Page 1
مُقَدِّمـــــــة
يتناوَل هذا الكتاب أفكاراً كانت قد قُدِّمَت في بعض كتبي الأولى، ومحاولات لتعميقها وتطويرها. ففي "الهروب من الحريّة" ناقَشتُ مُشكلة الحرية بالإضافة إلى السادية والمازوخية والتدميرية. وقد قادَتني التجربة السريرية والتأمّل النَظري خلال ذلك إلى ما أعتقد أنّهُ فهم أعمق للحُرية ولأشكال مُختَلِفة من العدوانية والتدميرية. وقد أصبحتُ قادراً على التمييز بين أشكال العدوانية المُختلفة التي تصبُّ في مصلحة الحياة ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ وذاك الشكل الخبيث من التدميرية: "النكروفيليا" الذي هو حُبٌّ حقيقي للموت، مُقابل "البيوفيليا" التي هي حُبّ ُ الحياة. وفي كتابي "الإنسان من أجل ذاته" ناقَشتُ مشكلة المبادئ الأخلاقيّة المرتكزة على معرفتنا بطبيعة الإنسان، وليس على وَحي، أو أعراف وقوانين من صنع الإنسان. وفي هذا الكتاب أستمرّ بمتابعتي للمشكلة وأناقش طبيعة الشَر، والاختيار بينه وبين الخير. وأخيراً، يكمل هذا الكتاب بشكلٍ ما كتابي " فَن الحُب". إلا أنّه في حين كان الموضوع الرئيسي هناك هو قدرة الإنسان على الحُب، فإنّ الموضوع الرئيسي هنا هو قدرته على التدمير، ونرجسيّته وتثبيته السِّفاحي. ومع أن مناقشة "اللاحُب" تملأ معظم الصفحات، فقد تمَّ أيضاً تناوُل مسألة الحُب من منظورٍ جديدٍ وأوسع هو: حب الحياة. حيث أُحاول أن أبين أن حب الحياة والاستقلال وتَخَطي النرجسيّة كل ذلك يشكل "متلازمة نمو" في مقابل "متلازمة الانحلال" التي يُشكّلها حب الموت، والتعايُش السِّفاحي، والنرجسيّة الخبيثة.وقد وَصَل الأمر بي إلى الاتجاه لدراسة متلازمة الانحلال هذه، ليس على أساس الخِبرة السريرية فقط، بل كذلك من خلال دراستي للتطوّر السياسي والاجتماعي الحاصِل في السنوات الماضية. وشيئاً فشيئاً غدا السؤال حول سبب ضعف المحاولات الساعية لتجنب الحرب النووية مقارَنةً بجاذبية خطرها واحتمال وقوعها،أكثر إلحاحاً ـ وذلك على الرغم من الإرادة الطيّبة ومعرفة الحقائق المُرعِبة المتعلّقة بنتائجها ـ مع الأخذ بالاعتبار استمرار سباق التسلّح النووي والحرب الباردة. وقد قادني هذا الاعتبار إلى دراسة ظاهرة اللامبالاة بالحياة وذلك في حياةٍ صناعية تتزايد ميكانيكيّتها يوماً إثر يوم، ويتحوّل الإنسان فيها إلى شيء، ويمتلئ نتيجةً لذلك بالقلق واللامبالاة بالحياة ـ هذا إن لم يكُن بكرهها أيضاً ـ وإضافةً لذلك فإنَّ مزاج العنف السائد في هذه الأيام ـ والذي يتبدّى في جنوح الأحداث، فضلاً عن اغتيال الرئيس جون كِنيدي ـ يتطلّب الشرح والفهم، وذلك كخطوةٍ أولى باتّجاه التغيير. والسؤال حول ما إذا كُنا نُقاد باتجاه بربريةٍ جديدة ـ حتى وإن لم تقع حرب نووية ـ أو أنَّ نهضةً جديدة لتُراثنا الإنساني ما تزال ممكنة، يغدو مُلِحّاً.
بالإضافة إلى المشكلات التي سبق ذكرها، يهدف هذا الكتاب لتوضيح علاقة مفاهيمي التحليلية النفسية بنظريات "فرويد". إذ أنني غير راضٍ أبداً عن تصنيفي ضمن "مدرسةٍ" جديدة ما من التحليل النفسي سواءً سُمّيت "المدرسة الثقافية" أم "الفرويديةً الجديدة".
وأنا أعتقد أنّ العديد من هذه المدارس الجديدة قد ضيّعت ـ أثناء تطويرها لتبصُّرات ٍ قيّمة حقاً ـ معظم اكتشافات فرويد الهامة. وأنا بالتأكيد لست "فرويدياً مستقيماً". ففي الواقع، إنَّ أية نظرية لا تتغيّر خلال ستين سنة لن تكون ـ بحكم هذا الواقع ذاته ـ هي نظرية المعلّم الأصلية نفسها، بل ستكون مجرّد تكرار متحجّر، وبحكم كونها تكراراً ستكون في الواقع مجرّد تشويه. لقد تم تصوّر اكتشافات فرويد الأساسية ضمن إطار ٍ فلسفيٍّ مرجعي مُعَيّن، ألا وهو تيار المادية الميكانيكية الذي كان سائداً بين معظم العلماء الطبيعيين في بداية هذا القرن (القرن العشرين. المترجِم). وأنا أعتقد أنّ مزيداً من تطوير فكر فرويد سيتطلّب إطاراً فلسفياً مرجعيّاً آخر، هو إطار "الإنسانيّة الجدلية (الديالكتيكية)". وأنا أحاول في هذا الكتاب أن أُبيّن أنّ مقدمات فرويد الفلسفية قد أعاقت وقيّدت اكتشافاته الكُبرى ـ مثل: عقدة أوديب، النرجسيّة وغريزة الموت ـ وأنه بتحرير تلك الاكتشافات من مقدماته الفلسفية، وترجمتها ضمن إطارٍ مرجعيّ جديد، ستستعيد اكتشافاته طاقتها وإمكاناتها وتصبح أكثر ثراء1. كما أنني كما أنني أعتقد أنّ ذلك الإطار هو إطار الإنسانية التي ستتمكّن بمزجها المتناقض بين نقد لا يكل، وواقعية لا تساوِم، وإيمان عقلاني، من التطوير المثمر لعملٍ أرسى فرويد أسسه وأركانه.
ملاحظة أخيرة: في حين أن كل الأفكار التي عبرت عنها في هذا الكتاب هي نتيجة عملي السريري كمحلّل نفسيّ (وإلى حدٍّ ما كطالبٍ لسيرورات اجتماعية)، إلا أنني قد حذفت معظم التوثيق السريري.
وهو توثيق أنوي تقديمه في عملٍ أكبر يتناوَل نظرية وعلاج التحليل النفسي الإنساني.
وأخيراً، أود التعبير عن امتناني اللامحدود لبول إدواردس بسبب اقتراحاته الهامّة جداً فيما يتعلّق بفصل: الحرية، الحتمية والاختيارية.
إريش فروم
Page 2
I. الإنسان... ذئب ٌ أم خروف؟
هناك العديد ممن يعتقدون أنّ البَشَر خراف، في حين يعتقد آخرون أنهم ذئاب. ويستطيع كلا الجانبين حَشد العديد من الحجج الجيّدة لإثبات آرائهم. إذ لا يحتاج أولئك الذين يقولون أن البشر خراف سوى للإشارة إلى أنّه يُمكن بسهولة التأثير على البشر ليقوموا بتنفيذ ما يُطلب منهم فعله، حتى لو كان ذلك مؤذياً لهم؛ وأنهم يتبعون قادتهم إلى الحروب التي لا تجلب لهم سوى الدمار؛ وأنهم مستعدون لتصديق أي نوع من الكلام السخيف إذا قُدِّم لهم بطاقةٍ كافية وكان مدعوماً بسلطةٍ ما (من التهديد الفَج الذي مارسه القساوسة والملوك إلى الأصوات الرقيقة للواعظين السريين والعلنيين). ويبدو أنّ معظم الناس يسهل التأثير عليهم، وكأنهم أطفال نصف مستيقظين، يرحّبون بتسليم قيادهم لأي شخص يتكلّم بصوتٍ عذبٍ أو مُهدِّد بما يكفي للسيطرة عليهم. وفي الواقع إنّ من يمتلك الإيمان الكافي لمقاومة تيار الجمهور هو الاستثناء وليس القاعدة، وهو استثناء غالباً ما يكون موضع الإعجاب بعد عدّة قرون، في حين يضحك معاصروه عليه.وعلى هذا الافتراض ـ أنّ البشَر خراف ـ بنى المستبدون والمحققون العِظام أنظمتهم. كما أنّ هذا الاعتقاد بأن البشر خراف وبأنهم بحاجة لقادة يتخذون القرار عنهم، أعطى القادة غالباً الإيمان الراسخ بأنهم يؤدون واجباً أخلاقياً ـ حتى وإن كان مأساويّاً ـ إذا ما أعطوا البشر ما يريدونه: أي إذا كانوا قادةً يحملون عبء المسؤولية والحرية.
ولكن إذا كان معظم البشر خرافاً، فلماذا تختلف حياة البشر عن حياة الخراف إلى هذا الحد؟ لماذا تاريخهم مكتوب بالدّم؟ وهو تاريخ عنف متواصل استُخدِمت فيه القوّة دوماً لتحطيم إرادتهم. هل "طلعت باشا" وحده مَن أبادَ ملايين الأرمنيين؟ هل "هتلر" وحده من أباد ملايين اليهود؟ هل ستالين وحده من أباد ملايين الأعداء السياسيين؟ لم يكُن أولئك الرجال وحدهم، بل كان لديهم الآلاف ممن قاموا بالقتل والتعذيب لصالحهم، والذين لم يُرحِّبوا فقط بفعل ذلك، بل واستمتعوا به. ألا نرى عدم إنسانية الإنسان اتجاه إخوته في كل مكان: في الحرب الوحشية، في القتل والاغتصاب، في الاستغلال الوحشي للضعيف من قِبَل القوي، وفي حقيقة أن أنّات المُعذّبين وآهاتهم لم تعد تلقى إلا آذاناً صمّاء وقلوباً قاسية؟ لقد قادت كل هذه الحقائق مفكرين مثل "هوبز" إلى استنتاج أن "الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان". وقادت الكثيرين منا اليوم إلى افتراض أن الإنسان شرير ٌ ومُدَمّر بطبيعته، وأنه قاتل لا يمكن حرمانه من متعته المفضَّلة إلا بتخويفه من قتلٍة آخرين أشد بأساً منه.
ومع ذلك، يتركنا كلا الطَرَفين حائرين. فنحنُ قد نعرف حقّاً وبشكل شخصي بعض القتلة والساديين الواضحين أو المحتملين عديمي الشفقة مثل ستالين أو هتلر، إلا أنّ هؤلاء مجرّد استثناءات وليسوا بقاعدة. فهل يجب أن نفترض ـ لمجرد ما سبق ـ أن الناس العاديين مثلي أنا وأنت ذئاب في ثياب خراف، وأنّ "طبيعتنا الحَقّة" ستظهر بوضوح حالما نتخلَّص من تلك الضوابط التي منعتنا حتى الآن من التصرُّف مثل الوحوش؟ يصعب علينا دحض هذا الافتراض، مع أنّه غير مقنعٍ تماماً. فهناك عدد هائل من الفُرَص لظهور السادية والوحشية في حياتنا اليومية، والتي يمكن للناس التورُّط فيها بدون الخوف من العقاب، ومع ذلك هناك العديد ممّن لا يفعلون ذلك. وفي الواقع، سيشعر كثيرون بالاشمئزاز عند مواجهتهم للوحشية والسادية في موقفٍ ما.
هل هناك، بالتالي، أي تفسير آخَر وأفضل للتناقض المُحَيِّر الذي نتعامل معه هنا؟ هل يجب أن نفترض أنّ الجواب الأبسط هو وجود أقليّة من الذئاب التي تعيش جنباً إلى جنب مع أكثريّةٍ من الخِراف؟ الذئاب تريد القتل، والخِراف تريد أن تتبع أحداً ما. ومن ثُمَّ تريد الذئاب قتل الخراف، والخِراف تستجيب لذلك، ليس لأنها تستمتع به، بل لأنها تريد الاتّباع. وحتى حينها سيتوَجّب على القتلة ابتكار القصص حول نُبلِ أسبابهم، وحول الدفاع ضد تهديدٍ ما للحرية، وحول الثأر للأطفال المذبوحين والنساء المغتَصَبات، والشرف المنتهَك، من أجل جعل أكثرية الخِراف تتصرف كذئاب. قد يبدو هذا الجواب مقبولاً في الظاهر، إلا أنّه مع ذلك يترك العديد من التساؤلات. أفلا يتضمّن ذلك وجود عِرقين بشريين: ذئاب وخراف؟ كيف يتم بسهولة إقناع الخراف بالتصرف كذئاب إذا لم يكن من طبيعتها أن تفعل ذلك، حتى ولو افتَرَضنا أنّ العنف يُقّدّم لهم كواجب مُقَدَّس؟ قد لا يُمكن الدفاع عن أطروحتنا هذه بشكلٍ قوي، كما قد يكون صحيحاً أنّ الذئاب تُقّدِّم النوعية الجوهرية للطبيعة البشريّة فقط بشكل أكثر صراحة مما تُظهره الأكثرية. أم إن البديل الآخر هو خاطئ بالكامل؟ قد يكون من الصحيح أنّ نتساءل: هل الإنسان ذئب وخروف في ذات الوقت، أم إنّه ليس بذئبٍ ولا خروف؟
تعتبر الإجابة على هذا السؤال شديدة الأهمية اليوم، في الوقت الذي تفكر فيه الدول باستخدام أشد الأسلحة تدميراً من أجل إبادة "أعدائها"، ولا يبدو أن شيئاً سيردعها، حتى وإن كان من المحتمل أن تُباد هذه الدول نفسها في ذاك الهولوكوست. فإذا كُنا نعتقد أنّ الطبيعة البشرية ميّالة للتدمير، وأنّ الحاجة لاستخدام القوّة والعنف متأصّلة فيها، فستغدو مقاومتنا لتلك الوحشية المتزايدة باضطراد أضعف فأضعف. إذ لماذا نقاوم الذئاب ونحنُ أنفسنا ذئاب، وإن كان بعضنا أكثر ذئبية من الآخرين؟
Page 3
يُعتبر السؤال حول ما إذا كان الإنسان ذئباً أم خروفاً مجرد صيغة خاصة لسؤال شكّل ـ في أوجهه الأوسع والأكثر عموميّةً ـ إحدى أكثر المشكلات أساسيةً في الفكر الفلسفي والديني الغربي: هل الإنسان في جوهره شرير وفاسِد، أم أنّه خَيّرٌ وكامل؟ لا يقول العهد القديم بفساد الإنسان من حيث الجوهر. حيث لا يُدعى عصيان آدم وحوّاء لله بالخطيئة، وليس هناك في أي مكان منه ولو إشارة على أنّ هذا العصيان قد أفسدَ الإنسان. على العكس، إن ّالعصيان هو شرطٌ لوعي الإنسان لذاته، ولقدرته على الاختيار، وبالتالي فإنّ سلوك العصيان الأوّل هذا هو ـ بالتحليل الأخير ـ خطوة الإنسان الأولى نحو الحريّة. ويبدو أنّ عصيانهما هو نفسه ضمن خطّة الله، إذ إنّه وفقاً للفِكر الرسولي، وبسبب طرد الإنسان من الجنّة غدا الإنسان قادراً على صنع تاريخه الخاص، وتطوير طاقاته البشريّة، وتحقيقِ تناغُمٍ جديد مع أخيه الإنسان والطبيعة، كَفَردٍ كامل النمو بدلاً من التناغُم السابق الذي لم يكُن فيه فرداً بَعد. ويتضمّن مفهوم الأنبياء في المسيحية الجزم بأنّ الإنسان غير فاسد من حيث الأساس، وأنه يُمكن إنقاذهُ بدون أيّة مِنَّةٍ إلهيّة. إلا أنّ ذلك لا يتضمّن أنّ إمكانيّة الخير هذه ستفوز بالضرورة. فإذا ارتكبَ الإنسان شرّاً فسيُصبِحُ أكثر شرّاً. عندئذٍ "يقسو" قلب فرعون لأنّه يواصل فِعل الشَّر، وتتزايد قساوته إلى الحد الذي يتعذّر معه حدوث أي تغيير أو توبة. ويُقَدِّم العهد القديم أمثلةً على فِعل الشّر ـ على الأقل ـ بقدر ما يُقَدِّم على فِعل الخير، وهوَ لا يستثني حتى أشخاصاً رفيعي المقام مثل الملك داؤود من قائمة مُرتَكبي الشّر. ويقول العهد القديم بامتلاك الإنسان كلتا القُدرَتين: فعل الخير وفعل الشَّر، وأنّه على الإنسان الاختيار بين الخير والشّر، البركة واللعنة، الحياة والموت. ولا يتدخّل حتى الله في خياره هذا، بل هو يساعدهُ عَبرَ إرسال رُسُلهِ، الأنبياء، ليعَلِّموه المبادئ التي تقودهُ لإدراك الطيبة والصَلاح، ومعرفة الشّر، والتحذير والاحتجاج. ولكن بعد ذلك، تُرِكَ الإنسان لوَحدهِ في مواجهة الاختيار بين "كفاحين": الكفاح في سبيل الخير والكفاح في سبيل الشّر، والقرار هو قرارهُ وَحده.
أما التطوير المسيحي فكانَ مُختَلفاً. ففي سياق تطوير كنيسةٍ مسيحية، اعتُبِرَ عصيان آدَم خطيئةً. وهو خطيئة إلى الحد الذي أفسَدَ طبيعته وطبيعة نسلهِ كلّه، وبالتالي لن يتمكّن بجهوده هو من التخَلّص من فسادهِ هذا.وحدها قوة الله وظهور المسيح،الذي مات من
أجل الإنسان، يمكن أن تخلص الإنسان من فساده، وتقدم الخلاص لأولئك الذين قبلوا المسيح.
إلا أنّ عقيدة الخطيئة الأصلية لم تُقبل أبداً في الكنيسة بدون أيّة معارضة. حيث هاجمها "بيلاجيوس" إلا أنه هُزم. ومال إنسانيّو عصر النهضة ضمن الكنيسة لإبعادها ـ مع أنهم لم يستطيعوا مهاجمتها أو إنكارها بشكل مباشر ـ في الوقت الذي كان ذلك ما فعله تماماً العديد من الهراطقة. وقد كان للوثر نظرة أكثر جذرية إلى الفساد والشر المتأصل في الإنسان، في حين سيأخذ مفكرو عصر النهضة والأنوار لاحقاً خطوة متطرفة في الاتجاه المعاكس. حيث ادّعى هؤلاء الأخيرون أن كل الشر الذي في الإنسان ليس إلا نتيجة للظروف، وبالتالي لم يكن هنالك من خيار حقاً لدى الإنسان. غيِّر الظروف التي تنتج الشر فيأتي الخير المتأصل في الإنسان تلقائياً، هكذا فكروا. لقد سبقت وجهة النظر هذه فكر "ماركس" وخلفائه. كان الاعتقاد بخير الإنسان نتيجة للثقة بالنفس الجديدة لديه والتي اكتسبها نتيجة للتقدم السياسي والاقتصادي الهائل الذي بدأ في عصر النهضة. في المقابل، فإن الإفلاس الأخلاقي للغرب الذي بدأ في الحرب العالمية الأولى وقاد بعد هتلر وستالين وكوفنتري وهيروشيما إلى التحضير الحالي للإبادة الكونية، جلب معه مجدداً التأكيد التقليدي على ميل الإنسان للشر. كان هذا التأكيد الجديد ترياقاً ضد الاستخفاف بالقدرة المتأصّلة للشر في الإنسان، إلا أنّه في ذات الوقت استُخدِمَ للسخرية من أولئك الذين لم يفقدوا إيمانهم بالإنسان، وذلك أحياناً إما من خلال سوء فهم أفكارهم أو حتى تشويهها.
أما التطوير المسيحي فكانَ مُختَلفاً. ففي سياق تطوير كنيسةٍ مسيحية، اعتُبِرَ عصيان آدَم خطيئةً. وهو خطيئة إلى الحد الذي أفسَدَ طبيعته وطبيعة نسلهِ كلّه، وبالتالي لن يتمكّن بجهوده هو من التخَلّص من فسادهِ هذا.وحدها قوة الله وظهور المسيح،الذي مات من
أجل الإنسان، يمكن أن تخلص الإنسان من فساده، وتقدم الخلاص لأولئك الذين قبلوا المسيح.
إلا أنّ عقيدة الخطيئة الأصلية لم تُقبل أبداً في الكنيسة بدون أيّة معارضة. حيث هاجمها "بيلاجيوس" إلا أنه هُزم. ومال إنسانيّو عصر النهضة ضمن الكنيسة لإبعادها ـ مع أنهم لم يستطيعوا مهاجمتها أو إنكارها بشكل مباشر ـ في الوقت الذي كان ذلك ما فعله تماماً العديد من الهراطقة. وقد كان للوثر نظرة أكثر جذرية إلى الفساد والشر المتأصل في الإنسان، في حين سيأخذ مفكرو عصر النهضة والأنوار لاحقاً خطوة متطرفة في الاتجاه المعاكس. حيث ادّعى هؤلاء الأخيرون أن كل الشر الذي في الإنسان ليس إلا نتيجة للظروف، وبالتالي لم يكن هنالك من خيار حقاً لدى الإنسان. غيِّر الظروف التي تنتج الشر فيأتي الخير المتأصل في الإنسان تلقائياً، هكذا فكروا. لقد سبقت وجهة النظر هذه فكر "ماركس" وخلفائه. كان الاعتقاد بخير الإنسان نتيجة للثقة بالنفس الجديدة لديه والتي اكتسبها نتيجة للتقدم السياسي والاقتصادي الهائل الذي بدأ في عصر النهضة. في المقابل، فإن الإفلاس الأخلاقي للغرب الذي بدأ في الحرب العالمية الأولى وقاد بعد هتلر وستالين وكوفنتري وهيروشيما إلى التحضير الحالي للإبادة الكونية، جلب معه مجدداً التأكيد التقليدي على ميل الإنسان للشر. كان هذا التأكيد الجديد ترياقاً ضد الاستخفاف بالقدرة المتأصّلة للشر في الإنسان، إلا أنّه في ذات الوقت استُخدِمَ للسخرية من أولئك الذين لم يفقدوا إيمانهم بالإنسان، وذلك أحياناً إما من خلال سوء فهم أفكارهم أو حتى تشويهها.
Page 4
إنني كواحد من الذين غالباً ما تمَّ تشويه أفكارهم وعرضها على أنّها تستخفّ بقدرة الشَر لدى الإنسان، أوَدّ التأكيد على أنّ هذه التفاؤليّة الوجدانيّة ليست بطابع أفكاري. وسيكون من الصعب حقّاً على أي شخص يتمتّع بخبرةٍ سريرية طويلة كمحلِّل نَفسي، أن يستخف بالقوى التدميرية الكامنة في الإنسان. فهو يرى في المَرضى ذوي الحالات الشديدة هذه القوى أثناء عملها، ويختبر الصعوبة الهائلة عند محاولة إيقافها أو توجيه طاقاتهم في اتّجاهات بنّاءة. وسيصعب أيضاً على أي شخص كان قد شهد الاندفاع الانفجاري للشّر والتدميرية منذ بدء الحرب العالمية الأولى، ألا يرى قوّة وشدّة التدميرية البَشَريّة. ومع ذلك هناك خطر الإحساس بالعجز الذي يعتصر الناس اليوم ـ جميعهم من أكثرهم عاديّة إلى أكثرهم ثقافةً ـ أمام تلك القوّة المتزايدة باضطراد، الأمر الذي قد يؤدّي بهم إلى قبول نسخةٍ جديدة من الفساد والخطيئة الأصليّة تسمح بعقلنة المنظور الانهزامي الذي يقول بعدم إمكانيّة تجنّب الحرب لأنّها النتيجة الطبيعية لتدميرية الطبيعة البشريّة. مع أنّ هذا المنظور الذي يتباهى بذاته على أساس واقعية مُتقَنة مزعومة، هو غير واقعي لسببين. أوّلاً، لا تتضمّن شدّة الكفاح التدميري ـ ولا بأي شكل من الأشكال ـ أنّه لا يقهَر، بل ولا تتضمن حتّى هيمنته وسيادته. أما المغالَطة الثانية في هذا المنظور فتكمن في أنّ الحروب تنتج عن قِوىً نفسيّة. وبالكاد هناك ضرورة لمناقشة مغالَطة "العقائديّة النفسية" هذه عند محاوَلة فهم الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة. إذ أنّ الحروب هي نتيجة لقرار القادة السياسيين والعسكريين ورجال الأعمال بِشَن الحرب من أجل اكتساب أراضٍ جديدة، أو موارِد طبيعيّة، أو امتيازات تجاريّة؛ أو من أجل الدفاع ضدَّ تهديدات حقيقيةٍ أو مزعومة لأمنهم القوميّ من قِبَل قوَّةٍ أُخرى، أو من أجل تعزيز مجدهم ومقامهم الشخصي. ليس هناك أي اختلاف بين هؤلاء الرجال والبشر العاديين: هم أنانيّون، لكن قدرتهم على إنكار مصلحتهم الشخصيّة من أجل الآخرين محدودة تماماً، إنّهم ليسوا بمتوَحّشين ولا بفاسدين. وعندما يَصل رجال كهؤلاء ـ في الحياة العادية ربّما هم أخيار أكثر منهم أشرارـ إلى مواقع في السلطة يستطيعون فيها أمرَ ملايين الناس والتحكُّم بأشد الأسلحة تدميراً،و قد يتسَببون بضررٍ هائل. ففي الحياة العادية قد يُدمّرون مُنافِساً ما، أما في عالَمٍ الدوَلٍ ذات السطوة والتجَبُّر (ونقصد بالتجبُّر عدم خضوع الفرد لأي قانونٍ أخلاقيّ يُقَيّد سلوك الدولة المُتَجبرة)، فهم قد يُدَمّرون العرق البشريّ بأكمله. إنّ خطر "إنسانٍ عادي ذو قوّة غير عاديّة" هو الخطر الأعظم الذي يتهدّد الجنس البشري، وليس العفريت أو السادي. ولكن، وكما يحتاج المرء أسلحةً لمواجهة حَربٍ ما، يحتاج لرغبات الكراهية والنقمة والتدميرية والخوف من أجل دَفع ملايين الناس للمُخاطَرة بحيواتهم والتحوّل لِمُجرمين. تُعتبر هذه الانفعالات شروطاً ضرورية لِشن الحروب، إلا أنّها ليست أبداً أسبابها، إلا إذا اعتبرنا الأسلحة والقنابل أسباباً للحروب. وقَد عَلَّق الكثير من المراقبين أنّ الحرب النووية تختلف في هذا الصَدد عن الحرب التقليدية. فالرجل الذي سيضغط زر إطلاق القذائف النووية ـ وهي قذائف ستقتل مئات آلاف الناس، لن يعرف بالكاد سوى شعور وخبرة قتل أي أحَد بالمعنى الذي يعرفه جنديّ اختبرَ القتل بالحَربة أو الرشّاش. ومع ذلك، ومع أنّ سلوك إطلاق الأسلحة النووية ليس، من حيث الوعي، أكثر من طاعة عمياء لأمرٍ ما، يبقى هناك سؤال حول ما إذا كان في الطبقات الأعمق للشخصية ـ أم لم يكن ـ لامبالاة عميقة بالحياة ـ هذا إذا لم تكن هناك ثورانات تدميرية ـ لتجعل من سلوكيات كهذه أمراً ممكناً.
سأشير هنا إلى ثلاث ظواهر تُشّكّل– في رأيي ـ أساس أشَدّ أشكال التوجيه البشري خطراً وفساداً. تلك الظواهر هي: حبّ الموت، النرجسيّة الخبيثة، التثبيت السفاحيّ التعايشيّ. وتشَكل هذه التوجّهات الثلاثة عند اجتماعها "متلازمة انحلال"، تدفع الإنسان للتدمير من أجل التدمير، والكره من أجل الكراهيّة. وفي مقابل "متلازمة الانحلال" سأصف "متلازمة نمو" تقوم على حب الحياة (مقابل حب الموت)، والإنسانية (مقابل النرجسيّة)، والاستقلاليّة (مقابل التثبيت السفاحي ّالتعايشيّ). هذا ولا يُلاحظ التطور الكامل لإحدى هاتين المتلازمتين دون الأُخرى إلا عند قلّة من الناس. إلا أنّه في ذات الوقت لا شكّ أبداً في أن الإنسان يمضي في اتّجاهٍ هو مَن اختاره: إمّا الحياة أو الموت، إمّا الخير أو الشّر.
سأشير هنا إلى ثلاث ظواهر تُشّكّل– في رأيي ـ أساس أشَدّ أشكال التوجيه البشري خطراً وفساداً. تلك الظواهر هي: حبّ الموت، النرجسيّة الخبيثة، التثبيت السفاحيّ التعايشيّ. وتشَكل هذه التوجّهات الثلاثة عند اجتماعها "متلازمة انحلال"، تدفع الإنسان للتدمير من أجل التدمير، والكره من أجل الكراهيّة. وفي مقابل "متلازمة الانحلال" سأصف "متلازمة نمو" تقوم على حب الحياة (مقابل حب الموت)، والإنسانية (مقابل النرجسيّة)، والاستقلاليّة (مقابل التثبيت السفاحي ّالتعايشيّ). هذا ولا يُلاحظ التطور الكامل لإحدى هاتين المتلازمتين دون الأُخرى إلا عند قلّة من الناس. إلا أنّه في ذات الوقت لا شكّ أبداً في أن الإنسان يمضي في اتّجاهٍ هو مَن اختاره: إمّا الحياة أو الموت، إمّا الخير أو الشّر.
Page 5
II. أشكال العنف المختلفة
مع أنّ الجزء الأساسي من هذا الكتاب يتناول الأشكال الخبيثة من التدميرية، إلا أنني أوَدُّ أوّلاً مناقشة بعض أشكال العنف الأُخرى. وهذا لا يعني أنني أُخَطِّط لتناولها بشكلٍ شامل، إلا أنني أعتقد أنّ تناول مظاهر عنفية أقل مرضيةً قد يكون مفيداً في فهم أشكال التدميرية الأشدّ خباثةً ومرضيّةً. ويرتكز التمييز بين أشكال التدميرية المختلفة على التمييز بين دوافعها اللاواعية المتعلّقة بها. لأنّ فهم آليات السلوك اللاواعي هو فقط من يسمح بفهم السلوك نفسه، وفهم جذوره، وسياقه، والطاقة المشحون بها2.يُعتبر "العنف اللعوب" أكثر أشكال العنف طبيعيّةً ولا مرضيّةً. ويمكن أن نجده في أشكال العنف تلك التي يمارس العنف فيها بهدف إبداء المهارة، وليس بهدف التدمير، وبدون أن يكون دافعها الكره أو التدميريّة. ويمكننا أن نضرب العديد من الأمثلة: من الألعاب الحربية للقبائل البدائيّة إلى فَن السَّيف في بوذيّة زِن. ففي كل أشكال ألعاب القتال هذه ليس الهدف هو القتل، حتّى لو كانت النتيجة موت الخصم بسبب خطئه في "الوجود في المكان غير المناسب". وطبعاً، عندما نتكلَّم عن عدم نيّة التدمير في العنف اللعوب فنحنُ نشير فقط إلى الأشكال المثاليّة لألعابٍ كهذه. أمّا في الواقع فيجد المرء غالباً عدوانيّةً لاواعية وتدميرية مختبئة خلف منطق اللعبة الظاهر. إلا أنّه حتى في هذه الحالة، يبقى الدافع الرئيسي لشكل العنف هذا هو إبداء المهارة وليس التدميرية.
أمّا الشكل الأكثر أهميّةً وعمليّةً بكثيرمن العنف اللعوب فهو "العنف الارتكاسيّ". وبالعنف الارتكاسي أعني العنف المستخدَم في الدفاع عن الحريّة والكرامة والملكية، سواء الخاصّة بالمرء نفسه أم بالآخرين. وهو متجذِّرٌ في الخوف، ولهذا السبب تماماً قد يكون أكثر أشكال العنف وجوداً.و قد يكون الخوف حقيقيّا أو متخَيّلاً، واعياً أو غير واع. إنّ شكل العنف هذا يخدم الحياة، وليس الموت. وهدفه هو البقاء وليس التدمير. وليس ناتجاً بالكامل عن انفعالاتٍ لا عقلانيّة، بل إلى ـ حَدٍّ ما ـ عن حسابٍ عقلانيّ. وبالتالي، هو يتضمَّن أيضاً تناسباً مُعَيّناً بين الغايات والوسائل. لقد بُرهِن سابقاً أنّ القتل لا يمكن أبداً أنْ يكون مبرَّراً أخلاقيّاً ـ حتّى في حالة الدفاع ـ إذا انطلقنا من مستوىً روحيّ أسمى. إلا أنَّ معظم من يحملون هذا المعتقَد يعترفون باختلاف طبيعة العنف في حالة الدفاع عن الحياة، عنها في حالة التدمير من أجل التدمير.
لا يرتكز الإحساس بالتهديد والعنف الارتكاسي الناتج ـ غالباً ـ على الواقع، بل على التلاعب بالعقل البشريّ. حيث يُقنع القادة الدينيون والسياسيون أنصارهم بأنّهم مهدَّدون من قِبل عدو ما، ليُطلقوا بذلك استجابة ذاتيّة لعدوانيّة ارتكاسيّة. ومن هنا فإنّ التمييز بين حروبٍ عادلة وغير عادلة، وهو ما فعلتهُ الحكومات الرأسمالية والشيوعية كما دعمته الكنيسة الكاثوليكيّة الرومانية أيضاً، يستحق وضعه موضع التساؤل، باعتبار أنّ كلّ طرَف ينجح عادةً في تقديم موقفه كدفاعٍ ضدَّ هجوم3. وبالكاد يمكن رفع لواء حربٍ عدوانيّة لا يمكن إخفاؤها في لبوس الدفاع. أمّا السّؤال حول من كان ادّعاؤه الدفاع، صحيحاً، فهو ما يُقرّره المنتصرون عادةً، وبعد ذلك بوقتٍ طويل قد يتناوله مؤرّخون أكثر موضوعيّةً أحياناً. هذا ويُبَيّن الميل للتظاهر بأنّ أيّة حرب هي حربٌ دفاعية شيئين اثنين. أوّلاً، أنّهُ لا يمكن دفع معظم الناس ـ على الأقل في معظم البلدان المتحضّرة ـ للقتل والموت ما لم يتمّ إقناعهم أوّلاً بأنّهم يفعلون ذلك دفاعاً عن حيواتهم وحرّيّتهم.
ثانياً، يُبين أنّه من الصعب إقناع ملايين الناس أنّهم مهددون بخطر الهجوم عليهم، وبالتالي دعوتهم للدفاع عن أنفسهم. إنّ إقناعاً كهذا سيعتمد أوّلاً وقبل كل شيء على نقص التفكير المستقل والشعور بالاستقلاليّة، وعلى التبعية العاطفية للغالبية العظمى من الناس لقادتهم السياسيين. وعند وجود هذه التبعية، سَيُقبَل أي شيء يُقدَّم تقريباً بقوَّة وإقناع على أنّه حقيقي. إنّ النتائج النفسيّة لقبول اعتقادٍ ما بوجود تهديد مزعوم هي نتائج التهديدٍ الحقيقي نفسها. فالناس يشعرون بأنّهم مهددون، ومن أجل الدفاع عن أنفسهم يرحّبون بالقتل والتدمير. ففي حالة "أوهام الاضطهاد الارتيابيّة" نَجد نفس الآليّة، ولكن ليس على أساسٍ جمعي، بل على أساسٍ فرديّ. وفي كلتا الحالتين يشعر الشخص ذاتيّاً بالخَطر ويَرُدّ بعدوانيّة.
الوجه الآخر للعنف الارتكاسي هو شكل العنف الناتج عن "الإحباط". فنحن نجد أن السلوك العدواني لدى الحيوان والأطفال والبالغين ناتج عن إحباط حاجةٍ ما أو رغبةٍ ما لديهم4. ويُمثِّل هذا السلوك العدواني محاولةً ـ وإن كانت غالباً هَشّة ـ لبلوغ الغاية التي تمَّ إحباطها ـ عبر استخدام العنف. ومن الواضح أنّه عدوان في خدمة الحياة، وليس من أجل التدمير وحده. وباعتبار أنّ إحباط الحاجات والرغبات هو حالة كونيّة تظهر في معظم المجتمعات حتّى أيّامنا هذه، فلا سبب هناك للدهشة أمام ظهور العنف والعدوان باستمرار.
من العدوانية الناتجة عن الإحباط يمكن أن نذكر أيضاً العدوانية التي يوَلّدها "الحسد والغيرة". إذ يُشكّل كل من الحَسد والغيرة شكلاً خاصّاً من الإحباط. وهما ينتجان عن حقيقة امتلاك "ب" شيئاً ما يرغبه "أ"، أو يكون"ب" محبوباً من شخصٍ ما يحبّه "أ".
هنا يظهر الحسد والغيرة لدى "أ" ضدّ "ب" الذي يتلقّى ما يريده "أ" ولا يستطيع امتلاكه. إنّ الحسد والغيرة إحباطان،لا تبرزهما فقط حقيقة عدم تمكّن "أ" من نيل ما يريد، بل وأنّ الشخص الآخر مُفَضّلٌ أيضاً. وتعتبر قصّة قابيل ـ غير المحبوب لا لذنبٍ ارتكبه ـ الذي قتل أخاه المُفَضّل، وقصّة يوسف وأخوته، هما نسختان تقليديتان للحسَد والغيرة. ويُقّدّم الأدب التحليلي النفسي كمّاً هائلاً من البيانات السريرية حول الظاهرة نفسها.
Page 6
شكل العنف الآخر المرتبط بالعنف الارتكاسي ـ إلا أنّه يمضي خطوةً أبعد في اتجاه الحالة المرضيّة ـ هو "العنف الانتقامي". في العنف الارتكاسي الهدف هو تجنّب الأذى المُهَدِّد، ولهذا السبب نقول أنّ هذا العنف يخدم وظيفة البقاء الحيوية. أمّا في العنف الانتقامي فالأذية قد تمّت سلفاً، وبالتالي لا يتمتّع العنف بوظيفة الدفاع. بل إنّه يمتلك وظيفة الحلّ السحري اللاعقلانية لما قد تمّ فعلاً في الواقع. ونجد العنف الانتقامي لدى الأفراد كما نجده بين الجماعات المتحضّرة والبدائيّة. وعند تحليل الطبيعة اللاعقلانية لشكل العنف هذا، يمكننا المضيّ خطوةً أُخرى أعمق.
يتناسب دافع الانتقام عكساً مع قوّة وإنتاجيّة مجموعةٍ ما أو فَردٍ ما. إذ ليس للعاجز والكسيح سوى مصدرٍ واحد لاسترداد تقديره لذاته الذي بدّده الأذى الذي لحق به: الانتقام وفقاً لقانون "العين بالعين والسّن بالسن". في المقابل، ليس الشخص الذي يحيا حياةً مِنتجة بحاجةٍ لهكذا مصدر ـ أو إنّ حاجته له قليلة جدّاً ـ. وحتّى في حال تأذّيه، وإهانته وتضرّره، فإنّ سيرورة حياته المنتجة تجعله ينسى أذى الماضي. وهنا تُثبت القدرة على الإنتاج أنّها أقوى من الرغبة بالانتقام. ويمكن إثبات حقيقة هذا التحليل بسهولة بواسطة البيانات التجريبية على المستوى الفردي والاجتماعي. حيث تبيّن المادّة التحليلية النفسيّة أنّ الشخص الناضج المنتج قلّما تُحَرّكهُ رغبة الانتقام مقارنةً بمن يعاني صعوبات في عيش حياته بشكل مُستَقِلّ وبكل ما للحياة من معنى، ومن هو ميّالٌ إلى حصرِ وجوده كله بالرغبة بالانتقام. ويغدو الانتقام في حالات المرَض النفسي الشديد، الهدف المُسَيطر على حياة المريض، إذ أنّه بغياب الانتقام يغدو ليس تقدير الذات فحسب بل ومعنى الذات والهويّة كلّه مُهدَّداً بالانهيار. كذلك نجد في الجماعات الأكثر تراجعاً (من النواحي الاقتصادية والثقافيّة والانفعاليّة) أنّ رغبة الانتقام (على سبيل المثال: ثأراً لهزيمةٍ قوميّةٍ ماضيّة) هي الأقوى. وهكذا نجد أيضاً أنّ الطبقات الوسطى والدُنيا، وهي الطبقات الأكثر حرماناً في الدوَل الصناعية، هي مركز أحاسيس الانتقام في بلدانٍ عديدة، تماماً كما هي مركز أحاسيس العنصريّة والقوميّة.و بواسطة "استبيانٍ إسقاطيّ"5سيكون من اليسير إثبات العلاقة بين شدّة الأحاسيس الانتقاميّة والفقر الثقافي والاقتصاديّ. وقد يكون فهم الانتقام بين المجتمعات البدائية أكثر تعقيداً. إذ تتمتّع العديد من المجتمعات البدائيّة بأنماط وأحاسيس انتقاميّة شديدة بل وحتى، وتشعر المجموعة كلّها بالتزام نحو الانتقام من أية أذية تصيب أحد أفرادها. ويبدو أن هناك عاملان يلعبان دوراً حاسماً هنا. الأول يشبه كثيراً ما ذكرناه سابقاً: جَوّ النقص النفسيّ الذي يتخلّل المجموعة البدائيّة والذي يجعل الانتقام وسيلةً ضروريّةً لتعويض خسارةٍ ما. أما الثاني فهو النرجسيّة، وهي ظاهرة قمنا بمناقشتها بشكلٍ مُفَصّل في الفصل الرابع. وهنا يكفينا القول أنّه في حالة النرجسيّة الشديدة التي تتمتّع بها الجماعة البدائيّة، أيّة إهانة لصورتها عن ذاتها تكون كارثيّةً إلى الحَد الذي يغدو فيه ظهور عداوةٍ شديدة أمراً طبيعياً تماماً.
و يرتبط العنف الانتقامي بشكلٍ وثيق بمصدر تدميريةٍ ناتج عن "تحطُّم الإيمان" الذي غالباً ما يحدث في حياة طفل ٍ ما.
ما الذي نعنيهِ بـ "تحطّم الإيمان" هنا؟
يبدأ أي طفل حياته بالإيمان بالخير والحُب والعدل. يؤمن الطفل بثديي أمِّه، وباستعدادها لتغطيته عندما يُحِس بالبرد، وإراحتهِ عندما يكون مريضاً. قد يكون هذا الإيمان إيماناً بالأب، بالأُم، بالجَد، أو بأي شخص قريب منه. ويمكن التعبير عنه كإيمان ٍ بالله. يتحطّم هذا الإيمان عند العديدين في عمرٍ مُبكّر. حيث يسمع الطفل أباه يكذب في مسألة هامّة ما، ويرى خوفه الشديد من أمٍّ مستعدّة لخيانتهِ لصالح راحتها. وهو يشهد علاقة أبويه الجنسيّة، وقد ينظر إلى أبيه على أنّه وحش همجيّ. إنه غير سعيد،أو خائف جداً،ولا أحَدٌ من أبويه ـ اللذين يُفتَرَض أنّهما مهتمّان جدّاً به ـ يلاحظه، أو حتّى يعيره أي انتباه عندما يخبره شيئاً ما. هناك عدد هائل من المرّات التي يتحطّم فيها الإيمان الأصلي بحب وصدق وعدل الوالدين. وأحياناً، يتحوَّل فقدان الإيمان ـ لدى الأطفال المولودين دينياً ـ بشكلٍ مباشَر إلى الله. يختبر الطفل موت عصفور صغير يحبّه، أو صديق ما أو أُخت، وفجأةً يتحطّم إيمانه بالله. إلا أنّه لا فرق بين شكلي تحطّم الإيمان: بالله أو بفردٍ ما. إذ أنّ ما يتحطّم حقّاً دوماً هو: إيمانه بالحياة، وبإمكانيّة الثقة بها. ومن الصحيح طبعاً أن كل طفل يمر بعدد من الصدمات، إلا أن ما يهم هو حدة وشدة خيبة معينة. وغالباً ما تحدث تجربة تحطم الإيمان الأولى والحاسمة هذه في عمر مبكر: في الرابعة أو الخامسة أو السادسة أو حتى في فترة أبكر من ذلك، وهي فترة من الحياة لا نتذكر منها إلا القليل. بينما يحدث التحطم النهائي للإيمان في عمر أكبر بكثير. عند خيانته من قبل صديق أو حبيبة أو معلم أو قائد ديني أو سياسي يثق به. هذا وقلّما يكون هنالك حادثة واحدة مفردة. إذ غالباً ما يكون هنالك عدد من الخبرات الصغيرة التي بتراكمها تحطم إيمان الفرد. وتختلف ردود الأفعال على هذه الخبرات. إذ قد يتفاعل شخص ما بتركه الاعتماد على الشخص الذي قد خيب أمله، وبالتحول إلى شخص أكثر استقلالية وقدرة على إيجاد أصدقاء ومعلمين أو أحبة جدد يثق ويؤمن بهم.
وهذا هو رد الفعل الذي نرغب به بشدّة عند مواجهة خيباتٍ مُبكرة. في حين يبقى الفرد في أمثلةٍ أُخرى عديدة شكّاكاً، حالماً بالمُعجزات التي تعيد لهُ إيمانه، يختبر الناس، وعندما يخيبونه بدورهم يختبر غيرهم، أو يرمي نفسه في أحضان مرجعيّةٍ قويّة (الكنيسة، أو حزب سياسي، أو قائد ما) ليستعيد إيمانه. وغالباً ما يتجاوز يأسه الناتج عن فقد إيمانه بالحياة من خلال سعيه المحموم خلف أهدافٍ دنيويّة: المال، السلطة أو المظهر الاجتماعيّ.
يتناسب دافع الانتقام عكساً مع قوّة وإنتاجيّة مجموعةٍ ما أو فَردٍ ما. إذ ليس للعاجز والكسيح سوى مصدرٍ واحد لاسترداد تقديره لذاته الذي بدّده الأذى الذي لحق به: الانتقام وفقاً لقانون "العين بالعين والسّن بالسن". في المقابل، ليس الشخص الذي يحيا حياةً مِنتجة بحاجةٍ لهكذا مصدر ـ أو إنّ حاجته له قليلة جدّاً ـ. وحتّى في حال تأذّيه، وإهانته وتضرّره، فإنّ سيرورة حياته المنتجة تجعله ينسى أذى الماضي. وهنا تُثبت القدرة على الإنتاج أنّها أقوى من الرغبة بالانتقام. ويمكن إثبات حقيقة هذا التحليل بسهولة بواسطة البيانات التجريبية على المستوى الفردي والاجتماعي. حيث تبيّن المادّة التحليلية النفسيّة أنّ الشخص الناضج المنتج قلّما تُحَرّكهُ رغبة الانتقام مقارنةً بمن يعاني صعوبات في عيش حياته بشكل مُستَقِلّ وبكل ما للحياة من معنى، ومن هو ميّالٌ إلى حصرِ وجوده كله بالرغبة بالانتقام. ويغدو الانتقام في حالات المرَض النفسي الشديد، الهدف المُسَيطر على حياة المريض، إذ أنّه بغياب الانتقام يغدو ليس تقدير الذات فحسب بل ومعنى الذات والهويّة كلّه مُهدَّداً بالانهيار. كذلك نجد في الجماعات الأكثر تراجعاً (من النواحي الاقتصادية والثقافيّة والانفعاليّة) أنّ رغبة الانتقام (على سبيل المثال: ثأراً لهزيمةٍ قوميّةٍ ماضيّة) هي الأقوى. وهكذا نجد أيضاً أنّ الطبقات الوسطى والدُنيا، وهي الطبقات الأكثر حرماناً في الدوَل الصناعية، هي مركز أحاسيس الانتقام في بلدانٍ عديدة، تماماً كما هي مركز أحاسيس العنصريّة والقوميّة.و بواسطة "استبيانٍ إسقاطيّ"5سيكون من اليسير إثبات العلاقة بين شدّة الأحاسيس الانتقاميّة والفقر الثقافي والاقتصاديّ. وقد يكون فهم الانتقام بين المجتمعات البدائية أكثر تعقيداً. إذ تتمتّع العديد من المجتمعات البدائيّة بأنماط وأحاسيس انتقاميّة شديدة بل وحتى، وتشعر المجموعة كلّها بالتزام نحو الانتقام من أية أذية تصيب أحد أفرادها. ويبدو أن هناك عاملان يلعبان دوراً حاسماً هنا. الأول يشبه كثيراً ما ذكرناه سابقاً: جَوّ النقص النفسيّ الذي يتخلّل المجموعة البدائيّة والذي يجعل الانتقام وسيلةً ضروريّةً لتعويض خسارةٍ ما. أما الثاني فهو النرجسيّة، وهي ظاهرة قمنا بمناقشتها بشكلٍ مُفَصّل في الفصل الرابع. وهنا يكفينا القول أنّه في حالة النرجسيّة الشديدة التي تتمتّع بها الجماعة البدائيّة، أيّة إهانة لصورتها عن ذاتها تكون كارثيّةً إلى الحَد الذي يغدو فيه ظهور عداوةٍ شديدة أمراً طبيعياً تماماً.
و يرتبط العنف الانتقامي بشكلٍ وثيق بمصدر تدميريةٍ ناتج عن "تحطُّم الإيمان" الذي غالباً ما يحدث في حياة طفل ٍ ما.
ما الذي نعنيهِ بـ "تحطّم الإيمان" هنا؟
يبدأ أي طفل حياته بالإيمان بالخير والحُب والعدل. يؤمن الطفل بثديي أمِّه، وباستعدادها لتغطيته عندما يُحِس بالبرد، وإراحتهِ عندما يكون مريضاً. قد يكون هذا الإيمان إيماناً بالأب، بالأُم، بالجَد، أو بأي شخص قريب منه. ويمكن التعبير عنه كإيمان ٍ بالله. يتحطّم هذا الإيمان عند العديدين في عمرٍ مُبكّر. حيث يسمع الطفل أباه يكذب في مسألة هامّة ما، ويرى خوفه الشديد من أمٍّ مستعدّة لخيانتهِ لصالح راحتها. وهو يشهد علاقة أبويه الجنسيّة، وقد ينظر إلى أبيه على أنّه وحش همجيّ. إنه غير سعيد،أو خائف جداً،ولا أحَدٌ من أبويه ـ اللذين يُفتَرَض أنّهما مهتمّان جدّاً به ـ يلاحظه، أو حتّى يعيره أي انتباه عندما يخبره شيئاً ما. هناك عدد هائل من المرّات التي يتحطّم فيها الإيمان الأصلي بحب وصدق وعدل الوالدين. وأحياناً، يتحوَّل فقدان الإيمان ـ لدى الأطفال المولودين دينياً ـ بشكلٍ مباشَر إلى الله. يختبر الطفل موت عصفور صغير يحبّه، أو صديق ما أو أُخت، وفجأةً يتحطّم إيمانه بالله. إلا أنّه لا فرق بين شكلي تحطّم الإيمان: بالله أو بفردٍ ما. إذ أنّ ما يتحطّم حقّاً دوماً هو: إيمانه بالحياة، وبإمكانيّة الثقة بها. ومن الصحيح طبعاً أن كل طفل يمر بعدد من الصدمات، إلا أن ما يهم هو حدة وشدة خيبة معينة. وغالباً ما تحدث تجربة تحطم الإيمان الأولى والحاسمة هذه في عمر مبكر: في الرابعة أو الخامسة أو السادسة أو حتى في فترة أبكر من ذلك، وهي فترة من الحياة لا نتذكر منها إلا القليل. بينما يحدث التحطم النهائي للإيمان في عمر أكبر بكثير. عند خيانته من قبل صديق أو حبيبة أو معلم أو قائد ديني أو سياسي يثق به. هذا وقلّما يكون هنالك حادثة واحدة مفردة. إذ غالباً ما يكون هنالك عدد من الخبرات الصغيرة التي بتراكمها تحطم إيمان الفرد. وتختلف ردود الأفعال على هذه الخبرات. إذ قد يتفاعل شخص ما بتركه الاعتماد على الشخص الذي قد خيب أمله، وبالتحول إلى شخص أكثر استقلالية وقدرة على إيجاد أصدقاء ومعلمين أو أحبة جدد يثق ويؤمن بهم.
وهذا هو رد الفعل الذي نرغب به بشدّة عند مواجهة خيباتٍ مُبكرة. في حين يبقى الفرد في أمثلةٍ أُخرى عديدة شكّاكاً، حالماً بالمُعجزات التي تعيد لهُ إيمانه، يختبر الناس، وعندما يخيبونه بدورهم يختبر غيرهم، أو يرمي نفسه في أحضان مرجعيّةٍ قويّة (الكنيسة، أو حزب سياسي، أو قائد ما) ليستعيد إيمانه. وغالباً ما يتجاوز يأسه الناتج عن فقد إيمانه بالحياة من خلال سعيه المحموم خلف أهدافٍ دنيويّة: المال، السلطة أو المظهر الاجتماعيّ.
Page 7
أمّا ردّ الفعل الهام حقّاً في سياق العنف فلم يتم ذكره بعد. إذ قد يبدأ الشخص الذي يشعر بخيبةٍ وضلالٍ عميقين بكره الحياة. وإذا لم يكن هناك أي شيء أو أحد ليؤمن به، وإذا كان إيمان المرء بالخير والعدل قد غدا وهماً أحمق، وإذا كان الشيطان هو من يُسيّر الحياة وليس الله، عندئذٍ تصبح الحياة حقّاً مقيتةً كريهة. ويصبح المرء عاجزاً عن تحمّل ألم الخيبة. وسيرغب حينها بإثبات أن الحياة شريرة، وأن الإنسان شرير، وأنّ جوهره شرير.و حينها سينقلب المؤمن الخائب ومحب الحياة إلى كلبي ومدمّر. إن هذه التدميرية هي تدميرية اليأس. لقد أدّت خيبة الأمل في الحياة إلى كره الحياة.
وفي تجربتي السريرية كثيراً ما أواجه خبرات فقد الإيمان المتجذّرة هذه، وهي غالباً ما تُشكِّل الفكرة المتكررة الأكثر أهمّيّة في حياة الشخص. وهذا ينطبق أيضاً على الحياة الاجتماعيّة، حيث يثبت أنّ القادة الذين يثق المرء بهم هم أشرار أو غير كفوئين. وإذا لم يكن رد الفعل هو نحو مزيدٍ من الاستقلالية فسيكون غالباً نحو مزيدٍ من التدميرية والتشاؤمية.
وفي حين أنّ كل أشكال العنف هذه ما تزال تصبّ في خدمة الحياة سواء بشكلٍ واقعي أم سحريّ، أو على الأقل نتيجة لأذيّةٍ ما أو خيبةٍ ما في الحياة، فإنّ الشكل الآخر الذي سنناقشه هو "العنف التعويضيّ"، وهو شكلٌ أكثر مرضيّةً، وإن كان أقل كارثيّةً من النكروفيليا (حب الموت) الذي سنناقشه في الفصل الثالث.
أعني بـ "العنف التعويضيّ" العنف المستخدَم كبديل لِنشاطٍ مُنتجِ ظهر لدى شخصٍ عاجز.و لفهم مصطلح "العجز" كما استخدم هنا، يجب أن نُراجِع بعض الاعتبارات الأساسيّة. في حين أنّ الإنسان خاضع للقوى الطبيعية والاجتماعيّة التي تحكمه،و في نفس الوقت ليس فقط خاضعاً للظروف. فهو يتمتّع بالإرادة والقدرة والحرّيّة لتحويل العالَم وتغييره، ضمن حدودٍ مُعَيّنة. وما يهمّنا هنا ليس مجال الإرادة والحريّة6، بل حقيقة عدم قدرة الإنسان على احتمال السلبيّة المُطلَقة. فهو مُضطَرٌّ لترك بصمته في العالَم، ليُحَوِّل ويُغَيِّر، وليس فقط ليُحَوَّلويُغيَّر. لقد تمّ التعبير عن هذه الحاجات في الرسوم الكهفيّة القديمة، وفي كل الفنون وفي العمل، وفي الجنسيّة7(sexuality). إنّ كل هذه النشاطات هي نتيجة لقدرة الإنسان على توجيه إرادته نحوَ هدف، والمثابرة على جهوده حتّى تحقيق أهدافه. تُدعى قدرة الإنسان هذه على استخدام طاقاته بـ "الفعاليّة أو القُدرة potency". (تعتبر القدرة أو الفعالية الجنسيّة أحد أشكال القدرة فقط). فإذا كان الإنسان غير قادر على الفعل ـ لأسبابٍ عديدة: الضعف، القلق، أو عدم الكفاءة...إلخ ـ فإنّه سيُعاني. وهذه المعاناة الناتجة عن العجز مُتأصّلة في حقيقة أنّ التوازن البشري قد تمَّ الإخلال به، وأنّ الإنسان لا يستطيع قبول حالة العجز الكامل بدون أن يحاول استرداد قدرته على الفعل. ولكن: هل يستطيع، وكيف؟ إنّ أحد السُبُل هو أن يخضع للشخص أو الجماعة التي تتمتّع بالقوّة، ويحاول التماهي معهم. فبمشاركته الرمزيّة في حياة شخصٍ آخر، يتوهّم الإنسان أنّه يفعل ويؤثِّر،بينما هو ـ في الواقع ـ يخضع فقط، ويُصبح جزءاً من أولئك الذين يفعلون. أما السبيل الآخر فهو قدرته على التدمير، وهو السبيل الذي يهمّنا أكثر في هذا السياق.
أن يبعث المرء الحياة يعني أن يتجاوز وضعهُ كمخلوق رُميَ في العالم كما يُرمى نَردٌ من كأس. أمّا أن يُدمّرَ الحياة فيعني أيضاً أن يتجاوز المرء وَضعهُ ولكن في اتّجاه الهروب من معاناةِ سلبيّةٍ مُطلَقة لا يُمكن احتمالها. ولِبعث الحياة تحتاج لصفاتٍ معينة يفتقر الشخص العاجز إليها. أمّا لتدمير الحياة فلا يحتاج المرء إلا إلى صِفةٍ واحدة: استخدام القوّة. إذ يستطيع العاجز ـ في حال امتلاكه مُسَدّساً أو سكّيناً أو ذراعاً قويّاً ـ تجاوز الحياة عبرَ تدميرها في الآخَرين وفي نَفسه. وهو بهذا ينتقم منها لرفضها التواجد لديه. إنّ العنف التعويضي هو تماماً ذاك العنف الذي تكمن جذوره في العجز، والذي يسعى باستمرار لتعويضه. فالإنسان الذي لا يستطيع الخلق يقوم بالتدمير. وبقيامه بالخلق والتدمير يتجاوز دوره كمجرّد مخلوق. وقد عبّر كامو عن هذه الفكرة بإيجازٍ عندما قال على لسان "كاليغولا": "أنا أعيش، أنا أقتل، أنا أتمتع بالقوة المذهلة لقاتل،حيث لا تبدو قدرة الخالق ـ مقارنةً بها ـ سوى لعبةٍ طفولية". هذا هو عنف الكسيح العاجز، عنف مَن أنكرت الحياة عليهم أيّة قدرة على أي تعبير إيجابي عن طاقاتهم البشريّة. فهم بحاجة للتدمير تماماً بسبب كونهم بَشراً، باعتبار أنّ كونهم بشراً يعني تجاوز شيئيَّتهم.
ترتبط محاولة التحكّم المُطلَق والكامل بكائن حي آخَر ـ إنساناً كان أم حيواناً ـ بشكل وثيق بالعنف التعويضيّ. وهذا الميل هو جوهر الساديّة. ففي الساديّة ـ كما سبق وأشرت في كتابي "الهروب من الحريّة"8ـ ليست الرغبة بإيلام الآخرين هي الأساس. بل نلاحظ أن كل أشكال السادية المختلفة التي يمكن ملاحظتها تعود إلى دافعٍ جوهريٍ واحد هو: السيطرة التامّة على شخصٍ آخر، وجعله شيئاً عاجزاً أمام إرادتنا، أن نصبح إلهه، وأن نفعل به ما نريد. إن إذلال الشخص واستعباده، هما مجرّد وسيلتان لتحقيق هذه الغاية، والهدف الأكثر جذرية هو جعله يعاني، باعتبار أنه لا توجد قوّة تُفرَض على الفرد أعظم من إرغامه على الخضوع للمعاناة وهو مُجَردٌ من قدرته على الدفاع عن نفسه. إنّ متعة السيطرة المطلقة على شخصٍ آخر (أو مخلوق حي آخر) هي جوهر الدافع السادي تماماً. ويمكن التعبير عن ذلك بطريقةٍ أُخرى بقولنا إنّ هدف الساديّة هو تحويل إنسانٍ ما إلى شيء ما، أو تحويل شيء حي إلى غير حي، إذ بالتحكّم الكامل والمطلَق يفقد الكائن الحي صفة الحياة الجوهرية: الحُريّة.
وفي تجربتي السريرية كثيراً ما أواجه خبرات فقد الإيمان المتجذّرة هذه، وهي غالباً ما تُشكِّل الفكرة المتكررة الأكثر أهمّيّة في حياة الشخص. وهذا ينطبق أيضاً على الحياة الاجتماعيّة، حيث يثبت أنّ القادة الذين يثق المرء بهم هم أشرار أو غير كفوئين. وإذا لم يكن رد الفعل هو نحو مزيدٍ من الاستقلالية فسيكون غالباً نحو مزيدٍ من التدميرية والتشاؤمية.
وفي حين أنّ كل أشكال العنف هذه ما تزال تصبّ في خدمة الحياة سواء بشكلٍ واقعي أم سحريّ، أو على الأقل نتيجة لأذيّةٍ ما أو خيبةٍ ما في الحياة، فإنّ الشكل الآخر الذي سنناقشه هو "العنف التعويضيّ"، وهو شكلٌ أكثر مرضيّةً، وإن كان أقل كارثيّةً من النكروفيليا (حب الموت) الذي سنناقشه في الفصل الثالث.
أعني بـ "العنف التعويضيّ" العنف المستخدَم كبديل لِنشاطٍ مُنتجِ ظهر لدى شخصٍ عاجز.و لفهم مصطلح "العجز" كما استخدم هنا، يجب أن نُراجِع بعض الاعتبارات الأساسيّة. في حين أنّ الإنسان خاضع للقوى الطبيعية والاجتماعيّة التي تحكمه،و في نفس الوقت ليس فقط خاضعاً للظروف. فهو يتمتّع بالإرادة والقدرة والحرّيّة لتحويل العالَم وتغييره، ضمن حدودٍ مُعَيّنة. وما يهمّنا هنا ليس مجال الإرادة والحريّة6، بل حقيقة عدم قدرة الإنسان على احتمال السلبيّة المُطلَقة. فهو مُضطَرٌّ لترك بصمته في العالَم، ليُحَوِّل ويُغَيِّر، وليس فقط ليُحَوَّلويُغيَّر. لقد تمّ التعبير عن هذه الحاجات في الرسوم الكهفيّة القديمة، وفي كل الفنون وفي العمل، وفي الجنسيّة7(sexuality). إنّ كل هذه النشاطات هي نتيجة لقدرة الإنسان على توجيه إرادته نحوَ هدف، والمثابرة على جهوده حتّى تحقيق أهدافه. تُدعى قدرة الإنسان هذه على استخدام طاقاته بـ "الفعاليّة أو القُدرة potency". (تعتبر القدرة أو الفعالية الجنسيّة أحد أشكال القدرة فقط). فإذا كان الإنسان غير قادر على الفعل ـ لأسبابٍ عديدة: الضعف، القلق، أو عدم الكفاءة...إلخ ـ فإنّه سيُعاني. وهذه المعاناة الناتجة عن العجز مُتأصّلة في حقيقة أنّ التوازن البشري قد تمَّ الإخلال به، وأنّ الإنسان لا يستطيع قبول حالة العجز الكامل بدون أن يحاول استرداد قدرته على الفعل. ولكن: هل يستطيع، وكيف؟ إنّ أحد السُبُل هو أن يخضع للشخص أو الجماعة التي تتمتّع بالقوّة، ويحاول التماهي معهم. فبمشاركته الرمزيّة في حياة شخصٍ آخر، يتوهّم الإنسان أنّه يفعل ويؤثِّر،بينما هو ـ في الواقع ـ يخضع فقط، ويُصبح جزءاً من أولئك الذين يفعلون. أما السبيل الآخر فهو قدرته على التدمير، وهو السبيل الذي يهمّنا أكثر في هذا السياق.
أن يبعث المرء الحياة يعني أن يتجاوز وضعهُ كمخلوق رُميَ في العالم كما يُرمى نَردٌ من كأس. أمّا أن يُدمّرَ الحياة فيعني أيضاً أن يتجاوز المرء وَضعهُ ولكن في اتّجاه الهروب من معاناةِ سلبيّةٍ مُطلَقة لا يُمكن احتمالها. ولِبعث الحياة تحتاج لصفاتٍ معينة يفتقر الشخص العاجز إليها. أمّا لتدمير الحياة فلا يحتاج المرء إلا إلى صِفةٍ واحدة: استخدام القوّة. إذ يستطيع العاجز ـ في حال امتلاكه مُسَدّساً أو سكّيناً أو ذراعاً قويّاً ـ تجاوز الحياة عبرَ تدميرها في الآخَرين وفي نَفسه. وهو بهذا ينتقم منها لرفضها التواجد لديه. إنّ العنف التعويضي هو تماماً ذاك العنف الذي تكمن جذوره في العجز، والذي يسعى باستمرار لتعويضه. فالإنسان الذي لا يستطيع الخلق يقوم بالتدمير. وبقيامه بالخلق والتدمير يتجاوز دوره كمجرّد مخلوق. وقد عبّر كامو عن هذه الفكرة بإيجازٍ عندما قال على لسان "كاليغولا": "أنا أعيش، أنا أقتل، أنا أتمتع بالقوة المذهلة لقاتل،حيث لا تبدو قدرة الخالق ـ مقارنةً بها ـ سوى لعبةٍ طفولية". هذا هو عنف الكسيح العاجز، عنف مَن أنكرت الحياة عليهم أيّة قدرة على أي تعبير إيجابي عن طاقاتهم البشريّة. فهم بحاجة للتدمير تماماً بسبب كونهم بَشراً، باعتبار أنّ كونهم بشراً يعني تجاوز شيئيَّتهم.
ترتبط محاولة التحكّم المُطلَق والكامل بكائن حي آخَر ـ إنساناً كان أم حيواناً ـ بشكل وثيق بالعنف التعويضيّ. وهذا الميل هو جوهر الساديّة. ففي الساديّة ـ كما سبق وأشرت في كتابي "الهروب من الحريّة"8ـ ليست الرغبة بإيلام الآخرين هي الأساس. بل نلاحظ أن كل أشكال السادية المختلفة التي يمكن ملاحظتها تعود إلى دافعٍ جوهريٍ واحد هو: السيطرة التامّة على شخصٍ آخر، وجعله شيئاً عاجزاً أمام إرادتنا، أن نصبح إلهه، وأن نفعل به ما نريد. إن إذلال الشخص واستعباده، هما مجرّد وسيلتان لتحقيق هذه الغاية، والهدف الأكثر جذرية هو جعله يعاني، باعتبار أنه لا توجد قوّة تُفرَض على الفرد أعظم من إرغامه على الخضوع للمعاناة وهو مُجَردٌ من قدرته على الدفاع عن نفسه. إنّ متعة السيطرة المطلقة على شخصٍ آخر (أو مخلوق حي آخر) هي جوهر الدافع السادي تماماً. ويمكن التعبير عن ذلك بطريقةٍ أُخرى بقولنا إنّ هدف الساديّة هو تحويل إنسانٍ ما إلى شيء ما، أو تحويل شيء حي إلى غير حي، إذ بالتحكّم الكامل والمطلَق يفقد الكائن الحي صفة الحياة الجوهرية: الحُريّة.
Page 8
إنّ من اختبرَ بالكامل شدّة وتواتر العنف التدميري والسادي لدى الأفراد والجماعات، هو وحده من يمكنه أن يفهم أنّ العنف التعويضي ليس بالأمر السطحيّ، ولا بنتيجة عرضية لتأثيرات شريرة، أو عادات سيّئة، وإلى ما هنالك من هذه التعابير. بل هو طاقة لدى الإنسان توازي قوّتها وشدّتها قوّة وشدّة رغبته بالحياة. وهي قويّة إلى هذا الحَد تماماً بسبب كونها تُمَثّل ثورة الحياة بداخله ضدّ عجزه. فالإنسان يمتلك قدرةً على العنف التدميري والساديّ بسبب كونه إنساناً، وليس شيئاً، ولأنّه يتوجّب عليه تدمير الحياة إذا لم يستطع خلقها.و قد يُمثّل المسرح الروماني، الذي ينال فيه آلاف الناس العاجزين متعتهم القصوى برؤيتهم إنساناً تفترسه الوحوش أو يقتل إنساناً آخر، ذروة الحالة الساديّة.
من هذه الاعتبارات نستقي شيئاً آخر. إنّ العنف التعويضيّ هو النتيجة الضرورية لحياةٍ غير مُعاشة، وكسيحة. وقد يتم كبحه عبر الخوف من العقاب، كما قد يمكن تحريفه بكل أشكال الاستعراضات والتسلية. ومع ذلك يبقى كامناً في كامل قوّته، وسوف يظهرُ مُجَدّداً في أي وقتٍ تضعُفُ فيه القوّة الكابحة. أمّا العلاج الوحيد للتدميرية التعويضيّة فهو تطوير القدرة الخلاقة في الإنسان، وإمكانيّة الاستخدام المنتج لطاقاته البشريّة. لن يتوقّف الإنسان عن كونه مُدمّراً وساديّاً ما لم يتوَقّف عن كونه عاجزاً، ووحدها الشروط التي تجعل الإنسان مهتماً بالحياة هي التي ستطيح بتلك النزوات التي لطّخَت تاريخنا البشريّ بكل ذاك العار. من هنا نلاحظ: العنف التعويضي ليس في خدمة الحياة ـ كما هي الحال في العنف الارتكاسي ـ بل هو البديل المَرَضي للحياة، وهو يدلّ على عجز الحياة وفراغها. إلا أنّه حتى في نفيه الشديد هذا للحياة، لا يثبت سوى حاجة الإنسان إلى الحيويّة وعدم العجز.
إنّ نمط العنف الأخير الذي سنشرحه هو "التعطّش البدائي للدم". وهذا ليس بعنف العجز، بل هو التعطّش الدموي لإنسانٍ ما يزال مُكَبّلاً بارتباطه بالطبيعة. في داخله رغبة للقتل كطريقٍ لتجاوز الحياة، بقدر الخوف الذي في داخله من المضيّ قُدماً والتحوّل إلى كائنٍ بشريٍّ كامل (وهو خيار سأناقشه لاحقاً). وفي الإنسان الذي يسعى خلف معنى للحياة من خلال الرجوع إلى حالة وجودٍ قبل فرديّة، وعبر التحوّل إلى ما يشبه الحيوان ـ وليتحرّر بذلك من عبء العقل والمنطق ـ يصبح "الدم" جوهر الحياة. ويغدو سفك الدم مرادفاً للإحساس بالحيويّة والقوّة والفرادة والتفوّق على الآخرين. ويغدو القتل هو التطهير الأعظم، وإثبات الذات الأعظم في المستوى الأكثر قِدَماً. في المقابل، أن تُقتَل هو البديل المنطقي الوحيد للقتل، وهو التوازن في الحياة وفقاً للمفهوم القديم: أن تقتل بقدر ما تستطيع، وعندما تُشبع حياتكَ بالدّم تصبح جاهزاً لتُقتَل أنت بدورك. والقتل بهذا المعنى ليس في جوهره حبّاً بالموت، بل هو إثبات وتجاوز للحياة وفق مستوىً أكثر تقهقراً ونكوصاً.ويمكننا ملاحظة هذا العطش الدموي لدى الأفراد أحياناً في تخيّلاتهم وأحلامهم، وأحياناً في حالات المرض العقلي الشديد والإجرام. كما يمكن أن نلاحظه أحياناً قليلة في أوقات الحرب ـ سواء الأهلية أم العالميّة ـ عندما يتم تخطّي المحرّمات الاجتماعيّة الطبيعية. كما نلاحظه في المجتمع القديم، الذي كان القتل (أو التعرّض للقتل) فيه هو القطبيّة التي تحكم الحياة. ويمكن أن نلاحظ هذا أيضاً في ظاهرة مثل التضحية البشريّة لدى "الآزتك"، وفي الانتقام الدموي الذي مورِس في أماكن مثل الجبل الأسود9وكورسيكا، وفي دور الدم كتضحية في سبيل الله في العهد القديم. وتعتبر قصّة "غوستاف فلوبير" القصيرة "أسطورة القدّيس جوليان الاسبيتاري"10وصفاً شديد الوضوح لمتعة القتل. حيث يصف فلوبير رجُلاً ظهرت نبوءة عنه عند ولادته أنه سيُصبح فاتحاً عظيماً وقدّيساً عظيماً. يكبر هذا الشخص كطفلٍ عادي حتى أتى يوم اكتشف فيه متعة القتل. فأثناء خدمته في الكنيسة لاحَظ فأراً صغيراً يعدو مسرعاً عبر ثقب في الجدار. وقد أثار ذاك الفأر غضبه، وصمّم على التخلّص منه بنفسه. وهكذا، بعد أن أغلقَ الباب نثر بعض فتات الكعك على مسار المذبح، وانتظر أمام الثقب وفي يده عود صغير. وبعد انتظارٍ طويل ظهر أنفٌ ورديّ صغير، ثم َّ ظهر الفأر كلّه. ضربه بقوّةٍ كبيرة ووقف يراقب الجسم الصغير الذي غدا بلا حراك. سقطت قطرة دم ولوّثت البلاط. فقامَ بمسحها بسرعة بكمّه، رامياً الفأر للخارج بدون أن يخبر أحداً عن أي شيء. ولاحقاً أثناء خنقه لطائر "تلوى الطائر،جاعلاً قلبه يخفق بشدّة، مالئاً إيّاه بنشوةٍ وحشيّة عارمة". وباختباره عظمة إراقة الدّم أصبحَ مهووساً بقتل الحيوانات. لم يكن هناك أي حيوانٍ قويٌ أو مراوغ بما يكفي لينجو منه. لقد أصبحت إراقة الدم أكبرَ إثباتٍ لذاته وطريقه الوحيد لتجاوز الحياة كلّها. لسنواتٍ طويلة بقي قتل الحيوانات متعته وشغفه الوحيد. كان يعود ليلاً "مغطّى بالدّم والوحل تفوح منه رائحة الوحوش البريّة. وقد أصبح مثلها". لقد حقّق تقريباً هدفه في التحوّل إلى حيوان، إلا أنّه بحكم كونه بشريّاً لم يستطع تحقيق ذلك تماماً. وظهر صوتٌ في داخله يخبره أنّه في النهاية سيقتل أمّه وأباه.و لشدّة خوفه هرب من القلعة، متوقّفاً عن قتل الحيوانات، ليُصبح بدلاً من ذلك قائد جيشٍ شهيرٍ ومرهوب الجانب. وكمكافأةٍ على إحدى انتصاراته العظيمة تمّ وهبه امرأةً محبّةً وباهرة الجمال. فترك مهنته كمحارب، واستقرّ معها في حياةٍ تبدو كالنعيم. إلا أنّه بقي مع ذلك ضَجِراً ومكتئباً. وفي أحد الأيام عاد من جديد للصّيد، إلا أنّ قوّةً ما جعلت رمياته تخيب. وظهرت من جديد الحيوانات التي كان قد اصطادها، وشكّلت حلقةً حوله.كما جلس بعضها على وركيه، في حين وقف غيرها منتصباً. كان جوليان ـ وهو واقف في منتصف الحلقة بين الحيوانات ـ متجمّداً من الرعب، غير قادرٍ على القيام بأيّة حركة". وحينئذٍ قرّر العودة لزوجته وقلعته. وفي أثناء ذلك كان والداه قد عادا إلى القلعة وقد قدّمت زوجته لهما سريرها الخاص. ومعتقداً أنهما زوجته الحبيبة، قام بذبحهما كليهما. وبنكوصه إلى الدرَك الأسفل وقعَت الواقعة. أصبح جوليان قدّيساً مكرّساً حياته للفقراء والمرضى، ليعانق في النهاية مجذوماً محاولاً منحه الدفء، "وارتقى جوليان المدى الأزرق، وجهاً لوجه مع السيّد المسيح، الذي حمله نحو السّماء".
يصف فلوبير في هذه القصّة جوهر التعطّش للدم. إنّه الانتشاء بالحياة في شكلها الأكثر قِدَماً.
وبالتالي، بعد أن يبلغ الشخص أقدم مستويات ارتباطه بالحياة، يتمكّن من العودة إلى أعلى مستوى تطوّري، إلى مستوى إثبات الحياة بإنسانيّته. ومن الهام أن نلاحظ هنا أنّ هذا التعطّش للقتل ـ كما سبَقَ وذَكَرت ـ مُختَلِفٌ عن حب الموت، الذي وصفته في الفصل الثالث. فالدم هنا يُختَبَرُ باعتبارهِ جوهر الحياة. وأن تُريق دم شخصٍ آخر يعني أن تُزوّد الأرض الأم بما تحتاجه لتصبح خصبةً. (قارِن ذلك مع اعتقاد الآزتك بضرورة إراقة الدّم كشرطٍ لاستمرار عمل الكون، أو قصّة قابيل وهابيل). ويصحُّ ذلك حتى على إراقة المرء دمه هو، حيث يخصب الأرض، ويَتّحِدُ بها.
يبدو أنه عند هذا المستوى من النكوص يغدو الدم مكافئاً للسائل المنوي. والأرض مكافئةً للمرأة ـ الأم. وتعبِّر النطاف ـ البيوض عن قطبيّة الذكَر ـ الأنثى، وهي قطبيّةٌ تصبح مركزيّة ًفقط عندما يبدأ الإنسان بالظهور من الأرض بشكلٍ كامل، إلى حَدٍّ تصبح فيه المرأة موضوعاً للرغبة والحب11. تنتهي إراقة الدّم بالموت. في حين تنتهي إراقة النطاف بالولادة. إلا أنّ هدف الأوّل هو ـ كما الثاني ـ إثبات الحياة، وإن كان ذلك بالكاد فوق مستوى الوجود الحيواني. وهنا سيصبح القاتل هو المُحِب إذا تمَكّنَ من الولادة الكاملة، وتخلّص بالكامل من ارتباطه بالأرض، وأخيراً: إذا تخطّى نرجسيّته. ومع ذلك لا يمكننا أن ننكر أنّه إذا ما كان عاجزاً عن ذلك، فستحتجزه نرجسيّته وتعلّقه البدائي في طريق حياةٍ قريبٍ جدّاً من طريق الموت، إلى حد يغدو معه التمييز بين المتعطِّش للدّم ومُحِب الموت شبه مستحيل.
من هذه الاعتبارات نستقي شيئاً آخر. إنّ العنف التعويضيّ هو النتيجة الضرورية لحياةٍ غير مُعاشة، وكسيحة. وقد يتم كبحه عبر الخوف من العقاب، كما قد يمكن تحريفه بكل أشكال الاستعراضات والتسلية. ومع ذلك يبقى كامناً في كامل قوّته، وسوف يظهرُ مُجَدّداً في أي وقتٍ تضعُفُ فيه القوّة الكابحة. أمّا العلاج الوحيد للتدميرية التعويضيّة فهو تطوير القدرة الخلاقة في الإنسان، وإمكانيّة الاستخدام المنتج لطاقاته البشريّة. لن يتوقّف الإنسان عن كونه مُدمّراً وساديّاً ما لم يتوَقّف عن كونه عاجزاً، ووحدها الشروط التي تجعل الإنسان مهتماً بالحياة هي التي ستطيح بتلك النزوات التي لطّخَت تاريخنا البشريّ بكل ذاك العار. من هنا نلاحظ: العنف التعويضي ليس في خدمة الحياة ـ كما هي الحال في العنف الارتكاسي ـ بل هو البديل المَرَضي للحياة، وهو يدلّ على عجز الحياة وفراغها. إلا أنّه حتى في نفيه الشديد هذا للحياة، لا يثبت سوى حاجة الإنسان إلى الحيويّة وعدم العجز.
إنّ نمط العنف الأخير الذي سنشرحه هو "التعطّش البدائي للدم". وهذا ليس بعنف العجز، بل هو التعطّش الدموي لإنسانٍ ما يزال مُكَبّلاً بارتباطه بالطبيعة. في داخله رغبة للقتل كطريقٍ لتجاوز الحياة، بقدر الخوف الذي في داخله من المضيّ قُدماً والتحوّل إلى كائنٍ بشريٍّ كامل (وهو خيار سأناقشه لاحقاً). وفي الإنسان الذي يسعى خلف معنى للحياة من خلال الرجوع إلى حالة وجودٍ قبل فرديّة، وعبر التحوّل إلى ما يشبه الحيوان ـ وليتحرّر بذلك من عبء العقل والمنطق ـ يصبح "الدم" جوهر الحياة. ويغدو سفك الدم مرادفاً للإحساس بالحيويّة والقوّة والفرادة والتفوّق على الآخرين. ويغدو القتل هو التطهير الأعظم، وإثبات الذات الأعظم في المستوى الأكثر قِدَماً. في المقابل، أن تُقتَل هو البديل المنطقي الوحيد للقتل، وهو التوازن في الحياة وفقاً للمفهوم القديم: أن تقتل بقدر ما تستطيع، وعندما تُشبع حياتكَ بالدّم تصبح جاهزاً لتُقتَل أنت بدورك. والقتل بهذا المعنى ليس في جوهره حبّاً بالموت، بل هو إثبات وتجاوز للحياة وفق مستوىً أكثر تقهقراً ونكوصاً.ويمكننا ملاحظة هذا العطش الدموي لدى الأفراد أحياناً في تخيّلاتهم وأحلامهم، وأحياناً في حالات المرض العقلي الشديد والإجرام. كما يمكن أن نلاحظه أحياناً قليلة في أوقات الحرب ـ سواء الأهلية أم العالميّة ـ عندما يتم تخطّي المحرّمات الاجتماعيّة الطبيعية. كما نلاحظه في المجتمع القديم، الذي كان القتل (أو التعرّض للقتل) فيه هو القطبيّة التي تحكم الحياة. ويمكن أن نلاحظ هذا أيضاً في ظاهرة مثل التضحية البشريّة لدى "الآزتك"، وفي الانتقام الدموي الذي مورِس في أماكن مثل الجبل الأسود9وكورسيكا، وفي دور الدم كتضحية في سبيل الله في العهد القديم. وتعتبر قصّة "غوستاف فلوبير" القصيرة "أسطورة القدّيس جوليان الاسبيتاري"10وصفاً شديد الوضوح لمتعة القتل. حيث يصف فلوبير رجُلاً ظهرت نبوءة عنه عند ولادته أنه سيُصبح فاتحاً عظيماً وقدّيساً عظيماً. يكبر هذا الشخص كطفلٍ عادي حتى أتى يوم اكتشف فيه متعة القتل. فأثناء خدمته في الكنيسة لاحَظ فأراً صغيراً يعدو مسرعاً عبر ثقب في الجدار. وقد أثار ذاك الفأر غضبه، وصمّم على التخلّص منه بنفسه. وهكذا، بعد أن أغلقَ الباب نثر بعض فتات الكعك على مسار المذبح، وانتظر أمام الثقب وفي يده عود صغير. وبعد انتظارٍ طويل ظهر أنفٌ ورديّ صغير، ثم َّ ظهر الفأر كلّه. ضربه بقوّةٍ كبيرة ووقف يراقب الجسم الصغير الذي غدا بلا حراك. سقطت قطرة دم ولوّثت البلاط. فقامَ بمسحها بسرعة بكمّه، رامياً الفأر للخارج بدون أن يخبر أحداً عن أي شيء. ولاحقاً أثناء خنقه لطائر "تلوى الطائر،جاعلاً قلبه يخفق بشدّة، مالئاً إيّاه بنشوةٍ وحشيّة عارمة". وباختباره عظمة إراقة الدّم أصبحَ مهووساً بقتل الحيوانات. لم يكن هناك أي حيوانٍ قويٌ أو مراوغ بما يكفي لينجو منه. لقد أصبحت إراقة الدم أكبرَ إثباتٍ لذاته وطريقه الوحيد لتجاوز الحياة كلّها. لسنواتٍ طويلة بقي قتل الحيوانات متعته وشغفه الوحيد. كان يعود ليلاً "مغطّى بالدّم والوحل تفوح منه رائحة الوحوش البريّة. وقد أصبح مثلها". لقد حقّق تقريباً هدفه في التحوّل إلى حيوان، إلا أنّه بحكم كونه بشريّاً لم يستطع تحقيق ذلك تماماً. وظهر صوتٌ في داخله يخبره أنّه في النهاية سيقتل أمّه وأباه.و لشدّة خوفه هرب من القلعة، متوقّفاً عن قتل الحيوانات، ليُصبح بدلاً من ذلك قائد جيشٍ شهيرٍ ومرهوب الجانب. وكمكافأةٍ على إحدى انتصاراته العظيمة تمّ وهبه امرأةً محبّةً وباهرة الجمال. فترك مهنته كمحارب، واستقرّ معها في حياةٍ تبدو كالنعيم. إلا أنّه بقي مع ذلك ضَجِراً ومكتئباً. وفي أحد الأيام عاد من جديد للصّيد، إلا أنّ قوّةً ما جعلت رمياته تخيب. وظهرت من جديد الحيوانات التي كان قد اصطادها، وشكّلت حلقةً حوله.كما جلس بعضها على وركيه، في حين وقف غيرها منتصباً. كان جوليان ـ وهو واقف في منتصف الحلقة بين الحيوانات ـ متجمّداً من الرعب، غير قادرٍ على القيام بأيّة حركة". وحينئذٍ قرّر العودة لزوجته وقلعته. وفي أثناء ذلك كان والداه قد عادا إلى القلعة وقد قدّمت زوجته لهما سريرها الخاص. ومعتقداً أنهما زوجته الحبيبة، قام بذبحهما كليهما. وبنكوصه إلى الدرَك الأسفل وقعَت الواقعة. أصبح جوليان قدّيساً مكرّساً حياته للفقراء والمرضى، ليعانق في النهاية مجذوماً محاولاً منحه الدفء، "وارتقى جوليان المدى الأزرق، وجهاً لوجه مع السيّد المسيح، الذي حمله نحو السّماء".
يصف فلوبير في هذه القصّة جوهر التعطّش للدم. إنّه الانتشاء بالحياة في شكلها الأكثر قِدَماً.
وبالتالي، بعد أن يبلغ الشخص أقدم مستويات ارتباطه بالحياة، يتمكّن من العودة إلى أعلى مستوى تطوّري، إلى مستوى إثبات الحياة بإنسانيّته. ومن الهام أن نلاحظ هنا أنّ هذا التعطّش للقتل ـ كما سبَقَ وذَكَرت ـ مُختَلِفٌ عن حب الموت، الذي وصفته في الفصل الثالث. فالدم هنا يُختَبَرُ باعتبارهِ جوهر الحياة. وأن تُريق دم شخصٍ آخر يعني أن تُزوّد الأرض الأم بما تحتاجه لتصبح خصبةً. (قارِن ذلك مع اعتقاد الآزتك بضرورة إراقة الدّم كشرطٍ لاستمرار عمل الكون، أو قصّة قابيل وهابيل). ويصحُّ ذلك حتى على إراقة المرء دمه هو، حيث يخصب الأرض، ويَتّحِدُ بها.
يبدو أنه عند هذا المستوى من النكوص يغدو الدم مكافئاً للسائل المنوي. والأرض مكافئةً للمرأة ـ الأم. وتعبِّر النطاف ـ البيوض عن قطبيّة الذكَر ـ الأنثى، وهي قطبيّةٌ تصبح مركزيّة ًفقط عندما يبدأ الإنسان بالظهور من الأرض بشكلٍ كامل، إلى حَدٍّ تصبح فيه المرأة موضوعاً للرغبة والحب11. تنتهي إراقة الدّم بالموت. في حين تنتهي إراقة النطاف بالولادة. إلا أنّ هدف الأوّل هو ـ كما الثاني ـ إثبات الحياة، وإن كان ذلك بالكاد فوق مستوى الوجود الحيواني. وهنا سيصبح القاتل هو المُحِب إذا تمَكّنَ من الولادة الكاملة، وتخلّص بالكامل من ارتباطه بالأرض، وأخيراً: إذا تخطّى نرجسيّته. ومع ذلك لا يمكننا أن ننكر أنّه إذا ما كان عاجزاً عن ذلك، فستحتجزه نرجسيّته وتعلّقه البدائي في طريق حياةٍ قريبٍ جدّاً من طريق الموت، إلى حد يغدو معه التمييز بين المتعطِّش للدّم ومُحِب الموت شبه مستحيل.