها إلى داخل المزرعة، وضع يديه خلف ظهره، لعله أراد أن يريح عضلاته قليلا، وصل بالقرب من جابر·
 
كان بعض الخدم قد صعدوا إلى أعلى الأشجار، يقطفون الثمار ويرمونها في السلة في الأسفل التي يوجد عندها أحد الخدم أيضا، والبعض يروون الأشجار والمزروعات بالماء، والبعض الآخر يحمل السلال الجاهزة إلى العربة الواقفة بالقرب من جابر، وكان جابر يشرف عليهم فقط، بالصراخ على هذا، وبالصراخ على ذاك، بسبب وبغير سبب، المهم أن يُشعر خدمه أنه مديرهم هنا، وعليهم طاعته، بالرغم من أنهم تعودوا عليه، ولكنهم يتمنون أن ينصرف قليلا عنهم ليكملوا عملهم بهدوء أكثر·